فيلم Tomb Raider … العناوين الشهيرة لا تصنع أفلامًا جيدةً!!

أراجيك 

ينتمي فيلم Tomb Raider إلى فئة أفلام المغامرة والإثارة، وهو بمثابة إعادة تقديم لشخصية الرحالة المقاتلة لارا كروفت، التي تعد واحدةً من أنجح وأشهر شخصيات ألعاب الفيديو، كما سبق تقديمها سينمائيًا بفيلمين من بطولة أنجلينا جولي في أعوام 2001، 2003.

أحداث فيلم 2018 Tomb Raider مستوحاة عن إصدار لعبة الفيديو Rise of the Tomb Raider، كتب سيناريو الفيلم الثنائي جينيفا روبرتسون دويرت وألستير سيدونز، وأخرجه روا أوتاج، وتجسد شخصية لارا كروفت ضمن الأحداث الممثلة أليشيا فيكاندر، ويشاركها البطولة دومينيك ويست، دانيال وو، والتون جوجينز.

قصة الفيلم

تدور أحداث فيلم Tomb Raider حول المراهقة لارا كروفت التي ترفض التسليم بفكرة وفاة والدها الذي انقطعت أخباره قبل سبع سنوات، ومن ثم تقرر السير وراء حدسها وتحاول تقفي أثاره التي تقودها إلى جزيرة منعزلة، وهناك تكتشف العديد من الحقائق المُفزعة حول ماضي والدها وسر اختفائِه، وتجد نفسها عالقةً وسط صراع شرس، وتضطر مواجهة سلسلة طويلة من المخاطر للبقاء على قيد الحياة، وإنقاذ مستقبل البشرية بالكامل …

فيلم Tomb Raider ... سلسلة من الإخفاقات

وضع فيلم Tomb Raider لنفسه عددًا كبيرًا من الأهداف، على رأسها التعريف بشخصية “لارا كروفت” وتتبع مراحل تحولها من مجرد مراهقة طائشة إلى مُقاتلة مُحترفة، يلي ذلك المحاولات المُضنية للحفاظ على الرونق الخاص بأفلام وألعاب فيديو Tomb Raider من خلال تضمين الأحداث كم كبير من الأحاجي والألغاز، وفي ذات الوقت التركيز على الجانب النفسي أو العاطفي لدفع المشاهد إلى التفاعل مع الشخصية، وهذا كله في إطار من المغامرة والتشويق. لكن المؤسف أنّ الفيلم لم يفلح في تحقيق أي من الأهداف العديدة التي سعى إليها، كأنّما أراد السير بألف طريق، ولكنه لم يُكمل أي منهم حتى نهايته.

سقط سيناريو فيلم Tomb Raider في فخ التخبط مما أفقده هويته، كما أنّ إصراره على الموازنة بين أهدافه المتباينة دفعه إلى إقحام العديد من المشاهد – الغير المؤثرة بالضرورة – التي تسببت في إثقال العمل، وجعل فصوله الأولى رتيبةً لدرجة الملل، وفصوله الأخيرة مُتسارعةً حد الارتباك. هذا بخلاف خلق فجوات عديدة في البناء الدرامي مُتمثلةً في التحول السريع والمفاجِئ، والغير مبرر في توجهات الشخصيات ومواقفهم.

أمّا أبرز عيوب سيناريو فيلم Tomb Raider تتمثل في النمطية، حيث اعتمد على الخُطب المباشرة وجُمل الوعظ في الحوار الذي بلغ قمة السوء بالثلث الأخير، كما أنّ مشاهد الإثارة والحركة لم تكن أفضل حالًا، بل جاءت هي الأخرى مستهلكةً ومكررةً، وكل لقطة منها يشعر المشاهد بأن سبق له مشاهدتها بعشرات الأعمال، وهو ما جعل المُشاهد يفقد شغفه بالمتابعة، وانخفض بمستويات ترقبه وانفعاله مع الأحداث إلى الحد الأدنى، كما أنّ تلك العوامل مُجتمعة جعلت من السهل توقع الأحداث التالية، وهذا لم يتطلب الكثير من الذكاء أو الفِطنة، بل إنّ الخدع والالتواءات هي التي كانت مُصممةً بأسلوب هزلي قد تليق بألعاب الفيديو، لكنها لا ترتقي أبدًا لأن تكون ضمن فيلم سينمائي.

الأداء التمثيلي

أفلام الإثارة والمغامرات – خاصةً أفلام الكوميكس، أو الأفلام المستندة إلى ألعاب الفيديو – لا تتيح مساحات كبيرة للإبداع التمثيلي باستثناء أعمال قليلة جدًا، من ثم فإنّ الإجادة الحقيقية بهذا النوع من الأعمال السينمائية تتوقف على مدى الإبداع في رسم شخصيات مميزة، وإبراز تفاصيلها وتوظيفها بالشكل الملائم في قلب الصراع، وقد عجز سيناريو Tomb Raider – بسبب مساوِئه العديدة – عن تقديم أي شخصيات مميزة بأي جانب، وهو ما قَلص فرص الممثلين في تقديم أي جديد، وانعكس على مستويات أدائِهم بصورة سلبية.

أليشيا فيكاندر \ لارا كروفت

كانت هناك عِدة أسماء مُرشحة لتجسيد شخصية “لارا كروفت” قبل أن يتم إسناد الدور بالنهاية إلى أليشيا فيكاندر، والتي أثبتت من خلال الفيلم أنّها كانت جديرةً بذلك، وأنّها الأنسب للشخصية، إلّا أنّ الشخصية لم تكن مناسبةً لها!!

أجادت أليشيا فيكاندر رسم ملامح الشخصية ابتداءً من الإعداد البدني والمظهر العام، ووصولًا إلى أسلوب الأداء الذي استطاعت من خلاله التعبير عن سمات الشخصية المستمدة من فئتها العمرية، وما تُعانيه من ضغوط نفسية وعصبية، لكن كل هذا تم إهداره وفقد قيمته أمام ضعف الحبكة وتفكك السيناريو الذي تسبب في تسطيح الشخصية، وسَلب فيكاندر فرص إبراز قدراتها وإمكانياتها التمثيلية باستثناء عدد محدود جدًا من المشاهد.

والتون جوجينز \ ماثياس فوجل

جسد والتون جوجينز شخصية “ماثياس فوجل” الخصم الرئيسي بالفيلم، والذي تم إقحامه بالأحداث بشكل مفاجِئ دون أن يحظى بأي تمهيد، كما منحه السيناريو بعض الدوافع الخاصة التي أراد من خلالها تبرير أفعاله، إلّا أنّ ذلك لم يكن كافيًا لبلورة الشخصية التي خرجت بالنهاية في شكل كرتوني شديد السطحية، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على أداء والتون جوجينز، الذي فشل فشلًا ذريعًا في إشعار المشاهد ولو بذرة توتر.

دومينيك ويست \ ريتشارد كروفت

كانت شخصية الأب “ريتشارد كروفت” المُحرك الرئيسي لأحداث فيلم Tomb Raider، حيث أنّ حبكة الفيلم بالكامل تقوم على محاولات الابنة لارا للبحث عنه اعتمادًا على أبحاثه، وما تركه لها من أثار لتقتفيها. ظلت شخصية “ريتشارد كروفت” مثيرةً للاهتمام طوال فترة غيابها، ولكنها فقدت كثيرًا من قيمتها مع أول ظهور حقيقي على الشاشة للممثل دومينيك ويست، حيث أنّه لم يكن أفضل حالًا من الآخرين، وجاء أداؤه غارقًا في المبالغة والمُباشرة النابعة من نمطية الشخصية، وبالطبع الجزء الأكبر من المسؤولية هنا يقع على عاتق السيناريو، وليس التجسيد.

الإخراج زاد الفيلم سوءًا

يتحمل المخرج النرويجي روار أوتاج – بكل تأكيد – المسؤولية كاملةً عن إخفاقات فيلم Tomb Raider العديدة، والأمر هنا لا يقتصر على العجز عن مداراة عيوب السيناريو، بل إنّ أسلوبه الإخراجي ساهم في إبراز تلك العيوب وأضاف إليها المزيد.

يتبين الفشل الإخراجي الذريع في انعدام القدرة على ضبط إيقاع الفيلم بأي من مراحله، بالإضافة إلى العجز التام عن التجديد والابتكار في تقديم مشاهد الحركة والإثارة، والتي جاءت شبه مُستنسخة من أعمال أخرى، والأدهى حالة التخبط الدائم ما بين تقديم عمل سينمائي مستقل قائمًا بذاته، وبين الإخلاص إلى لعبة الفيديو Rise of the Tomb Raider المقتبس عنها، وهو ما جعل أغلب أحداث الفيلم تُقدم في صورة تحديات مُقسمة بصورة حادة إلى مراحل متتالية مُتدرجة الصعوبة تخوضها البطلة منفردةً، ولعل الشيء الوحيد الذي نجح به الإخراج هو تقديم كوميديا مقبولة وموظفة بصورة جيدة ضمن الأحداث، لكن رغم ذلك لم تكن تلك المشاهد بالكم أو التأثير الكافي لإنصاف الفيلم …

كان التمهيد للأجزاء التالية من السلسلة على رأس أولويات صُنّاع فيلم Tomb Raider، وقد تجلى هذا بوضوح بالربع الأخير من الفيلم. رغم أنّ ذلك لا يُعد عيبًا في ذاته – خاصةً ونحن نعيش العصر الذهبي لسينما الأجزاء – إلّا أنّ الاهتمام زاد عن حده للدرجة التي أثرت سلبًا على المستوى الفني للفيلم الحالي، وأثقلته بما لا يتحمله فخرج في النهاية مشتتًا ومشوهًا.

فيلم  Tomb Raider كان أحد أفلام 2018 المُنتظرة بفضل ما تتمتع به شخصيته الرئيسية من شهرة واسعة، وكذا لأنّ محاولات استغلالها سينمائيًا بالسابق أسفرت عن فيلمي إثارة متوسطي المستوى، إلّا أنّ الفيلم في صورته النهائية جاء مُخيبًا للآمال المعقودة عليه، ولم يكن سوى إخفاقًا جديدًا يُضاف إلى سلسلة إخفاقات الأفلام السينمائية المقتبسة عن ألعاب الفيديو مثل: Assassin’s Creed ،Max Payne وغيرهم، ولا أحد يعلم إلى متى سوف يدوم الإخفاق؟ أو إلى متى سوف تستمر محاولات إنتاج هذا النمط من الأفلام؟!

تعليقات القراء