خالد منتصر

هل سيظهر شلل الأطفال مرة أخرى فى العالم؟

تقرير منشور منذ يومين على موقع «Medscape»، أشهر موقع طبى فى العالم، أثار الذعر فى العالم كله، أكثر من مائة طفل تم اكتشاف إصابتهم بمرض شبيه بشلل الأطفال، فهل سيعود شلل الأطفال إلى العالم بعد إعلان نهايته فى معظم بلاد الدنيا، لنقرأ التقرير لنفهم ما سر الانزعاج، يقول التقرير:

هناك قلق متزايد بشأن حدوث ارتفاع حاد فى حالات الأطفال المصابين بالتهاب النخاع الحاد (AFM) لدى الأطفال الأمريكيين، وهى حالة نادرة تسبّب شللاً شبيهاً بشلل الأطفال يتصف بالضعف المفاجئ، أو فقدان العضلات فى الذراعين أو الساقين، واعتباراً من 16 أكتوبر، تلقت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض (CDC) تقارير من 127 مريضاً قيد التحقيق من أجل (AFM) فى 22 ولاية، منها 62 حالة تم تأكيدها على أنها (AFM)، يبلغ متوسط عمر الحالات المؤكدة نحو 4 سنوات، وقالت نانسى ميسونييه، مديرة المركز الوطنى للتحصين والأمراض التنفسية خلال تقرير إعلامى: إن «عدد الحالات المبلغ عنه اليوم هو عدد أكبر بكثير من الأشهر السابقة من هذا العام». وأوضحت أنه «مع تعزيز الجهود والعمل مع الإدارات والمستشفيات الصحية المحلية، تمكنا من تأكيد عدد من الحالات الجديدة المشتبه فيها بشكل أسرع».

واعتباراً من 30 سبتمبر، كانت هناك 38 حالة مؤكدة بـ(AFM)، كما ذكرت من قبل (Medscape) الطبية، ومن الآن فصاعداً، أعلنت مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) اليوم أنها ستقوم بإعداد تقرير عن عدد الحالات الجديدة ظهر كل يوم اثنين على موقعها الإلكترونى، كانت مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) تحقق بنشاط فى (AFM)، وتختبر العينات، وتراقب المرض منذ عام 2014، عندما تم اكتشاف زيادة فى الحالات لأول مرة فى عام 2014، كانت هناك 120 حالة مؤكدة فى 34 ولاية، وفى عام 2016، تم تأكيد 149 حالة فى 39 ولاية، وشدّدت ميسونييه على أن (AFM) لا يزال «نادراً للغاية. بشكل عام، فإن المعدل على مدى السنوات التى تم تشخيصها منذ 2014 هو أقل من 1 فى المليون».، وقالت أيضاً إنه لا يزال من غير الواضح ما الذى يُسبّب (AFM). وقالت: «نحن نعلم أن فيروس شلل الأطفال ليس السبب فى هذه الحالات. وقد اختبرت (CDC) كل عينات البراز من مرضى (AFM). ولم تكن أى من العينات إيجابية بالنسبة لفيروس شلل الأطفال». قد يكون سبب (AFM) فيروسات أخرى أو سموماً بيئية أو اضطرابات وراثية.

وقالت ميسونييه: «أنا محبطة، لأنه على الرغم من كل جهودنا، لم نتمكن من تحديد سبب هذا المرض الغامض». «على الرغم من الاختبارات المختبرية المكثفة، لم نقرر ما الذى يسببه العامل الممرض أو الاستجابة المناعية لضعف أو شلل الذراع أو الساق فى معظم هؤلاء المرضى. نحن لا نعرف من قد يكون أكثر عرضة لتطوير (AFM)، أو الأسباب التى قد تكون فى خطر أعلى». وأضافت: «نحن لا نفهم تماماً ما العواقب طويلة المدى لـ(AFM)، أو لماذا تماثل بعض المرضى الذين تم تشخيص إصابتهم بـ(AFM) بسرعة، بينما لا يزال الآخرون يعانون من الشلل ويتطلبون رعاية مستمرة؟».

يُذكر أن شلل الأطفال مرض فيروسى شديد العدوى يغزو الجهاز العصبى، وهو كفيل بإحداث الشلل التام فى غضون ساعات من الزمن. ينتقل الفيروس عن طريق الانتشار من شخص إلى آخر بصورة رئيسية عن طريق البراز، وبصورة أقل عن طريق وسيلة مشتركة (مثل المياه الملوثة أو الطعام) ويتكاثر فى الأمعاء. وتتمثّل أعراض المرض الأوّلية فى الحمى والتعب والصداع والتقيّؤ وتصلّب الرقبة والشعور بألم فى الأطراف. وتؤدى حالة واحدة من أصل 200 حالة عدوى بالمرض إلى شلل عضال (يصيب الساقين عادة). ويلاقى ما يتراوح بين 5% و10% من المصابين بالشلل حتفهم بسبب توقّف عضلاتهم التنفسية عن أداء وظائفها.

القسم: 
المصدر: 

هل المطلوب أن نلعن من أنقذنا من فيروسَى «سى وبى»؟!

لا أندهش كثيراً من الهجوم الذى يصل إلى حد السباب والتهديد على بعض ما أكتبه أو أقوله، وغالباً ما أعذر هؤلاء الشتامين لأنهم ببساطة إفراز مناخ طارد للأسئلة ومخاصم لعلامات الاستفهام، لا يحتملون إجهاد الذهن فى محاولة بحث أو تنقيب خارج المألوف والمعتاد مما حشيت به أذهانهم، فيصبحون عدوانيين وفى منتهى العنف نتيجة خوفهم على خلخلة أفكارهم المستقرة التى عفا عليها الزمن وتجاوزها التاريخ وأثبتت فشلها الممارسة، فيلجأ إلى هذا الهجوم للحفاظ على شرنقته الدافئة، لذلك لا أرد كثيراً وأقابل تلك الشتائم بالتجاهل وأحياناً بالابتسام، آخر تلك الهجمات كانت بسبب كلمات شكر قلتها فى حق د. إشكينازى، أو شينازى، مكتشف دواء السوفالدى عندما كنت ضيفاً على برنامج الصديق إبراهيم عيسى على قناة «الحرة»، فوجئت على السوشيال ميديا بالتركيز على جملة شكر «شينازى» واتهامى بالعمالة لإسرائيل نتيجة أننى قد مدحت «شينازى» اليهودى!، «إشكينازى» العاشق لمصر التى تربى فيها وغادرها مضطراً ومجبراً فى الخمسينات، والذى باكتشافه العبقرى أنقذ مرضى الكبد فى مصر من أخطار وكوارث فيروس «سى»، صار المصريون يعالجون من هذا الوباء اللعين بتكلفة 1% من تكلفته فى أوروبا وأمريكا، كل هذا بسبب «إشكينازى» الذى يحاسبونه الآن على يهوديته، ويحاسبوننى الآن على تقديرى وامتنانى وشكرى وتبجيلى له، يتساءلون: كيف تشكر واحداً من أحفاد القردة والخنازير؟!، منتهى العنصرية والفاشية تقطر من كلماتهم البغيضة وتنبعث من أفكارهم المتخلفة، لكن الحل وبمنتهى الصراحة هو فى أن ندعو هؤلاء وبأقصى سرعة ألا يستخدموا منتجات اليهود حتى يريحوا ويستريحوا، أنصحهم ألا يطعّموا أطفالهم ضد شلل الأطفال لأن «سولك» اليهودى -الذى رفض أى مقابل مالى لبراءة اختراعه، وقال إذا دفعنا مقابلاً لضوء الشمس فلندفع مقابلاً لهذا التطعيم- هو صاحب الفكرة، ومثلما كانت أيادى «إشكينازى» اليهودى البيضاء على مرضى فيروس «سى»، كانت أيادى باروخ بلومبرج على مرضى فيروس «بى» الأخطر والأشرس، الذى كرس شبابه لاكتشاف الفيروس ثم كرس شيخوخته لاكتشاف التطعيم ضده وحصد نوبل بسبب هذا الاكتشاف الذى أنقذ البشرية من لعنة نسبة سرطان الكبد الكارثية التى كانت من مضاعفاته، أنصح مرضى الفشل الكلوى من كارهى العلماء اليهود ألا يذهبوا لجلسات الغسيل الكلوى لأن «وليم كولف» اليهودى الهولندى الذى يسمى أبوالأعضاء الصناعية والحاصل على 12 دكتوراه فخرية من أشهر جامعات العالم و120 جائزة دولية هو صاحب فكرتها، أنصحهم بعدم التلفظ باسم «جرترود إليون» تلك العالمة اليهودية التى حصلت على نوبل 1988 وقالوا عنها إنها أكبر من الجائزة، عليهم أن يسحبوا منجزاتها من السوق، بعض تلك المنجزات هى:

- ميركابتوبورين (mercaptopurine)، أول علاج لسرطان الدم ويستخدم فى زراعة الأعضاء.

- الآزويثوبرين (Imuran)، أول علاج مثبط للمناعة، ويستخدم لزراعة الأعضاء.

- الوبيورينول (Allopurinol)، لمرض النقرس.

- بيريمثيامين (Daraprim)، لمكافحة الملاريا.

- ميثوبريم (Septra)، مضاد حيوى يستخدم لعلاج التهاب السحايا، وتسمم الدم والالتهابات البكتيرية فى المسالك البولية والجهاز التنفسى.

- الأسيكلوفير (Acyclovir)، لهربس الفيروسية.

- نيلارابين (Nelarabine) لعلاج السرطان.

وننصحهم بعدم تناول فيتامين «أ» لأن «جورج والد» اليهودى والحاصل على نوبل أيضاً هو صاحب الأبحاث الرائدة لشبكية العين وفسيولوجيتها ودور فيتامين «أ» على صبغياتها، وكذلك حبوب منع الحمل لأن اليهودى «جريجورى بنكوس» هو مخترعها، وكذلك «ستانلى كوهين» الذى بفضله فهمنا عوامل النمو فى السرطان مما فتح الطريق أمام اكتشافات علاجه، وأيضاً «باول إرليخ» الذى ألقى بطوق النجاة للبشرية من مرض الزهرى اللعين.. إلخ، كل هؤلاء قاطعوهم والعنوهم والعنوا كل من يشكرهم على إنجازاتهم للبشرية، لكن أرجوكم اتركونا نتعلم منهم، هذا كل ما نرجوه.

القسم: 
المصدر: 

الختان وفتاوى البزرميط والبظروميتر

لماذا لم تنته ولا تنتهى ولن تنتهى ظاهرة ختان البنات من مصر؟!، لماذا تظل مصر هى الدولة الأولى على العالم فى انتشار هذا الوباء، وعدد ضحايا تلك الجريمة البربرية التى ما زالت تُساق إليها بنات مصر إلى المذبحة كقطيع الأغنام تحت اسم الطهارة؟!، الإجابة ببساطة طالما ظلت دولة الفتاوى متغلبة على دولة القانون، ستعيش تلك الجريمة وتتمدد وتتكاثر كالسرطان فى نخاع ونواة الروح والعقل، المفروض أن ختان البنات جريمة فى مصر، وبنصوص القانون، يعنى ببساطة ووضوح من يجريها، طبيباً كان أو داية، هو مجرم بحكم القانون، والأب والأم أو أى شخص من أفراد الأسرة يجبر ابنته على الختان هو مجرم أيضاً، كل هذا طبقاً لقانون تجريم ختان الإناث الذى صدر سنة ٢٠٠٨ المادة ٢٤٢ مكرر من قانون العقوبات، الذى اعتبر ختان الإناث جنحة، عقوبتها من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من ألف إلى خمسة آلاف جنيه، ثم تعديل سنة ٢٠١٦، الذى اعتبر ختان الإناث جناية عقوبتها السجن من ٥ إلى ٧ سنوات، وإذا أدت إلى عاهة مستديمة أو الوفاة، تكون عقوبتها السجن المشدد، وألغى الغرامة، أما عقوبة الأهل فى القانون الجديد فما زالت جنحة، لكن ماذا عن المحرّض؟، ماذا عمن يضع المبررات والاستثناءات ثم يدعمها بأنها رغبة الله وأمره الذى لا بد من تنفيذه وإلا كنت خارجاً عن الدين؟، هنا فى مصر يعتبر هذا المحرض بريئاً، بل بطلاً مكرماً وعلماً منجماً إذا كان يسبقه لقب الشيخ فلان أو الداعية علان، ويرتدى «العمة والكاكولة»، وما رأيك لو كان رئيس لجنة الفتوى الأسبق؟، طبعاً لن يعتبر محرضاً، وإنما هو مرجع معتمد وعالم كبير يقطع بقوله كل خطيب ويخرس أى لسان، والسؤال هل من يفتى بعكس النص القانونى وضد التجريم التشريعى ويسمح ويحلل ما هو مدان ومجرم قانوناً، هل هو برىء حتى يخلع عمامته ويتخلى عن أزهريته؟!، ماذا لو خرج علينا شخص يقول من الممكن أن تقتل وتسرق حسب فتواى ولا تهتم بقانون، هل ستتغاضون عنه؟، إذن فلتقرأوا معى ما صرح به الدكتور عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، بأن ختان الإناث يجوز فى حالة إذا كان البظر كبيراً، فيصبح من الضرورى تهذيبه، بينما إذا كان صغيراً فهو لا يحتاج إلى ختان، مؤكداً أن ختان البظر الكبير يخفض من الشهوة الزائدة للمرأة ويحميها من الوقوع فى المعاصى، وقال -بارك الله فيه ولا فض فوه- إن الختان يختلف من فتاة لفتاة، فهناك فتاة تولد ببظر صغير، لو قطع منه شىء لتسبّب لها بالضرر، وهناك أخرى تولد ببظر كبير قد يتسبّب لها فى إثارة الغريزة الجنسية لديها إن لم يُهذّب، لذلك يجب ختان صاحبات البظر الكبير، وليس الصغير، مشيراً إلى حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، عندما رأى أم عطية «الداية» فى المدينة، قال لها: «اخفضى ولا تنهكى، فإنه أحظى للزوج وأنضر للوجه».

انتهى كلام فضيلة الشيخ الذى كان يحتل هذا المنصب الدينى الرفيع، لكنه للأسف لم يوصِ باستيراد جهاز «البظروميتر» لتحديد المواصفات القياسية وبيان المعلوم من الطول بالضرورة، وبالطبع سيتم الاحتفاظ به عند لجنة الفتوى وكبار العلماء لمواجهة أى تطاول بظرى أو خداع بصرى من أى فتاة لعوب، وللأسف أقول لفضيلة الشيخ إن كل ما ذكره هو من الناحية العلمية الطبية لا قيمة له، وفى ميزان العلم هذا التأليف يساوى صفراً، وباختصار لو قيل فى أى مؤتمر علمى طبى من الاسكيمو حتى بلاد «واق الواق» سيطردون قائله من القاعة بعد أن يستلقوا على أقفيتهم من فرط الكوميديا العبثية التى يقولها، فالشهوة والغريزة الجنسية ليس مكانها البظر على الإطلاق يا فضيلة الشيخ، إنما مكانها المخ، لذلك إذا أردت بترها فلتبتر المخ!، والبظر هو مكان الإشباع الذى حكمتم على المرأة بالحرمان منه، لأنها كائن مفعول به من وجهة نظركم، كائن خادم لشهوات الرجل، مجرد وعاء لفضلاته وكبته، ومثلما نصحت البنات بقطع البظر الكبير، يا ليتك يا فضيلة الشيخ تكمل جميلك وتنصح الرجال بنفس القطع، لكن للعضو الذى يشابه البظر تشريحياً بالضبط، وهو العضو التناسلى!!!، إذا أفتيت بذلك يا فضيلة الشيخ سأخلع لك القبعة، وسأقدم لك التحية، لكن بعد هروبى خارج البلاد، خوفاً من حصولى على لقب أغا.

القسم: 
المصدر: 

العلمانية قبل الديمقراطية

«هل الديمقراطية هى مفتاح سمسم الذى سيفتح مغارة الحداثة بلا مجهود؟»، سؤال طرحه المفكر جورج طرابيشى فى مقدمة كتابه «هرطقات». السؤال محورى ومصيرى وفارق، والإجابة عنه بصدق وأمانة، وجسارة وبدون مزايدة أو تملق للشارع أو خوف من الهجوم، تُعد هى بداية طريق الحل ومعرفة علاج الداء العضال للفكر العربى والإسلامى. ديمقراطية صندوق الانتخاب فى شعب يفتقد ثقافة قبول الآخر هى طلاء زائف على حائط رطب هش خال من الخرسانة! ديمقراطية بدون علمانية هى خداع وسراب وجعجعة فارغة وضجيج بدون طحن وصراخ بدون صدى. إنها قفزة، ولكنها قفزة فى الفراغ، الديمقراطية ليست مفتاح سمسم فى مجتمع يُقصى أصحاب الديانات المختلفة والبشرة المختلفة والجنس المختلف. بالديمقراطية فقط سنستطيع دخول المغارة، لكننا لن نجد مثل على بابا ياقوتاً أو مرجاناً، بل سنجد شوكاً وحصرماً وصباراً، سيغلق الباب علينا ونحن فى الداخل مسجونون فى أوهامنا بأننا نبنى دولة الحداثة والمدنية والمواطنة. الدولة الديمقراطية التى يقف على كل صندوق فى داخل كل لجنة انتخابية قاض ومستشار ورجل أمن ليضمن نزاهة التصويت، وفى نفس الوقت يقف خارجها من لا يستطيع الحصول على ترقية لأنه من دين آخر أو مذهب مختلف، وامرأة ضربها زوجها فى الشارع فسانده المارة لأنه قوّام عليها ومن حقه تأديبها، وطفلة تحاول الفرار من أبيها الذى يجبرها على الزواج من رجل «شحط» بمبرر تقليد السلف وتحت شعار أنها تستطيع تحمل الوطء، هذه الدولة التى تفتقر إلى العلمانية التى ترفض إقحام الدين ورجال الدين فى الفضاء العام المشترك السياسى والاجتماعى، لم تدخل عتبة الحداثة بعد، وما زال بابها موصداً أمامها حتى ولو كانت تعيش أزهى عصور الديمقراطية. منع اقتحام الفضاء العام المشترك، وسيادة القانون، وقيم المواطنة، هى التى تضمن حضارة الحداثة ومشاركة التقدم، هذا الاقتحام المرفوض بداية من نصوص تعلن ديانة الدولة، وهى مجرد كيان معنوى لا بد ألا يحمل صفة دينية، وانتهاء بشارع يشرعن اضطهاد مختلف المذهب فى نفس الدين ويدعو عليه من فوق المنابر ويصفه بأنه الخطر الأعظم، ويقنن التحرش بامرأة مكشوفة الشعر لأنها مستباحة بفتوى وناقصة الدين بنص! حائط الصد هذا ليس ضد الدين، بل هو حماية للأديان، يتحول معه الفرد إلى مواطن فى دولة وليس فرداً فى قبيلة أو مشجعاً فى ألتراس.

وكما طرح «طرابيشى» سؤال مفتاح سمسم طرح أيضاً -وفى نفس الكتاب (ص10)- ما سماه إشكالية «المفتاح والتاج»، هل الديمقراطية شرط أم نتيجة؟ مفتاح سحرى أم تاج يتوج التطور؟ وإشكالية البذرة والثمرة، وخلص إلى أن البذرة تحتاج إلى جهد فى تربة المجتمع، ولو زُرعت فى غير تربتها أسرعت إلى الموات والتحول إلى عشب سام، هى مجرد شرط من شروط الإقلاع، لكنه شرط غير كافٍ، هى مفتاح لكنه يحتاج مفتاحاً آخر! وتنبأ «طرابيشى» بما حدث فى الربيع العربى بالضبط، رغم أنه قد كتب هذه الهرطقات قبل الربيع العربى بسنين عديدة وفارق زمنى كبير. كتب جملته النبوءة فى ص13: «فى ظل غياب البديل البورجوازى فإن المعارضة الشعبية للديكتاتورية لا بد وأن تأخذ شكل صعود محتوم للمد الأصولى»! وهو ما حدث بالضبط فى كل البلاد العربية التى اجتاحتها ثورات الربيع العربى، فقد استولى الإخوان والسلفيون والجهاديون -وبديمقراطية الصندوق- على كراسى الحكم والقرار، وتقدمت النازية الدينية الصفوف، وعلقت المشانق للمخدوعين، وحولت الدين من وظيفته الروحية إلى توظيفه السياسى، من طاقة تمنحنا الاطمئنان الروحى والنفسى ضد رهاب الموت إلى ورقة انتخابية تخدّر القطيع، وصوت حزبى يجلده بسوط الرعب الأخروى والحرمان من الفردوس، ومكسب مادى بمضاربات وسمسرة وتجارة تتدثر بالدين ونصوصه حمالة الأوجه. ألصقوا مع كلمة الديمقراطية توأمها السيامى الملتصق وهى كلمة «التسامح» لكى يقنعونا بأن الديمقراطية فقط هى الحل، وها نحن قدمنا إليكم كوكتيل الديمقراطية مع العلمانية فى نفس الفخفخينا، لكن كلمة التسامح كانت أول الكلمات المشطوبة فى الجمعية الوطنية الفرنسية، كتبت تلك العبارة «نحن لا ننشد التسامح بل ننشد الحرية». التسامح كلمة فيها استعلاء، من يملك حق المنح يملك حق المنع، المواطنة ليست هبة بل هى حق، الماء لا يقول للملح أنا متسامح معك ولست متسامحاً مع السكر فى الذوبان. هكذا الوطن، نحن جميعاً، تحت رايته وعلمه وعلى أرضه، مواطنون ننشد نفس النشيد الوطنى، وندرس نفس التاريخ المشترك، ولا فضل لأحد على أحد.

وكما رسخت الجمعية الوطنية الفرنسية -مهد العلمانية- قيم المواطنة، أكد «فولتير» -أيقونة ومنظر وفيلسوف الفكر العلمانى وصاحب الشرارة الفكرية الأولى- أن «الإنسان الذى يقول لك آمن كما أؤمن وإلا فإن الله سيعاقبك، حتماً سيقول لك آمن كما أؤمن وإلا قتلتك». وقال فى نفس السياق مناشداً الفرنسيين: «وحّدوا أنفسكم، واقهروا التعصب والأوغاد، اقضوا على الخطب المضللة والسفسطة المخزية والتاريخ الكاذب، لا تتركوا الجهل يُخضع العلم»، وهذا ما جعل فرنسا، بعد كلامه بقرون، فى 1920، تمول بناء مسجد باريس بفتح حساب بخمسمائة ألف فرنك فى نفس الوقت الذى تحظر فيه النقاب، لأنك فى المسجد ستمارس طقوس دينك، لكنك بالنقاب ستقتحم الفضاء العام والشارع المشترك بطقوس عاداتك التى تريد فرضها ديناً. وهنا يتضح الدور العلمانى للدولة الذى لخصه فاروق القاضى فى كتابه «العلمانية هى الحل»، ص130: «الدور العلمانى للدولة هدفه السماح لمن هم الأضعف، الأقل عدداً، أو الأقل قبولاً، بالاستمتاع بكل الحريات المتاحة للجميع، فالدولة العلمانية لا تمارس غير دور الحكم المسير للأمور بين المواطنين على قدم المساواة، لا تنحاز لمفهوم معين للحياة الفاضلة غير مفهوم المواطنة الذى يساوى بين كل المواطنين بلا تمييز، وتتصرف بحيث لا يستطيع أحد أن يفرض مفهومه على الآخر، تتخلى عن استعمال العنف لفرض توجه رسمى معين للحياة الخاصة، لكنها تستعمل سلطة الدولة لتمنع فرداً أو جماعة من ممارسة هذا الفرض».

الدولة لا تُدخلك الجنة، وليست تلك وظيفتها، ولكنها تدخل إلى بيتك المياه والصرف الصحى، وهى لا تنشئ لك قصراً فى الفردوس، لكنها تنشئ لك طرقاً وكبارى، الدولة تغطى عجز الموازنة لا شعر النساء، وظيفتها ليست قياس إيمانك ولا قياس درجة حرارة ورعك وتقواك ولا حجم تدينك، تترك علاقتك مع ربك وحسابك لديه فى الآخرة، ليس هذا شأنها ولا مسئوليتها، فأنا أريد فى البرلمان نائباً لا نبياً! أما عن علاقتى بالمواطن الآخر فى مجتمع الحداثة فتقوم -كما كتب سعيد ناشيد فى كتابه «الحداثة والقرآن» ص 142- على أن «الإنسان الحداثى سيد نفسه، علاقته مع الآخرين علاقة شراكة لا علاقة إذعان»، هذا الإذعان العقلى الذى قال عنه «ناشيد» إنه قد جعل المسلمين مثل مجموعة من السلاحف على ضفاف ماء آسن!.

القسم: 
المصدر: 

وماذا عن درنة المصرية؟

تم القبض على الإرهابى الخطير هشام عشماوى الذى كان مختبئاً فى مدينة درنة الليبية، العملية هى ضربة قوية وفى مقتل، لتنظيمات الإرهاب التى كانت تستهدف مصر، ولكن السؤال: ماذا عن هشام عشماوى الذى يولد كل يوم ويظهر صباح مساء فى درنة المصرية؟!، إنه للأسف ليس مختبئاً ولكنه موجود يخرج إلى المدرسة صباحاً ويتجول فى الأسواق ظهراً ويجلس على المقاهى ليلاً، وبين هذا وذاك وتلك يقرأ كتب المكتبات السلفية، ويعلم أولاده فى الحضانات العنصرية، ويستمع إلى دروس وعظات وخطب دعاة الفاشية الدينية، درنة المصرية هى أوكار تسطيح العقول ووهبنتها وتزييف الوعى و«فرمتته» ليحمّل عليه وعلى الزيرو «سوفت وير» الإرهاب، فيخرج لنا داعشى جديد أو قاعدى متقاعد أو مناصر لبيت المقدس طازج من فرن الأفكار السوداء التى تتحول من كلمات فى كتب وخطب على سيديهات إلى رصاص وقنابل وأحزمة ناسفة، لا بد من دراسة ظاهرة التحول الفكرى لهذا الـ«هشام عشماوى»، وكيف تم، وما هى الثغرات التى تم التسلل منها ليتحول من ضابط مدرب على أعلى مستوى إلى أخطر إرهابى شهدته مصر، كيف صار بكل هذا التزمت والانغلاق والغل والحقد والتشفى والسواد؟!، ليس التمويل فقط كما يردد معظمنا ولكنه الفكر الذى استطاع تنويمه مغناطيسياً وزرع الفكرة الشريرة والاعتقاد الشيطانى بأن الجميع كفرة وأنه هو وجماعته الناجون من النار، تابعت وتابع معى الكثيرون الحملة الصحفية القوية والمفصلة والمليئة بالأدلة والوثائق، تلك السلسلة التى نشرتها جريدة «الفجر» عن حضانات السلفيين التى تعلم الأطفال الكراهية وثقافة القتل والإرهاب، وعن كتب التراث التى تملأ مكتبات القرى المصرية والتى فى كل زاوية وحارة، تبيع البخور وإلى جانبه كتب التكفير وشرائط الكراهية، كراهية المختلف عنك فى الدين والجنس والمذهب، وتابعت استجواب أو تساؤل النائب محمود بدر حول ما نُشر فى تلك التحقيقات داخل مجلس النواب، ولكن ماذا فعلنا وما رد الفعل؟، أسمع ضجيجاً ولا أرى طحناً، أندهش من اندهاش المسئولين، وأتعجب من التعجب الحكومى، كما دكت الطائرات المصرية حصون الإرهابيين فى درنة الليبية بعد مذبحة الأقباط، مطلوب من الدولة المصرية مجتمعة بكل أجهزتها أن تدك حصون هذا الإرهاب الفكرى، وقلاع تلك الفاشية الجهادية التى تتاجر بالدين وتسترزق من سبوبته، وكما نسقت الأجهزة الأمنية مع الجيش الليبى عملية القبض على هشام عشماوى، لا بد أن تنسق الأجهزة الحكومية والثقافية والتعليمية مع المواطنين ومع الإعلام لمنع ولادة وظهور «هشامات عشماوية» جديدة، مشتل الصبار ما زال يمنحنا ثماره المرة، وما زلنا نرش ذباب الإرهاب بالبيروسول فى غرفنا الضيقة، والمستنقع يقبع خلف نافذة البيت، يفقس بيضه يرقات التطرف وحشرات الإرهاب، الثعابين فى الجحور ما أن ينتهى البيات الشتوى حتى يخرجها دفء القطيع الذى «بطط» أمخاخه ومسحها بلدوزر التلقين والحفظ والترديد والقمع الفكرى، تنفث سمها وتعض المارة خاصة فى ظل إحجام التنويريين وخوفهم من مقصلة الازدراء، مما يجعلهم بنصف حنجرة وربع قلم ولسان مربوط ومغلق للتحسينات!، كل درنة مصرية مطلوب دكها بطائرات الاستنارة الفكرية، ورادارات الانفتاح الحر على العالم والتقاط منهجه العلمى النقدى المتشكك الذى يعرض كل فكرة على طاولة تشريح العقل والمساءلة والحوار الذى بلا سقف، الأوكار كثيرة والمهمة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة وتستحق المغامرة، لأن مصر تستحق أن تستعيد شعلة التنوير والريادة.

القسم: 
المصدر: 

أنيميا التواصل وصيانة الروح وعمرة الضمير

الأنيميا أنواع، والوطن مثخن بشتى أنواع الأنيميا، لكن أخطر أنواع الأنيميا من وجهة نظرى، هى أنيميا التواصل!، هى أكثر خطورة من أنيميا نقص الحديد، فقر التواصل أصعب من فقر الدم، الأسرة تتجمّع أمام التليفزيون جثثاً متجاورة، لا أرواحاً متناغمة متفاعلة، الأصدقاء يتبادلون الشيشة لا العيشة، صرنا نفتقد السؤال الحميم، والنظرة الحاضنة، والحضن الدافئ، والكلمة اللى بتطبطب، والنسمة اللى بترطب، صرنا لا نستمع، بل نسمع، أصبحنا لا نتأمل أحوالنا، بل نتململ منها، بتنا لا نتحاور، بل نتجاور، أنيميا التواصل سرطان خبيث يُهدّد الوطن الذى يتحول رويداً رويداً إلى جزر منعزلة فى محيط صمت رهيب قطعت كل أسلاك الحوار بين أفراده، فصاروا مرضى بالخرس المزمن، رغم أنهم أكثر شعوب الأرض ثرثرة!.

إذا أصبت بأنيميا التواصل بشكل حاد، هل تذهب إلى طبيب أمراض الدم، أم إلى طبيب النفس؟، هل من الممكن أن نستمع قريباً إلى شخص يقول لصديقه «أنا فى حاجة إلى صيانة نفسية»!!، أو زوجة تخبر زوجها قائلة «عن إذنك أنا رايحة للدكتور.. محتاجة عمرة نفسية!!»، لماذا الاندهاش والتعجب؟!، إذا كنت تقوم بصيانة سيارتك كل عشرة آلاف كيلو، فلماذا لا تقوم بصيانة نفسك وروحك ومعنوياتك ومشاعرك وعواطفك كل سنتين؟!، ألا نحتاج كل فترة للفضفضة وإلقاء كل حمولة العُقد والكلاكيع الزائدة من على سطح سفينة النفس، ألسنا فى أشد الحاجة لتنظيف قاع بحر الضمير من كل طحالب الكبت والغيرة والكراهية؟؟، من الممكن أن يكون صديقك هو طبيبك النفسى، لكن طبيبك سيتفوق بسبب أنه لن يكون مجرد أذن مستمعة، لكنه سيكون أيضاً صاحب طوق نجاة وبوصلة طريق ودفة اتجاه، لن يقدم لك العصا السحرية، لكنه سيُعلمك كيفية التحكم فى عجلة القيادة وإيقاع الضغط على الفرامل، سيزيل شوائب تراكمات السنين، ويبدل الزيت الراكد فى قنوات التواصل الإنسانى، ويطمئن على اندفاع بخار الغضب المكتوم.

صيانة النفس وعمرة الضمير مهمة، لكن دون طلاء يزيف جوهرك الحقيقى، وكتالوجك الإنسانى، حتى لا تصبح فى سوق البشر مسخاً زاهى الخارج مخرب الداخل!

القسم: 
المصدر: 

ترك المدرسة معترضاً على تحريم التطور فحصل على «نوبل»!

علامة الاستفهام أهم من نقطة الإجابة، جسارة السؤال وشجاعة الشك وحرية المناقشة هى التى تصنع التقدم والحداثة، وهى أول مقومات الحضارة، وأهم بكثير من تكديس المعارف وحفظ الإجابات، هذا هو ما نحصده عندما نقرأ قصص وحكايات الحاصلين على جوائز نوبل للعلوم، انبهرت بقصة كفاح وتمرد هؤلاء العلماء، وكنت أتمنى سردها جميعاً، لكنى اليوم سأقتصر على حكاية «جيمس أليسون»، وهو العالم الأمريكى، الذى حصل على جائزة نوبل فى الفسيولوجى والطب لهذا العام (2018)، وتقاسمها مع اليابانى تاسكو هونجو، قصة حياة أليسون هى قصة تمرد على البديهيات المستقرة، حكاية تؤكد أن شخصية العالم الحقيقى هى شخصية متعدّدة الأبعاد، فيها رحابة إنسانية، بعيداً عما نتخيله عن أن العالم صاحب نظرة ضيقة متخصّصة أو شخص موظف انعزالى ذى بعد واحد، أليسون بدأت معركته مع السرطان مبكراً، تعرف على هذا الوحش وعمره 11 سنة عندما فقد أمه التى ماتت بسرطان الغدد الليمفاوية، ثم بعدها بأربع سنوات فقد عمين من أعمامه الأول بسرطان الرئة، ثم الثانى بالميلانوما، ثم بعدها بسنوات فى 2005، فقد شقيقه الأكبر الذى أصيب بسرطان البروستاتا، وكانت الصدمة الأكبر حين أصيب هو نفسه بنوعين متعاقبين من السرطان، البروستاتا ثم الميلانوما، اللذين أنقذ منهما بسبب الاكتشاف المبكر، تلك الميلودراما خلقت فى أليسون روح التحدى ضد السرطان وأيضاً ضد العلاج التقليدى للسرطان، بحثت فى قصة الطفل أليسون لكى أعرف كيف توصل هذا العالم الفذ إلى طرح هذا السؤال المختلف والتفكير خارج الصندوق والبعد عن الأفكار الجاهزة والإجابات المعلبة المحنطة؟، كيف لمعت فى ذهنه فكرة أن يحفز الجهاز المناعى بمنع الفرامل المعوقة له لكى يهاجم خلايا السرطان بدلاً من العلاج الكيماوى التقليدى؟!، كان لدىّ فضول شديد للبحث فى أوراق الطفل والشاب أليسون الذى هو فرد من طابور المتشككين الذين غيّروا العالم، هذا الطفل الذى استقل مبكراً نتيجة فقدانه لأمه وانشغال والده طبيب الأنف والأذن فى القوات الجوية، قرر أن يشق طريقه بنفسه مدفوعاً بغريزة الفضول وعطش السؤال، هوايته كانت تشريح الضفادع وعمل تجارب مفرقعات بدائية فى الغابات، وقادته طبيعته المتمردة ذات يوم لاتخاذ قرار خطير، وهو أن يترك المدرسة ويغادرها نهائياً، اعتراضاً على مدرس قرر أن يشطب نظرية التطور من منطلق دينى، لأنها نظرية حرام!، وكان هناك مجموعة من البروتستانت الأمريكان قد تبنوا هذا الرأى، وكانت لهم السطوة حينذاك، لكن الطفل أليسون كان له رأى آخر، تمرد عليهم ورفض فاشيتهم الدينية، وتدخل الأب ومستشار المدرسة لحل المشكلة، ومع عناد أليسون كان الحل هو هجر المدرسة النظامية والدراسة بالمراسلة مع جامعة تكساس، استمر الشغف مع هذا العبقرى وتصاعد إيقاع غرامه بعلم المناعة والكيمياء الحيوية وأبحاث علاج الأورام من تكساس إلى جامعات كاليفورنيا إلى مراكز أبحاث نيويورك، وقبل بأى وظيفة تقرّبه من هدفه، لدرجة أنه عمل فى وظيفة غسل الأوانى الزجاجية فى أحد مختبرات الكيمياء الحيوية فى بداياته!، لكن هل هذا العاشق لعلم المناعة لا يعرف إلا المختبر ومعادلاته الكيميائية؟، لم أندهش حين عرفت أن جيمس أليسون هو عازف ماهر ومحترف للهارمونيكا وتمت دعوته أكثر من مرة للعزف على مسارح مشهورة فى تكساس، وسبب عدم دهشتى أننى أثق فى أن العالم الذى لا يمتلك جزيرة إبداعية يهاجر إليها أو هواية فنية يرتمى فى أحضانها فى أوقات التوتر هو حافظ لا عالم، فالإبداع لا يتجزأ، أما قمة التمرد والتحليق فقد كانت فى 2008، حيث قرر أليسون تشكيل فرقة روك مكونة من علماء المناعة والأورام فى أنحاء أمريكا!!، قصة محاولاته فى المختبر لمنع فرملة وكبح ما يسمى CTLA-4 المعرقل لقوة انطلاق الخلايا المناعية T-CELLS وقضائها على السرطان، قصة تحتاج إلى مجلدات، ولكن القصة الأكثر دلالة على قوة عزيمته وتمرده المزمن الذى لا يهدأ كالبركان هى قصة تحويل اكتشافه إلى دواء وعلاج للسرطان، خروجه من دائرة المعمل المغلق إلى رحاب عنابر المستشفيات وسراير المرضى، إنها قصة دواء ipilimumab، الذى ظل سنوات عديدة محل رفض من جميع شركات الدواء، إلى أن اقتنعت به «بريستول مايرز سكويب»، أصر على النجاح ولم يحبط، وهو يستمع إلى السخرية من اكتشافه والتهوين من جهوده، فتح الطريق بتمرّده وأسئلته وفضوله ورفضه لما يطلق عليه بديهيات وثوابت ومعلوم بالضرورة، فتح الطريق لطابور طويل من بعده من العلماء، وقاد ثورة ما يطلق عليه العلاج المناعى الذى سيروض الوحش السرطانى، إنها ليست معركة مع السرطان، لكنها معركة مع الجهل والتخلف والقمع، إنها معركة السؤال القلق ضد الإجابة الجاهزة.

القسم: 
المصدر: 

هل تضمد «نوبل» جراح «نادية»؟

حصلت نادية مراد الإيزيدية على جائزة نوبل، لكن السؤال: هل حصلت نادية على الأمان؟ نادية مراد حين حضرت إلى مصر واستقبلها الرئيس السيسى أبكتنا جميعاً، لكن دموعنا، ومعها دموع العالم، لم تطهّرنا من عار تلك العصابة التى تتاجر براية الدين الإسلامى وتتخذ من أفكار متشددة إجرامية عفا عليها الزمن، وما زال البعض من دعاتنا يتبناها حتى اليوم وعلى شاشات التليفزيونات للأسف الشديد، تتخذها دستور حكم ونظام حياة، فما زلنا نشاهد رجل دين يدعو إلى تجارة الجوارى لحل مشاكلنا الاقتصادية! وما زلنا نستمع إلى داعية تحلل السبى. مفاهيم تجاوزها الزمن، لكننا ما زلنا نتداولها ونزرعها فى أذهان الشباب وبعدها نندهش ونتساءل: من أى تربة نبت كل هؤلاء الإرهابيين الانتحاريين! نادية مراد، بنت الخامسة والعشرين، كشفت لنا كم نعيش فى بركة راكدة من الأفكار المتخلفة، فضحت كل صامت ومتواطئ يدّعى أن أفكار الفاشية الدينية قد اندثرت ولا أثر لها فى الواقع. قالت لنا بلسان جرحها النازف إن كل ما تمارسه «داعش» موجود فى بطون كتب صفراء يتداولها شباب قرر الهجرة إلى الداخل، بل وللأسف موجود فى بطون كتب يتم تدريسها وبيعها بالملايين وفى معارض كتب ترعاها حكومات ودول تحارب الإرهابيين بالسلاح وتترك الإرهاب ينمو بالكتب والأفكار.

ما حدث مع نادية وقومها من الإيزيديين هو عملية إبادة جماعية صريحة تشير بأصابع الاتهام إلى المجتمع الدولى كله، ومنح جائزة نوبل لها هو اعتراف بتلك الجريمة ومحاولة غسيل ضمير وتكفير ذنب، فقد دعمت دول كبيرة «داعش» من أجل طموحات عسكرية ومالية تافهة، دعمتها وهى تظن أن القط الداعشى لن ينقلب نمراً ينشب أنيابه فيها، لعبوا بالنار فاحترقت أصابعهم وشرايينهم، من استمع إلى حكاية نادية مراد كان كمن يشاهد فيلماً خيالياً عن عصابة من الزومبى أتباع دراكولا، جماعة من البربر الهمج يتناوبون اغتصاب فتاة ثم بيعها وتأجيرها، تعاملوا معها ومع الفتيات الإيزيديات كسلعة رخيصة فى سوق النخاسة، يأتى رجل ضخم ويطلب منها وضع الماكياج وارتداء الملابس الكاشفة ليمارس معها الجنس، لا يمنعه مرضها أو ضعفها أو دموعها، الحيوانات نفسها تشمئز من هؤلاء الهمجيين السيكوباتيين.

فى مذبحة سنجار ذبحوا خمسة آلاف إيزيدى، قيّدوا نادية بعد أن ذبحوا أمها وإخوتها، ستة أشقاء تم قتلهم أمام عينيها، وبدأت رحلتها إلى الموصل حيث سوق الجوارى الملاصق للمحكمة الإسلامية!! هربت بعد أن تناوب على اغتصابها عشرات المجرمين القتلة، شاهدتها فى أحاديث كثيرة بعد ذلك، لم تُشفَ نادية من ندبات جروح الروح ولن تُشفى، مليون «نوبل» لن تضمّد الجرح أو توقف النزيف، عيناها ما زالتا حائرتين، يسكنهما الشجن المزمن. أحياناً تتلعثم وتكرر الكلمة مرات ومرات وكأنها ما زالت تشك فى أن صراخها ما زال مكتوماً لن يصغى إليه أحد مثلما كانت تستجير أثناء اقتحام جسدها وعفتها واستباحة كرامتها ولا من مجير أو منقذ. البشرة شاحبة بتجاعيد خوف مقيم، الوجه منحوت بإزميل الحيرة والسؤال الذى بلا إجابة: ماذا فعلت لكى يحدث لى كل ذلك؟ لقد وُلدت على دين مختلف ومتمسكة به ولم أتسبب فى أى ضرر لأحد، ما هى الجريمة؟ ما هو الذنب الذى اقترفته؟ ستتسلم نادية جائزة السلام لكن هل تحصل نادية نفسها على السلام؟

القسم: 
المصدر: 

الفتح الدينى حلال والغزو الثقافى حرام

رفض العلم تحت مظلة حمايتنا من الغزو الثقافى

«يا خفى الألطاف نجّنا مما نخاف»، ظل المصريون يرددونها أثناء الحملة الفرنسية وهم يرتعدون رعباً ويرتعشون فزعاً من المدافع والقنابل، منتج الدعاء فى مواجهة منتج العلم، ألفاظ مخدرة فى مواجهة مواد مفجرة، شرنقة اللغة واجترار اللفظ وحصون العبارات ضد شظايا القنابل، وأشرعة السفن الحربية ورصاص البنادق، ذهب أبناء المحروسة لبطون الكتب وأقوال ابن حنبل، ليستجيروا من عفاريت معامل ابن لافوازييه، التى تلد مواد صفراء من مواد حمراء، وتطلق دخاناً من قارورات، لم يجدوا الحل ولم يفهموا اللغز، كرروا الخطأ السابق نفسه عندما لجأوا إلى «البخارى» فى القحط والمجاعات، ولم يلجأوا لاستحداث نظم وأدوات الرى!، لم ينتبه رجال الدين وقتها، وهم يرددون الدعاء وسط غبار القنابل وتحت هدير المدافع إلى أن هناك مطبعة، وهناك شامبليون، الذى يفك شفرة الهيروغليفية، وهناك نظم قانونية مستحدثة خلف المنشورات الفرنسية، وهناك فنانون وعلماء يصفون مصر بالكلمة واللوحة ويصوّرون واقعاً حقيقياً، ولا يحفظون ويرددون ويكررون عبارات ميتة محفوظة فى أوراق صفراء مُحنطة من تراثٍ مقاسه لم يعد يناسب مقاس ذلك الزمن، لماذا عندما يحدث التغيير بالسيف نسميه فتحاً وظهوراً للحق، وعندما يحدث بالبندقية نسميه احتلالاً وغزواً ثقافياً؟، عندما حضر الفقيه العربى إلينا بأمر الخلافة، صار العنوان هداية إلى طريق الإيمان، وعندما حضر إلينا عالم الكيمياء الفرنسى صار العنوان انسلاخاً وبعداً عن حظيرة الإيمان، وتذويباً للهوية؟!، طرح هذا السؤال وتفكيك هذا المفهوم وخلخلته هى الخطوة الأولى للإجابة عن سؤال أخطر، وهو لماذا نستمتع بشرنقة تخلفنا ونبنى حولها المتاريس حتى لا تتسلل أى فكرة أو لقطة أو لمحة مختلفة تشككنا فى يقينياتنا المتوارثة؟، لماذا نخترع وننحت مصطلحات مخادعة، مثل مصطلح الغزو الثقافى حتى تظل مياهنا الراكدة تحتفظ بطحالبها وعفنها فوق السطح؟، لماذا لدينا تلك الأرتيكاريا من استيراد الأفكار، وليست لدينا نفس الأرتيكاريا من استيراد كل احتياجاتنا من رغيف العيش حتى الدبابة؟!، لماذا لا نشعر بنفس الغضب؟، لماذا لا نحسّ بالعار من أننا عالة على هذا الغرب، الذى نصفه بالكافر الفاسق الداعر الصليبى.. إلخ فى المأكل والملبس، ونرغى، ونزبد، ونخجل، ويصير رد فعلنا عدوانياً فجاً وعنيفاً حينما نتحدث عن استيراد فلسفة أو منهج فكرى؟!، ومثلما نفحص الأغذية المستوردة سهل جداً أن نفحص الأفكار المستوردة ونناقشها ونحللها، لكن أن نرفع راية الرفض والمنع بدون حتى الاطلاع عليها بحجة الوصاية على شبابنا والخوف عليه من خطر التغريب، فهذه هى الحماقة بعينها والفوبيا المرضية بكل تفاصيلها المرضية، تلك الحساسية من استيراد الأفكار شبّهها د. صلاح قنصوه، أستاذ الفلسفة، بأنها مثل حساسية المريض من فتح النوافذ، خشية لفحة الهواء برغم أن الحجرة معبأة بالميكروبات والفيروسات، نحن مثل ربة البيت التى لا تفتح الشبابيك وترفض التهوية ودخول الشمس بحجة حماية الأطفال، فيصيبهم الكساح، وبالطبع رفض أفكار وفلسفات الغرب يسوّق لها دائماً باسم حماية الدين، هذا الدين الذى حوّلناه واختزلناه وقزّمناه من ضوء هداية ونور نرى فى ضيائه الشامل الأشياء جملة أو «باكيدج» أو مانشيتات عامة، إلى مجرد لمبة «مصباح جيب» للبحث عن إبرة وسط كومة قش، للغوص فى تفاصيل معقّدة ومركبة لا تحتاج إلى تليسكوب الدين، ولكنها تحتاج إلى ميكروسكوب العلم، حوّلنا تراثنا الدينى إلى ترسانة أسلحة قديمة، حتى الصيانة الدورية لا نقوم بها، ونظن أن كل ما علينا هو أن نهرول إلى تلك الترسانة، أو ذلك المخزن، ونمد أيدينا ونسحب السلاح بعد التوقيع فى الدفتر، ثم نذهب لنحارب به فى معترك تلك الحضارة المعاصرة، ندوس على الزناد فلا تنطلق الرصاصة، فالصدأ يقف حائلاً، والرصاصة نفسها قد انتهت صلاحيتها، تلجمنا المفاجأة وتشلّنا الدهشة، فالأسلحة راقدة كسلاحف الشتاء، ليست قادرة على الكر والفر والمناورة والمحاورة، ومن ثم فالهزيمة هى المصير المحقق لهذا الجيش الذى يعيش بالجسد فى القرن الحادى والعشرين وبالفكر فى القرن الرابع، حنّطنا الزمان، فأفقدناه حركته وتدفقه فصارت عقارب ساعته تقف عند نفس اللحظة، وكل ما نفعله هو نفخ التراب من عليها، لكننا لا نفكر أبداً فى وضع البطارية وتشغيلها وشحنها، لتتحرك عقاربها الميتة، لا تفكر السلطة فى بلادنا العربية والإسلامية فى منح المواطن مناعة عقلية وتربيته تربية نقدية تحميه من الاستباحة الفكرية، فرض الوصاية المزمنة تصيب مواطننا بالإيدز الثقافى!، أى مجتمع صحى يفكر بطريقة علمية ويريد دخول عصر الحداثة لا يترك مواطنه لهذا الإيدز، بل يمنحه مع شهادة التطعيمات الطبية تطعيمات فكرية، تطعيمات عبر أمصال التعليم الجيد والثقافة المنفتحة وحرية الرأى والتعبير وقبول الخطأ وعدم اعتباره خطيئة والسماح بالخروج عن القطيع الثقافى والتفكير خارج الصندوق المعلّب والتمرد على الأفكار سابقة التجهيز، كل تلك السلوكيات تصنع هذا المواطن الحر الفعال المنتج المغيّر لحاضره، والصانع لمستقبله، لكى نحمى أنفسنا من شلل الأطفال نعطى الطفل فيروساً مُضعفاً، حتى يحفز جهاز المناعة، فما هو المانع من أن نحفّز جهاز مناعتنا الثقافى بكل الأفكار، حتى لا نصاب يوماً بشلل العقول؟!.

القسم: 
المصدر: 

حملة «امسك صيدلى دخيل»

وصلتنى رسالة مهمة من د. عمر خالد عضو حملة «امسك دخيل» التى تقاوم هذا الوباء المنتشر من دخلاء المهنة ومرتدى البالطو الأبيض الذين لا ينتمون لمهنة الصيدلة، وباتوا يملأون الصيدليات ويديرونها فى غيبة أصحابها، يقول د. عمر خالد فى رسالته:

نطالع يومياً منذ زمن أخباراً تتمحور حول (ضبط عامل فى صيدلية بحوزته أدوية مخدرة)، (عامل فى صيدلية يتسبب فى تشويه وجه طفلة)، (عامل فى صيدلية يتسبب فى وفاة طفلة بحقنة خطأ فى كفر الدوار)، (عامل فى صيدلية يتسبب فى تشويه جنين).

مما زاد الأمر سوءاً هو (انتشار الأدوية المغشوشة التى أصبحت تقتل بدلاً من أن تعالج، وانتشار المنشطات الجنسية المغشوشة).

ومما زاد الأمر فجوراً أن هناك من عمال الصيدليات من تغول ليس فقط على مهنة الصيدلة بل على مهنة الطب من تشخيص وعلاج وفتح خراريج!

كل هذه الأعراض وغيرها ما هى إلا لمرض واحد؛ ألا وهو (تحول مهنة سامية إلى مهنة تجارية بحتة) نتيجة غياب الصيدلى (أصبح الربح المادى هو المستهدف الأول فلا أخلاقيات مهنة ولا إحساس بالمريض).

عزيزى القارئ..

لك أن تتخيل أنه وفقاً للإحصائيات الرسمية أن هناك ما يزيد على 20 ألف صيدلية أى ربع صيدليات مصر تدار من غير صيادلة، سواء من أنصاف متعلمين أو حرفيين أو قصر فى بعض القرى والأطراف.

حالة فريدة مخجلة لن تجدها فى دولة أجنبية أو عربية سوى مصر!

وفقاً لكل هذه المعطيات واستشعاراً من صيادلة مصر بمدى خطورة الوضع المهنى الذى وصلت إليه المهنة وتـأثيره على حياة المواطن وأمن الوطن وسمعة الشرفاء من صيادلة مصر، قام عدد من طلبة كلية الصيدلة دعمهم عدد من الخريجين بتدشين حملة (امسك دخيل) وهو كل مزاول للمهنة وهو غير صيدلى، مطالبين بشىء واحد فقط (إنفاذ القانون ووضع العامل فى الصيدلية فى إطار دوره الصحيح المنوط به).

ومن المضحكات المبكيات أننا لن نخترع العجلة ولن نشرع قانوناً جديداً! نحن فقط سنطبق المادة 78 من القانون 127 لسنة 1955 التى عمرها (63 عاماً) والجامعة للعقوبات الآتية: «يعاقب الدخيل المنتحل للصفة والصيدلى الذى سمح له بذلك بالحبس حتى عامين، وغلق الصيدلية وإلغاء الترخيص، فى حالة إدارة الصيدلية من قبل غير متخصص ولا يكون حاصلاً على بكالوريوس من إحدى كليات الصيدلة فى مصر».

هل يعقل فى ظل وجود مادة بهذا الحزم أن نسمع عن هذه الكوارث؟!

فى ختام حديثى.. أود أن أوضح أننى سبق أن ناشدت السيد رئيس الوزراء ووزيرى الصحة والداخلية عبر الإعلام أكثر من مرة على مدار أربعة أشهر، ولكننى لن أكف عن مناشدتهم حتى تصل مناشداتى مسامعهم، لأنى على يقين أنها إن وصلت وعرفوا حجم الكارثة سيتخذون من الإجراءات ما يضبط هذا الملف فى غضون شهور قليلة مثلما حدث فى ملفات أخرى طيلة الأعوام القليلة الماضية، مما يحفظ هيبة الدولة.

القسم: 
المصدر: