خالد منتصر

خالد منتصر يكتب: المناظرة التى قتلت فرج فودة

إلى كل من يقول إن المناظرات هى الحل، وإن طرح وجهات النظر المختلفة مع تيار الإسلام السياسى أو مع كل من يحاول استغلال الدين لكسب مساحات تعاطف سياسى فى الشارع أو لممارسة تسلط فكرى على أمخاخ المواطنين هو المنقذ لعقل هذا البلد، أقول لهم: رهانكم خاسر وأمنياتكم قبض الريح، وأذكّركم فقط بأن فرج فودة، رحمه الله، كان ضحية مناظرة، وكان فيها فى منتهى الهدوء رداً على من يقول: سيقتلون إسلام بحيرى لأنه يعبّر عن رأيه بعصبية، وهم معذورون فى ذلك لأنه عصبى ويستفزهم! أطمئنكم بأن فرج فودة فى المناظرة، واسمعوها كاملة، كان هو الهادئ الوحيد فيهم، وكان خفيض الصوت ينتقى كلماته بميزان الذهب وكأنه يمشى على السلك، ورغم ذلك لم يرحموه واغتالوه! إنهم لا يحتملون الخلاف أصلاً وهم يصدرون أحكاماً سابقة التجهيز بالتكفير ويذهبون للحوار مغلقى المسام تماماً، لكن ما هى حكاية تلك المناظرة لكى نتذكر ونعتبر ونفهم.
 
قبل ستة شهور بالتمام والكمال من اغتياله حضر الكاتب المقاتل فرج فودة مناظرة فى معرض الكتاب واجه فيها الشيخ الغزالى والدكتور محمد عمارة والمستشار الهضيبى، واجههم فى ٨ يناير ١٩٩٢ بالمنطق وبالعقل فتمت مواجهته بعدها بستة أشهر فى ٨ يونيو ١٩٩٢ بالرصاص والدم. بكى مدير الندوة د. سمير سرحان كثيراً بعد اغتيال فرج فودة نتيجة إحساسه بالذنب بعد أن اتضح أن قرار الاغتيال جاء بعد هذه المناظرة!
 
سأقتبس لكم من هذه المناظرة بمناسبة الاحتفال بذكرى فرج فودة بعض الفقرات وأترك لكم الحكم: هل يستحق فرج فودة الاغتيال بعد هذه المناظرة أم يستحق التكريم؟ وهل اختلافه مع الإسلام السياسى يعنى اختلافه مع الإسلام نفسه؟ اقرأوا بعين العقل وأنتم ستعرفون أن فرج فودة كان يدافع عن صورة الإسلام السمح الحضارى بعيداً عن الاستغلال السياسى وأحكام التكفير والقتل.
 
بدأ د. فرج فودة الندوة بقوله: «لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، رؤية واجتهاداً وفقهاً، الإسلام الدين فى أعلى عليين، أما الدولة فهى كيان سياسى وكيان اقتصادى واجتماعى يلزمه برنامج تفصيلى يحدد أسلوب الحكم».
 
يقول فودة أيضاً: «أنا من المؤمنين بأن الإسلام كدين لا يتناقض أبداً، ونحن حين نقول نزّهوا الإسلام لنا وجهة نظر فى هذا، أنا لست مع الدكتور عمارة حين قال ليس الإسلاميون فقط هم الذين اختلفوا.. الشيوعيون اختلفوا أيضاً!!».
 
الرد: أنا أقبل أن تهان الشيوعية ولكنى لا أقبل أن يهان الإسلام، حاشا لله، أما أن يختلف الفرقاء فى أقصى الشرق وأقصى الغرب، ويحاولوا توثيق خلافاتهم بالقرآن والسنة ومجموعة الفقهاء، لا يا سادة، حرام، حرام، نزّهوا الإسلام وعليكم بتوحيد كلمتكم قبل أن تلقوا بخلافاتكم علينا، قولوا لنا برنامجكم السياسى، هؤلاء الصبيان الذين يسيئون إلى الإسلام بالعنف وهو دين الرحمة، هؤلاء الصبيان منكم، أم ليسوا منكم؟
 
إذا كان التنظيم السرى جزءاً من فصائلكم أم لا، تدينونه اليوم أم لا؟ هل مقتل النقراشى والخازندار بدايات لحل إسلامى صحيح؟ أو أن الإسلام سيظل دين السلام، ودين الرحمة، والدين الذى يرفض أن يُقتل مسلم ظلماً وزوراً وبهتاناً لمجرد خلاف رأى».
 
ويختم فرج فودة كلمته قائلاً: «القرآن بدأ بـ(اقرأ)، وسنظل نتحاور لنوقف نزيف الدم ونصل إلى كلمة سواء، وأنا أؤكد لكم أنه ليس خلافاً بين أنصار الإسلام وأعدائه، هو خلاف رؤى، وهذه الرؤى لا تتناقض مع الإسلام، لكن الفريق الذى أنتمى إليه لم ير أبداً أن الإسلام دين العنف، الإسلام هو دين القول بالتى هى أحسن، ولأجل هذا نحن ندين الإرهاب لأنه قول وفعل بالتى هى أسوأ، التاريخ نقل إلينا حوار أبى حنيفة مع ملحد، كان الحوار بالحروف لا بالكلاشينكوف! أدعو الله للجميع أن يهتدوا بهدى الإسلام وهو دين الرحمة، وأن يهديهم الله ليضعوا الإسلام فى مكانه العزيز بعيداً عن الاختلاف والفُرقة والإرهاب، وعن الدم والمطامح والمطامع».
 
اسألوا أنفسكم بعد قراءة هذه الكلمات: هل يستحق فرج فودة الاغتيال؟ وأيضاً هل يستحق إسلام بحيرى مصادرة برنامجه تمهيداً لمصادرة وإزهاق روحه.
 
القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب :حتى لا يُستنسخ إسلام يكن

نشرت الـ«نيويورك تايمز» تقريراً مطولاً عن إسلام يكن، ذلك الشاب مفتول العضلات المرفه خريج المدارس الفرنسية، الذى تجاوز العشرين بسنتين، والذى تحول إلى أبى سلمة بن يكن الداعشى المتفاخر المتباهى بصورته بجانب الرأس المقطوع على جثة مذبوحة فى سوريا!! سيناريو هذا التحول كارثى وتفاصيل هذا الانقلاب تقرع كل أجراس الخطر وتتحدى علماء الاجتماع الذين يعزون الظاهرة إلى الفقر والجهل فقط، فها هو مراهق من حى مصر الجديدة ينتمى إلى عائلة مستورة دفعت له مصاريف مدرسة فرنسية فخمة حتى تخرج وهو يحلم بأن يكون مدرباً للياقة البدنية، صاحب علاقات نسائية متعددة يتفاخر بها أمام أصدقائه، فجأة يتحول إلى مجاهد داعشى يجز الرؤوس ويبتر الأطراف ويأكل الأكباد ويهدد فريقاً إعلامياً بالذبح ويهيم على وجهه فى الأحراش والصحارى أشعث الشعر أغبر الوجه كالمجاذيب!! القصة كما رواها الأب الباكى الذى يعيش فقط لتجفيف دموع الأم المكلومة، والأصدقاء المندهشون من تغير صديقهم الدراماتيكى، الحكاية كما رويت منهم تستحق دراسة أطباء الأمراض النفسية ومسئولى الدولة وهيئات التعليم ووزارة الشباب والأزهر ومؤسسة الرئاسة.. إلخ، باختصار المجتمع كله لا بد أن يتوقف بالقراءة والتحليل لهذه القصة حتى لا تُستنسخ ونجد ألف إسلام يكن يولدون كل يوم من رحم المجهول، القصة بها تفاصيل كثيرة ولكنى سأتوقف عند بعض الإشارات والمفاتيح التى ستساعدنا على فك شفرة هذا التحول ومعرفة الـ«باسوورد» والاطلاع على الكود السرى الذى سيفتح لنا صندوق إسلام يكن الأسود.
 
البداية مع داعية يؤجج إحساس الذنب عند الشاب ويلعب على وتر الجنس لدى شباب لم يعرف دمج الحب فى علاقته مع الطرف الآخر، شباب اختزل الحب فى أداء ميكانيكى جسدى بارد ينتهى بانتهاء هذا التلاحم والالتصاق، لحم مقابل لحم وليس عاطفة مقابل إحساس، غرق فى نوبة ندم حاد وهو يستمع إلى الداعية السلفى الشهير وهو يخبره أن مجرد إرسال رسائل الحب زنا!! لم يرسل إسلام يكن رسالة لهذا الداعية ليسأله لماذا يغير هذا الداعية زوجاته بإيقاع أسرع من تغيير جواربه؟! ولماذا لا يستعين فضيلته بالصوم لكبح رغباته وهو متزوج من أربع يطلق منهن واحدة كل فترة؟! تزامنت هذه الدروشة تحت راية هذا الداعية مع وفاة صديقه فى حادث سيارة، تصاعد إحساس الندم والذنب والحزن المركب ليدخل يكن فى جب العزلة العميق الذى تحول إلى كتلة كراهية للمجتمع كله الذى تحول بالنسبة إليه إلى شماعة يسقط عليها كل مفردات فشله العاطفى والاجتماعى والنفسى والدراسى.. إلخ، ثقافة سطحية جعلته صيداً سهلاً فى خضم أحداث الترويج لمرسى بشعارات تكفير الدولة وانتظار المخلص الإخوانى لتطهيرها ثم تزييف وعيه بأن هذا الوطن وهذا الشعب ناكر للجميل لأنه رفض الإسلام ممثلاً فى الإخوان الذين قدموا أنفسهم على أنهم الدين والفئة الناجية والأيدى المتوضئة، فى هذا الفرن الإخوانى المحموم تم صهر سبيكة إسلام يكن الذى لا تندهش حين تراه فخوراً بالذبح والدم والأشلاء.
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: إلغاء «الشفوى» فى طب عين شمس خطوة ثورية

منذ إنشاء كلية الطب وامتحانات الشفوى تمثل صداعاً مزمناً للطلبة والأساتذة على السواء، فبالنسبة للطلبة كانت درجات الشفوى، والتى كانت تمثل نسبة كبيرة من الدرجات، هى أبعد ما تكون عن العدل، وكانت هى الباب السرى للكوسة وتعيين أبناء الأساتذة وتوريث الطب. كانت تخضع بشكل كبير لمزاج بعض الأساتذة وحالتهم النفسية ودرجة الاستلطاف والاستظراف، وبالنسبة للأساتذة كانت امتحانات الشفوى تمثل سيفاً على رقبتهم وأصبعاً ممتداً دائماً بالاتهام والإدانة، وكانوا دائماً يبحثون عن طريقة تقييم مختلفة عن ورقة التحريرى التى لا تعبر إطلاقاً عن صلاحية هذا الطالب الذى سيتخرج ليتعامل مع بشر لا ورق وعندهم حق فى ذلك. جاء الحل أخيراً من كلية طب عين شمس وبالتحديد من الدكتور أحمد عماد، عميد كلية طب عين شمس ورئيس مجلس إدارة المستشفيات والذى لديه رغبة حقيقية لتطوير منظومة التعليم الطبى فى مصر، فقد قررت إدارة كلية طب عين شمس تغيير لائحة كلية طب عين شمس كلها، مع تعديل بنود كثيرة فيها، كان أهمها هو:
 
1- إلغاء امتحانات الشفوى نهائياً من تقييم الطلاب فى كلية طب عين شمس واستبدال درجات الشفوى بدرجات توزع على امتحانات (mcq ، أسئلة متعددة الاختيارات) وتقييم شامل للطلاب طيلة السنة بامتحانات دورية تُرصد على أنها امتحانات أعمال سنة تجرى داخل الأقسام وفى المعامل وفى المستشفيات، وبهذا تنتهى إلى الأبد سطوة المحسوبية داخل الكلية، وبهذا أيضاً يتم محاربة الدروس الخصوصية والالتزام بالحضور، حيث أعمال السنة سوف يكون لها الريادة فى التقييم.
 
2- تم إقرار رفع نسبة النجاح المفروض تحقيقها فى امتحانات النظرى من 30% إلى 50%، وسوف تحقق نفس النتيجة من إلغاء المحسوبية ومحاربة الدروس الخصوصية، وبهذا ستطبق كلية طب عين شمس معايير الجودة الحقيقية، وعلى رأسها إلغاء تأثير العامل البشرى فى تقييم الطالب.
 
وقد أُعدت هذه اللائحة بواسطة لجنة من وحدة تطوير التعليم فى الكلية، وتم تكليف هذه الوحدة من قبَل الأستاذ الدكتور أحمد عماد، عميد الكلية، ثم تم عرضها يوم الاثنين على مجلس كلية الطب الذى يتكون من 90 أستاذاً بالكلية، مع وجود شخصيات عامة، وقد أقروا هذه اللائحة، وتم الموافقة عليها بالإجماع ورفعها إلى مجلس الجامعة.
 
بالطبع نحيى طب عين شمس على هذه الخطوة، ولكنها ليست الخطوة الأخيرة، فمنظومة التعليم الطبى ما زالت تحتاج إلى ثورة شاملة، ولتكن تلك هى البداية.
 
القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: هل سندين جلد رائف بدوى أيضاً؟

رائف بدوى مدوّن سعودى ناشط على الإنترنت انتقد مؤسسة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وكتب أيضاً عن منع الاختلاط فى البرلمان وتحريم قيادة السيارة... إلى آخر تلك القرارات النابعة من تفسيرات مغلوطة للنصوص الدينية. هو لم يهاجم الشرطة أو الجيش، لم يدعُ إلى حمل السلاح، لم يواجه هذه الأفكار بالعنف أو التفجيرات، مجرد كتابة على مدونة أنشأها 2006 أطلق عليها «الشبكة الليبرالية»، ووجهة نظر من الممكن أن تراها أنت خطأ ويراها غيرك صحيحة، كان الحكم على جريمته النكراء من وجهة نظر السلطات السعودية هى السجن عشر سنوات وألف جلدة قسموها إلى كل أسبوع خمسين جلدة فقط من باب الرحمة وتغريمه مليون ريال!!
 
معقول ونحن فى القرن الحادى والعشرين أن نرى تلك الأحكام على شاب (28 سنة) لا يملك إلا قلمه؟
 
فكره إذا كانت ترفضه السلطات هناك كانت ترد عليه بالفكر والحجة والإقناع، خاصة أن لديها عشرات الجرائد والفضائيات وآلاف المواقع وآلاف الشيوخ، يعنى لديهم باختصار جيوش مجيشة فى مواجهة موقع بسيط على الفضاء العنكبوتى يقرأه واحد على ألف ممن يشاهدون فضائيات السعودية أو جرائدها، فما الداعى للخوف إذن كما يدعون على عقول الشباب البرىء؟!
 
ما الداعى للجلد والغرامة مستحيلة الدفع والسجن كل هذه السنوات وحرمان بنتين وولد من أبيهم وتشريد عائلة فى بداية تكوينها وممارسة عقوبة تجاوزها الزمن والقانون الدولى؟
 
الكارثة أنهم عاقبوا رائف بدوى على ما كتبه وأيضاً على تعليقات زوار موقعه!! فلائحة الاتهامات تقول إن المتهم ارتكب مخالفة نظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودى بإنشاء موقع إلكترونى يمس النظام العام ويساعد الآخرين فى ذلك، واستشهد المدعى العام بعدد من المشاركات المرصودة فى الموقع الإلكترونى، أبرزها مشاركة مستخدم أطلق على نفسه «أيها العقل من رآك»، كما استشهد المدعى العام بما كتبه صاحب الموقع بعنوان «هنيئاً لكل شعوب الأرض بعيد الحب، وهنيئاً لنا نحن بالفضيلة»، وأضاف «وهنيئاً لنا نحن بهيئة الأمر بالمعروف معلمتنا الفضيلة والحريصة دائماً على أن يكون جميع أفراد الشعب السعودى من أهل الجنة»، فضلاً عن مشاركات عدد من الأشخاص ممن أطلقوا على أنفسهم أسماء مثل «نهد أنثى»، «وميض النار»، و«رعوم»، إذ تضمنت مشاركاتهم إساءات إلى أحد أعضاء هيئة كبار العلماء وهيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجامعة الإمام محمد بن سعود بحسب المدعى العام. واستند المدعى العام فى اتهامه لمؤسس الموقع إلى عدد من الأدلة والقرائن، أبرزها اعترافه بأنه يملك صلاحية حذف ما يشاء من مشاركات فى الموقع، وما ورد فى المشاركات التى ذكرت التى تم نسخها من الموقع الإلكترونى، والمدهش أكثر أن السلطات حاكمته أيضاً بتهمة عقوق الوالدين، وهو ما يعكس كم التربص فى التعامل مع هذا الشاب.
 
أرجوكم.. صدقونى، الدين لو كان بهذه الهشاشة بحيث ينتابنا الذعر والفزع والهلع من مجرد مدونة فلا بد من مراجعة أنفسنا وإعادة فهم «إن الله يدافع عن الذين آمنوا».
 
يا جماعة.. همسة فى آذانكم: الله هو الذى يدافع عنّا وليس العكس.
 
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: سيادة الرئيس: الأزهر جزء من المشكلة فكيف سيحلها؟!

وجّه الرئيس عبدالفتاح السيسى نداء إلى شيوخ الأزهر مطالباً إياهم بثورة لتصحيح المفاهيم الدينية وإنقاذ صورة الإسلام، وأنا أبشّر سيادته بنبوءة مؤكدة وهى أن هذه الثورة النى يتمناها لن تحدث أبداً إذا ظل معتمداً على الأزهر وحده ولم يقم بثورة داخل الأزهر أولاً!
 
ثورة على تسلط الفكر السلفى الوهابى على أروقة وعقل الأزهر، ثورة على مناهج تراثية ترسخ مفاهيم عنصرية عفا عليها الزمن وتحط من قيمة الآخر سواء كان مختلفاً فى الدين أو فى الجنس، ثورة على محاولات إخضاع منهج العلم، المتشكك بطبيعته، للمنهج الدينى المطلق المسلم (بتشديد اللام)، ثورة على تكفير كل من يطالب بالبحث فى منهج علم الحديث وإعادة فرزه على أساس المتن لا السند فقط وإخضاع كل ما يتعارض مع العلم ومع القرآن ومع المنطق إلى التمحيص والتنقية. فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، حتى هذه اللحظة، لم يسأل نفسه: لماذا هؤلاء الطلبة والطالبات الذين ينتمون إلى جامعتى هم الأعنف والأكثر تخريباً فى مظاهراتهم والأطول لساناً فى هتافاتهم والأقبح عبارة فى شعاراتهم التى يكتبونها على الجدران؟
 
الإجابة بسيطة جداً، لأنهم تعلموا فى المناهج أنهم يتقربون إلى الله ويدافعون عن دينه بهذه الصورة لأنهم الفرقة الناجية، المدهش والغريب أن معظم هؤلاء ينتمون إلى كليات الطب والهندسة والعلوم.. إلخ، وهى الكليات التى نشأت بقرار جمهورى من الرئيس عبدالناصر، وكان هذا القرار من أكبر أخطائه، الهدف غير المعلن هو تنقية صورة النظام من تهمة الشيوعية والمزايدة الدينية بقرار لم تعرفه جامعة الأزهر منذ إنشائها ولم تطلبه أصلاً، أما الهدف المعلن فهو تطعيم العلوم الدينية بعلوم دنيوية وتخريج الطبيب المسلم الفاهم لدينه والذى يستطيع حل المعضلات الطبية من وجهة نظر دينية، لكن هذا للأسف لم يحدث لأن المنهج الأصلى الذى يحمله الطالب معه مخزناً فى عقله ووجدانه طيلة دراسة وتعليم ما قبل الجامعة خاصة بعد احتكار طلبة الثانوية الأزهرية لها ومنع طلبة الثانوية العامة، المنهج المشبع به منهج لا يؤهله أبداً للخلاص من الفكر التكفيرى، بل للأسف بات يوظف العلم الذى تعلمه لخدمة تلك الأفكار، فبدأنا نقرأ عن الطبيب الدرويش الذى يرفض علاج رجل الشرطة أو يمتنع عن علاج المخالف له فى العقيدة أو يهرّب السلاح إلى داخل كليته أو يحضر رسالة دكتوراه فى فائدة حبة البركة وبول الإبل! ونجد أيضاً المهندس الذى يستخدم علمه لتصنيع قنبلة تفجر كميناً أمنياً أو تفخخ حافلة جنود! الأغلب الأعم من نسيج جامعة الأزهر طلبة مغتربون من الأقاليم ظلمهم تعليم ردىء انتزع منهم أى تفكير نقدى أو علامة استفهام وزرع فيهم أن الكون كله يتآمر عليهم وعلى دينهم، ولذلك فلا بد أن يكونوا فى منتهى الشراسة دفاعاً عن فسطاط إيمانهم الذى سيقتحمه ويختطفه ويغتصبه العلمانيون الليبراليون الصهيونيون الماسونيون الصليبيون الأشرار من آكلى لحوم البشر!
 
سيادة الرئيس، وجّه بوصلتك وجهة أخرى، واجعلها ثورة يشارك فيها المجتمع كله بأطيافه، فالدين ليس حكراً على أحد وليست له صكوك أو توكيلات حصرية، المشكلة ليست فيمن يحفظ نصوصاً أكثر ولكن المشكلة فيمن يملك جسارة السؤال ويحرض على تغيير منهج التفكير وينبش الأرض باحثاً عن الجذور ولا يخربش فقط فى الثمار.
 
القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: الجن لم يحصل على «الشينجن»!!

لماذا لا يركب الجن أجساد الأوروبيين والأمريكان واليابانيين؟! هل لم يحصل على فيزا لأمريكا؟ وهل إغلاق السفارات الأوروبية حرم شمهورش من السفر ليسكن أجساد فاسقى أوروبا أو كفرة اليابان؟! تداعت كل هذه الأسئلة إلى ذهنى بعدما شاهدت البرنامج اللوذعى للمذيعة ريهام سعيد بناء على تليفونات الأصدقاء المرعوبين الذين هاتفونى مطالبين بأن أشاهد هذا البرنامج التخريفى المتخلف الذى يصيب المشاهد بالعته الهستيرى والعبط اللإرادى والإسقربوط الفكرى، قررت بعد مشاهدته أن أنادى وبمنتهى الجدية بانضمام الجن لجامعة الدول العربية والحصول على مقعد دائم وانتخابه كأنشط عضو فى الجامعة نظراً لتخصصه فى عفرتة الجسد العربى فقط، أحياناً يصبح الجن وكيلاً حصرياً للمسلمين، وأحياناً يتلبس المسيحيين لكنهم فى النهاية كلهم ينتمون إلى هذه البقعة العفاريتى المسماة بالوطن العربى، الغريب فى نشاط الجن الناطق بالضاد أنه يتلبس الغلابة الذين معظمهم ستات مكبوتات متوسطات الجمال مصابات بالهستيريا من السهل السيطرة عليهن بالإيحاء، تساءلت: لماذا لم يسافر الجن ليسكن جسد صوفيا لورين أو كيم كارديشيان أو أنجلينا جولى أو سلمى حايك؟!
 
هل يعقل أن يخدر العقل المصرى والعربى بهذا التهريج والعته لأنه فقط يجلب إعلانات أكثر؟ هل معقول أن يكون هذا الشخص الذى أتى به البرنامج ليخرج الجان من جسد البنات عضواً سابقاً بمجلس الشعب؟! ظل طوال البرنامج يردد: «سيببوها خلاص خلاص يا جبار يا جبار أشتاتاً أشتوت، كن فيكون.. إلخ»، وخلفه موسيقى تصويرية، وكأننا فى فيلم رعب، بدون أى إحساس بأهمية الحفاظ على خصوصية البنات المريضات المسكينات، حتى الطبيبة النفسية أحضرها البرنامج لإرهابها وعقد محكمة تفتيش لسؤالها: هل تؤمن بالجان أم لا، وهل تتشكك فى العلاج بالقرآن؟!
 
إلى متى هذا السخف تحت اسم الإعلام؟ ألا يوجد ذرة ضمير تحكم المسئول عن إذاعة هذا العبط والمناخوليا التى تدمر العقل المصرى المدمر أصلاً بفعل التعليم الفاسد الفاشل؟! كوميديا سوداء ستصيب الإعلام المصرى بعدوى الإيدز الثقافى فتنهار مناعة الوطن عندما يقاس نجاح أى برنامج بعد ذلك بمدى تطابقه مع هذا الهراء الذى يحصد إعلانات أكثر، أكثر الضحكات حرقة هى التى تنتهى بالدموع وستنتهى هذه الكوميديا بدمعة على قبر وطن كان فى يوم من الأيام مهد العقل وفجر الضمير.
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: نحن نحارب «داعش» لأنهم عصابة وليس لأنهم كفرة

أصدر الأزهر بياناً يرفض فيه تكفير «داعش»، وانتفض الليبراليون واليساريون انتقاداً لهذا البيان، لكنى على العكس مؤيد لعدم إدخال قاموس التكفير فى الخلافات السياسية، مهما كانت شدة تلك الخلافات، لأن عجلة التكفير شيطانية، لا تكف عن الدوران، ومقصلته سرعان ما تتعطش إلى رؤوس أخرى، ومنها رأسك أنت شخصياً فى النهاية، لأن مفهوم التكفير مفهوم مطاط يتسع لكل ألوان الطيف.
 
أختلف مع منهج الأزهر فى خلافه مع الكتّاب والأدباء والفنانين وأيضاً أساتذته الذين يختلفون مع المنهج السلفى الذى سيطر على أروقة الأزهر ومع بطانة الإخوان الذين التفوا للأسف حول الشيخ الطيب الذى لا بد أن يتخذ موقفاً حيال هؤلاء ويتخلص منهم فى أسرع وقت، بدلاً من تشكيل محكمة تفتيش فى نوايا د. سعد الهلالى وغيره ممن يمتلكون رؤية مستنيرة يغرّدون بها خارج السرب، لكنى فى الوقت نفسه أرفض بيانات التكفير، سواء لمفكر أو لجهة أو حتى لعصابة دموية مثل عصابة «داعش»، ليس حباً فى تلك العصابة الإجرامية ولكن دفاعاً عن مبدأ عدم استخدام تلك الكلمة التى ما إن تنفتح مثل صندوق «الباندورا» حتى تنطلق منها ألسنة اللهب وثعابين التراشق التى تنتهى بقتل المخالف فى الرأى تحت شعار التكفير والردة، إلى آخر تلك المسميات التى لا بد من حذفها من قاموس الحوار والخلاف والتوصيف.
 
نحن نحارب «داعش» لأنهم خارجون على القانون، لأنهم منتهكون للقانون، لأنهم مجرمون، لأنهم عصابة تستخدم الدين لتبرير مذابحها، ألا يكفى كل هذا لحرب «داعش»!؟، لماذا الإصرار على استدعاء التكفير من مخزن التراث لحسم معركة معاصرة؟ هم أيضاً سيستدعون من المخزن التراثى نفسه ما سيبررون به القتل والذبح والبتر والسحل تحت باب الجهاد فى سبيل الله والغزو والفتح والسبى من أجل إعلاء كلمته، ستأتى أنت بنصٍّ من الكتب، سيفتح «الداعشى» لك كتباً أخرى تؤيد وجهة نظره وتنتمى إلى العصر نفسه، تكفّرك أنت شخصياً وتبيح قتلك، ونظل فى هذه المعركة الجهنمية النصية التراثية، وتعلو نبرة التراشق التكفيرى وتتوه الحقيقة.
 
إن تلك العصابة لا بد من استئصالها لأنها خارج القانون وخارج التاريخ ولها مصالح، وتتحرك وفقاً لأجندة خارجية وهى مجرد مخلب تنفذ به مؤامرة من ضبع متربص ينفذ مخططاً قذراً يستخدم الدين لتمزيق أوصال الوطن، وبالطبع سلاح التكفير هو من أهم أسلحته التى يستخدمها.
 
أرجوكم لا تكيلوا بمكيالين، وكونوا بعيدى النظر، ولا تستخدموا هذا القاموس ولا تغروا أى مؤسسة دينية باستخدامه، كنت أنتظر من كل الليبراليين واليساريين وأنصار الدولة المدنية أن يهاجموا تلك النغمة التكفيرية، ويبدأوا فى العزف على أوتار الدولة الحديثة التى تتحدث عن المواطنة والديمقراطية والتقدم والتنوير والحداثة، بدلاً من تسول ألفاظ التكفير والردة وإنكار المعلوم بالضرورة والولاء والبراء.. إلخ، بل الكارثة أن يدفع الليبراليون بعض الشيوخ والدعاة الذين ينتظرون الفرصة لمزيد من بسط السيطرة، دفعاً إلى استدعاء قاموس هو شرارة، سرعان ما ستحرق الأخضر واليابس.
 
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

د. خاللد منتصر يكتب: الترامادول.. تطويل جنس وتقصير عمر

لم يكن مانشيت «الوطن» مفاجأة لى عندما كتب أن سائق «التريللا» الذى تسبب فى كارثة البحيرة كان متعاطياً للترامادول، فقد كنت قد تنبأت بعد الحادث بدقائق وراهنت على هذه النتيجة وطالبت بالتحليل، ليس لأننى شاطر أو مكشوف عنى الحجاب أو أعلم الغيب، ولكن لأن هذه هى القاعدة وغيرها، وهو عدم التعاطى، هو الاستثناء النادر. كتبت فى «الوطن» عدة مرات وصرّحت فى عدة برامج أن الترامادول أخطر من الهيروين، ومن الممكن أن يسبب الصرع وأن قدرته المزدوجة على اللعب والتحفيز لمناطق المزاج والنشاط يجعل زيادة جرعاته أسهل وأعراض انسحابه أخطر، ولن أملّ من تكرار هذا التحذير حتى ينصلح الحال وتصبح الشرطة ووزارة الصحة والدولة كلها قادرة على كبح جماح هذا الشيطان الذى حوّلناه من مسكّن سحرى إلى مخدر وطنى مطلوب لتحفيز نشاط السواق وتطويل زمن متعته وتقصير أعمارنا نحن الغلابة الذين نقابله على الطريق فنجده عكس الاتجاه أو بطىء رد الفعل، يدوس على الفرامل بعد ضعف الوقت المطلوب أو تأخذه تقييله وسِنَة نوم تحدث خلالها كوارث... إلى آخر نزيف الدم وجنازات الأسفلت اليومية التى يتصدرها قرص الترامادول. كتبنا من قبل محذرين من أن الترامادول اللعين صار كارثة وبائية أحاقت برجال مصر، وأطاحت بأدمغتهم، فقد أصبح الترامادول أكبر وأهم دواء يُستهلك فى مصر المحروسة، «يبلبعه» ثلاثة أرباع الرجال بحثاً عن وهم الفحولة وإطالة اللقاء الجنسى، وعندما يبحث عنه المحتاج المتألم فعلاً، والذى يبحث عن مسكّن قوى لآلامه، لن يجده، لأن الأستاذ طرزان الفحل قد سبقه واقتنص الترامادول من صيدلى، للأسف، معدوم الضمير.
 
الترامادول أو الترامال أو الأمادول أو الترامكس أو الألترادول... إلخ، مسكّن شبيه بالمورفين، ويُستخدم فى الأصل لتسكين الآلام الشديدة، وله جرعات محددة المفروض ألا يتعداها، خاصة مرضى الكلى والكبد وما أكثرهم فى مصر، وإذا وصل إلى درجة التعود يضطر الشخص إلى مضاعفة الجرعة للحصول على التأثير، ولا بد أن يُسحب تدريجياً بعد هذه النقطة، وأعراضه الجانبية تبدأ من الصداع والدوار والغثيان وتصل إلى التشنجات وصعوبة التنفس وخلل وظائف الكبد، وله تفاعلات خطيرة مع أدوية أخرى مثل الأمفيتامين والسيميتدين ومضادات الاكتئاب وحتى الكولا! باختصار هو دواء لا يُستعمل إلا بمنتهى الانضباط، وليس حبة نعناع أو باكو لبان نبلبعه متى شئنا! ولذلك أدخلته وزارة الصحة المصرية ضمن جدول المخدرات فى الصيدليات.
 
سائق المسافات الطويلة، على الطرق السريعة، هو بداية القصة، فهو يتناوله بهدف احتمال قيادة السيارة لهذه المسافة الطويلة ولكى يتحمل هذه الجلسة المملة المرهقة ويواصل ليله بنهاره وينقل حمولته رايح جاى دون نوم! نهاية القصة أو قمتها المتألقة النارية المتوهجة هى وهم علاج الترامادول لسرعة القذف. صار معظم رجال مصر، للأسف، يستخدمون الخلطة السحرية المكونة من الفياجرا والترامادول وكريم «أملا» المخدر لصناعة جنة جنسية خيالية، لا يهم المشاعر ولا تهم العواطف ولا يهم الحوار ولكن المهم صناعة ماكينة جنسية بأزرار باردة تحول الجنس إلى خرس وجليد واغتصاب مقنن ومهمة صيد بين صياد وفريسة!!
 
يعنى مصر باختصار عاملة دماغ. شهريار يبحث عن ليلة جنس ممتدة بقرص ترامادول لا بقرص حب أو حنان وود وتواصل، من الممكن بعد هذه السهرة الحمراء الطويلة أن يضرب الأستاذ الفحل زوجته المسكينة التى تعامل معها كمجرد مخزن نفايات جنسية، لا يهم عنده، فالمهم فقط هو إرضاء غروره الأسطورى الطاووسى، والذى يجعله يحكى لأصدقائه بفخر على القهوة وهو يلعب الدومينو عن غزواته العنترية على سرير الزوجية!
 
البعض يطحن المخدرات مع الترامادول، والبعض يسحقه ويسخنه ويحقنه، والبعض يبلبع ثلاثة أقراص دفعة واحدة، الترامادول صار خبزاً يومياً للمصريين. انتشر الترامادول بصورة سرطانية فى ربوع مصر من الإسكندرية إلى أسوان، بما ينذر بوباء سيأكل الأخضر واليابس، ويجعل المسطول هو النموذج، والدخان الأزرق هو الزاد، ومساء الخيييير هى النشيد القومى!
 
«البحث عن وهم مزعوم وجنة بديلة ومتعة مصنوعة ولذة سابقة التجهيز».. هذه هى مفاتيح شفرة الترامادول، لا أحد يبحث عن علاج مصدر الألم، لكنه يبحث عن الحل السهل «الترامادول»، لا أحد يحاول حل مشكلته الجنسية عن طريق الطب الصحيح القائم على الدليل، لكنه يضرب الخلطة والمزيج ويبحث تحت قدميه ولا يرى أبعد من أنفه فيتخلص مؤقتاً من المشكلة بشكل مزيف لكى يقع فى مشكلة جنسية أضخم وألعن بعد فترة، فيفقد قدرته الجنسية نهائياً بعد أن يقع فى هوة الإدمان.
 
غرقت برامجنا للأسف فى تسونامى السياسة ولم تهتم بتثقيف المواطن صحياً أو اجتماعياً أو جنسياً، الإعلام للأسف صار عبداً للإعلان وصار هو الترامادول المرئى.
القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: هذا هو العبقري داروين يا فضيلة شيخ الأزهر

صرّح شيخ الأزهر بأن نظرية البريطانى تشارلز داروين فى التطور «مضطربة»، ولا يوجد اكتشاف واحد علمى يقينى يثبت أن نظريته على حق، وأنه يجب نفى تلك النظرية حال الارتكان إلى الدين، ووصفها بأنها ضد المنطق وضد العقل والدين، وهاجم من سماهم المتمسحين بداروين واتهمهم بالإلحاد!! ومع احترامى الشديد لفضيلة شيخ الأزهر فإننى أعترض على هذا الكلام جملة وتفصيلاً لأنه للأسف يحتوى على الكثير من المغالطات العلمية التى كنت أربأ بفضيلته أن يقع فيها، وكنت أتمنى أن يتريث ويسأل، خاصة أن موقفه سيُستغل فى وزارة التربية والتعليم التى مازال يعشش فيها خفافيش الظلام، ويكفى أن أقول لشيخ الأزهر: ما دمت لا تؤمن بنظرية التطور فيجب ألا تتناول المضاد الحيوى ويجب أيضاً أن تمنع أى فرد من عائلتك من أن يتناول الأنسولين وذلك لسبب بسيط وهو أن هذين الدوائين السحريين نتاج لفهم نظرية التطور التى صارت حقيقة علمية تثبتها الدلائل يوماً بعد يوم، ولولاها ما تقدم الطب ولا علم البيولوجيا وما ظهر فرع فى الطب اسمه الطب التطورى يعتمد على ملاحظات داروين، واسمح لى فضيلتك أن أقدم لك داروين ونظرية التطور من خلال بعض الخواطر التى كتبتها منذ سنوات.
 
نداء إلى أى فرد يعتبر نفسه مثقفاً، إذا كنت قد قرأت جميع مسرحيات شيكسبير وروايات ديستوفيسكى ونجيب محفوظ وقصص تشيكوف ويوسف إدريس وحفظت كل أشعار المتنبى وطاغور وإليوت وجوته، فأنت ما زلت، للأسف، نصف مثقف بلغة هذا العصر، لأنك تجاهلت نظرية التطور، وإذا لم تضم مكتبتك كتاب «أصل الأنواع» لداروين، فمكتبتك ما زالت مكتبة فقيرة تعانى من الجفاف والأنيميا حتى ولو اكتظت رفوفها بمئات الآلاف من المجلدات!
 
إنه الكتاب الصدمة، ثورة ما بين غلافين، ثورة كان سلاحها الحبر والورق، والأهم سلاح الفكر المتحرر من البديهيات المسبقة، الإبداع الذى لا يعترف بصدق الفكرة إلا من خلال عدد الأدلة العقلية التى تؤيدها وتثبتها وليس من خلال عدد البشر الذين يعتنقونها، سلاح الجسارة والجرأة والاقتحام من عبقرى اسمه تشارلز داروين.
 
فى ٢٤ نوفمبر ١٨٥٩، صدر كتاب «أصل الأنواع»، عنوان الكتاب صعب ومعقد «أصل الأنواع، نشأة الأنواع الحية عن طريق الانتقاء الطبيعى أو الاحتفاظ بالأعراق المفضلة فى أثناء الكفاح من أجل الحياة»!! عنوان طويل اضطر داروين إلى كتابته بالتفصيل وكأنه يعتذر بتوضيح فكرته على الغلاف عما سيُحدثه من صدمة لعقول القراء. حجم الكتاب ضخم ٥١٦ صفحة، ورغم العنوان الطويل والحجم الضخم نفد الكتاب من أول يوم، ١٢٥٠ نسخة تخاطفتها الأيدى فاختفى من المكتبات. الوحيد الذى لم يفرح بهذا الانتشار كان داروين نفسه، فقد ظل أكثر من عشرين سنة يفكر ويتراجع ويتريث ويقدم رجلاً ويؤخر الأخرى ويسأل نفسه: هل أقدم على هذه المغامرة، هل أنشر فكرتى الصادمة وأخرج عن النص وأغرد خارج السرب وأشرد عن القطيع، وأجمع دلائلها وشواهدها فى كتاب؟ كان داروين طيلة هذه الأعوام يعانى من الأرق وآلام المعدة والصداع المزمن فى بيته الريفى المنعزل فى «كنت»، كان يسأل نفسه: «هل تستحق فكرتى كل هذا العناء وهذه المشقة؟».. تركت دراسة الطب، ثم تركت دراسة اللاهوت، ثم ذهبت فى مغامرة بحرية وعمرى ٢٢ سنة لمدة خمس سنوات على متن سفينة «البيجل»، يدفعنى الفضول وتستهوينى الأجنحة والمناقير والقواقع والأصداف.
 
لم يكن داروين يعلم أنه يصنع تاريخاً جديداً من خلال هذه المناقير والأجنحة والحفريات!! علمته دراسة الأحياء والحفريات أنه مهما كانت قوة العواصف والأعاصير فإن الكون لا بد أن يحتفظ بجزء من الحقيقة ولو على سبيل الذكرى ولو بعد ملايين السنين. كان واثقاً، رغم عاصفة الهجوم والسخرية، من أن التاريخ سينصفه، وأن الكنيسة ستعتذر له، وأن علم البيولوجيا الجديد سيقوم على أكتافه وسيولد من جديد من رحم أفكاره الثورية، وأن كل مريض زُرع له كبد أو قلب أو تم إنقاذه بدواء أو جراحة مدين لفكرة التطور العبقرية التى أهداها لكون يحارب الجديد، ويعاند التطور، وينتشى ويستلذ بالاستقرار، والمدهش أنه كتب بجانب شجرة الحياة التى اقترحها ورسمها فى كتابه «أنا أعتقد»، وكانت هذه العبارة هى كلمة السر وشفرة الخلود فى منهج التفكير العلمى، فهو لم يمارس الكهنوت ويقول أنا متأكد من خلال نصوصى المقدسة، ولكنه مارس الاعتقاد الذى يحتمل الصح والخطأ وليس الحرام والحلال، وكان يردد: «إننى لأرى على وجه اليقين أن كثيراً جداً من كتابى سيسقط، ولكنى آمل أن يظل العمل فى مجمله باقياً على مرِّ الزمن»، كان يعرف أن فكرته ما زالت تحتاج إلى كثير من التفاصيل لملء فجواتها.. والمدهش أن العلم ما زال فى كل لحظة يهدى داروين مزيداً من التفاصيل التى تؤيد نظريته وتجعل منها حقيقة علمية فى منزلة كروية الأرض ولها نفس المصداقية.
 
لكن ما الذى جعل نظريته، يا فضيلة الشيخ، ثورة وكتابه صدمة؟!
 
لماذا تغضبك نظرية داروين يا فضيلة شيخ الأزهر، ولماذا هذه الاتهامات بالإلحاد وغيرها من التهم الجاهزة لمن هو مقتنع بتلك النظرية التى تخطت حدود التخمينات وصارت حقيقة دامغة لا تحتاج شهادة من أحد؟!، الإجابة هى إذا كانت مقولة إن الأرض ليست مركز الكون، بل هى مجرد كوكب تابع لنجم من ملايين النجوم التى تضمها مجرة من ضمن ملايين المجرات التى تسبح فى الكون، قد أدت إلى اضطهاد كوبرنيكوس وحرق الراهب برونو وسجن جاليليو كسيحاً أعمى، فما هو المصير الذى سينتظر من قال إن الإنسان مجرد حلقة فى سلسلة التطور معارضاً نظرية الخلق المستقل المكتوبة فى التوراة، جملة اعتراضية لا أعرف لماذا تغضب فضيلتك ممن يختلف مع نظرة التوراة، وكان الأجدى أن تطالب بإعادة النظر فى التفاسير القرآنية التى اعتمدت على حكايات التوراة فى مسألة الخلق بالأساس!، المهم أنها إهانة من داروين للإنسان محور الكون والأهم من كل الكواكب والمجرات والنجوم التى خلقت من أجله هو فقط، فكيف سيكون الضفدع والفأر والسحلية والخفاش من شجرة العائلة؟ وكيف سيكون القرد من أبناء عمومتى؟!، هذا السؤال الاستنكارى هو الذى جعل داروين يؤجل نشر كتابه أكثر من عشرين عاماً، جر الإنسان من صفوف الملائكة لوضعه فى طابور الوحوش والقرود سيصدم الإنسان ويخدش غروره، ولكن ما شاهده داروين فى رحلة سفينة البيجل جعله على يقين بأن التطور حقيقة دامغة، والدلائل التى دونها فى كتاب «أصل الأنواع» هى شفرة الفهم الجديد لسر الحياة ونشوء الكون وتطور الكائنات.
 
كانت جزر الجالاباجوس التى وصلت إليها سفينة البيجل هى أجمل معمل تطور فى العالم، جزر معزولة فى المحيط الهادى على بعد ٦٥٠ ميلاً من السواحل الغربية للإكوادور، وجد فيها داروين علامات استفهام استفزت عقله الفضولى، أربعة عشر نوعاً من العصافير بمناقير مختلفة، منها المناسب للبذور الصغيرة ومنها المناسب للبذور الكبيرة ومنها ما يلتقط الحشرات.. إلخ، وجد حيوانات متفردة ومميزة فى هذه المنطقة المعزولة التى لم تصل إليها بالقطع سفينة نوح، بل المدهش أنه فى كل جزيرة حيوان مختلف عن الجزيرة الأخرى، فعلى سبيل المثال فى الجزر التى لا توجد بها إلا النباتات المرتفعة كانت السلحفاة تمتلك فتحة فوق الرقبة فى ظهرها الصلب تمكنها من قطف أوراق تلك النباتات.
 
وكان السؤال: كيف وصلت تلك الحيوانات إلى تلك الجزر المهجورة؟! وجد أصداف بحر فى الجبال مما أثار سؤالاً حول ماضى هذه الجبال التى كانت غارقة فى البحر! وجد هيكلاً ضخماً لآكل نمل قديم يكاد يكون متطابقاً مع آكل النمل الحديث صغير الحجم، رأى قرب القطب الجنوبى بشراً يسيرون عراة فى الصقيع بدون معاناة، وجد فى جالاباجوس سلوكيات غير مألوفة مثل ثعالب أليفة وإوز لا يطير وطيور لا تخشى الإنسان!!، حاول سكان تلك البلاد تقديم تفسيرات أسطورية ميسورة جاهزة لداروين، ولكنه كان مريضاً بداء الفضول العلمى وعدم قبول الأفكار الجاهزة وتصديقها لمجرد أنها أفكار قديمة مقدسة، فحين وجد عظاماً ضخمة فى سهول أمريكا الجنوبية وحاول إيجاد علاقة بينها وبين حيوانات الزمن الحالى صغيرة الحجم، قال له السكان هناك إن عظام الحفريات تكبر بعد موتها وإن الأنهار تحول العظام الصغيرة إلى ضخمة!!، سأل نفسه: لماذا لا أجد حفريات لثدييات، ومنها الإنسان فى الطبقة الأقدم التى وجدت فيها حفريات زواحف؟ لماذا هذا الفصل الحاد فى طبقات الحفريات إذا كانت كل تلك الحيوانات قد خلقت فى نفس الزمن؟ لماذا الشبه بين جناح الطيور وأصابع الثدييات؟ لماذا تغير الحصان من ذى الأصابع الخمسة إلى صاحب الحافر؟ لماذا يمتلك الثعبان أرجلاً ضامرة ولماذا يمتلك الإنسان زائدة دودية كل وظيفتها الحالية أن تنفجر وتودى بحياة صاحبها إذا لم يسعف فوراً!!
 
تجمعت الأدلة والشواهد على تأكيد أكبر ثورة فكرية فى التاريخ، ثورة التطور التى تحولت من نظرية إلى فلسفة، لكن هل اخترعها داروين من العدم؟

 

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد منتصر يكتب: نعم.. وبالتأكيد هناك اجتهاد مع وجود نص

«لا اجتهاد مع وجود النص».. تم اغتيال العقل الإسلامى بهذه الرصاصة التى استقرت فى تلافيف مخ وقلب المسلمين حتى جعلوا من كلام الفقهاء صنماً لا مساس بقدسيته، وأصبحنا لا نفرق بين النصوص وحكمتها، ولا بين الألفاظ التى نقدسها ودلالتها، فصارت عندنا كل النصوص قطعية الدلالة، رغم ما قاله أئمة الاجتهاد عن قلة عدد هذه النصوص القطعية، التى تقارب المائتين فقط وسط ستة آلاف آية، وهذا من رحمة الله بالبشر حتى يمنحهم فرصة الاجتهاد ويحضهم على استخدام العقل، هذا الكيان الذى حولناه، نحن المسلمين، إلى ديكور وحلية للزينة وأحياناً إلى جثة للدفن!
 
هل هذه الجملة بدهية، هل غلق باب الاجتهاد فريضة حقاً؟، لن أردد سوى ما قاله د. النمر، وأحمد أمين، والعقاد والشيخ محمد عبده، وشلتوت، والصعيدى، وسأقتبس منهم بعض الأمثلة التى تفند هذه المقولة التى من فرط استخدامها والاقتناع بها صارت نصاً مقدساً وصار المنومون مغناطيسياً يسيرون وراءها معصوبى الأعين.
 
ماذا نسمى ما فعله الفاروق عمر بن الخطاب فى سهم المؤلفة قلوبهم؟، أليس ما فعله اجتهاداً فى وجود نص صريح وواضح وقاطع؟!، القرآن يقول: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ»، والفئة الأخيرة هى التى كان يعطيها الرسول وهم كفار متأرجحون حتى يكفوا عن المسلمين شرهم ويكسب ودهم، أوقف عمر بن الخطاب هذا الحكم تماماً، وبهذا طبق الفاروق مبدأ: «الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً».
 
يواصل الفاروق عمر اجتهاده الشجاع والجرىء وقراراته التى لا ترتعش من فقيه وهابى أو داعية فضائى، ويجتهد فى وجود النص القرآنى الصريح، ونعطى مثالاً آخر لتأكيد ما نقوله وهو تقسيم الغنائم التى كانت تقسم، طبقاً للآية الكريمة: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ»،
 
أما الباقى، وهو الأربعة أخماس فكان يوزع على المحاربين الفاتحين، لم ينتظر الفاروق رأى هيئة العلماء ولم يستمع إلى كلام الدعاة الكاجوال وتهديداتهم «اوعى تقرب من النص» و«إياك والمساس بالنص»، والحمد لله لم تكن هذه المقولة قد اُخترعت بعد.. نظر عمر إلى مصلحة البلاد التى تحتاج إلى المال الذى يحتكره الفاتحون هم وورثتهم بالملايين، خاصة بعد الفتح وامتداد الخريطة الإسلامية وشمولها بلاداً فى منتهى الثراء، فقال باجتهاده وبصيرته النافذة: «لا والله لا يفتح بعدى بلد كبير فيكون فيه كبير نيل (نفع)، بل عسى أن يكون كلاً (عبئاً) على المسلمين، فإذا قسمت الأرض بعلوجها (أهلها) وأرض الشام بعلوجها فما يسد به ثغور؟، وما يكون للذرية بهذا البلد وبغيره من أرض الشام ومصر والعراق»، وصارت الأرض رغم معارضة كثير من الصحابة ملكاً للدولة، تساعدها على قضاء مصالح عامة المسلمين وليس المحاربين فقط.
 
لا تقولوا أين نحن الآن من عمر بن الخطاب؟، فالاجتهاد ليس وقفاً على شخص، فالمجتهد يموت ويبقى الاجتهاد، بل قولوا أين نحن الآن من العقل وجسارة العقل وحرية العقل.. سجنوه الفقهاء، فهل سنستطيع فك أسره؟!
القسم: 
المصدر: