أكرم القصاص

اكتب اسمك

اكتب اسمك فى تعليق على فيس بوك، «فإذا ظهر بالأسود فأنت مراقب، وإذا بالأحمر أنت مراقب فعلا، وإذا أى لون تبقى مراقب جدا وإذا لم يظهر أنت مراقب عادة».
 
هذه غالبًا نسخة من نصائح متداولة على «فيس بوك» تظهر كل فترة ضمن موضة يزعم من يقيمها أنها تكشف ما إذا كان المستخدم مراقبا أم لا، بل أن مارك زوكربيرج ذكر مثل هذه الطريقة فى معرض شهادته أمام الكونجرس قبل شهور. ومع هذا لم يثبت أن هذه الطرق حقيقية، حتى لو كانت من بين نصائح زوكربيرج، فقد كان رئيس فيس بوك يتحدث فى استجواب عن اختراق حسابات المستخدمين، على خلفية اتهامات بنشر أخبار مضللة، والتأثير فى الانتخابات الأمريكية ومنح شركة الأبحاث «كامبريدج أناليتيكا» بيانات 87 مليون مستخدم. وبالتالى فالقضية الأساسية أن الطابع التجارى يجعل بيانات المستخدمين فى أيادٍ كثيرة.
 
فى الواقع فإن أحدا لا يمكنه الهروب من المراقبة أو الإفلات من أن تكون معلوماته متاحة ومعروضة على «فيس بوك، وهى المعلومات والصور والتحركات التى يقدمها المستخدم بنفسه، ويتيحها للفريندز، وهؤلاء يتيحونها «لفريندز آخرين». وبالتالى فإن الخصوصية تسقط اختيارا، بما يعرضه الواحد على صفحته.
أما الاختراق الأمنى والقرصنة وغيرها فهى عملية تظل غير واضحة الأبعاد والمعالم. وهناك الكثير من الأعين تتابع المستخدم وتعرف مزاجه واهتماماته وتحركاته، وانشغالاته ولايكاته، وترسم من كل هذا تصورًا شبه كامل يتضمن تفاصيل كثيرة. والدليل أن شركات الإعلان تضع لكل واحد ما يفكر فيه أو يتحدث حوله أو يبحث عنه خارج «فيس بوك»، وهناك مئات القصص تؤكد أن «فيس بوك» مفتوحة، حيث تلتقى شخصا ما ولا تتحدثان فتجده مرشحًا لك على صفحتك، تجرى حديثا عن سلعة أو خدمة تجدها أمامك فى إعلان دعائى.
 
وعليه فإن نصائح «اكتب اسمك واختبر اختراقاتك» تبدو نوعا من الإفيه أو التسلية، فى مواجهة فوبيا تنتاب البعض ويقدمون نصائح غير مجربة للكشف عما إذا كانوا مراقبين أم لا. تماما مثل بوست اعتاد البعض أن يكتبه أو ينقله يقول «أنا فلان الفلانى لم أعط فيس بوك الحق فى التصرف بمعلومات على حسابى»، وهى صيغة تحصيل حاصل، لأن من يكتب هذا وينشره يقدم مختارا كل ما يتعلق به على صفحته معروضا أمام الناس جميعا. وطالما لديك حساب على أى من أدوات التواصل أو حساب فى جوجل وتستقبل «كوكيز» فأنت على الهواء.
 
ومؤخرًا اعترفت إدارة «فيس بوك» أن هناك 30 مليون مستخدم تم اختراق بياناتهم عن طريق مجهولين وسرقة البيانات الخاصة بهم، والرقم متوقع أن يكون مائة ضعف الرقم المعلن، ولا يوجد شخص لم تطلب منه الصفحة كتابة الباسوورد فى الفترة من 25-28 سبتمبر الماضى. ويبدو الإعلان عن الهاكر مجرد حيلة لتخلى إدارة «فيس بوك» مسؤوليتها. خاصة أن البيانات التى أعلنوا أنها تمت سرقتها، هى نفسها البيانات الشخصية لكل مستخدم التى يتيحها على صفحته. مثل البريد الإلكترونى رقم الهاتف واسم المستخدم، تاريخ الميلاد والجنس. ونوع الأجهزة التى يستخدمها، واللغة والحالة الاجتماعية. والتعليم والموقع الإلكترونى، والمواقع التى زرتها. وكلها بيانات يمكن لأى شخص الحصول عليها.
 
الخلاصة عزيزى «الفيسبوكى» أنت غالبا مراقب قبل وبعد الهاكر، والمعلومات أنت تعرضها بنفسك، سواء ظهر تعليقك بالأحمر أو الأزرق أو الأسود أو الكاروهات.

القسم: 

لاتتوقف قمة

لاتتوقف قمة السيسى بوتين على العلاقات الثنائية بين مصر وروسيا، لكنها تأتى فى وقت تتقاطع فيه الكثير من الملفات على المستوى الإقليمى والدولى، ضمن تحولات متواصلة فى خرائط السياسة التى تبدو كل يوم أكثر تعقيدًا. حيث تتخذ التحولات الدولية أشكالا اقتصادية وتجارية، فضلا عن الملفات الأمنية والسياسية، ضمن إعادة ترتيب ملفات الطاقة والاستثمار والسياحة والتنمية.
 
وقد أصبحت العلاقات الدولية والإقليمية، اليوم، أكثر تعقيدا مما كان فى الماضى، وأكثر اشتباكا مما يبدو فى الظاهر.ففى حين تحكم المصالح العلاقات التجارية والاقتصادية، فإن هذه الملفات لاتنفصل عن الترتيبات فى مناطق الصراع فى سوريا وليبيا والعراق واليمن التى تحكمها مصالح وطموحات وصراعات ظاهرة ومخفية.
 
روسيا لاعب رئيسى فى الملفات الإقليمية والدولية، ومصر سياساتها تقوم على التنمية والسعى للحفاظ على الدولة الوطنية، والحلول السياسية للصراعات. 
 
من هنا يمكن توقع الملفات الثنائية التى ترتبط بقمة الرئيسين السيسى وبوتين، هناك التعاون الاقتصادى بين البلدين فى ملف السياحة وإعادة الرحلات الروسية لمصر بشكل كامل، وقد تم الاتفاق على عودتها جزئيا. وفى نفس الوقت تأتى محطة الضبعة النووية التى تقوم بتكنولوجيا روسية، وهناك أيضا ملفات الغاز والتبادل التجارى الممتد بين البلدين. وهو ما طرحه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كلمته بقمة سوتشى.
 
مؤتمر مشترك مع الرئيس بوتين حيث أعلن أن «مصر منفتحة للتعاون مع روسيا»، وأيضًا مناقشة ملف السياحة الروسية، واتجاه الرئيس بوتين لإبرام اتفاق استراتيجى للتعاون مع مصر والذى أعلنه الرئيس الروسى.واعتبار 2020 عاما ثقافيا مشتركا بين مصر وروسيا.
 
القمة «المصرية الروسية» بين الرئيسين السيسى وبوتين، فى سوتشى ناقشت ملفات العلاقات الثنائية فى مجالات الاقتصاد والتبادل التجارى والاستثمار والسياحة وتوطين الصناعة.وتناولت أيضًا الملفات الساخنة فى الشرق الأوسط، حيث يقوم تقارب فى وجهات النظر بين القاهرة وموسكو فيما يتعلق بالحل السياسى فى سوريا وليبيا، وأهمية «استعادة الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط بعد المعاناة الطويلة من قسوة الحرب والدمار» مثلما أكد السيسى.
 
 فيما يتعلق بالملف السورى تدفع مصر نحو تشجيع المبعوث الأممى، على إطلاق عمل لجنة صياغة الدستور وتهيئة ظروف مناسبة للمفاوضات السياسية، وصولًا إلى حل سياسى شامل، يحقق طموحات الشعب السورى، ويحافظ على وحدة الدولة. وبالنسبة للوضع فى ليبيا، تطرقت المباحثات إلى مستجدات الأزمة على الصعيدين السياسى والأمنى، على خلفية الاشتباكات الأخيرة التى شهدتها طرابلس، حيث ترى مصر أهمية توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وإنهاء الميليشيات وأن يكون الأمن مهمة حصرية، للقوات الأمنية النظامية والجيش الوطنى. كما تتبنى مصر دعوة المجتمع الدولى، للالتزام بتنفيذ مبادرة المبعوث الأممى «غسان سلامة» للحل فى ليبيا، بجميع عناصرها، وتجنب أى مسارات موازية تطيل الأزمة، وتوسع الخلاف بين الأطراف.
 
 يضاف إلى ذلك التقارب فى مواقف مصر وروسيا إزاء عملية السلام وتأكيد الثوابت، المتمثلة فى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، على أساس حل الدولتين، وفقًا لحدود عام 1967 ولأحكام القانون الدولى ومبادرة السلام العربية.
 
يضاف إلى ذلك تبادل المعلومات بين مصر وروسيا فى مواجهة الإرهاب. وهو ما يتماشى مع مصالح البلدين. وكل هذه الملفات تمثل أخطر ملفات المنطقة فى الحاضر وأى ترتيبات مستقبلية. وهو ما يجعل القمة فى وقت مهم وحاسم.

القسم: 

فى كل

فى كل عام مع اقتراب الشهور الأخيرة تبدأ مراكز دراسات وأبحاث فى إصدار تقارير وتوقعات، تحاول فيها رسم شكل لخرائط العام القادم، وتحديد الأطراف الرابحة والخاسرة إقليميا ودوليا ونادرا ما يعود الناس لاختبار هذه التوقعات فى العام السابق والأسبق، فى عملية أقرب إلى قراءة الكف والطالع وضرب الودع، مع أن قراءة الطالع غالبا ما تكون الأكثر جذبا من يصعد ومن يرحل ومن يسقط.
 
بالرغم من أن الأحداث فى عالم السياسة الإقليمية والدولية هى نتاج لما يحدث الآن وما جرى قبل أعوام وربما عقود، ولا حدود فاصلة، وما يحدث الآن هو نتاج لما جرى قبل سنوات، مثلا كان الغزو السوفيتى لأفغانستان عام 1979 بداية لتحولات دولية وإقليمية من انهيار الاتحاد السوفيتى، وانتهاء الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة والمعسكر الغربى، لينعكس هذا على مصائر الدول التى ارتبط بالكتلة الشرقية. 
 
وفى الوقت الذى أعلنت مراكز وجهات أمريكية نهاية العالم مع النموذج الأمريكى، استعادت روسيا بعض قوتها ولملمت آثار الصدمة، لتعود لاعبا أساسيا فى السياسة الدولية والإقليمية، بشكل يختلف عما كان عليه الاتحاد السوفيتى، حيث تحكم المصالح تحركات الدول وعلاقاتها. 
 
كانت أفغانستان أيضا نقطة انطلاق « تنظيم القاعدة وتنظيمات الإرهاب المعولم التى مثلها العائدون من أفغانستان فى الدول العربية، وتطورت هذه التنظيمات وانشقت وانتهت بتنظيمات مثل داعش وغيرها. 
ومثلما كان غزو أفغانستان نقطة ظهرت آثارها بعد عشر سنوات، كان غزو العراق للكويت هو نقطة الانطلاق الإقليمية التى أنتجت تحولات بدأت بحرب تحرير الكويت وحصار العراق وصولا إلى الغزو الأمريكى للعراق.
 
التقت آثار غزو العراق مع تنظيم القاعدة لتنتج داعش وتوابعها من تنظيمات الإرهاب، وهذه الشواهد تشير إلى التغيرات الكمية التى تقود إلى تحولات كيفية، وهو ما انعكس فى الشرق الأوسط وأسفر عن التغيرات الجارية من عشر سنوات إلى الآن، انعكس على ما يجرى فى سوريا وليبيا واليمن.
 
كما أن تأثير تحولات 2011 ما تزال تتفاعل وخلقت طموحات وتحركات وتدخلات، غيرت من شكل الدور الإقليمى لتركيا وإيران ، والدور الأمريكى والروسى والأوروبى ضمن تحالفات وصفقات تقترب وتتقاطع فى نقاط، وتتناقض فى نقاط أخرى، وما تزال هذه التحولات تلقى بظلالها، ولا يمكن التكهن بنتائجها أو شكل المنطقة خلال السنوات العشر المقبلة، معه تحركات ما تزال تلقى بظلالها، فقد بدأت أحدث الربيع العربى بصورة لكنها انتهت فى أشكال أخرى، وبدأ فى وقت ما أن تنظيمات مثل داعش وتنظيمات الإرهاب المسلح هى الرابح الاول من هذه التفاصيل. وهى لم تكن فى الاصل من التيارات المطالبة بالتغيير والديمقراطية، لكنها مثلت عائقا سحب التغيرات إلى نقاط أخرى لصالح أطراف دولية وإقليمية ضمن حرب بالوكالة تتنقل وتتسع وتضيق لتفرض نتائج لم تكن متوقعة. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط خسر الكثير من الثروات، فى صراعات طائفية وعرقية ساهمت فيها تنظيمات الإرهاب، وكان الرابح الأول هو شركات السلاح فى الدول الكبرى.
 
وخلال السنوات الماضية كانت هناك توقعات وسيناريوهات لشكل المنطقة، لم تتحقق، لكن ظلت هناك قوائم مفتوحة للتغيير، وسط واقع دولى مرتبك وأزمات اقتصادية تطل برأسها، ضمن سيناريو يصعب التكهن بنتائجه كاملة، لكنه نتاج لتغيرات جرت خلال عشر سنوات سابقة.

القسم: 

خلال عقود

خلال عقود يسعى محللون وخبراء لفك شفرة كيفية تحول الشخص العادى إلى إرهابى واللحظة التى يمارس القتل أو التفجير أو الإيذاء، وهناك بالطبع محاولات مستمرة لتحليل الإرهاب ونشأته وأسبابه وخلال موجات الإرهاب فى الثمانينيات والتسعينيات كان بعض الخبراء يعتبرون الظروف الاجتماعية الاقتصادية، تمثل عاملا مهما فى نشأة الإرهاب لكن فى نفس الوقت كانت خرائط الإرهاب تناقض هذه التفسيرات باعتبار أن أغلب قيادات الإرهاب لم يكونوا فقراء أو أميين، بل إن قيادات تنظيم الجهاد فى الثمانينيات كانوا إما طلابا من أسر متوسطة بكليات الطب والهندسة أو أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة.
 
كان محمد عبدالسلام فرج منظر الجهاد مهندسا، وعمر عبدالرحمن أستاذا بجامعة الأزهر، ومن نفذوا عملية الهجوم على مديرية أمن أسيوط مهندسين وأطباء وتجار، وعاد بعضهم ليمارس الإرهاب فى التسعينيات. ثمن أن أسامة بن لادن من أسرة ثرية، وأيمن الظواهرى طبيب، بل أن الإرهابيين ليسوا فقط من يفجر ويقتل لكن الممولين هناك أثرياء ومتعلمين يمولون الإرهاب.
 
أما تنظيمات مثل داعش والنصرة وغيرها فقد استقطبت شبابا من أوروبا، ولدوا وتعلموا فى مدارس حديثة وعاشوا فى مجتمعات ديمقراطية. ونفس الأمر ينطبق على أمثال هشام عشماوى الذى ارتبط بالقاعدة وعدد من تنظيمات الإرهاب الإقليمى، وعشماوى ممن اعتنقوا الفكر التكفيرى وانخرطوا فى تنظيمات الإرهاب، وهى تنظيمات ليست بعيدة عن تقاطعات السياسة والاستخبارات، منذ تم إنشاء تنظيم القاعدة فى افغانستان برعاية أمريكية فى مواجهة الاتحاد السوفيتى، فى واحدة من أخطر محطات الحرب الباردة، لتمثل واحدة من أخطر محطات الإرهاب.
 
بعد انتهاء الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة، تخلت الولايات المتحدة عن القاعدة، وانقلب التنظيم على صانعه، وجرت تغييرات على تنظيم القاعدة وانشقاقات وصراعات داخلية فضلا عن تداخلها من أجهزة استخبارات ودول ممولة، لتبدأ مرحلة جديدة من الإرهاب، ومثل الغزو الأمريكى للعراق تحولا آخر فى انتشار القاعدة، ومن تفاعلات وانشقاقات ظهرت تنظيمات مثل داعش والنصرة وفتح الإسلام، وغيرها والتى تمثل تنويعا على الإرهاب الممول والموجه، حيث يمثل الخطاب التكفيرى الدينى مجرد غطاء لتمرير مصالح الدول والجهات الممولة، لأن التنظيمات الإرهابية مثل داعش وغيرها كانت تحصل على أسلحة متطورة قبل أن تبدأ فى نهب البترول وبيعه من خلال علاقات مع دول التمويل والتنسيق.
 
ويمثل الخطاب الخطاب التكفيرى غطاء لتجنيد أعضاء جدد، ويتم انتقاء شباب ذى مواصفات خاصة نفسيا واجتماعيا، بحيث يصلحون أدوات للقتل من دون القدرة على تخطى الفهم أو طرح الأسئلة، ولعل من تابعوا أبحاثا وكتابات أو أفلاما وثائقية مثل الوثائقى البريطانى «الدولة»، يمكنهم إدراك الفرق بين الخطاب والممارسة داخل تنظيمات الإرهاب، حيث يكون القادة عادة بعيدين عن مجالات المواجهة، ويهربون من القتل، بينما يكون الشباب مجرد وقود فى حرب لا يدركون أبعادها.
 
وهو ما يعيدنا لنقطة البداية فى البحث عن كيفية تحول الشخص العادة إلى إرهابى وأداة قتل، بينما هو ينفذ أجندة أو أهداف لا يدركها، ضمن ما يمكن تسميته «عولمة الإرهاب».

القسم: 

فى زمن

فى زمن الخط الساخن والبارد والطالع والنازل، يمكن للمواطن أن يحصل على كلام حلو من خدمة العملاء، يستقبلوه بأى خدمة وأنه «على عين الشركة ورأسها»، وفى النهاية لا يحصل المواطن إلا على الكلام المعسول والوعود، ثم يظل العطل قائما والمشكلة مستمرة بنجاح باهر.
 
الواقع، الحكومة لا تتوقف عن اختراع خطوط ساخنة للشكاوى وحماية المستهلك، والإبلاغ عن الأعطال وعن بلطجة السياس فى الشوارع، والإبلاغ عن القمامة، وكل هذه الخطوط الساخنة التى نسمع عنها فى الإعلانات وتعمل فقط أمام الكاميرات سرعان ما تلحق بغيرها من خطوط ساخنة وكاروهات.
 
ولكل منا شكوى موسمية من انقطاع التليفون أو الإنترنت، ويتصل ليسجل شكوى ويحصل على رقم مع وعد بالإصلاح، ولا يتم الإصلاح،  يعاود المواطن الاتصال فيرد عليه أحد موظفى خدمة العملاء بكل أدب جم وتعاون، ويعيد الأسئلة فيجيب المواطن، ويرد المندوب أنه جارى العمل وأنه فى الخدمة.
 
الخلاصة أن المواطن يظل يعانى وخدمة العملاء تطيب خاطره، وتقدم له وعودا من دون تنفيذ، وهنا نتذكر القصة النكتة عن المبنى الفاخر ذى الأدوار الخمسة المكيفة، التى يفترض أنه تم الإعلان عن أنها تبيع فراخ جيدة بأسعار وجودة مناسبة، وبعد أن يذهب المواطن يستقبله مسؤولون يرحبون به ويحولوه إلى الدور الأعلى، وفى النهاية يكتشف أن المبنى الفخم ليس فيه أى حاجة، ويخبره المسؤول: «مافيش فراخ بس إيه رأيك فى السيستم».
 
شخصيا أنا وغيرى لدينا قصة متكررة مع «وى» مرحبا بك فى «وى»، وتبدأ رحلة التوجيه ومع طلب الضغط على الأرقام، تنتهى باستطلاع رأى عن مدى الرضا عن طريق الإجابة عن الأسئلة، ولا يوجد سؤال عن مدى الرضا عن إصلاح العطل الذى يبقى مستمرا، لهذا كلما سمعنا عن منظومة «السيستم» تلعب الفئران، ولدى حكاية مع السيستم من أيام وزارة الاتصالات، ثم «تى إى داتا» وأخيرا «وى».
 
تنقطع حرارة التليفون دوريا وإيمانا بالـ«سيستم»، اتصلت بالرقم المخصص للشكاوى، أكثر من عشر مرات وبعد الضغط على أرقام تقود إلى أرقام، وتسجيل البيانات، و«لضمان مستوى الخدمة جميع المكالمات قد تكون مسجلة ومراقبة»، وتمر الأيام وتتكرر الشكوى ويتكرر الرد، مع ما تيسر من إعلانات عن الإنجازات من دون إصلاح العطل، ونضطر للقفز على كل هذه الهيصة، لنتصل بأحد المسؤولين الذى يتدخل مشكورا، ليحل المشكلة قبل أن تعود بنفس الشكل والمضمون، المهم السيستم والخط، وتجيب على استطلاع رأى حول مدى الرضا، مع الآخذ فى الاعتبار أن المستهلك يدفع ثمن كل هذا السيستم، الذى لا يحل ولا يربط، وعلى المواطن أن يقضى نصف عمره أمام الخط الساخن من دون أن يحصل على حل حقيقى.
 
القصة وما فيها أن الاهتمام بالشكل أهم من التركيز على المضمون، ولا نعرف كيف يمكن للمواطن أن يشعر بالرضا والمشكلة مستمرة، ولا أحد يهتم بحماية المستهلك من شركات تهتم فقط بتحصيل المال دون أن تقدم أمامه خدمة محترمة.. وسلم لى «على السيستم».

القسم: 

العالم الافتراضى

العالم الافتراضى واقع يجب أن نتعامل معه بميزاته وعيوبه وأعراضه الجانبية، هى نصيحة خبرة لمن يشكون طوال الوقت من انتشار الشائعات وحملات النميمة والابتزاز والانتقام. ثم إن هناك ميزات اجتماعية وتواصلية لهذه الأدوات، وهو عالم يعكس العالم الواقعى مع الكثير من التضخيم والمبالغة.
 
وباعتراف علماء النفس والاجتماع، فإن ما يحدث من حملات نميمة أو شتائم أو ابتزاز على مواقع التواصل يقوم به مرضى لا يظهر عليهم المرض، ولا يعترفون بأنهم مرضى مثل كثير من المرضى من حولنا ممن ينكرون كونهم مرضى. بل إن هناك ميولًا إجرامية لدى أفراد كثيرين تمامًا مثلما هو فى العالم الواقعى.
 
ويرصد علماء النفس بعض المستخدمين ممن لايفعلون أى نشاط مفيد على «فيس بوك» غير إطلاق الشائعات والشتائم، والانخراط فى أكثر الحملات بذاءة وتشهيرًا، وهؤلاء مرضى ولديهم عقد نفسية أو أمراض عقلية تتشابه مع مجرمين يمارسون جرائمهم فى الخفاء بعيدًا عن الأعين، ومنها جرائم مثل الاغتصاب أو الاعتداء على الأطفال. وهؤلاء فى العالم الافتراضى يمارسون جرائمهم وهم متخفون خلف الشاشات والكيبوردات، ويكونون أكثر جبنًا فى الواقع يعجزون عن المواجهة أو الحوار المباشر، ومنهم من يكتب باسم مستعار.
 
وهناك دراسة مهمة بناءً على استطلاع فى جامعة بريطانية كشفت أن عددًا كبيرًا من مستخدمى «الفيس بوك» ممن يشاركون فى حملات النميمة والسب، أو يشتمون نجمًا أو يشاركون فى حفلات تشهير يعانون من عقد نقص وربما يشعرون بالدونية والفشل والعجز، حتى لو لم يكونوا كذلك، وغالبًا ما تكون لديهم مشكلات إقامة علاقات اجتماعية سوية، أو حتى أسرية ويندفعون بشعور نقص تجاه أقرانهم.
 
وغالبًا ما يتجه مرضى العالم الافتراضى إلى خارج الموضوع، ويملكون شعورًا بالتحقق عندما يمارسون السخرية والتقليل والتحقير من شأن غيرهم، والمفارقة أن هذه الأمراض لاعلاقة لها بالفقر والثراء، وبعض من يمارسون الشتائم بأسماء مستعارة من فئات مستورة أو ثرية لايعانون من مشكلات مادية، لكنهم يشبهون مرضى بداء السرقة من بين عائلات أكثر ثراءً.
 
ويرصد المعالجون النفسيون مفارقات فى سلوك مرضى الهجمات الافتراضية، فالصمت والتجاهل يصيبهم بمزيد من الهياج، لكنه الحل فى مواجهة هذا النمط من الجريمة، والبعض منهم قد يجد فى العقاب علاجًا وتهذيبًا.
 
وفى المقابل هناك نمط آخر من المرضى بالأضواء، يسعون للاستفادة من أضواء السوشيال، لكنهم غالبًا من يجدون أنفسهم فى مرمى نيران هجوم أو سخرية، ويشكون من الانتقاد بالرغم من أنهم يقدمون ما يشجع على انتقادهم. ولهذا فإن النجمة التى تنشر صورها وتبالغ فى الاستعراض، على مواقع التواصل تكون عرضة لتلقى انتقادات أو شتائم إما بسبب المنافسة، أو بسبب المرض الافتراضى، وبالتالى فإن من يريد نجومية عليه تحمل قرص النحل الافتراضى. لكن الأمر قد يتطور مع نوعيات المرضى النفسيين إلى بذاءات يرفضها الشخص الطبيعى.
 
والشاهد أن العالم الافتراضى يصعب ضمان قوانينه أو هو بلا قوانين يضم الأسوياء المرضى والمجرمين بأنواعهم والنصابين، وأحيانًا يظهر المرض النفسى بشكل أكثر وضوحًا. ربما لهذا فإن «آرت ماركمان» بروفيسور علم النفس فى جامعة تكساس، بعد دراسة للعالم الافتراضى أعلن أن «الأشخاص على الإنترنت يصبحون أكثر جرأة ووقاحة، ويقولون أشياء لا يستطيعون قولها فى الواقع». وهنا هو يقصد بعض هؤلاء خاصة المصابون بأمراض تحتاج إلى علاج.

القسم: 

متى يمكن

متى يمكن أن نشاهد نتائج مشروع تطوير التعليم الذى بدأ هذا العام.. وكيف يطمئن أولياء الأمور أن أبناءهم يتلقون تعليما أفضل مما هو قائم، وما مدى استعداد المعلمين الجدد وكفاية إعدادهم لتطبيق النظام الجديد للمناهج والاختبارات وطرق التدريس؟
 
وإذا كان من حق المواطنين أن يشعروا بالقلق والخوف بعد سنوات من التجريب، فهناك مؤشرات على مدى جدية الدولة ممثلة فى الرئاسة، والحكومة ووزارة التعليم، والاعتراف بوجود مشكلات وتراكمات مع نية واحدة فى مواجهتها، وهى مؤشرات على جدية يمكن أن تطمئن المواطنين، وفى نفس الوقت يظل لدى وزير التعليم حق فى الغضب من صفحات ومجموعات تتفرغ للهجوم من دون مناقشة لما يطرحه من تفاصيل. والفيصل فى هذا هو ما سوف نلمسه من نتائج خلال السنوات الثلاث المقبلة من تراجع الدروس الخصوصية ونجاح تطوير الثانوية التراكمية وتعديل نظام الامتحانات نحو الفهم وليس التلقين.
 
 خلال الحوار المطول مع الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم، مع رؤساء تحرير الصحف بمبادرة الأستاذ مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، أعلن الوزير أن نظام التعليم الجديد الذى يبدأ من رياض الأطفال هذا العام، ثم أولى ابتدائى السنة المقبلة وثانية وثالثة،  والنتيجة تظهر كاملة بعد 12 سنة، ولعل هذا هو جزء من الالتباس الجارى على الساحة، هناك أولياء أمور وآخرون يريدون التعرف على النتيجة أو تصور عن نجاح المشروع وأنه يحقق المأمول منه، وهو أمر يبدو صعبا.
 
و قد وجهت سؤالا للدكتور طارق شوقى ونحن ننتظر 12 سنة هل يمكن خلال سنوات أن نرى مؤشرات؟  ورد الوزير أنه يمكننا أن نرى شكلا لهذا التطوير خلال ثلاث سنوات، وتظل هذه هى النقطة الفاصلة فيما يتعلق بنتائج عملية تطوير التعليم، وبالطبع فإن الدكتور طارق شوقى أشار إلى أننا ونحن نبدأ المسار الجديد والذى يتضمن تغييرا شاملا فى المناهج وطرق التدريس والامتحانات والتقييم وفى نفس الوقت يتم تطبيق النظام الجديد للثانوية العامة التراكمية، ومركز الامتحانات «أون لاين»، بعد تركيب السيرفرات المركزية داخل المدارس الثانوية، وتحميلها بالمحتوى الرقمى للمناهج والفيديوهات التعليمية.
 
الإعلان عن الثانوية التراكمية يثير مخاوف من أن تتحول الدروس الخصوصية إلى وجبة ثلاثية السنوات بدلا من سنة واحدة، وهنا يعد الوزير بأن التغيير فى الثانوية العامة يستهدف تغيير الامتحانات والتقييم، ولا توجد أعمال سنة تجعل المدرس متحكما ولا يفيد الدرس الخصوصى لأن  المركز القومى للامتحانات سيضع الأسئلة وأكثر من امتحان فى العام، وهى امتحانات تختبر قدرة الطالب على الفهم، وتعطيه أكثر من فرصة لتحسين نتيجته النهائية باختيار أفضل نتائج.
 
ويظل الرهان على مدى فاعلية هذا النظام للثانوية، من الممارسة ومدى تراجع الدروس الخصوصية وفاعلية نظام الامتحانات والتقييم، مع استمرار وجود استعداد لدى وزارة التعليم للإجابة عما هو مطروح من أسئلة، حتى يمكن إغلاق الباب الذى تدخل منه الشكوك، وتنطلق من جماعات مصالح، ويفترض التفرقة بين أصحاب مصالح يضرهم تطوير التعليم، وأولياء أمور يخدمهم التطوير.

القسم: 

خلال الشهور

خلال الشهور الأخيرة حققت القوات المسلحة والشرطة انتصارات متعددة على جبهة مواجهة الإرهاب، وجاء البيان 28 للعملية سيناء 2018 متزامنا مع احتفالات الذكرى 45 لانتصار أكتوبر، ليمثل تأكيدا للتقدم الكبير فى مواجهة الإهاب وتطهير سيناء من فلول الجرذان السوداء، لتكتب مصر نهاية للإرهاب على أرض سيناء، وتقدم درسا إلى دول المنطقة والعالم فى المواجهة الحاسمة مع تنظيمات كادت تجتاح المنطقة وتفرض سيطرتها وترفع راياتها السوداء.
 
وحتى يمكن تفهم العملية سيناء 2018 يحتاج المحللون للنظر على خارطة إقليمية معقدة، لأن الإرهاب فى مصر ليس محليا فقط، وليست التنظيمات الإرهابية مجرد خارجين على القانون، لكنها تنظيمات معقدة ذات امتدادات خارجية، يؤكد ذلك حجم ما يتلقونه من أسلحة ومعلومات. فى وقت كانت التنظيمات المماثلة تتوسع خلال سبع سنوات، وظهرت داعش والنصرة، مدعومين بمليارات قطر ودعم استخباراتى متعدد، بهدف تغيير الخريطة، ولهذا لم تتعامل مصر مع تنظيمات الإرهاب بسيناء على أنها مجرد تهديد محلى، لكنها كشفت من البداية أن هذه الإرهاب هنا مجرد جزء من شبكة متصلة على جبهات متعددة. 
 
ارتفعت رايات داعش على مناطق مختلفة فى سوريا والعراق، وتم الإعلان عن مؤسسات تعليمية ومحاكمات وإعدام وحرق وقتل وتفجير، بينما بدا الأمر مختلفا فى مصر، فقد كانت المواجهة منهجية، إدراكا لحجم وتسليح هذه التنظيمات وعلاقاتها الخارجية، كجزء من إرهاب معولم، ينفذ مخطط التفتيت والعزل. 
 
وحتى يمكن اكتشاف حجم الإنجاز الذى حققته قواتنا المسلحة يكفى النظر إلى حجم وشكل وتوزيع التنظيمات الإرهابية مثل داعش والنصرة فى سوريا والعراق وليبيا، وكانت هناك توقعات وتقارير كثيرة عن مخططات من رعاة الإرهاب بإرسال فلول داعش إلى مناطق مختلفة منها سيناء بمصر، وورد هذا على لسان الرئيس التركى رجب أردوغان. عندما قال إن هناك خططا لإرسال الإرهابيين إلى مناطق بالشرق الأوسط ومنها مصر. 
 
يضاف إلى ذلك أن القوات تعمل بحرص شديد لكون حركتها وسط المدنيين، بينما لا يراعى الإرهابيون أى قواعد إنسانية، وبدت قوات الجيش والشرطة أقرب لمن يجرى جراحة لاستئصال ورم خبيث بين الأعضاء الحيوية للجسم، بكثير من الصبر والعمل المعلوماتى استمرت عمليات التطهير.
 
وجاءت البيانات الأخيرة استكمالا للمعارك البطولية التى يخوضها أبطال القوات المسلحة والشرطة والنجاحات المتتالية لتجفيف منابع الإرهاب وتدمير البنية التحتية للإرهاب، تدمير الأوكار وقطع الاتصالات، والضربات الاستباقية التى تجرى كجراحات دقيقة.
 
ومن هنا يمكن النظر إلى العملية سيناء 2018، فهى ليست عملية أمنية، وإنما حرب لإنهاء الإرهاب أثرت على مستقبل التنظيمات الإرهابية فى الشرق الأوسط، بل إن نجاح مصر انعكس بشكل مباشر وغير مباشر على مصير الإرهاب فى سوريا والعراق، وليبيا. فقد انعكس نجاح مصر فى هزيمة الإرهاب على خرائط التنظيمات فى المنطقة، ويوما ما سوف تظهر تفاصيل عن نهاية الإرهاب فى المنطقة بتوقيع مصرى.

القسم: 

وإذا كنا

وإذا كنا نتحدث عن أهمية توثيق تاريخنا السياسى، والأهم والعسكرى، فكل هذا لأننا أصبحنا نعتمد بدرجة أكبر على مصادر أجنبية بصرف النظر عن مدى مصداقيتها أو صحتها، وكل من يحاول البحث فى الأحداث التاريخية سوف يجد أنه مضطر للتفتيش فى مكتبات كبرى فى الولايات المتحدة أو بريطانيا. وأهم مصادر يمكن الإطلاع عليها فيما يتعلق بالحرب والتفاوض والمباحثات السرية والعلنية، هى فى الأصل مصادر أمريكية وأوربية عموما. باستثناء مذكرات للقادة والضباط وبعضها بمبادرات شخصية صدرت فى أعقاب الحرب، وبالتالى ينقصها الكثير من التفاصيل.
وربما يتساءل البعض عن السبب وراء وجود أشكال من الجدل والمعارك السطحية فى التاريخ الحديث، بينما هؤلاء يخضعون لبث من مصادر خارجية، ولا يجدوا ما يكفى من مصادر محلية.
وإذا نظرنا إلى الجانب الآخر إسرائيل نكتشف مئات التقارير والكتب والأفلام الوثائقية والبرامج تقدم شهادات أوراق وتفاصيل مختلفة، وهناك مراكز دراسات وأبحاث تتعامل مع الأحداث بالتحليل والشرح وبعضها يتعامل بدرجة من الصراحة تصل لانتقاد الأخطاء، السياسية، لكنها فى الوقت نفسه تحرص على حماية الأسرار العسكرية، ولا تخلو من وجهات نظر متعددة، لكن أغلب هذه الكتب والأبحاث فى النهاية تسعى لفرض وجهة نظر، وعلى سبيل المثال وبينما تم اختصار الثغرة فى الخلاف بين الرئيس السادات والفريق سعد الدين الشاذلى، فإن الإسرائيليين حاولوا أن يضخموا من الثغرة ليصوروها كأنها انتصار كبير، وبينما نجد مناقشات سطحية واستقطاب ساذج حول الحرب، وكأننا فى مدرجات كرة وليس فى تقييم حدث سياسى وعسكرى ضخم، ولا يخلو الكثير مما يدور من مغالطات، تبدو نتيجة طبيعية لنقص المصادر المصرية مقابل المصادر الأجنبية.
على جانب آخر فإن مفاوضات وقف إطلاق النار بعد حرب أكتوبر والتى كانت ذات طابع سياسى أكثر منه عسكرى فهذه المفاوضات لا تتوفر حولها الكثير من التفاصيل باستثناء ما ذكره المشير الجمسى أو بعض قادة المرحلة، بينما هناك سيل من التقارير والأوراق نشرها الإسرائيليون والأمريكان، وبالطبع فهى تحمل وجهات نظر الآخرين أو قد تتضمن حذفا أو إضافة بشكل احترافى.
ومن المفارقات أننا نختلف حول روايات لتواريخ وأحداث قريبة دارت خلال سبع سنوات، فمال بالنا بأحدث تمتد إلى 45 عاما أو أكثر وتخلو من أوراق أو تفاصيل يمكن الاعتماد عليها. لقد كانت هناك مطالب عن أهمية تنظيم عملية نشر الوثائق والمعلومات، وهذا ليس فقط من أجل الصحافة وإنما من أجل الذاكرة والبحث والتحليل الذى يقوم عليه التاريخ، وكما أشرنا ففى عصر المعلومات المزدحم والمعقد يبدو المحتوى العربى عموما والمصرى قليل مقارنة بالمحتويات المختلفة، أو التى تعتمد على مصادر إسرائيلية أو أمريكية، بناء على قوانين إطلاق الوثائق والمعلومات فى هذه الدول، والأخطر أن أغلب الأفلام الوثائقية عن حرب أكتوبر وغيرها، ليست مصرية ولا تعتمد على مصادر حية، وإنما إعادة إنتاج لوجهات نظر الآخرين، وهى التى تؤدى لسوء الفهم.
يضاف إلى ذلك أن جزءا من أسباب تفشى السطحية فى جدل السياسة والتاريخ هو الاعتماد على مصادر خارجية لكل منها وجهة نظرة، ولهذا تظل أهمية نشر الأوراق والوثائق الخام، فى أنها تساعد على فهم وتفسير ما يجرى فى الماضى تمهيدا للمستقبل، إنها حرب على ذاكرة الأجيال تحتاج إلى قواعد تنظيم حق الاطلاع على الوثائق.

القسم: 

سوف يظل

سوف يظل التوثيق والتسجيل واحدا من أهم النقاط المفصلية فيما يتعلق بالأحداث الكبرى، سواء فى السياسة أو الحروب، والتى تظهر موسميا وتذكرنا بأننا نفتقد للكثير من التفاصيل التى تخدم عمليات التأريخ والرصد السياسى، ويلفت النظر أن الكثير من الكتب والأفلام الوثائقية حول حرب أكتوبر أو غيرها من الأحداث، من مصادر إسرائيلية أو أمريكية، وقد جرت العادة أن الخارجية الأمريكية والبريطانية تفرج عن مجموعات من الوثائق والأوراق بموجب قوانين تحكم حرية تداول ونشر المعلومات، سواء بعد عشرين أو ثلاثين عاما. ومنها وثائق تتعلق بأحداث الشرق الأوسط أو المباحثات السياسية والعسكرية، وبالطبع فإن هذه الروايات تكون من زوايا ومصالح هذه الجهات، وتمثل وجهة نظر واحدة.
 
ويلفت النظر أن أغلب الكتب التى صدرت عن الحرب والسلام تعتمد على وثائق أمريكية أو إسرائيلية مما يجعلها عرضة للنقص والتحريف، ولا يمكن أن نبقى بعد 45 عاما على حرب أكتوبر مختلفين حول تفاصيل صغيرة، ولا يتعلق الخلاف حول عظمة هذه الحرب وبطولات الضباط والجنود لكنه غالبا ما يكون اختلافا سياسيا ينعكس على الحدث نفسه، وهى سمة من سمات التاريخ بشكل عام والفترات الحادة والخلافات الكبيرة، ولكل هذا تأتى أهمية التوثيق وتقديم الشهادات والأوراق والقرارات الأساسية كمادة خام محايدة وفى وجود التوثيق تتوقف التكهنات أو الافتراضات ومحاولات التلاعب.
 
وبالنسبة لحرب أكتوبر فإن كثيرا من البطولات المعروفة لجنود وضباط تم تسجيلها باجتهادات خاصة وليس بشكل منهجى وبالطبع ضاعت الكثير من الوقائع طوال سنوات، ونعرف أنه كان هناك مشروع لتسجيل شهادات القادة والجنود بشكل توثيقى، لكن هذا المشروع أصبح، ضمن أعمال أخرى، غير معروف المصير، وهناك بالطبع شهادات ومذكرات لقادة الحرب صدر بعضها فى أوقات متفرقة مثل كتاب الفريق الشاذلى والمشير الجمسى والفريق كمال حسن على، وركز كل منهم على الأحداث والقرارات الكبرى ضمن ما سمح به وقتها، وسجلت الصحافة الكثير من الشهادات والبطولات لأبطال مثل عبد العاطى وغيره، وفى بعض الكتب والمجلات محدودة التوزيع التى ظهرت يمكن العثور على قصص ووقائع متفرقة، لكن كل هذا يمكن أن يشكل جزءا بسيطا مما جرى ولكنه لا يقدم الصورة كاملة.
 
وخلال السنوات الأخيرة سعى بعض المجتهدين لنشر شهادات على شبكة الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعى، لكن هذه الشهادت بقيت إما ناقصة أو من دون مصدر وتعرضت لعمليات نقل وقص ولصق مثل الكثير مما يجرى على الإنترنت.
 
ومن جانب آخر فإن بعض المناقشات الموسمية التى يديرها البعض عن أكتوبر أو حتى دور الشخصيات التاريخية مثل الرئيس جمال عبدالناصر أو أنور السادات، تدور بطريقة الألتراس، وحسب مدى انحياز الأشخاص لطرف أو آخر.
 
ويضاف لذلك أننا فى عصر السوشيال ميديا نرى سجالات حول وجهات نظر القادة فى حرب أكتوبر، ونكتشف أن السجال يدور بشهادات منتزعة من سياقها أو ناقصة، وتبدو بعض هذه المناقشات عبثية لكون من يمارسونها يستخدمون أجزاء منتزعة من شهادة هنا أو كتاب هناك. ونكتشف أن الخلافات السياسية تظلم التوثيق الحقيقى للحرب والانتصار وتضيع فرصة للمعرفة والتحليل بعيدا عن الانحيازات.
 
وكل هذا اللغط يعيدنا إلى النقطة الرئيسية وهى أهمية أن تنشر الجهات المعتمدة الأوراق والشهادت الأساسية خدمةً للتاريخ ولبطولات قواتنا بعيدا عن أى استقطاب سياسى، ويتم إطلاق الوثائق والأوراق حتى لا تبقى الشهادات الأساسية مكتوبة بأيدى العدو.

القسم: