مصر الحبيسة فى التابوت .. مَن المسؤول عن فضيحة الاستكشاف الهزلى للتابوت؟

المقال - كريم البكرى

مَن المسؤول عن فضيحة الاستكشاف الهزلى للتابوت؟ ولماذا لم يتم بث عملية فتح التابوت على الهواء مباشرة؟ متى تحافظ مصر على آثارها من التهريب أو الإهمال وسوء المعاملة؟

«مصر تحسم جدل سائل تابوت الإسكندرية الأحمر».. هذا العنوان منذ أن تقرأه على رأس خبر بشبكة «سكاى نيوز» إلا وتشعر أنك أمام حدث جلل واكتشاف يستحق الإثارة التى يحملها الخبر، ولكن للأسف بعد السطور الأولى سيكتشف القارئ أنه لا جدل ولا يحزنون، بل إن السائل الأحمر هو «مياه صرف صحى» تسربت إلى داخل التابوت، أو بالبلدى وكما ردد علماء الآثار المسؤولون عن استكشاف التابوت «مجارى».


«سكاى نيوز» نجحت فى ما فشلنا نحن فيه، فهى على الأقل استطاعت جذب القرّاء بهذا العنوان، بينما نحن رغم امتلاكنا الاكتشاف الأثرى برمته فإننا لم نستطع استثماره بالشكل المرجو.


المشهد لم يكن احترافيًّا من البداية، ففى الأول من الشهر الجارى أعلنت وزارة الآثار عبر صفحتها الرسمية العثور على تابوت من الجرانيت الأسود فى منطقة سيدى جابر بالإسكندرية، فى أثناء عمليات إلقاء أساسات عقار جديد، وظل الأمر خامدًا حتى أيقظته صفحات السوشيال ميديا التى أدركت اهتمام العالم الخارجى بالاكتشاف الأثرى، وربطه باحتمالية العثور على مقبرة الإسكندر الأكبر، ما دفع خبراء الآثار للظهور عبر الشاشات والتحدث عن التابوت وتوقعاتهم وتحديد موعد استكشافه.


20 يومًا تفصل اكتشاف التابوت عن استكشافه، وللأسف خلال هذه المدة لم يتم الترويج للحدث بأية طريقة ممكنة، وربما لم يسمع كثيرون عنه حتى لحظتنا هذه، وأجزم أنه لولا الضغط الإعلامى الذى مارسته السوشيال ميديا لكان التابوت مغلقًا حتى يومنا هذا، والسؤال إذن: لماذا أخَّرنا فتح التابوت إذا كنا لا نمتلك أية خطة للترويج له أو استغلاله إعلاميًّا وسياحيًّا؟


توقعات فحوى التابوت كانت محدودة، فإما أن يحوى داخله اكتشافًا أثريًّا ضخمًا يهز العالم ويجذب أنظاره عنوةً، وإما أن يصبح هو ذاته الاكتشاف ويكون فارغًا من الداخل، أو أن نعثر داخله على أشياء ربما ليست قيّمة ماديًّا ولكنها تدعم مكانة مصر التاريخية والثقافية، ولكن غياب الاحترافية فى معالجة القضية، والناتج عن غياب نظام محدد لاستكشاف الآثار والاستفادة منها، جعلنا أمام هذا المشهد المتخبط.
يوم استكشاف التابوت لم يكن يضاهى الاهتمام الإعلامى العالمى بالحدث، وانتشار نبوءة أنه سيتسبب فى ظلام أبدى كلعنة فتحه، فالوزارة أحاطت موقع التابوت بأقمشة خيامية حمراء اللون وكأنه «فرح شعبى» وليس كشفًا أثريًّا،

مثلما نزل العلماء للموقع بزيّهم الطبيعى وبناطيلهم الجينز، وسرعان ما غادروا الموقع بسبب «سوء الرائحة» التى انبعثت من التابوت!
ألم يتوقع الخبراء أن 2000 عام قد تكون كافية لتكوين روائح سيئة؟

هل من الصح فتح التابوت فى مكان مغلق، ومن ثَمَّ الخروج بسبب الرائحة؟

وهل من المنطقى افتتاح تابوت دون ارتداء بِدلًا مخصصة لذلك مثل التى يرتديها مفككو القنابل؟


ورغم أن محتوى التابوت كان ضئيلًا يتمثل فى ثلاث مومياوات، فإن اهتمام العالم لم ينقطع، فسرعان ما انصب اهتمام الإعلام الأجنبى على السائل الأحمر الموجود فى التابوت، وبعض الأصوات اعتبروه «الزئبق الأحمر»،

ولكن المسؤول المصرى كان بالمرصاد لهذا الاهتمام وقرر هدمه شر هدم.. فلم يتردد مصطفى وزيرى أمين عام المجلس الأعلى للآثار، للتصريح بأن السائل الأحمر الذى يشغل بال العالم كان «مياه مجارى»، ليس ذلك فقط بل تم سحب هذه المياه بمضخات وإلقائها فى الشارع عن طريق «جراكن».. فهل هذا السلوك يليق بالمشهد والكشف والاهتمام الإعلامى العالمى؟


تصريحات الوزيرى لم تقف عند هذا الحد، بل إنه منذ خروجه من المقبرة قال إن تصوره الأولِى يرجح أن المومياوات تعود إلى «عسكريين»، نظرًا لملامح الوجه الحادة التى تنم عن «الشهامة والصلابة» واحتمالية إصابة أحدهم بنصل فى رأسه، وما سبق ما هو إلا محض تحليل عشوائى سريع -حتى إن صح- لا يليق بالحدث، فلماذا تسرع المسؤول فى الإعلان عن تصوره المبدئى؟

ولماذا لم ينتظر نتيجة الفحص الدقيق للمومياوات حتى يقدم للمشاهدين وللعالم أجمع تقريرًا شاملًا عن قصة التابوت، منذ اكتشافه مرورًا باستكشافه وصولًا للتعرف على هوية المومياوات الموجودة به.
فى واقعة تابوت الإسكندرية العالم أجمع نظر صوب مصر، فالصحافة العالمية روّجت لنا، بينما نحن تدارينا داخل تابوت جهلنا وتخلفنا، ورفضنا بث عملية استكشاف التابوت على الهواء مباشرة، وأصوات كثيرة تؤيد هذا الطرح، نظرًا لمحتوى المقبرة الضئيل، مثل العالم الكبير زاهى حواس الذى اعتبر أن بث عملية فتح التابوت للعالم أمر سيكون أشبه بـ«الفضيحة» كونه تابوتًا غير ملكى فى مقبرة وصفها بـ«الفقيرة».


ولكن الفقر الحقيقى يكمن فى عقولنا وعدم قدرتنا على استثمار الاكتشافات وتعظيمها والاستفادة من اهتمام العالم بنا.
كان يجب نقل التابوت أولًا إلى مكان ملائم، ومن ثَمَّ فتحه بشكل احترافى على يد نخبة من الخبراء فى ظل حضور منظم لوكالات أنباء عالمية ومحلية، ثم تحليل محتوياته فى معامل مختصة وإصدار تقارير دورية مُحدثة عن نتيجة التحاليل، ثم نقل التابوت -بشكل احترافى وترويجى أيضًا- لأحد المتاحف أو الأماكن الأثرية ودعوة الجمهور لزيارته، استثمارًا للصخب الإعلامى الذى أثاره والشهرة التى حققها فى أيام معدودات.
ولكن للأسف العلماء المصريون تفننوا فى «التسفيه» من قيمة الاكتشاف، واعتبروا أنه لا يستحق هذا الاهتمام، وغالبًا حطَّموا الدعاية التى فجرها الإعلام الأجنبى والسوشيال ميديا.


غياب الاحترافية المصرية، والتدهور الثقافى، وغياب الانفتاح على العالم، وتراجع العقول المسؤولة، كلها أمور حولت «تابوت الإسكندرية» من حديث العالم أجمع وتوقعات بأن يكون مقبرة الإسكندر الأكبر وأقاويل عن اللعنة المصاحبة له والظلام الذى سيعم على الأرض، إلى «تابوت مجارى» يحتوى على مومياوات عسكريين فى مقبرة فقيرة خالية من النقوش أو الكنوز ولا تستحق البث المباشر وإلا أصبحت «فضيحة».. وللأسف تعاملنا الجاهل مع الحدث هو الفضيحة ذاتها.
فضيحة سوء التعامل مع التابوت لم تكن الأولى من نوعها، ففى أكتوبر 2014 كانت الفضيحة الأبرز –آنذاك- بشأن لصق ذقن قناع توت عنخ آمون الذهبى بمادة الإيبوكسى التى سببت قشورًا شوّهت القناع، ومن ثَمَّ تم إرساله إلى ألمانيا من أجل الترميم، وكان احتفاء الجانب الألمانى بوجود توت عنخ آمون على أرضهم يعكس الفارق بين العقليتين المصرية والألمانية، فنحن مَن أهملناه وهم مَن سيصلحونه، رغم كوننا أحفاده والأحق بالحفاظ عليه.


آنذاك.. صرَّح الخبير الألمانى كريستيان إكمان، رئيس فريق العمل المصرى الألمانى المشارك فى عمليات ترميم قناع الملك «توت عنخ آمون»، بأن المادة اللاصقة التى تم استخدامها لتثبيت ذقن القناع تم تصنيعها خصيصًا للقناع عبر شركة «هنكل»، نظرًا لأنها تتميز بتكنولوجيا ومواصفات خاصة ودقيقة تتناسب مع طبيعة الآثار المصرية الفريدة، موضحًا أن المادة اللاصقة تتميز بالتركيب الكيميائى الثابت، الذى لا يتحلل أو يتغير بمرور الزمن فى ظروف حفظ وعرض الآثار بالمتاحف والمناطق الأثرية، بما يضمن عنصر الأمان والحفاظ على قيمته الأثرية النادرة، لافتًا إلى كثرة التجارب التى أجريت من أجل ضمان سلامة القناع.


بعدما أنهى الجانب الألمانى عمليات الترميم، ظهر فريق المرممين على التليفزيون الرسمى يحكون عن تجربتهم فى إعادة بهاء القناع مرة أخرى، والحرص على أن يعيش 7000 عام جديدة، فى تصريحات تكشف مدى التراجع العلمى والإنسانى الذى وصلنا إليه.


وللأسف.. مصر سبقت دول العالم فى سَن تشريعات وقوانين لحماية الآثار قبل 177 عامًا، إلا أن بعض تلك القوانين هى التى مكنت الأجانب من تملك كثير من القطع الأثرية المصرية، فكل بلدان العالم تتزين بتاريخنا، وربما ننتفض كمصريين وندافع عن حضارتنا المهربة للخارج، بينما لا نستطيع المحافظة عليها والاحتفاء بها فى الداخل.
الأزمة أزمة جهل وعدم موضوعية، فنحن –حكومة وشعبًا- نجهل القيمة الحقيقية للحضارة المصرية، لا نستطيع الحفاظ على الآثار بعصورها الفرعونية والقبطية والرومانية والفاطمية والإسلامية، لا نستطيع الترويج للدولة عبر هذه الكنوز، وللأسف لا نمتلك خطة سواء على المدى القصير أو الطويل للاستفادة منها.
قد نكون استطعنا إخراج المومياوات من تابوت الإسكندرية، ولكننا لم نستطع إخراج أنفسنا من تابوت الجهل وعدم الاحترافية، أتمنى أن نخرج من تابوتنا المظلم سريعًا ولا ننتظر 2000 عام مثلما انتظرت المومياوات.

تعليقات القراء