"أم درمان" وخناقة أمن الدولة.. تغييب الرئيس

 "أم درمان" وخناقة أمن الدولة.. تغييب الرئيس

بقلم/ فتحي سليمان 

 لم تكن الأمور تسير على ما يرام، في الغرف المغلقة فقط كان الجميع يعرف إرهاصات ما يحدث، كتب أحدهم تقريره الذي أكد فيه بشدة رفضه التام، وأن كارثية الوضع أكبر من مجرد التصريحات المعسولة والدبلوماسية الوردية التي لا يتخطى تأثيرها مجرد رائحة حبر على صفحات الجرائد ومقالات الساسة ولقاءات كبار رجالات الدولة.
 
بينما كان الحزب الوطني ووكالة طارق نور للإعلان تجهزان لرحلات الجماهير الترفيهية لمشاهدة المباراة التاريخية الفاصلة بين مصر والجزائر المقامة في استاد أم درمان بالعاصمة السودانية الخرطوم في 18 نوفمبر 2009، كتب القيادي بجهاز أمن الدولة "ح ن" تقريره الرافض لإرسال تلك النوعية من جماهير (الصفوة والفنانين والسياسيين ورجال أعمال) إلى تلك الموقعة مؤكدًا في تقريره أن المعلومات الأوليّة تُشير إلى كارثة حتمًا ستحدث بعد حرب التلاسن والتوعد والتهييج للجزائريين.
 
لم يتوقف التقرير عند التنبؤ والتوقع، بل أورد بعبارات شديدة الحذر معلومات عن رعاية مسئولين جزائريين وقيادات عليا في "قصر المرادية" لعملية انتقام الجماهير الجزائرية الغاضبة ونشرها بجميع شوارع السودان، ووصول نسبة الإشغال في فنادق الخرطوم ومنازلها المؤجرة لـ 90%، من الجزائريين قبيل موعد المباراة بـ 48 ساعة فقط.
 
تخطى الأمر تلك التحذيرات المبنية على تقرير ضابط رفيع في جهاز أمني معلوماتي يرتب وينسق وينظم ويتولى مفاصل الدولة ويدير أركانها، بل وصل إلى "خناقة" في اجتماع يديره اللواء حسن عبدالرحمن، رئيس الجهاز الأسبق مطالبًا إياه بضرورة تدخل الرئيس مبارك فورًا لمنع تلك الكارثة التي بدأت إرهاصاتها بتجمع المشجعين الجزائريين في سفارة الجزائر بعد لقاء العودة بالقاهرة، وامتناع مسئولي السفارة عن إعادتهم سوى بطائرات جزائرية حربية من مطار القاهرة، وهو ما رضخت السلطات المصرية واستجابت له وبالفعل حضرت طائرتان حربيتان إلى مطار القاهرة، لنقل "أنصار" المنتخب الأخضر والذين وصل عددهم لـ 2000 جزائري دون تفتيش أو استيقاف أمني رغم حمل بعضهم "سنج"، وسكاكين وأسلحة بيضاء، لإعادتهم إلى الجزائر، غير أن الطائرتين غيرتا مسارهما إلى الخرطوم.
 
الرئيسان بوتفليقة ومبارك، كلٌّ منهما لديه ما يشغله، ففي الوقت الذي رفعت فيه أجهزة الأمن المصرية تقريرها إلى الثاني و"ركنه" بجواره دون إبداء مجرد رأيه، كان الأول يرسل مندوبيه إلى السفارة الجزائرية في القاهرة مشددًا على عمل جميع التسهيلات لرعاياه بمصر والسودان، موجهًا بفتح الخطوط الجوية لجماهيره الغاضبة والسماح بسفرهم لحضور الموقعة الفاصلة.
 
"بوتفليقة" الذي تدخل وأسقط الحكم القضائي ضد الأخضر بلومي في واقعة فقء عين مشجع مصري عقب مباراة 1989، بطريقة الاعتذار رسميًّا إلى الدولة المصرية في 2009 كانت تشغله جيدًا موقعة أم درمان وأرسل عينة ليست قليلة من البلطجية إلى الخرطوم وجرت جميع الترتيبات اللازمة لتلقين المصريين الدرس.
 
انطلقت المباراة وبدأ معها حصار جماهير "الصفوة" برعاية الحزب الوطني، والتي جرى اختيارها بشكل يخضع للمجاملات والمحسوبية، ووزعت التذاكر وعقب المباراة حوصر الجميع في شوارع وميادين الخرطوم، وتحطمت محلات الجالية المصرية في السودان لمدة يومين بعد المباراة، وأصيب المئات.
 
مبارك في وادٍ آخر، رُفعت إليه التقارير، أو حُجبت عنه، لا فرق ولا عجب في ذلك، فالنتيجة واحدة، لا تدابير ولا احتراز ولا اهتمام بما يحدث وسيحدث، فعمليات إعادة التقييم بعد كل كارثة ترى دائمًا أمورًا أخرى ففي حين قالت إن اختيار السودان جيد فنيًّا غير أنه أغفل الجانب الأمني وكأنَّ النظام يرفع حينها شعار "لا تراجع ولا استسلام عن سياسة الجزر المنعزلة".
تعليقات القراء