أكرم القصاص

خلال أربع

خلال أربع وعشرين ساعة واجهت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماى، موقفين متناقضين فى مجلس العموم، ففى حين فشلت فى تمرير اتفاقها مع الاتحاد الأوروبى حول البريكست، نجت من سحب الثقة بفارق 19 صوتا، الأمر الذى أدى إلى تفادى إجراء انتخابات عامة، وهى المرة الثانية التى تنجو بها من سحب الثقة، الأولى كانت فى ديسمبر الماضى، وإن كانت ماى لا تنوى الاستمرار بعد 2022، لكنها واجهت تحديًا كبيرًا، أدت فيه بقدر ما تستطيع، مناورات السياسة.
 
نجاة ماى من سحب الثقة لا تعنى انتهاء الأزمة المستمرة منذ تصويت البريطانيين فى استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبى، وتقول «الجارديان»، إن تيريزا ماى نجت من سحب الثقة عن حكومتها بفارق بسيط، بعد فشل تمرير اتفاقها بالخروج من الاتحاد الأوروبى، ولا تزال تناضل للتوصل إلى حل وسط يرضى أحزاب البرلمان.
 
وبين الهزيمة والمرور الصعب، تبقى بريطانيا وليست ماى فى مواجهة واحدة من أكثر الأزمات السياسية والاقتصادية قسوة، وعلى ماى تقديم خطتها المتعلقة ببريكست أمام البرلمان بعد أيام، بينما تواجه انقسامًا بين المحافظين، مع تربص من حزب العمال، وحسب صحيفة «الإندبندنت» فإن نواب عن حزب العمال أطلقوا دعوة لإجبار زعيم الحزب جيرمى كوربين على تأييد إجراء استفتاء ثان من أجل إعطاء قول نهائى فى الخروج من الاتحاد الأوروبى «بريكست»، فى موعد أقصاه الأسبوع المقبل. وهو اقتراح طرحه من قبل تونى بلير، رئيس الوزاء الأسبق، ويرى أنه السبيل الوحيد لمواجهة اتفاق ماى مع الاتحاد الأوروبى، لكنه لا يلقى استجابة من المحافظين، ثم أن تبنى حزب العمال لإجراء استفتاء جديد يمكن أن يعرض حزب العمال لانقسام. وهو ما يجعل إجراء استفتاء ثان مستبعدًا.
 
وقالت إندبندنت إن «العمال» يرى أن السياسة الرسمية الحالية تتطلب تركيز قيادة البلاد كل اهتمامها صوب إجراء تصويت جديد، بعد أن فشلت رئيسة الوزراء فى الحصول على تأييد البرلمان لاتفاق الخروج الذى توصلت إليه مع بروكسل. بينما تستمر «ماى» فى التواصل مع أعضاء البرلمان من مختلف الأحزاب لمحاولة إيجاد توافق حول سبيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى. وتقول «إن على النواب وضع «المصالح الشخصية جانبا، والعمل بصورة بناءة للمضى قدما وتنفيذ خطة الخروج».
 
وتراهن ماى على أن البريكست يمثل مأزقا لأى قادم جديد إلى دوانينج ستريت، وأن حزب العمال فى حال جاء بعد استقالة ماى، فسوف تبقى الأزمة مستمرة، ولن يجد أمامه سوى استفتاء جديد أو الخروج من دون اتفاق، بما يعنى تراكم الأزمات الاقتصادية. وبالتالى فإن المناورة من أجل انتصار سياسى. لن يمنع واقعا صعبا لبريطانيا. وتلعب ماى على «الخوف المتبادل» الذى يقلل من فرص المناورة لدى كل الأطراف. وتبقى أزمة بريكست نموذجا لتحديات الخيارات السياسية الضيقة، لكن نتائجها سوف تظل درسا فى السياسة والديموقراطية. وسواء بقيت بريطانيا أو خرجت، فإن تجربة بريطانيا لها تداعيات تؤثر على وجهات نظر باقى مواطنى الاتحاد الأوروبى. وعلى مصير الاتحاد نفسه.

القسم: 

دلالات واضحة

دلالات واضحة وراء التفجير الانتحارى لداعش فى مدينة منبج شمال سوريا، وأدى لمقتل أكثر من 20، بينهم 4 جنود أمريكيين، والباقون من قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية، وقد أشرت بالأمس فى مقال  «أمريكا وتركيا واللعب مع داعش.. تشومسكى والإرهاب المصنوع والمتحور»، إلى أن داعش كان طوال الوقت ورقة للعب فى سوريا، مرة من أمريكا وأخرى من تركيا.
 
 جاء التفجير وسط أزمة التصريحات والتهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وتركيا، بعد إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سحب 2000 جندى أمريكى من سوريا، واعتبار قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية حليفا للولايات المتحدة فى مواجهة داعش، القرار أغضب تركيا، وهدد الرئيس التركى أردوغان بضرب الأكراد، ورد ترامب محذرا أنقرة، وهدد بكارثة اقتصادية لتركيا حال عدوانها على الأكراد فى قوات سوريا الديمقراطية. 
 
وبالتالى فإن تفجير داعش يبدو لصالح تركيا التى تعارض الانسحاب الأمريكى، وربما توظف ورقة داعش لخوض حرب بالوكالة، فى ظل تقارير تتوقع إعادة تنظيم صفوف داعش، خاصة أن التنظيم الإرهابى يفترض ألا يكون معارضا للانسحاب الأمريكى، لكنه يتوافق فى رغبة تركية فى استمرار الوضع بسوريا ضمن حالة الحرب، وتعطيل الحل السياسى الذى من شأنه أن يحرم تركيا وداعش من الاستمرار فى جنى مكاسب الحرب بسوريا، ولهذا أعلن وزير الخارجية الروسى، سيرجى لافروف، ضرورة سيطرة الجيش السورى على شمال البلاد، بعد مقترح من الولايات المتحدة الأمريكية بإقامة «منطقة آمنة»، ودخلت تركيا على الخط لتطالب بجعل المنطقة العازلة تحت السيطرة التركية، وهو ما يواجه معارضة من دمشق ومن موسكو.
 
وقال لافروف بعد تفجير الأربعاء، إن موسكو لديها قناعة بأن الحل الوحيد والأمثل هو نقل هذه المناطق لسيطرة الحكومة السورية وقوات الأمن السورية والهياكل الإدارية، مؤكدا أن موسكو ستقيم المبادرة التركية بشأن إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا على ضوء تطورات الوضع فى سوريا عموما، فى حين أشار لافروف إلى أن مسألة المنطقة الآمنة ستطرح على أجندة لقاء متوقع بين بوتين وأردوغان، عبر أكراد سوريا عن رفضهم لاقتراح ترامب وأردوغان للمنطقة الآمنة، وفى نفس الوقت تظهر إشارات لتقارب بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق، فى رفض المنطقة الآمنة، واتهام أردوغان بالوقوف وراء تفجير منبج. 
 
وقد وصفت الخارجية السورية تصريحات أردوغان، حول خطة إقامة منطقة آمنة شمالى سوريا بأنها تأكيد على أن «النظام التركى لا يتعامل إلا بلغة الاحتلال والعدوان ويتصرف بما يتناقض مع أبسط مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة»، ووصفت الخارجية السورية أردوغان بأنه «راعى الإرهابيين فى حوارات أستانا»، وتتهم دمش تركيا برعاية الإرهاب طوال 8 سنوات، وتشير سوريا بأصابع الاتهام إلى تركيا بالوقوف وراء تفجير منبج، وقالت الخارجية السورية إنها كانت وما زالت مصممة على الدفاع عن شعبها وحرمة أراضيها ضد أى شكل من أشكال العدوان والاحتلال بما فيه الاحتلال التركى للأراضى السورية بكل الوسائل والإمكانيات.
 
وهذه الاتهامات السورية والكردية تصب فى صالح تحليلات تشير إلى أن تركيا ما تزال ترتبط بعلاقات مع داعش والتنظيمات المسلحة، بهدف الإبقاء على تواجد، يكشفه الانسحاب الأمريكى.

القسم: 

هناك اتفاق

هناك اتفاق على أن مستخدم فيس بوك وتويتر هو الذى يقدم بنفسه وبإرادته المعلومات التى تخصه، ومن خلال هذه المعلومات تتكون صورة عن الشخص ومزاجه واهتماماته وهواياته، وحتى تحركاته ولقاءاته وأصدقائه وعائلته. ماذا يحب أو يكره. ولا ينتهى الأمر عند هذا، فهناك أدوات وتطبيقات للتحليل تعيد بناء هذه المعلومات لأهداف تجارية، وحتى الصورة أصبحت تمثل عنصرًا مهمًا، ويعرف مستخدمو فيس بوك أن الموقع يقدم للمستخدم أى صور يظهر فيها هو أو من يشبهه. وأيضًا يفاجأ بعض المستخدمين أنهم أمام إعلانات على صفحاتهم تتعلق بسلع أو أنشطة سألوا أو تحدثوا عنها.
 
هناك أيضًا نوعيات من الأسئلة والتطبيقات تبدو كنوع من اللعب والتسلية، منها ماهى وظيفتك بناء على ملامحك ومواصفاتك حيث يطلب بعض الإجابات عن أسئلة يعيد تحليلها لينتج صورة أو مهنة أو هواية. وغالبا ما تجذب هذه الأسئلة والتطبيقات نجوما، يسير وراءهم مستخدمون من سكان العالم الافتراضى، للتقليد أو للمشاركة مع غيرهم.
 
وآخر هذه الموضات على فيس بوك «تحدى السنوات العشر» الذى اجتاح وسائل التواصل وفتح مجالا لحالة من الحنين، ويقضى التحدى بأن ينشر المستخدم صورة له قبل 10 سنوات مع صورة له الآن، لمعرفة الفوارق التى طرأت على شكله خلال هذه السنوات. وقد شارك فى التحدى نجوم مصريين وعرب وغربيين، واجتاح مواقع التواصل الاجتماعى وسار وراءهم مستخدمون من فئات مختلفة تشبها أو بالعدوى أو ممارسة للحنين.
 
وهو تحد مثل غيره، لكن مع الأحداث الأخيرة التى أحاطت بموقع فيس بوك أبدى بعض خبراء التقنية والسوشيال ميديا تخوفا، من أن يكون وراء هذه الحملة أهداف غير نبيلة.وقالت خبيرة التقنية كيت أونيل، إن التحدى «طريقة خبيثة» من «فيس بوك» لجمع أكبر عدد من المعلومات والصور عن تطور أشكال سكان العالم خلال 10 أعوام. وإن هذه البيانات ستجمع لتكوين قاعدة تستخدم فى تقنية «التعريف بالوجه»، لجمع معلومات عن المستخدمين، بهدف تحقيق فائدة تجارية مع شركات الإعلانات.
 
وقالت «كيت» إن هذه المعلومات يمكن أن تفيد شركات الإعلانات فى تحديد شكل منتجاتها وفقا لأشكال المستهلكين وأعمارهم، وهو ما قد تجنى «فيس بوك» من وراءه ثروة طائلة. وأمعنت الخبيرة فى التحليل وقالت إن بإمكان «فيس بوك» بيع البيانات لشركات التأمين الصحى، حتى تستعملها لتقييم التطور العمرى للأشخاص، وعلى أساسه تقرر التأمين على الأشخاص من عدمه.
 
بالطبع فإن هذه الأفكار مجرد نظريات، ومع هذا تجد انعكاسات لها مع تاريخ «فيس بوك» العامر باتهامات فى جمع المعلومات عن المستخدمين دون استئذانهم، أو علمهم. مثلما حدث فى تسريب حسابات لصالح شركة كامبريدج أنالاتيكا فى بريطانيا أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وهى الاتهامات التى تكررت بدرجات مختلفة، وخضعت الشركة لتحقيقات فى الكونجرس الأمريكى.
 
وقبل ذلك اتهم بعض الخبراء حملات طلب النكز والتعليقات بأنها كانت أيضا محاولة لزيادة أعداد المعلقين لتنشيط الشبكة ولأهداف تجارية إعلانية. لكن شركة فيس بوك لم تصمت أمام هذه الاتهامات وردت على الاتهامات الموجهة إليها بالتأكيد «أنه لا علاقة لها بتحدى العشر سنوات، وهو من صنع المستخدمين، وبدأ بشكل تلقائى من دون أى تدخل منا»، وفق ما ذكرت «الإندبندنت» البريطانية. وأضافت «فيس بوك» أن مشاركة الملايين عبر العالم فى تحدى السنوات العشر، على نطاق واسع دليل على المتعة التى يجدها المستخدمون فى فيس بوك، وهذا كل شىء».
 
رد فيس بوك أثار ردا من مستخدمين، أشاروا إلى حالات تعد سابقة على بياناتهم من دون علمهم، وأبرزها تسريب حسابات لصالح شركة كامبريدج أنالاتيكا فى بريطانيا. لكن هذه الاتهامات والمجادلات لم تمنع ملايين من مستخدمى فيس بوك وتويتر وإنستجرام من الانخراط فى التحدى، لكسر الجمود والملل. خاصة أن هذه الموضات تمثل نوعا من اللعب، وفى كل الحالات فإن أحدا لا يمكنه منع فيس بوك وغيرها من شركات التواصل، أو تحليل المعلومات من التعرف على تفاصيل حياة مستخدمين يقدمون كل شىء بإراداتهم الكاملة.

القسم: 

على هامش

على هامش تطورات وتقاطعات الأحداث فى الشرق الأوسط، وتحديدًا سوريا والعراق، هناك تقارير متضاربة عن مصير تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية التى صعدت خلال السنوات الأخير وتراجعت خلال العامين الأخيرين، وهو ما يراه محللون مجرد تراجع تكتيكى، وأن هذه التنظيمات مثل فتح الإسلام والنصرة المرتبطة بالقاعدة غيرت من اسمها لكنها ماتزال قادرة على العودة وتنظيم صفوفها. 
 
وفى الوقت الذى أعلن فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عن سحب القوات الأمريكية من سوريا وتأكيده هزيمة داعش، نشرت شبكة «سى.إن. إن» تقريرًا أكدت فيه أن «داعش» أبعد ما يكون عن الهزيمة، وأن هناك عشرات الآلاف من الدواعش يتحركون بحرية فى سوريا والعراق، أو يختبئون ضمن خلايا نائمة، وبعضها نشطة فى الرقة.
 
 وتشير تقارير متعددة منها ما عرضته «سى إن إن»، إلى أن داعش مايزال يحتفظ بمئات الملايين من الدولارات وله ستار من شركات بتركيا. كما أن هناك دولًا إقليمية ماتزال تمول داعش، وتمنحها دعمًا فى سوريا والعراق، كما تم الكشف عن مصانع ومخازن سلاح تابعة لداعش فى ليبيا. ويتوقع أن تحتفظ تركيا ببعض الخطوط مع داعش، تحسبًا لمعاركها ضد الأكراد، خاصة فى ظل أزمتها مع الولايات المتحدة وتهديدات ترامب لتركيا حال عدوانها على الأكراد.وهو ما قد يدفع تركيا لاستعمال ورقة داعش ضد الأكراد لخوض حرب بالوكالة، وهو أمر سبق لها وفعلته مع النصرة وداعش عندما قدمت الأراضى التركية ممرات لدخول وخروج وعلاج الإرهابيين.
 
وتزامنًا مع تقارير تتوقع إعادة تنظيم داعش، ظهرت تقارير أخرى تتساءل عن مكان أعضاء التنظيمات الأخرى مثل النصرة وفتح الإسلام وغيرها والتى ترتبط بالقاعدة، وإن كانت غيرت اسمها، فهناك مئات وربما آلاف المقاتلين فى صفوفها، ولم يغادروا الأراضى السورية والعراقية، وربما يتجهون إلى عقد تحالفات أو صفقات لاستعادة الوجود.
 
 اللافت للنظر أن هناك محللين ومفكرين يتوقعون استمرار داعش وغيره، أو تحولها إلى أشكال أخرى من العمل الإرهابى ومن هؤلاء المفكر الأمريكى نعوم تشومسكى، فى كتاب «العالم.. إلى أين؟»، وهو عبارة عن حوار مطول مع تشومسكى، أجراه الباحث السياسى سى جى بوليكرونيو، وتناول قضايا العالم ومنها «الحرب على الإرهاب».
 
يرى تشومسكى أن الإرهاب كان منذ بدايته نتاجًا لسياسات أمريكا التدخلية، ويقول إن الولايات المتحدة ساهمت بشكل كبير فى إنتاج الإرهاب فى العالم، ويرى أن الحرب التى بدأها رونالد ريجان منذ نهاية السبعينيات من القرن العشرين فى مواجهة السوفيت فى أفغانستان، ويقصد كيف دعمت أمريكا القاعدة. لتتحول إلى حروب منتجة للإرهاب، كان لها نتائج خطيرة، على أمريكا الوسطى، وأفريقيا، والشرق الأوسط. 
 
ويرى تشومسكى أن المرحلة الثانية التى أعاد جورج بوش الابن إعلانها بعد عشرين عامًا، فى 2001، بعد 11 سبتمبر، وغزا فيها أفغانستان والعراق  مارس عدوانًا مباشرًا دمر مناطق كثيرة، وأنتج صورًا جديدة من الإرهاب. وتتوافق رؤية تشومسكى مع كثيرين منهم جون نيكسون رجل المخابرات المركزية الذى أكد أن داعش كان نتيجة مباشرة لغزو العراق وإسقاط صدام حسين. 
 
ويشير تشومسكى وغيره من محللى الإرهاب إلى أن اعتماد بوش الابن على القوة العسكرية ساهم فى نشر الإرهاب فى أفغانستان، والعراق، وحتى سياسة باراك أوباما  التى اعتمد فيها على تكتيكات مختلفة فى محاربته الإرهاب، أهمها حملة الاغتيالات العالمية بواسطة الطائرات من دون طيار، وعمليات القوات الخاصة أدت لفراغات خدمت الإرهاب. 
 
ويخلص تشومسكى إلى أن حروب أمريكا لمواجهة الإرهاب هى التى أدت بشكل مباشر وغير مباشر إلى تنامى الأشكال الجديدة من الإرهاب وعلى رأسها تنظيم داعش، والذى يرى تشومسكى أنه الأعنف من بين التنظيمات الإرهابية خلال أربعة عقود، لكنه لايخرج عن كونه نتاجا لسياسات تمت بشكل واضح فى المطبخ الأمريكى. 
 
وهذه الرؤية تدعم تحليلات تتوقع أن تتراجع داعش من دون أن تنتهى، لكنها يمكن أن تتخذ أشكالا جديدة، من خلال تزاوج وتحالف مع فلول تنظيمات أخرى.

القسم: 

بالرغم من

بالرغم من وجود الكثير من العلامات على إمكانية الحل السياسى فى سوريا، تظل هناك الكثير من التشابكات والتقاطعات، لمصالح الأطراف المختلفة، مع غياب تحرك عربى يمكن أن يضاعف من إمكانيات تقريب وجهات النظر.
 
بالطبع فإن إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، يترك فراغا ويوقظ تناقضات على مستويات مختلفة، فالوجود الأمريكى كان يمثل دعما ما للتدخل التركى فى سوريا، وقد أبدت تركيا بشكل واضح اعتراضا على الانسحاب الأمريكى، خاصة مع إعلان أمريكا دعمها لقوات سوريا الديمقراطية الكردية، وتدعم واشنطن تحركات الأكراد فى مواجهة داعش، وفى نفس الوقت أبدت قوات سوريا الديمقراطية موافقة على التفاوض مع دمشق، وهو ما يضاعف من مخاوف تركيا، بعد انسحاب أمريكا.
 
انسحاب أمريكا يترك فراغا تشغل روسيا الجزء الأكبر منه، حيث تدعم موسكو دمشق وترعى أى مفاوضات قادمة، ومعها إيران، بينما تجد المعارضة السورية نفسها مضطرة للانخراط فى الحل السياسى بعد انسحاب أمريكا، وفقدان الكثير من الأوراق بالانسحاب الأمريكى خاصة فى ظل انشغال الدول الأوروبية الكبرى بقضايا الداخل، بريطانيا بمشكلات البريكست والخروج من الاتحاد الأوروبى، وفرنسا تواجه الاحتجاجات وهى قضايا تشد اهتمام الاتحاد الأوروبى وهو طرف فاعل فى مفاوضات جنيف.
 
هذه التقاطعات تجعل الحل السياسى، بحاجة إلى دفعات ومبادرات عربية، قد لا تكون متوفرة، حيث تعانى الجامعة العربية تناقضات أعضاءها، وبالرغم من أن مصر تدفع طوال الوقت نحو الحل السياسى تبقى هذه الخطوات مرهونة، بجمع أصوات عربية تؤيدها، وإن كان اتجاه الإمارات والسعودية لافتتاح سفارات لها فى دمشق ربما يكون ورقة فى انتزاع التوتر، فضلا عن أنها تكشف بشكل أكثر وضوحا عن الأطراف التى ترتبط بعلاقات مع تنظيمات إرهابية مثل داعش وباقى التنظيمات المسلحة، هى تنظيمات حصلت طوال السنوات الماضية على دعم مالى ضخم مكنها من تحقيق بعض الانتصارات قبل أن تنجح سوريا بدعم روسى وإيرانى فى إزاحة وهزيمة هذه التنظيمات.
 
وبالرغم من الهزائم التى تلقاها تنظيم داعش، تبقى فلول التنظيمات، أوراقا يمكن أن تحاول أطراف مثل تركيا اللعب بها فى ظل مواجهة الأكراد، حيث تضع أنقرة مواجهة الأكراد هدفا أكثر أهمية من مواجهة داعش.
 
وقد سبق وتم الكشف عن علاقات وتنسيق بين الجيش التركى وداعش، فى وقت صعود قوة الإرهاب فى سوريا والعراق، وظهرت تقارير وصور عن تعاون بين بلال أردوغان بن الرئيس التركى وداعش فى سحب البترول من مناطق نفوذ داعش بالعراق وسوريا، تركيا فى ظل سعيها لضرب الأكراد يمكن أن توظيف ورقة داعش أو فلول التنظيمات المسلحة الأخرى، خاصة مع وجود تقارير أمريكية عن وجود أعداد من فلول داعش فروا إلى تركيا، وأموال للتنظيم فى بنوك وشركات تركية، وكانت المستشفيات التركية تفتح أبوابها لعلاج جرحى داعش والنصرة، هذه العلاقات تبرر الغضب التركى من الانسحاب الأمريكى، خاصة أن أردوغان فقد رهانه على انتزاع مناطق آمنة من سوريا خلال تصعيد داعش والقاعدة لعملياتها.
 
أما بالنسبة لروسيا فإن الانسحاب الأمريكى بقدر ما يمنحها ميزة إضافية، إلا أنها تجد نفسها فى مواجهة تنظيمات ولاءها لأمريكا وأوروبا وتشعر بالشك تجاه موسكو، ثم إن الاتنسحاب الأمريكى من الأرض لا يعنى الانسحاب من المفاوضات السياسية، وهو ما يجعل مستقبل الحل السياسى فى سوريا مرهونا بأطراف متعددة، بينما تظل الأوراق العربية غير جاهزة للعب دور يمكن أن يكون حاسما فى مستقبل سوريا. 

القسم: 

مرحلة جديدة

مرحلة جديدة تدخلها قضية سوريا، ومثلما كان التدخل فى سوريا مجالا لتحالف بين أمريكا وتركيا، فإن الانسحاب الأمريكى فتح مجالا جديدا لخلافات وتفاهمات بين الأطراف المختلفة، تحدد نتائجه مستقبل الحل السياسى.
 
ظاهريا يتركز الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا، لكنه يمتد للأطراف الأخرى، روسيا وإيران وأوروبا وسوريا نفسها التى أصبحت طرفا فى معادلة السياسة باعتراف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
 
وقد تجاوز الخلاف التصريحات المغلفة إلى التهديد العلنى، بين ترامب وأردوغان، بشأن مصير القوات الكردية المسلحة فى سوريا بعد انسحاب واشنطن، حيث يعتبر الأتراك وحدات حماية الشعب الكردية إرهابية، بينما تطالب أمريكا بحمايتهم وتعتبرهم العنصر الحاسم فى هزيمة تنظيم داعش. وبينما تهدد أنقرة بشنّ هجوم لطرد هذه القوّات من شمال سوريا، تصر واشنطن على ضمان حماية الأكراد عقب انسحاب القوات الأمريكية، وتوعد دونالد ترامب أنقرة فى تغريدة: «سندمر تركيا اقتصاديا إذا هاجمت الأكراد، ونقيم منطقة آمنة بعرض 20 ميلا، وبالمثل، لا نُريد أن يقوم الأكراد باستفزاز تركيا».
 
ترامب لم يحدد أين وكيف سيتم إنشاء المنطقة الآمنة، ولا من يدفع تكاليفها، لكن تهديداته بدت صادمة لتركيا، التى اعتبرت «مساواة الأكراد السوريين بالمسلحين الأكراد خطأ فادح، حسب الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين الذى غرد: «دونالد ترامب.. لا يمكن أن يكون الإرهابيون شركاءك وحلفاءك»، متوعدا بـ«مواصلة القتال ضد كل الجماعات الإرهابية»، وتعتبر تركيا وحدات حماية الشعب إرهابية، وترى أن دعم واشنطن لها ضد داعش خيانة، وذلك ردا على قول مستشار الأمن القومى الأمريكى جون بولتون، إن الرئيس ووزير الخارجية مايك بومبيو يدركان أن تركيا ملتزمة «بعدم الإضرار بالأكراد الذين قاتلوا معنا ضد تنظيم داعش».
 
الخلاف الأمريكى التركى يتزامن مع إصرار ترامب على الدفع نحو إنهاء الحرب وبدء الحل السياسى بقوله: «روسيا وإيران وسوريا كانت أكبر المستفيدين من سياسة أمريكا لتدمير تنظيم داعش، ونحن استفدنا أيضًا، وحان الوقت لإعادة قوّاتنا إلى الوطن، أوقفوا الحروب التى لا تنتهى».
 
يأتى هذا فى الوقت الذى أعلنت قوات سوريا الديمقراطية، ذات الأغلبية الكردية، أن تنظيم داعش الإرهابى يعيش لحظاته الأخيرة فى سوريا، مع بدء تنفيذ واشنطن انسحابها من الأراضى السورية، وترسل رسائل إلى دمشق عن اتفاقات للحكم الذاتى، وبالطبع تحجز لنفسها مكانا فى الحل السياسى القادم، وربما تتقارب مع روسيا وإيران، الأمر الذى يضاعف من تعقيد الموقف التركى، حيث اعتبر وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو أن الأكراد «الذين قاتلوا إلى جانبنا طوال الوقت ليسوا إرهابيين، ويستحقون الحماية».
 
ويرى بعض المحللين أن الخلاف الظاهر بين أمريكا وتركيا، يتجاوز قضية الأكراد ويمتد إلى مخاوف تركيا من فقدان أوراقها فى سوريا نتيجة سحب ألفى جندى أمريكى، وهو ما يمكن أن يقوى موقف دمشق وروسيا وإيران، ويضعف من موقف المعارضة السورية الموالية والمدعومة من أنقرة والتى يستضيفها أردوغان ويفتح لها أبواب قنوات إعلامية بينما تنكشف مواقفها وتظهر فى صورة غير مؤثرة مما يقلل من فرصها فى مفاوضات الحل السياسى، وتتجاهلها روسيا ودمشق، خاصة مع تمرد بعض حلفاء أردوغان السوريين وإعلان انضمامهم للمفاوضات السياسية، مما يقلل من مكاسب أردوغان فى أى مراحل للحل السياسى، حيث تضعف قوة الأوراق التى يمتلكها أمام الأطراف الأخرى.

القسم: 

فى بداية

فى بداية التسعينيات من القرن العشرين، وبعد سقوط سور برلين وتفكك الاتحاد السوفيتى والمعسكر الشيوعى، بدأت أفكار منظرى الرأسمالية فى إعلان نهاية عصر الأيديولوجيات وسيادة الرأسمالية الغربية، خاصة فى نموذجها الأمريكى، وأعلن فرانسيس فوكوياما فى كتابه «نهاية التاريخ» انتصار الأيديولوجية الليبرالية على غريمتها الاشتراكية، وموت الأيديولوجيات وانتهاء الصراع، ووجد الأمر تأييدا من منظرى الرأسمالية، خاصة أن الاتحاد السوفيتى كان واقعا فى ارتباك ما بعد الإمبراطورية، بينما الصين وقوى العولمة الاقتصادية كانت ماتزال فى مراحل التشكل.
 
ووجدت فكرة الإمبراطورية تأييدا فى أعقاب تدخل الولايات المتحدة لقيادة تحالف لتحرير الكويت من احتلال العراق، وبعد 11 سبتمبر 2001 تسلم بوش الابن رسائل اليمين ليبدأ فى توسيع التدخل الأمريكى فى العراق وأفغانستان وتوسيع القواعد العسكرية الأمريكية، وفى المقابل حققت الشركات الأمريكية أرباحا ضخمة من تجارة السلاح ومن التدخل فى العراق وأفغانستان.
 
ولهذا يبدو حديث الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن سحب القوات الأمريكية من سوريا والعراق وأفغانستان، مناقضا لسياسات أمريكية استقرت لعقود، وتواجه معارضة من أطراف أمريكية وتشكيكا من قبل المحللين والمراقبين، الذين يتساءلون: كيف يمكن أن تتخلى الولايات المتحدة عن دور القوة العظمى الذى تشغله منذ مابعد الحرب الثانية، ومنفردة منذ منتصف التسعينيات من القرن العشرين. وهل يمكن أن يكون ترامب صادقا فى قوله: «لا نريد لأمريكا أن تلعب دور شرطى العالم بعد الآن.. من المحزن جدا عندما تنفق 7 تريليونات دولار» في الشرق الأوسط.
 
هناك تشكيك فى أن تكون الولايات المتحدة أنفقت تريليونات، بينما كانت تربح من هذه الحروب والصراعات بوصفها أكبر تاجر سلاح فى العالم، ثم إن غزو العراق كان مصدرا لأرباح حققتها الشركات الأمريكية فى مقاولات الهدم والبناء.
 
بعض الديمقراطيين يتهمون ترامب بأنه ينفذ استراتيجية سحب القوة الأمريكية وتخفيض النفوذ، لصالح روسيا والصين، وهو ما يؤيد وجهات نظر الديمقراطيين فى أن ترامب جاء بتدخلات روسية، بهدف تقليل قوة أمريكا، وتصفية عدد من القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة فى أرجاء العالم، ما تزال تصريحات ترامب تواجه الكثير من المقاومة من قبل من يؤمن بالإمبراطورية الأمريكية.
 
ووصل الأمر لأن يهاجم المرشح الجمهورى السابق للرئاسة الأمريكية ميت رومنى ترامب، قائلا: «سلوك ترامب دليل على أن الرئيس لم يرق إلى منزلة المنصب»، ورد ترامب كعادته ساخرا من رومنى: «فزت فوزا كبيرا، بينما خسر ميت أمام باراك أوباما».
 
ترامب يدافع عن وجهة نظره بسحب القوات الأمريكية وتصفية القواعد الأمريكية فى أنحاء العالم، ويستند لمطالب قطاعات من النخب الأمريكية خاصة الجمهوريين المؤيدين له ومنهم مستشاره السابق فى البيت الأبيض، سيبستيان جوركا وكتابه «لماذا نقاتل»، الذى صدر الصيف الماضى. ويصر ترامب على القول «لا يمكن أن نبقى فى حروب لا نهاية لها إلى الأبد».
 
معارضو الانسحاب يرون أن ترامب يجهل أن أمريكا أصبحت قوة عظمى مطلقة، لأنها تمتلك أقوى جيش فى العالم، وأكثر من 800 قاعدة عسكرية حول العالم «بينما فرنسا وبريطانيا وروسيا تمتلك مجتمعة 23 قاعدة عسكرية فقط خارج أراضيها»، بجانب اقتصاد هو الأقوى فى العالم طوال نصف قرن.
 
سياسات ترامب تمثل قطاعا من الأمريكيين يرون أن موازين القوة تغيرت بناء على التحولات الاقتصادية والعولمة، وأصبحت تميل لصالح الصين وروسيا، وأن القوة لم تعد عسكرية فقط، ولهذا فإن الولايات المتحدة يمكنها أن توفر المليارات التى تنفقها على القواعد العسكرية، وتركز أكثر من دعم المنافسة الاقتصادية وتطوير صناعاتها ومنافسة الصين تجاريا.
 
الرئيس الأمريكى يرد على من يطلبون عزله قائلا: «كيف يمكن عزل رئيس فاز بأعظم انتخابات.. وأكثر الجمهوريين شعبية فى تاريخ الحزب بنسبة %93».
 
وخلف هذا الجدل الظاهر، هناك بالفعل وجهات نظر ترسمها التحولات الاقتصادية والعوالمية الجديدة، تجتاح العالم بما فيه أوربا وأيضا فإن هناك خطوط للمصالح الأمريكية لا يمكن لأى رئيس أن يتخطاها، وترامب يواجه أغلبية ديمقراطية فى الكونجرس، وحتى داخل الجمهوريين، فضلا عن «لوبيات» المصالح التى تتأثر وتؤثر بأى قرار عسكرى أو اقتصادى، وهو ما يجعل الولايات المتحدة فى اختبار آخر لنظريات نهاية التاريخ.

القسم: 

فى الوقت

فى الوقت الذى أعلن فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عن سحب القوات الأمريكية من سوريا، وتأكيده هزيمة داعش، مايزال لغز التنظيم الإرهابى قائمًا، ويشكك عسكريون وخبراء أمريكيون فى قرار الانسحاب وأكدوا أن داعش مايزال قويًا. فقد واصلت مصادر أمريكية التحذير من أن تنظيم داعش مايزال قائمًا وقابلًا للتمدد.
 
  ونشرت شبكة «سى.إن.إن» الإخبارية الأمريكية تقريرًا أكدت فيه أن «داعش» أبعد ما يكون عن الهزيمة فكريًا أو عسكريًا، مستندة إلى تقرير الأمم المتحدة فى أغسطس الماضى الذى قال إن 20 إلى 30 ألفًا من عناصر داعش مازالوا يتحركون بحرية فى سوريا والعراق، وأن التنظيم الإرهابى أطلق هجمات على القوات الكردية وقتل العشرات وبث تسجيلات فيديو تظهر أسرى أكرادًا لدى داعش.
 
«سى إن إن» أشارت إلى وجود خلايا داعشية نشطة فى مدينة الرقة، نفذت هجوما انتحاريا ، وعلامات على أن التنظيم الإرهابى يعيد تنظيم صفوفه فى العراق، وبعض خلاياه تتوغل فى  قرى الموصل. وكانت ترد على تصريحات وزير الخارجية مايك بومبيو لمجلة «واشنطن اكسامينر»، التى أكد فيها أن بلاده قضت على 99٪ من تنظيم «داعش» الإرهابى، بما يدعم  مصداقية نية إدارة الرئيس دونالد ترامب سحب 2000 جندى أمريكى من سوريا. وقال بومبيو «داعش» لن يتمكن من استرداد قوته ونفوذه، كما حدث أثناء إدارة أوباما، لن يحدث ذلك مرة أخرى».
 
وبالرغم مما يقال عن فقدان داعش لمصادر تمويله، قال التقرير إن داعش مازال يحتفظ بمئات الملايين من الدولارات التى جمعها خلال احتلاله لأجزاء كبيرة من سوريا والعراق، وبعض من أموال داعش يتم تمريرها فى عمليات غسل أموال من خلال شركات بتركيا. فى إشارة إلى العلاقة التى ربطت أردوغان والأتراك بالتنظيمات الإرهابية فى سوريا والعراق. وفى المقابل أكد وزير الخارجية التركى مولوود تشاووش أوغلو، أن واشنطن تواجه صعوبات فى سحب قواتها من سوريا، لأسباب أهمها علاقاتها الحميمة بالتنظيمات الإرهابية هناك. هذا فى الوقت الذى ذكرت تقارير أمريكية وروسية أن تركيا ترتبط بعلاقات مع داعش، وأنها كانت ممرًا لدخول وخروج وعلاج مقاتلى التنظيم. وشككت «سى إن إن» فى قدرة تركيا على محاربة داعش، وقالت إن  هدف اسطنبول وأردوغان الحقيقى فى سوريا هو محاربة الأكراد وليس داعش.
 
وأكدت تقارير خبراء الإرهاب الأمريكيين المعارضين لسحب القوات من سوريا أن أيديولوجية داعش لم تمت بدليل أن التنظيمات المبايعة له فى غرب أفريقيا وليبيا واليمن والفلبين وإندونيسيا لاتزال نشطة وتقوم بهجمات إرهابية.
 
وشملت التقارير التأكيد على استمرار تجنيد مراهقين وشباب أوروبى وأمريكى بين صفوف التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها داعش، حيث أعلنت «وحدات حماية الشعب» الكردية أنها أسرت مراهقا أمريكيا فى سن 16 عاما كان يقاتل مع «داعش» فى سوريا، وأن سولاى نوه سو وكنيته «أبو سليمان الأمريكى» كان بين ثمانية دواعش أجانب اعتقلوا مؤخرًا ضمن عمليات «قوات سوريا الديمقراطية»، فى دير الزور، كما تم  احتجاز المدرس السابق من ولاية تكساس، وورن كريستوفر كلارك، وعمره 34 عاما فى المنطقة نفسها، ليرتفع عدد الأمريكان فى صفوف «داعش» والمحتجزين فى سوريا إلى خمسة حسب «برنامج التطرف» فى جامعة جورج واشنطن. ويقدر مسؤولون أمريكيون عدد مواطنى الولايات المتحدة الذين التحقوا أو حاولوا الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية فى سوريا والعراق بـ295، تم تحديد هوية 55 أمريكيا من بينهم.
 
وكشفت  «نيويورك تايمز» أن مراهقة أمريكية تبلغ 15 عاما من عمرها أعيدت من سوريا إلى كانساس، بعد زوجها والدها من من داعشى، وحملت منه.وتم اعتقال عدد من القاصرين داخل أمريكا خططوا لتنفيذ هجمات. كل هذه الوقائع تشير إلى استمرار لغز داعش وعلاقات أطراف أمريكية وتركية بالتنظيم الأكثر عنفًا وغموضًا طوال عشر سنوات.

القسم: 

من الصعب

من الصعب التكهن بما يمكن أن تصل إليه السياسات الأمريكية فى الشرق الأوسط والعالم، فى ظل القرارات التى اتخذها الرئيس الأمريكى والصراع المتصاعد مع خصومه داخل أمريكا، وهل ينجح ترامب فى الحصول على تمويل لبناء السور مع المكسيك الذى كان أحد أهم نقاط برنامجه الانتخابى، فى ظل أغلبية ديمقراطية ترفض الموافقة، ويرد ترامب برفض توقيع قانون تمويل المكاتب الحكومية، وفى نفس الوقت يتخذ قرارا بسحب القوات الأمريكية من سوريا وسط معارضة من البنتاجون والمؤسسات الأمريكية. 
 
ومع كل الاحتمالات فإن هذا الصراع يؤثر على الكثير من تفاصيل توازن القوى ومصائر القضايا المعلقة فى المنطقة، ترامب يصر على الانسحاب من سوريا ويدافع على «تويتر»: «أنا الوحيد فى أمريكا الذى استطعت أن أطلب عودة قواتنا العظيمة إلى الوطن وهى منتصرة، بل إنه يمد قراره إلى سحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان والعراق، ويقول: «لا نريد لأمريكا أن تلعب دور شرطى العالم بعد الآن».
 
القرار بالطبع يصطدم مع الكثير من المصالح والتوجهات والخطط الأمريكية تجاه العالم، وهو وضع يرى ترامب أنه لا يفيده كرئيس للولايات المتحدة، اضطر لزيارة قاعدة «عين الأسد» بالعراق سرا فى عيد الميلاد مع زوجته ميلانيا، وكانت الزيارة أحد نقاط انفجار الخلافات، وعبر ترامب علنا: «كنت خائفا وحزينا.. أن أذهب وأعود فى طائرة مطفأة الأضواء، وقال ألغى سابقا زيارتين للعراق بعد تسرب أنباء عنهما وانكشاف أمرهما قبل القيام بهما، وقال ترامب: من المحزن جدا عندما تنفق 7 تريليونات دولار فى الشرق الأوسط، ويتطلب الذهاب إلى هناك كل هذه السرية الهائلة والطائرات حولك، وأعظم المعدات فى العالم، وأن تفعل كل شىء كى تدخل سالما».
 
وقال أيضا إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تستمر فى أداء دور الشرطى العالمى: «نحن منتشرون فى العالم، وفى دول لم يسمع بها معظم الناس وهو أمر مضحك». 
 
تصريحات ترامب واجهت انتقادات من قبل عسكريين، وانتقد الجنرال ستانلى ماكريستال، قائد القوات الأمريكية السابق فى أفغانستان قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية، وهو ما دفع ترامب للرد عليه بتويتة: لقد طرد أوباما ماكريستال مثل الكلب بعد فشله فى مهمته الأخيرة بأفغانستان فهو معروف بالفم الكبير الغبى.
 
معارك ترامب لم تتوقف لم تتوقف على قراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا، وامتدت إلى إصرار ترامب على 5 مليارات دولار لبناء جدار على الحدود مع المكسيك، ومع معارضة الديمقراطيين رفض ترامب التصديق على قانون أقره الديمقراطيون لإعادة فتح الحكومة، وقال إنه لن يوقع قبل الحصول على الأموال اللازمة للجدار، ومع تمسك كل جانب بموقفه أغلق نحو ربع مكاتب الحكومة الاتحادية منذ أسبوعين مما حرم 800 ألف من العاملين فى القطاع العام من الحصول على أجورهم. وقال ترامب: عبء فى إنهاء هذا الإغلاق يقع على عاتق المشرعين الذين ينتمون للحزب الديمقراطى المعارض.
 
تويتات وتصريحات ترامب، تمثل أزمة داخلية يصعب التكهن بنتائجها، لكنها سوف تؤثر فى كل الأحوال على الأوضاع السياسية فى العراق وسوريا وأفغانستان، لأنها سوف تكون مقدمة لتحولات فى مواقف وطموحات الدول البرى فى حال الفراغات التى تتركها السياسة الأمريكية.
 

القسم: 

بالرغم من

بالرغم من التحول فى مواقف الدول الكبرى تجاه القضية السورية، والاتجاه أكثر نحو الحل السياسى، تظل هناك الكثير من التفاصيل بحاجة لتحرك، فى ظل انشغال الدول الكبرى بالداخل مما يقلل من تركيزها خارجيًا وفى الشرق الأوسط. بريطانيا مشغولة بالبريكست وإنهاء الخلاف، مع تأجيل التصويت داخل البرلمان البريطانى على اتفاق تريزا ماى رئيس الوزراء مع الاتحاد الأوروبى. وفى فرنسا تفرض مظاهرات السترات الصفراء نفسها، وتجذب اهتماما أوروبيا، وتهدد الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، بينما الرئيس الأمريكى ترامب هو الآخر مشغول فى صراع سياسى بعد هيمنة الديمقراطيين على الكونجرس، واستمرار الإغلاق الجزئى للإدارات الفيدرالية، وتهديد الرئيس الأمريكى بإبقاء الحكومة الفيدرالية مغلقة جزئيًا «إذا لم يحصل على 5.6 مليار دولار كمخصصات حكومية لبناء جداره المقترح عند الحدود الجنوبية مع المكسيك، حتى أنه حذر من أنه يفكر فى إعلان حالة طوارئ وطنية لبنائه دون موافقة الكونجرس».
 
وبالرغم من أن هذا الوضع يجعل روسيا الطرف الأكثر تأثيرًا، لكن معها أطراف مثل إيران وتركيا، وهناك الكثير من الأوراق متداخلة بين عدة أطراف. وبالرغم من أن وزير الخارجية البريطانى ألقى الكرة فى ملعب روسيا، فإن إعلان ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا يغير مواقف الأطراف المختلفة فى سوريا مثل تركيا وإيران. 
 
وزير الخارجية البريطانى قال «إن روسيا حصلت على مجال نفوذ جديد فى المنطقة من خلال دعمها للسلطات السورية، وتتحمل مسؤولية ضمان السلام فى سوريا». وهو نفوذ يتزايد فى حال تنفيذ الانسحاب الأمريكى ويضع على موسكو مسؤولية جمع الأطراف المختلفة مع النظام وضمان تنفيذ خطوات سورية تكون قادرة على استقطاب أطراف فاعلة داخل المشهد السورى، وهو ما يجعل الرهان حول قدرة موسكو على جمع أكبر عدد من الأطراف الفاعلة فى المعارضة السورية، وهو أمر يبدو صعبًا فى ظل تعدد فصائل المعارضة السورية وتوزع مصالحها حسب الدول التى تمولها وتدعمها. 
 
وبالطبع فإن اتجاه دول عربية إلى افتتاح سفاراتها فى دمشق، يساهم فى دعم الحل السياسى، مع تزامن أنباء على إقدام السعودية على إعادة علاقاتها مع سوريا وافتتاح سفارتها فى دمشق، بعد زيارة الرئيس السودانى عمر البشير لدمشق، وما أعقبها من فتح سفارتى الإمارات والبحرين مما يشير إلى احتمالات أكبر لإعادة سوريا إلى محيطها العربى، بعد تغير مواقف الدول المختلفة، وإن كان هذا مرهون بما تقدمه دمشق من خطوات للحل السياسى، وكما أعلن وزير الخارجية سامح شكرى فإن عودة سوريا لجامعة الدول العربية مرهون بقرار من مجلس الجامعة.وأوضح «شكرى» «أن هناك حاجة لاتخاذ دمشق إجراءات وفق قرار مجلس الأمن 2254 لتأهيل العودة للجامعة العربية». وشدد شكرى على أهمية تفعيل الحل السياسى واستعادة سوريا لسيادتها على أراضيها واضطلاع حكومة دمشق بمسؤوليتها تجاه الشعب السورى.
 
التحول فى المواقف العربية يبدو بطيئًا، لكنه يساهم فى الدفع نحو حل سياسى، خاصة أن موقف الجامعة العربية وتجميد عضوية سوريا، قد تم وسط أجواء مشحونة ودعائية، فضلًا عن تدخل مباشر من أطراف إقليمية بالمال والسلاح، على رأسها قطر وتركيا ودول أخرى، غيرت من موقفها، والدليل اتجاه السعودية والإمارات لفتح سفارات فى دمشق.
 
وبعد مرور سنوات يبدو الحل السياسى بحاجة إلى موقف عربى يبدو بعيدًا فى ظل الوضع الحالى، وإن كانت مصر تدفع إلى أهمية وضرورة الحل السياسى، فإن إعادة سوريا للجامعة العربية يمكن أن تفتح الباب لرعاية عربية لأطراف الحل، من الدولة السورية والمعارضة. 
 
لكن الأمر أكثر تعقيدًا، وربما يكون بحاجة إلى تحرك أكثر شمولًا مع روسيا وباقى الأطراف المتداخلة فى سوريا. خاصةوأن موسكو الأقدر على التواصل مع الأطراف المتناقضة، ومنها أطراف تورطت بشكل أو آخر فى الصراع، مثل تركيا التى ترفض الدعم الأمريكى للأكراد فى سوريا، ورفض الرئيس التركى رجب أردوغان تحذيرات مستشار الرئيس الأمريكى للأمن القومى جون بولتون، فيما يتعلق باستهداف القوات التركية لعناصر الأكراد داخل الأراضى السورية، وكان بولتون اشترط للانسحاب الأمريكى من سوريا أن توافق تركيا على حماية الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة، والذين يواجهون داعش. فى المقابل فإن قوات سوريا الديمقراطية الكردية لاتمانع من «حل مع الحكومة السورية. وهو ما قد يدفع إلى مزيد من التوتر بين واشنطن وأنقرة، وتقارب بين الأكراد والحكومة السورية. هناك أيضًا الموقف الإيرانى المتقارب مع موقف روسيا، حيث تدعم طهران الأسد طوال سنوات».
 
كل هذه الأوراق تجعل الحل السياسى فى سوريا، مرهونًا بالكثير من التفاصيل المعقدة، التى تتركز أكثر فى قدرة الدولة السورية على استقطاب أطراف المعارضة، فى وقت تواجه هذه المعارضة انكشافا بعد تخلى أوروبا عن مطلب إزاحة الرئيس بشار الأسد، وتراجع أطراف سبق ودعمت المسلحين والتنظيمات الإرهابية فى سوريا. وتظل الأوراق الأهم فى أيدى موسكو ودمشق.

القسم: