خالد منتصر

أُلفة العين مع القبح تميت القلب

قرار طلاء البيوت من الخارج وإخفاء الطوب الأحمر، الذى صدر من أعلى مستويات الدولة وصار اهتماماً رئاسياً، ليس قرار رفاهية أو ترف، ولا تنفع فيه العبارة الخالدة «إحنا فى إيه ولا فى إيه؟!». ولا بد ألا يخدعك أحد بالتهوين والسخرية وهو يقول «هذه ليست أولوياتنا». لا يا سيدى، نشر ثقافة الجمال من أولوياتنا، العين التى تتآلف مع الجمال وتتعود عليه لا يمكن أن تتآلف مع الذبح والتفجير والدم. لا بد أن نعوّد العين على أن تنفر من القبح وتخاصم الفوضى البصرية والعشوائية الدميمة. العين التى تعودت على تلال القمامة أمام بيتها بدون أن يهتز لها رمش هى عين إنسان جلف غليظ الإحساس. من لا يعترض على الزبالة أمام داره، مهما كان نظيفاً داخل منزله، هو شخص أنانى وجاهل، مهما كانت درجته ووظيفته. نحن نرى عمارات فخمة فى وسط البلد بها مكاتب محامين ومهندسين وعيادات أطباء، نظيفة ولامعة وبراقة من الداخل، لكن على البسطة وفى بير السلم ترعى الفئران والثعابين فى القذارة!!

ثقافة نرجسية أنانية، ثقافة «أنا ومن بعدى الطوفان»، أخفق جهاز التنسيق الحضارى عندنا فى توحيد أو تنسيق طلاء العمارات والبيوت، تجد من يدهن بلكونته بمبة مسخسخ أو جانجاه على فسدقى وجاره يدهن كاروهات سيراميك... إلخ، فوضى بصرية بامتياز. يصرف صاحب العمارة الملايين على خرسانات ورمل وأسمنت، ولا يصرف مليماً على طلاء، يترك قبح الطوب الأحمر يطل على عيون المارة، يراقبهم وهو جالس فى البلكونة بكرشه المتدلى يشرب الشيشة ويتجشأ. عمارات الشارع غير متناسقة، لدينا عدوانية تجاه الأشجار وكأن بيننا وبينها ثأراً، فوضى حجز أماكن الركن بالصفائح والأحجار والكراسى والخوازيق، نتعدى على الحدائق ونحولها إلى خراب مستعمرة «ياميت»، أكبر بلد فيها خرابات، نكتب على الجدران أقذر الألفاظ، ونلوثها بالصور والدعايات الانتخابية وغير الانتخابية، «الأوت دوورز» فى منتهى البشاعة، تُحتل أرقى الأماكن بأردأ التصميمات، تماثيل مساخيط فى أهم الميادين هى نموذج لقمة اللكلكة الفنية، بلد علّم العالم النحت يضع تماثيل مشوهة هى أهم علامات انحطاط الذوق فى القرن الحادى والعشرين، لا يوجد بيت مصرى مهتم بوضع صور لوحات مستنسخة، كل ما فى البيوت لوحات خط عربى يعتبرونها من علامات الإيمان! ثقافة الزحام والعشوائية والضجيج والقبح تخلق أذناً رافضة للحوار، وعيناً كارهة للجمال، وقلباً ميتاً سرعان ما يقع فى فخ الإرهاب والتطرف.

القسم: 
المصدر: 

الرب ينسخ والزمن ينسخ أيضاً

النسخ هو «رفع حكم شرعى سابق، بدليل شرعى متأخر عنه فى زمن نزول الوحى، ولا يكون إلا من عند الله تعالى، ولا بد فيه من النقل الصريح عن النبى (صلى الله عليه وسلم)»، هذا هو التعريف المعتمد الرسمى لدى المؤسسة الدينية، لكن هناك عدة أسئلة يثيرها هذا التعريف ونطرحها من منطلق التفكير الحداثى ومن منطلق المنطق الإنسانى أيضاً: هل النسخ هو إحصاء آيات بأرقام وإشارات تم تجاوزها بالنسخ سواء حكماً أو تلاوة، أم هو منهج وآلية تفكير تثبت أن التغيير سنة الكون؟، وهل النسخ مرتبط بتلك الفترة الزمنية التى كان يهبط فيها الوحى فقط والمرتبطة بحياة النبى، أم أن الزمن نفسه بما يحمله من بصمات تغيير هو أيضاً ناسخ؟، هل بجانب النسخ الإلهى الربانى هناك نسخ زمانى إنسانى اقتبس فكرته من الإشارة الإلهية نفسها التى تقول فى طياتها إن هذا النص ليس ألواحاً مسبقة عليك تنفيذها بالحرف إنما هو نتيجة تفاعل مع الواقع وإذا تغير الواقع يقوم الرب بالنسخ والتغيير والحذف والإضافة فى تلك الحقبة الزمنية؟، لكن هل هذا يعنى أن نترجمه على أنه محصور بتلك الحقبة والفترة فقط، أم أن معناه ببساطة وكأن الله يقول لنا تسلموا هذه الآلية الفكرية النسخية أمانة لدى عقولكم لتنفذوا بها الـupdate الحياتى الإنسانى؟، لأننا ببساطة إذا اقتنعنا بأن النسخ هو حصرى لتلك الفترة فقط فهذا اعتراف منا بأن الزمن سيتجمد وسيتوقف ويتحنط بعدها إلى يوم القيامة، وستصبح كل الأيام التالية «قص ولزق كوبى وبيست وبلاى باك» من الأيام السابقة حرفياً، ولو كان ذلك صحيحاً لظللنا فى الخيام، نركب الدواب حتى هذه اللحظة، وليست تلك مبالغة فهذه هى أفكار تنظيمات متطرفة مثل التكفير والهجرة ورأينا منهم أشخاصاً كانوا يصرون على الذهاب إلى الجامعة بالجمل!

التعريف الرسمى المعتمد للنسخ هو تعريف بشرى وليس تعريفاً إلهياً، وهذا الفزع والرعب من إعمال العقل فى النص ناتج عن تقديس هذا التعريف البشرى الذى زرعوه فينا حتى تكتمل السيطرة، هل انقطاع الوحى يعنى انقطاع النسخ؟، هل من الممكن اعتبار النسخ تجريباً علمياً متفاعلاً مع الواقع نستفيد من لمحته ونواته، فالعالم مطالب إذا لم تلائم نتائج تجربته المقدمات والمشاهدات والإحصاءات، هو مطالب بالانتقال إلى فرضية أخرى أكثر ملاءمة؟

نحن ننزع القشرة الخارجية للتعريف لنرى النواة، نحن ننزل إلى ما تحت السطح لنكتشف المنجم، كلمة نسخ هى مرادف تقدم، لكن التعريف جعل التقدم تجمداً أو بالأصح تقدماً إلى مسافة معينة، فصار المسلمون وكأنهم مطالبون بقطع سباق ماراثون مسافته اثنان وأربعون كيلومتراً والفوز به بشرط تطبيق قوانين تلزمهم بقواعد سباق المائة متر!، فكيف سأجرى مائة متر لأفوز بالماراثون؟!!

ما لنا لا نفهم ببساطة وهدوء أن كل هذا النسخ قد حدث خلال 23 سنة فماذا عن فترة الأربعة عشر قرناً التالية؟، هل نحذفها من أجندة الزمن؟، هل نحرق أوراقها؟، هل لم يحدث فيها ما يستدعى النسخ الزمانى؟، الله قد أرسل رسالة بأن هناك ما يتلى ولا تنفذ أحكامه، فهل تدبرنا تلك الرسالة؟، والتدبر هنا لا يحتاج إلى رجال دين منهجهم محصور ومحاصر فى مجرد تقليب كتب القدماء، لكنه يحتاج إلى عقول جسورة تفكر خارج الصندوق المغلق والأسوار العالية ومن الممكن أن يكون من بينهم رجال دين بشرط أن يكونوا قد فهموا المغزى والمعنى ودربوا عقولهم على الطيران خارج السرب، هناك بجانب الرسالة الربانية الرسالة العمرية فى مسألة المؤلفة قلوبهم وهى الآية الواضحة الصريحة بألفاظها والتى لا لبس فيها بمعانيها، لكن الفاروق عمر كان ما زال خارج منظومة الفقه المغلقة المصمتة التى تحولت بالتدريج إلى مؤسسة لها سدنتها وحراسها والمستفيدون منها، وقد لمس هذا المعنى المفكر الراحل حسين أحمد أمين حين قارن بين القوانين الوضعية والشرائع السماوية وفسر سبب الجمود الفكرى الذى نعيشه عندما قال فى كتابه «حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية» ما يلى: «الأصل فى القوانين أنها تسن وتتطور وتنسخ ويستبدل بها غيرها، على ضوء الاحتياجات المتطورة، وتغير العلاقات وأساليب العيش والإنتاج فى المجتمع الذى تنظمه وتحكمه، وأنها بالتالى تختلف باختلاف الزمان والمكان، هذا عن القوانين الوضعية»، إذن كما يقول حسين أمين أن روح القوانين هو النسخ وبدون أى غضاضة أو غضب أو دفاع عن ثوابت ما هو معلوم من القانون الوضعى بالضرورة، لكن ماذا عن فهم الشريعة؟، يقول حسين أمين: «أما الشرائع السماوية فإن الفقهاء يذهبون إلى أنه لا دخل للاعتبارات التاريخية فيها، وأن الأصل فيها أنها صالحة لكل زمان ومكان، فالشريعة التى تصلح لتركيا تصلح للنيجر وبنجلاديش، والتى تصلح لمصر فى القرن السابع الميلادى تصلح لها فى القرن العشرين، فهى إنما تعبر عن الإرادة الإلهية التى تحكم المجتمعات البشرية، ولا تأثير لهذه المجتمعات فيها، ومن ثم فإنه لا مجال للقول بضرورة تطوير الشريعة على ضوء التطور التاريخى للمجتمع، ولا دور للفقيه فى إرساء قواعد جديدة أو مواءمة الشريعة مع ظروف هذا المجتمع أو ذاك، وإنما دوره مقصور على اكتشاف كنه الإرادة الإلهية الثابتة غير المتغيرة»، والسؤال هل أحكام القرآن والسنة لا تنسخ لأنها شرعت أحكاماً تفصيلية محددة؟، يجيب حسين أمين، فى نفس الكتاب، بقوله: «إن نسبة الأحكام الشرعية المنصوص عليها فى القرآن الكريم، بل وحتى فى الأحاديث النبوية المتفق على صحتها، هى نسبة ضئيلة جداً إلى الأحكام الواردة فى كتب الفقه، ذلك أنه ليس فى القرآن غير نحو ثمانين آية تتعلق بموضوعات قانونية، كحد السرقة، وحد الزنا، وأحكام الوصية والمواريث، ومعظم هذه الآيات الثمانين اكتفى بإيراد مبادئ عامة تسمح بتفسيرات وتطبيقات شتى يمكن الملاءمة بينها وبين احتياجات كل عصر وظروفه»، ويؤكد «أمين» فى نهاية تحليله أنه «ليس صحيحاً القول بأن القرآن والسنة قد شرعا أحكاماً تفصيلية محددة لكل مظاهر حياة المسلمين، والأقرب إلى الصواب القول بأن العمل قد استمر فى مجالات عديدة، أثناء حياة النبى، بالعرف الذى كان سائداً فى الجاهلية».

إنه العرف الذى ذكره حسين أمين، العرف الذى كان على صراع وتفاعل مع الشرع، فمثلاً العرف الطبقى فى العراق صاحب العدوى الفارسية حينذاك جعل المذهب الحنفى يؤكد على شرط الكفاءة الذى تجاهله الإمام مالك ابن مجتمع المدينة، وهو نفس العرف الذى أباح حق الملكية للرق فى مذهب مالك ومنعه عنهم وأنكره عليهم المذهب الحنفى، تلك الأمثلة وغيرها من التخريجات الفقهية ليست نتاج مزاج الفقيه أو هبطت عليه وحياً، ليست معادلات رياضية باردة منبتة الجذور بالواقع المحيط حولها، الفقيه ابن بيئته ومكانه وزمانه وطبقته وحتى تكوينه البدنى والنفسى، هل آية السيف التى فيها «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم»، هل هى مناسبة لزمن الأسلحة النووية والكيميائية والصواريخ والمدافع... الخ، فمهما كان السيف بتاراً لن يؤدى إلى ملايين من الضحايا، لكن تلك الأسلحة المعاصرة فهى بالفعل دمار شامل، هل نستطيع أن نواجه العالم الآن بعقوبات كانت ملائمة لأفكار زمانها وعصرها، كانت تقوم على الانتقام والتشفى مثل الجلد والصلب والقطع... الخ، عقوبات بنت أفكار زمانها وبيئتها، ويطبق عليها النسخ الزمانى، حتى من يقولون بالبلدى «كله كوم والزنا كوم تانى.. لا تغيير ولا تبديل»، عليهم أن يفكروا بهدوء ويجيبوا عن سؤال وماذا عن زواج المتعة؟، ماذا تعتبرونه الآن؟، وهل تقبلونه الآن؟، وماذا عن الجدل حوله؟

المفروض أن أنهى هذا الفصل بإجابة ولكن السؤال المحرض على التفكير أهم من الإجابة المحرضة على الكسل.

القسم: 
المصدر: 

حروب الرحماء وحلم إبراهيم عيسى

لكل كاتب مشروع رئيسى وحلم محورى يداعب خياله كل فترة، وعندما يكتب بعيداً عن هذا الحلم، فهو أحياناً يكتب بدافع الشحن المعنوى لاستكمال الحلم، وأحياناً أخرى يكتب للهروب من عبئه ومسئوليته الثقيلة، ولكن هذا المشروع الحلم يظل ساكناً فى محارة الضمير والروح والعقل لا يبرحها حتى يتشكل لؤلؤة أصيلة براقة. وإبراهيم عيسى، برغم نجوميته الصحفية والتليفزيونية واقتحامه لمجالات كثيرة ومتعددة ومتشعبة، إلا أن قراءة التاريخ الإسلامى من وجهة نظر تحليلية موضوعية لا تقديسية صنمية، وتحويله إلى حكى قصصى إبداعى، كانت مشروعه وحلم حياته، منذ أن كان شاباً صغيراً فى «روزاليوسف» ثم فى إصدار «الدستور» الأول، ثم فى تجربة «دريم» التليفزيونية، ثم فى إصدار «الدستور» الثانى... إلخ، وهذه الرغبة متأججة بداخله وكأنها نداهة الحكايات الشعبية القديمة، لذلك كان صدور رواية «حروب الرحماء» بعد «رحلة الدم» خبراً سعيداً بالنسبة لى شخصياً، لأننى بهذا أكون قد كسبت الرهان بأن الحلم حتماً سيتمكن من إبراهيم ويتحقق. وها هى السلسلة تحقق النجاح الذى يغرى بالاستكمال. النفس الروائى منح تاريخ «حروب الرحماء» قوة الفيلم السينمائى، فقد وصف إبراهيم عيسى تفاصيل المعارك، خاصة الجمل وصفين، وكأننا نرى جنود المعركة ونلمسهم ونعيش ترددهم تارة وحماقاتهم تارة أخرى، نتعفر بتراب سنابك الخيل ونقلب الصفحات ونحن نمسح عنها الدم، نفتح أعيننا على اتساعها لا لنقرأ الحروف بصورة أفضل ولكن لأن قلم إبراهيم عيسى المطرقة يدق على رؤوسنا بتفاصيل لا يمكن أن تحدث من أناس كان النبى الموحى إليه من السماء بينهم منذ سنوات قليلة، وكان القرآن ما زال فى القلوب قبل الأوراق والجلود.

وأذكى ما فعله إبراهيم عيسى فى الرواية هو بيان وتوضيح مراحل تشكل طبقة الخوارج وتتبعها منذ مرحلة الجنين حتى مرحلة المارد مصاص الدم، وساهمت ريشته فى رسم أعظم بورتريه تم رسمه لعبدالرحمن بن ملجم، قاتل على إمام المتقين، وصف المؤلف -بدون مباشرة فجة- أن هناك بعداً طبقياً وعنصرياً فى إشعال غضب هذا القاتل، وكأن الذى غضب وشارك فى قتل ابن ملجم نسى أو تناسى أنه هو صانعه فى الأصل، بالتعالى والعنصرية والقبلية. إلى جانب ريشة البورتريه كان هناك مشرط الجراح وشيزلونج الطبيب النفسى، عندما يتحدث عن حيرة الزبير وتردده فى مواجهة على، مواجهات الجيل الثانى من أبناء الصحابة، امتعاض ابن طلحة وابن عمرو بن العاص من تأجج الحرب فى مواجهة جموح ابن الزبير وابن خالد بن الوليد، ابن أبى بكر فى الجيش المواجه لابن أبى بكر، مبشر بالجنة يقاتل مبشراً آخر، ثأر وخصومة كانت قبل الإسلام تظهر من تحت الرماد جمرة ملتهبة فتجد سيفاً لمسلم يقطع رقبة مسلم آخر مذكراً إياه بثأر قديم من قبيلته! كيف استُخدم عمار بن ياسر من الطرفين، كل يحكى حكاية موته وقتل الفئة الباغية له من زاوية مصلحته.

أبدع إبراهيم عيسى فى رسم مثالية شخص على ابن أبى طالب، رسمه كبطل إغريقى يساق إلى قدره الدرامى بمحض إرادته، وكأنه يقول لنا فى طيات روايته إن مثالية على بن أبى طالب المحلقة السماوية لا تستطيع أن تكسب فى لعبة السياسة الأرضية، بلغت هذه المثالية العلوية به مبلغاً يتجاوز الملاحم الإغريقية حين يعفو عن أعدائه ويوقف الحرب وهو قد اقترب من حسم الانتصار ثم يختار المفاوض الممثل لجيشه شخصاً كان قد خذله من قبل!! يتضح للقارئ من «حروب الرحماء»، ومن قبلها «رحلة الدم»، أن دراما التاريخ الواقعية أخطر وأكثر شجناً وحزناً وإثارة وغموضاً من أى دراما مسرحية، مشروع سلسلة رحلة الدم سيظل هو البصمة الخالدة والوشم الباقى فى رحلة إبراهيم عيسى نفسه، واستكمالها لم يعد ترفاً أو رفاهية أو مزاجاً، بل صار فرض عين وفريضة ثقة، فهو قد قرّب الشباب من منطقة التاريخ، وأبعد التاريخ عن منطقة القداسة، وهو جهد لو تعلمون عظيم.

القسم: 
المصدر: 

من يريد إحباط أساتذة الطب فى مصر؟

وصلتنى تلك الرسالة الغاضبة المليئة بنبرة الإحباط من د.آمال البشلاوى، أستاذ أمراض دم الأطفال، وهى واحدة من المراجع ليست المصرية فحسب ولكن العالمية بالنسبة لهذا التخصص ولها الكثير من الأبحاث، تحكى فى الرسالة عن رحلة العذاب لإخراج جواز سفر الأساتذة من وزارة الخارجية والذى يسهل لهم السفر إلى المؤتمرات العلمية فى الخارج، تقول الرسالة:

«بدءاً من قانون الأبحاث السريرية، الذى ولله الحمد لم يمر إلى الآن للنور، وذلك بفضل القيادة الرشيدة والواعية لسيادة الرئيس ونحن فى الانتظار لإصدار القانون الجديد، ثم قانون المستشفيات الجامعية الذى رُفض بشدة فى معظم كليات الطب بمصر، ثم جاءت اللطمة الثالثة من وزارة الخارجية، الميزة الوحيدة التى كان يملكها الأستاذ هى السفر لإلقاء بحث أو لحضور مؤتمر طبى كمحاضر أو رئيس جلسة أو عضو فى لجنة دولية وعند استخراج الباسبور الخاص، الذى يستخرج من وزارة الخارجية المصرية، والذى كان فى الماضى القريب من السهل جداً استخراجه بعد تقديم الأوراق اللازمة من الدعوة للمؤتمر واسم المؤتمر وخلافه من المعلومات اللازمة وكان خلال أيام قليلة يتم استخرج الباسبور أو تجديده بعد أخذ موافقة رئيس القسم وعميد الكلية والجامعة مدعوماً بإمضاء رئيس الجامعة.

ومنذ أيام قليلة تقدمت إلى الكلية لتجديد جواز السفر الخاص بالمهام العلمية (جواز سفر الجامعة) لتجديده من وزارة الخارجية وذلك لحضور المؤتمر الذى يعقد بمدينة براج عاصمة دولة التشيك وهذا اجتماع مهم خاص بمرض سيولة الدم للأطفال (الهيموفيليا) وكانت المفاجأة غير السارة أنه لا بد من التقدم قبل ميعاد المؤتمر بشهرين!! حيث إنه لا بد من موافقة مجلس القسم ثم مجلس الكلية ثم الأمن العام وملء استمارة من على الإنترنت على موقع الجامعة بها مواعيد الموافقات السابقة لحضور المؤتمرات وكذلك بيانات خاصة بالبحث الخاص بى (أو المقدم) والبحث المنشور بالعام السابق لعام السفر مع كتابة عنوان واسم المجلة العلمية المنشور بها البحث وتاريخ النشر واسم الناشر للمجلة وإرفاق صورة ضوئية للبحث المنشور فى المجلة يحتوى على عام الإصدار ومعلومات مستفيضة عن المجلة.

وللعلم أنه لا يقبل بحث فى أى مؤتمر قد تم نشره بالفعل فى إحدى المجلات أو الدوريات العلمية العالمية، ورغم ذلك من ضمن الأوراق المطلوبة إرفاق تقرير مطبوع من المواقع المعروفة دولياً للنشر العلمى خاص بالبحث المقدم للمؤتمر المراد حضوره من عضو هيئة التدريس!!، ثم تسليم استمارة استطلاع الرأى التى تحتوى بجوار الاسم واسم الشهرة والمؤهل الدراسى وغيره من المعلومات الخاصة بما فى ذلك اسم الزوج وتاريخ ميلاده ووظيفته واسم الوالد وتاريخ ميلاده ووظيفته (حتى لو كان متوفّى).

وللعلم لا يوجد أى يد لعميد الكلية فى كل هذه الإجراءات».

انتهت الرسالة ولكن لم ينتهِ السؤال: «هل نحن نريد فعلاً العلم أم أن هناك كراهية؟».

القسم: 
المصدر: 

مليون فتوى رقم لا يدعو للفخر بل للرثاء

أصدرت دار الإفتاء إحصائية بعدد الفتاوى أو إجابات أسئلة المصريين التى تلقتها الدار فى ٢٠١٨ فقط، بلغ العدد مليوناً من الفتاوى والإجابات، وهو رقم مرعب لا بد أن يقف أمامه علماء الاجتماع والسيكولوجى باهتمام، دار الإفتاء تقول بسعادة وفخر إن هذا الرقم دليل على الثقة وكأن لسان حالها يقول ربنا يزيد ويبارك والسنة الجاية إن شاء الله يبقوا اتنين مليون!!، وأنا أراه دليل شلل عقلى وكساح فكرى وفقدان ثقة فى النفس، فأن تطلب فتوى فى كل تفاصيل حياتك، فهذا يدل على أنك قد قررت تجميد عقلك فى الفريزر، وأن تدق باب رجل الدين فى كل حركة وتصرف وسلوك، فهذا معناه أنك معوق ومقيد ومهزوز، تحس بالضياع وكأنك طفل تائه فى المولد يحتاج إلى الإمساك بذيل جلباب أمه طوال الـ24 ساعة، مصر تعيش حالة عصاب الفتاوى، حتى صار أكبر بيزنس فى بلاد أهل الضاد، الوسواس القهرى لطلب إجابات ميتافيزيقية عن أسئلة حياتية موضوعية دنيوية إجاباتها فى فصوص مخك أنت وليست فى مقابر الفقهاء الذين يسكنون المقابر الآن بعد أن بذلوا جهداً مشكوراً لحل مشاكل وقضايا حياتهم وقتها بقدر إمكانهم، قررنا نحن وبمنتهى الرضا والاقتناع أن نسجن أنفسنا معهم فى نفس الأكفان وكأن لدينا ميولاً انتحارية، برغم أنهم لم يطلبوا ذلك ولم يسعوا إليه ولم يصفوا أنفسهم بأنهم آلهة أو أنبياء، ولكننا نحن الذين قررنا إسباغ تلك القداسة عليهم، سباق هستيرى لطلب الفتاوى، ورقم مليون هذا رقم متواضع لأنه لم يضم فى إحصائياته، فتاوى الأون لاين والموبايل والفضائيات وأكشاك فتاوى المترو.. إلخ، يعنى الرقم بكل بساطة وراحة ممكن يتجاوز الثلاثة ملايين فتوى، فيضان وبركان الفتاوى صار مادة للتندّر والفكاهة، فمن رضاع الكبير، لمضاجعة الوداع، لنكاح البهائم، لأكل لحوم الجن، لشرب بول الإبل، لتوسيع دبر المجاهد لتخزين أسلحة، لحرمة خلع الملابس أمام كلب ذكر، للسؤال عن الشخر هل هو جائز أم مكروه؟!، لخلع الملابس أثناء الجنس هل هو حرام أم حلال؟، للتبرع بالدم لصاحب دين مختلف؟، لتهنئة شم النسيم، للتعقيم بالكحول، للسؤال عن الإنسولين هل هو محرم لأن فيه شبهة استخلاصه من الخنزير؟، هل مجدى يعقوب سيدخل الجنة؟، هل الشطّافة تفطر؟، هل أطفال الأنابيب حرام؟.. إلخ، نحن فى حفلة زار ضخمة باتساع حدود الوطن وبحضور جماهيرى مائة مليون متفرج، دخول رجل الدين كمرجعية فى كل تفاصيل الحياة هو إعلان إفلاس عقلى، واستسلام فاضح للكسل الفكرى، وقبل هذا وذاك إهانة لأهم هدية ربانية وهى العقل، أنت كمواطن تضع رأسك تحت المقصلة الدينية برغبتك وأنت طائع، وترى المشاكل تخنق الوطن وتمزقه ولا تفكر فى الحل بل فى الفتوى، ترى أسراً تتمزق وبيوتاً تنهار بسبب الطلاق الشفوى، ومرضى يموتون بسبب تعطيل قانون زرع الأعضاء، وانفجاراً سكانياً يأكل الأخضر واليابس، فتذهب كمجتمع لطلب الفتوى، فيرفض رجال الدين أن ينظروا إلى مصلحة المجتمع، بل هم ينظرون إلى الفقهاء القدامى ويهتمون براحتهم فى مدافنهم، فيبلغونهم السلام أن استريحوا، فنحن نطبق ما قلتموه من ألف سنة بالحرف، أما هؤلاء الذين يعيشون فى ٢٠١٩ فليخبطوا رؤوسهم فى أجدع وأتخن حيطة!!، رقم مليون فتوى يا سادة رقم كارثى لا يدعو لأى فخر بل يدعم للرثاء، فمعناه أننا بالجسد فى القرن الحادى والعشرين، وبالعقل فى القرن العاشر.

القسم: 
المصدر: 

الحوارات عندنا مناورات والمناقشات مناوشات (٣)

ما زلنا نتحدث عن المغالطات المنطقية فى حوارنا الذى يفتقد لأبجديات الحوار، أحياناً الحوار شجار، أحياناً ابتزاز، أحياناً مبارزة قبلية دموية، أحياناً هو حوار فم ثرثار وأذن صماء، ثلاثة أرباع مشاكلنا نتيجة هذه الأنيميا الحوارية التى انقلبت إلى سرطان، صارت برامج التوك شو العربية صراع ديوك، صارت المدرسة لا حوار فيها، بل تسلط وقمع، انتقل رويداً رويداً إلى جميع المفاصل، نستكمل آخر المغالطات المنطقية التى تسرّبت كالسوس إلى حواراتنا ومناقشاتنا.

كثيراً ما تلقى فى وجه محاورك بقفازات الكلمات المفخّخة.. المشحونة.. المضللة عن الهدف الأساسى، مثل أن تبدأ كلامك بكلمة يُدعى فلان، أو تضع وصفاً مكروهاً محمّلاً بمفاهيم سلبية مسبقة مثل أن تقول: «اقتراحى رفضته البيروقراطية»، رغم أن اقتراحك من الممكن جداً أن يكون قد رفض بسبب أنه اقتراح سخيف رفضه مسئول حكومى شريف يتقن عمله، نحن نستسهل أن تقف حجتنا على عكاز الألفاظ الانفعالية المقحمة.

مغالطة المنحدر الزلق أو أنف الجمل، الاسم مستمد من خيال البدوى، الذى يتخيل أنف الجمل مقتحماً عليه الخيمة، ثم داساً رأسه ثم رقبته ثم جسده كله! فنحن نرفض الشىء الذى من الممكن أن يكون مفيداً، بحجة أننا لو تركناها على البحرى ستحدث سلسلة من الكوارث، فمثلاً نقول عايزين تحددوا جنس الجنين، بكرة تحددوا لون عينيه وشعره، أو نقول انتم عايزين الطلبة تشارك فى اختيار المقرر، بكرة تقولوا يحطوا الامتحان، وبعدها ييجوا يدوا محاضرات بدل الأساتذة!!

إحنا يا نشيل ونرفع الدعم، يا إما حنفلس ونشحت! مغالطة القسمة الثنائية المزيفة، التى نبنى حجتنا فيها على افتراض أن هناك اختيارين فقط للمفاضلة، لا يوجد بديل آخر أو احتمال ثالث، هذه المغالطة تعبر عنها الجملة الإنجليزية الشهيرة «AMERICA، LOVE IT OR LEAVE IT».

ممكن شىء يحصل مع شىء فى نفس الوقت تحوله أنت فى حوارك إلى شىء بيسبب شىء!، هذه مغالطة السبب الزائف، مثلما يحدث عندنا فى الطب أن نقول إن الحمى هى سبب الطفح الجلدى، والحقيقة أنها حدثت معها، أما السبب الحقيقى للاثنين فهو الفيروس مثل الحصبة، أو يقال إن الثقافة الجنسية هى سبب الإيدز، رغم أنه مع انتشار الإيدز زادت الحاجة إلى الثقافة الجنسية التى تحمينا منه.

اعتقد الديك أن الفجر يأتى بسبب صياحه، لأن الشمس تشرق بعدها! هذه هى المغالطة البعدية، بفتح الباء، فعلنا مثل الديك عندما اعتقدنا أن كارثة تسونامى جاءت بعد ارتداء النساء للمايوهات فى هذه المنطقة السياحية!

بعد كل هذه المغالطات، هل كل هؤلاء الطلبة الذين يحصلون على الدرجات النهائية فى المنطق يعرفونه أو يفقهون شيئاً عنه.. أشك.

القسم: 
المصدر: 

الحوارات عندنا مناورات والمناقشات مناوشات (٢)

المكان: قاعة تدار فيها ندوة عن تلوث الهواء فى مصر.

الزمان: القرن الحادى والعشرون.

السيناريو والحوار: مناقشات عنيفة وحادة استغرقت عشر ساعات، كلها من عينة نعم نعانى تلوثاً فى الهواء، فين أيام ما كنت باروح المدرسة سيراً على الأقدام أشم الهواء النقى، أيام المدارس ما كانت مدارس، قبل الدروس الخصوصية والبلاوى اللى بنسمع عنها دلوقتى!!

لاحظ -قارئى العزيز- أن الندوة عن تلوث الهواء!، هذه المغالطة المنطقية فى الحوار يطلقون عليها red herring أو الرنجة الحمراء، يعود هذا الاسم للحيلة التى كان يستخدمها المجرمون للهروب من كلاب الصيد بتضليلها عن طريق الرنجة الحمراء وتحويل انتباهها عن الرائحة الأصلية، ونحن دائماً نستخدم مغالطة الرنجة الحمراء فى حواراتنا بإدخال تفصيلات جانبية لا دخل لها بالموضوع الأصلى، أو إطلاق قنبلة دخان عاطفية مثيرة للانفعالات تصنع ضباباً وغشاوة تصرف النظر عن صلب الموضوع، ينجح المحاور فى الإقناع أو بالأصح الخداع من خلال هذا الموضوع الجانبى الذى لم يؤثر فى المستمع بسبب موضوعيته بل بسبب بريقه الانفعالى.

يقف نائب برلمانى صارخاً منتفخ الأوداج «كيف تقبلون المشروع الضريبى الذى قدمه فلان، إنه غشاش ومنافق وزير نساء»!!، إنها مغالطة الحجة الشخصية وقتل الرسول بدلاً من تفنيد الرسالة كما فعلوا مع مؤسس موقع ويكيليكس مثلاً!

المغالطة الشخصية تكون أحياناً بالسب أو بالتلويح بالظروف الشخصية والغرض والمصلحة أو القول بأنى أفعل الخطأ لأنك أنت كمان تفعله مثلما نقول تبريراً للفساد بأنه موجود فى كل العالم، أو أن تسمم البئر من البداية وتبدأ جملتك بهجوم مباغت وضربة وقائية حتى يفقد المحاور أى تركيز فى إضفاء المنطق وشرح المبرر.

ظل القول بأن عدد أسنان المرأة أقل من أسنان الرجل قروناً وقروناً راسخاً فى الأذهان لا لشىء إلا لأن قائله هو أرسطو الذى لم يطلب من زوجته أن تفتح فمها ليعد أسنانها ولو لمرة واحدة!، إنها مغالطة الاحتكام إلى سلطة سواء شخص أو نص أو نظام، فيكفى أن تقول «ذكر فلان» أو «قال علان»، ليصبح الكلام يقيناً وحقيقة، نحن نتمنى ونفكر بطريقة التمنى wishful thinking، نحن نصدق ما قالته هذه السلطة لأننا نتمناه وليس لأنه حقيقة، نحن مدمنون لطريقة الألفاظ العامة مثل هناك بحث ألمانى قال، أو هناك برنامج تليفزيونى يؤكد.. إلخ، لا بد أن نعرف ونوقن أن أى معرفة من أى سلطة لا تتجاوز كونها ظناً!

رجل الأعمال فلان حرض على قتل الفنانة فلانة لكنه كان رجل خير يقوم بإمامة العمال للصلاة وحرام نعمل فيه كده وهى فى الأول والآخر حتة رقاصة!

سهلوا الامتحانات شوية ده الولاد مابيناموش.. إلخ.

مغالطة منطقية عنوانها مناشدة الشفقة أو استدرار العطف، تختفى الحجة والبينة ويحل محلهما العطف والشفقة.

«يعنى معقول انتَ حتفهم أفضل من الناس دى كلها!»، دائماً يقذف الناس فى وجهك بهذه الحجة التى يتخيلونها مفحمة ثم يُصدمون عندما تقول لهم: «نعم أنا ممكن أكون على حق وكل الملايين دى على باطل».

الإجماع خرافة، والحقيقة ليست ديمقراطية بالضرورة، وصحة الفكرة لا تقاس بعدد معتنقيها. يقول برتراند راسل: «إن انتشار الرأى ليس دليلاً على أن هذا الرأى ليس باطلاً، والحق أنه بالنظر إلى سخف أغلبية بنى الإنسان، فإنه لأقرب إلى الاحتمال أن يكون الاعتقاد واسع الانتشار اعتقاداً سخيفاً لا معقولاً»!، الناس عادة يسلمون عقولهم وضمائرهم لطغيان الثقافة الجاهزة، كما يقول د.عادل مصطفى، مؤلف كتاب «المغالطات المنطقية»، الإنسان تعود على دفء القطيع والانضمام إلى زفة الحشد، هذا المعنى الذى عبر عنه جون كينيث جلبرت قائلاً: «عادة من الأكثر أمناً لك أن تكون مخطئاً مع الأغلبية من أن تكون صائباً وحدك».

«هل معقول الأرض تبقى تابع للشمس ده معناه إن إحنا مش مركز الكون؟ معقول نظرية داروين صح، ده يبقى معناه إن الإنسان تركيبه قريب ومتطور عن الحيوانات.. مش ممكن؟!!»، مغالطة الاحتكام إلى النتائج لقياس صحة الفكرة من عدمها هى مغالطة منتشرة فى حواراتنا بطريقة مرعبة، لا بد أن نقتنع بأن الأرض تابع حتى لو جُرحت قناعاتنا الثقافية، ولا بد أن نقتنع بتطور الإنسان حتى ولو جُرح كبرياؤنا وغرورنا البشرى!

القسم: 
المصدر: 

الحوارات عندنا مناورات والمناقشات مناوشات (١)

الجيل الجديد إذا أراد وصف اللوّع فى النقاش يقول «ما تعملش حوارات»، التقطت أذنى تلك العبارة وأيقنت فعلاً أنهم على حق، فالحوارات لدى المصريين صارت مناورات، إذا استمعت إلى أى حوار بين اثنين من المصريين، سواء على مقهى بلدى أو على شاشة فضائية أو فى مدرج جامعى أو حتى فى قاعة مؤتمر علمى، تجده حواراً بين طرشان، والسبب ليس فى ضعف السمع، ولكنه فى ضعف المنطق، معظم حواراتنا لا تصل إلى نتيجة أو هدف أو تسهم فى تغيير أو تقدّم، لأنها مليئة بالمغالطات المنطقية. بحثت كثيراً عن كتاب يشرح لى هذه المغالطات المنطقية التى تسكن نخاع تفكيرنا كفيروس الإيدز فيفقدنا مناعة التحليل والتفنيد، وجدت أخيراً كتاباً بديعاً يشخّص هذا المرض العضال بعنوان «المغالطات المنطقية» لعادل مصطفى، كتاب فلسفى جميل عن المنطق الذى يحقق فيه طلبة الثانوية درجات نهائية على الورق، أما فى الحياة فيحصلون على صفر الفشل الذريع، ويظل المصريون يفهمونه مثلما فهمه سعيد صالح فى «مدرسة المشاغبين» عندما فسَّر معناه بالواحد اللى بيقع وما يحطّش منطق!

لا تُسقط رغباتك على الأشياء، ولا تجعل من أمانيك معياراً للحق، خُذ البلاغة ولا تؤخذ بها، وفرّق دائماً بين الخطابة والبرهان، تذوَّق لذة ونشوة السؤال!، قبل أن تدرس المنطق لا بد أن تضع هذه الكلمات نُصب عينيك.. هناك ثلاثون مغالطة منطقية شهيرة فى حواراتنا سنختار منها الواضح الصارخ، أولى هذه المغالطات المنطقية هى مغالطة المصادرة على المطلوب، ومعناها أنك تسلِّم بالمسألة المطلوب البرهنة عليها من أجل البرهنة عليها!.. الجملة تحتاج إلى شرح: ببساطة أنت عندما تتحاور تفترض صحة القضية التى تريد أن تبرهن عليها، فتقول مثلاً «يجب إلغاء المواد غير المفيدة كالإنجليزية لأننا نصرف فلوساً ع الفاضى»!، أنت فرضت من البداية أن الإنجليزية غير مفيدة، وهذه مغالطة منطقية، لا بد أن نقول لحضرتك «ستوب» قبل أن تتوغل فى النقاش وكأنه قد حسم الأمر.

مغالطة أخرى شهيرة يقع معظمنا فيها، اسمها مغالطة المنشأ، فرغم أن سقراط قال: «اسمعوا الحقيقة ولو من شجرة بلوط»، ورغم أن قوة الفكرة فى المنطق الذى يزكيها لا فى الأصل الذى ينميها، فى دليلها لا مصدرها، فإننا دائماً نصدق الفكرة من وجاهة مصدرها، ونَمقُتها إذا كانت صادرة عن شخص نمقُته، ونخلط بين الموضوع والذات، وننسى أن الحجة تنهض على قدميها الخاصتين بها فقط! ودائماً نحن نقع فى فخ الاغتيال المعنوى للشخص حتى نغتال فكرته التى من الممكن جداً أن تكون صحيحة، فنقول هذا معارض، لأنه نشأ فى أسرة مفككة ومتزوج من امرأة متسلطة! أو نستنكر أن يلعب طفل بلعبة على هيئة خنزير، لأنه حيوان محرم علينا تناول لحمه.. إلخ.

التعميم مغالطة منطقية هى مصدر أمراض التعصب والطائفية، فيكفى مثلاً أن نقول: «دمياطى أو منوفى أو دمنهورى» حتى تستدعى إلى الذاكرة جميع أوصاف الذم من بخل وإنكار جميل وقسوة قلب، لنلصقها بكل مَن يسكن هذه المدن أو يولد فى هذه المحافظات! وكذلك يكفى أن نذكر أتباع دين مختلف حتى تنهمر سلسلة الأوصاف المكروهة المنفرة التى لو رأت عيباً فى فرد سحبته على المجموع!

القسم: 
المصدر: 

سور الأزبكية العظيم

قرر باعة الكتب القديمة فى سور الأزبكية إقامة مهرجان موازٍ لمعرض الكتاب، يقام بعد انتهائه، لديهم كل الحق فى غضبهم، ونحن محبو الكتب معهم فى حزنهم من المعاملة الجافة التى تتعامل بها الجهات المسئولة، أنا وغيرى ممن تربوا على اقتناء الكتب النادرة من هذا السور العتيق نريد حلاً يشترك به هؤلاء الباعة فى معرض الكتاب، هم اختاروا تلك المهنة الشريفة التى يجب تقديرها، ويجب معها وضعهم على رؤوسنا وتكريمهم بدلاً من طردهم، هم اختاروا أن يبيعوا كتباً فى بلد لا يقرأ، اختاروا تلك المخاطرة بكل حب ورضا وقناعة، كان الأسهل والأكسب والأربح تجارة أى شىء، من الأدوات المدرسية حتى الحشيش، كله مباح ومتاح أمامهم، حتى التسول فى الإشارات أكثر ربحية ودخلاً من تجارة الكتب القديمة، لكنهم أصروا وعافروا حتى بعد طردهم من مكانهم القديم، فهل تلك هى المكافأة؟، إنهم ينتظرون المعرض من السنة إلى السنة، والمعرض هذا العام، وأتمنى له النجاح، ما زال يستكشف ويختبر مكانه الجديد والبعيد الذى سيضيف أعباء مادية ضخمة على هؤلاء الغلابة، فكيف نضاعف ثمن المتر لهم؟، وكيف نطلب عدم دخول كتاب واحد بعد بداية المعرض؟، إنه حكم بالإعدام عليهم، أنا مع الدولة فى محاربة قرصنة الكتب، راقبوهم لكن لا تمنعوهم، وإلا سنكون كمن منع تناول اللحم نهائياً بعد تناول مواطن للحم فاسد!!، إنه ليس فرماناً، والثقافة «مش ناقصة حصار وإنهاك»، نحن نمد خراطيم التنفس الصناعى إليها فيا ليتنا لا نغلق أسطوانة الأوكسجين نفسها!، لسنا ضد التنظيم ولكننا ضد التعسف، أحترم بائعى الكتب فى الأزبكية وأشعر ويشعر معى كل مثقف وقارئ حقيقى تجاههم بالامتنان والجميل، هؤلاء ليسوا بلطجية ولا قطاع طرق، لا بد أن نتعامل معهم من هذا المنطلق، الكتب أسعارها نار، ومن نريد تثقيفه وتنويره أغلبهم فقراء ومتوسطو الحال، لا نريد وضعهم فى أغلال أكثر صلابة، وقيود أضخم سجناً وشللاً وموتاً، لا تبنوا سوراً أمام سور الأزبكية، لا نريد زنزانة للكتاب بل نريد البراح، وألا يكون الكتاب للقادر مادياً بل للقادر ثقافياً.

القسم: 
المصدر: 

أسئلة الحداثة الصادمة

ما زلنا على خصام مع الحداثة لأننا نجهل أسئلتها، لم نطرحها بعد، أو بالأحرى نخاف ونفزع من أن نطرحها أصلاً، نحن لم نكرهها لأننا لم نعرفها ابتداء. هنا يجب ألا نتحدث عن كراهية الحداثة، ولكن الجهل بالحداثة التى باتت قارب المستقبل هو الذى يجب أن نطرحه. أسئلة الحداثة التى نخشى طرحها -لأنها أسئلة جذرية وتنخر فى العمق- هى صدمات كهربائية لازمة لعلاج الشيزوفرينيا الاجتماعية والدينية والسياسية... إلخ، وبدونها سنظل نتخبط فى هلاوسنا وضلالاتنا وجنون عظمتنا وأحاسيس اضطهاداتنا. السؤال الأول: هل الإنسان حيوان مكلف أم إنسان له حقوق؟ مفهوم التكليف مرتبط بالذوبان وعدم الإحساس بالتفرد، وأنك مجرد ترس فى آلة كبرى عليك أن ترمى كلك فى دائرة هذا التكليف، محور التكليف هو فرضيات وقبليات على العبد تنفيذها وبلا نقاش، زاد عليها تدخل المجتمع وحشر أنفه فى مراقبة تطبيقك لهذا التكليف! محور الحقوق هو «أنا قد دخلت ساحة انتزاع حقوقى المستحقة مع عدم الحشرية ودس الأنف بينى وبين حقى». الشعار المرفوع هو «وانت مالك بمساحتى الخاصة».

سؤال آخر عن إمكانية وسهولة اليقين، هل اليقين بتلك السهولة وذلك اليسر كما نتخيل فى مجتمعاتنا التى لم تطرق أبواب الحداثة بعد؟ أتعجب من كم اليقينيات التى نحملها على كاهلنا بكل ثقة، وكم الإجابات اليقينية الجاهزة التى نبخها ونتقيؤها فى وجوه محاورينا. أندهش من صوبة اليقين وشرنقة المؤكد والبديهى التى نعيش فيها طوال الوقت، ونحن مطمئنون اطمئنان النائم على باب الكهف الممسك بذيل الأفعى المختبئة فى الخارج ظناً منه أنها حبل إنقاذه! اليقين المزمن ليس مرادف الاستقرار، لكنه مرادف الركود حتى العفن، والتيبس حتى الموت، أما الشك فهو حافز التغيير وشرارة التطور، سؤال تضييق دائرة الاهتمام وحصره مجتمعياً فيما هو على الأرض، أقول مجتمعياً لأن من حقك كفرد أن تفكر فيما هو خارج تلك الأرض، وفيما بعد الموت، لكن أن تحوله إلى هم وشاغل مجتمعى حكومى وطنى له مؤسسات وهيئات تفكر فيه بالوكالة عنك ثم تحشرك وتشغلك بل وتعاقبك على رأى مخالف أو لا مبالاة مؤقتة، هذا هو ما ترفضه الحداثة، هذا الحصر هو الذى يفرز العلمانية ويمنحها معناها الاجتماعى، فكما يقول د. مراد وهبة العلمانية هى التفكير فى النسبى بما هو نسبى، وكما يعرف عبدالكريم سروش العلمانى بأنه الشخص أو المجتمع الذى يتعاطى مع الظرف الحالى، هو ابن الوقت، مهتم بهذه الحياة الدنيوية ويتحرك بمقتضاها، سؤال المجتمع الملح يجب أن يكون دائماً كيف نخرج من هذا المأزق عبر آليات تلك الحياة؟ هل نحاول علاج الجفاف بصناعة أو استنزال مطر صناعى أم بدعاء استسقاء؟ هل سقوط عمارة أو اجتياح إعصار هو انتقام ربانى وعقاب إلهى علينا قبوله أحياناً على أنه ابتلاء، أم أن عدم استعدادنا الجيد وتخطيطنا المنظم سيضاعف الخسائر؟ عندما أفسر شيئاً أو حادثاً هل أفكر فى أن السبب هو قوى خارجة عن الطبيعة؟ وهل دافعى لهذا التصرف أو الحل هو لإرضاء تلك القوى الميتافيزيقية، أم أن الدافع عقلانى بحت؟

سؤال حداثى آخر مهم سأفرد له فصلاً مستقلاً: هل الأخلاق لها استقلالية عن الدين، أم أنهما كالتوأم الملتصق؟ وهل من الممكن أن أتوصل، مثل حى بن يقظان، إلى فحوى الأخلاق وأدرك الحسن والقبيح بدون الاستعانة بالكتب والمناهج الدينية؟ سؤال يستحق احتشاداً للإجابة خارج تلك القائمة من علامات الاستفهام التى حسمتها مجتمعات الحداثة، أو على الأقل قطعت فيها شوطاً كبيراً، ومن أهم الأسئلة التى طرحتها الحداثة: هل يوجد معيار واحد لقياس الأفكار والقيم؟ هل يوجد ميزان ثابت لكل النشاطات؟ هل لا بد من استخدام نفس المنظار لرصد جميع المشاهد؟ الإجابة كانت فيما يسمى التمايز القيمى أو تمايز مجالات القيمة VALUE DIFFERENTIATION والتى شرحها بطريقة جيدة د. أشرف منصور، أستاذ الفلسفة بآداب الإسكندرية، حين قال: «يعنى هذا المبدأ أن يكون لكل مجال قيمى استقلاله الذاتى وحدوده التى يتحرك داخلها، بحيث لا يتعدى على المجالات القيمية الأخرى ولا يحكم عليها، ولا يستخدم قيمه للحكم على مجال آخر، هذه المجالات القيمية هى السياسة، والأخلاق، والاقتصاد، والدين، والفن، والعلم، كل مجال من هذه المجالات له قيمه الحاكمة له، ولا نستطيع أن نحكم عليه بقيم لا تنتمى لمجاله، وفى حالة حدوث ذلك تختلط القيم ببعضها ويفسد حكمنا عليها ويصير غير موضوعى». هذا من أهم مبادئ الحداثة التى يفسدها ما نقول عنها بلغتنا العامية المصرية «يحط أبوقرش على أبوقرشين»، تداخل مجالات القيم، ومحاولة حشر هذا فى ذاك، ووزن هذا بالمتر وقياس ذاك بالطن! فتصير فخفخينا فكرية وحواوشى قيمى! فعندما نتخذ من القيم الداخلية لمجال ما مبدأ للحكم عليه، نكون قد صنعنا من هذه القيم الداخلية معايير للقياس Norms داخل هذا المجال الواحد كما يقول د. أشرف منصور.

وإليكم بعض أمثلة التداخل لدينا: «مجال الاقتصاد مستقل بقيمه، مثل الكفاءة فى استخدام الموارد وتوفير أكبر قدر من السلع مما هو متاح من موارد، وتنمية القدرة الإنتاجية لشعب ما... إلخ، وبالتالى فلا نستطيع الحكم على الاقتصاد بمعايير السياسة أو الدين أو الأخلاق أو الفن، بل نحكم عليه بمعاييره هو والمستمدة من قيمه هو، وكذلك الحال بالنسبة للسياسة، إذ يجب أن نحكم عليها بمعيار النجاح والفشل السياسى، أو الكفاءة وعدم الكفاءة السياسية، ولا نحكم عليها بمعايير من خارجها، مثل المعايير الجمالية... إلخ، وفى المجال العلمى لا يمكن لنا أن نحكم على النظريات العلمية بمنطق لا ينتمى للعلم، مثل المنطق الدينى أو الأخلاقى أو السياسى أو الاقتصادى، كذلك لا يمكن الحكم بمنطق الدين على الفلسفة ولا يمكن الحكم على الفلسفة بمنطق الدين، وهذا هو ما حاول ابن رشد إثباته فى كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال)، إذ قام بأول محاولة للفصل بين المجال القيمى للدين والمجال القيمى للفلسفة بمعايير مستمدة من داخل كل مجال، ودافع عن استقلال الدين داخل مجاله واستقلال الفلسفة داخل مجالها، وبذلك كان ابن رشد إرهاصة للحداثة، لكن إرهاصة مجهضة. وكذلك الحال بالنسبة للفن، فلا يمكن الحكم على الفن بمنطق الدين، ونضعه فى ثنائية الحلال والحرام أو الكفر والإيمان، لأننا بذلك نقحم على المجال الفنى معايير ليست منه ولا تنتمى إليه، بل معايير الفن هى الجمال والاتساق الداخلى والانسجام والقدرة التعبيرية...إلخ، وسبب تكفير الإسلاميين للفن أو لبعض الأعمال الفنية هو أنهم لا يستطيعون تبنى مبدأ تمايز مجالات القيمة، لأنه مبدأ حداثى عن جدارة، فى حين أن الإسلاميين لم يمروا بمرحلة الحداثة من الأصل، كما يرجع السبب فى توسع المنطق الدينى وتغلغله فى كل ثنايا الثقافة واحتلاله لمساحات متزايدة الاتساع من المجال العام إلى أن مبدأ تمايز القيم لم ينجح فى الترسخ فى مجتمعاتنا، من جرّاء فشل عمليات التحديث، وعدم المرور بمرحلة الحداثة من الأصل، كما يستند مبدأ الفصل بين الدين والسياسة أو الدين والدولة على مبدأ تمايز مجالات القيمة، وبدون الفصل بين المجال القيمى للدين والمجال القيمى للسياسة لن يكون الفصل بين الدين والدولة ممكناً. والفصل الأول بين المجالات القيمية هو الشرط المسبق والضرورى للفصل بين الدين والدولة، فلا يمكننا أن نطالب بالفصل بين الدين والدولة إلا بناء على حركة ثقافية واسعة وعميقة تقوم بتفعيل مبدأ التمايز القيمى من أسفل، أى من المجال الثقافى والفكرى والفنى والعلمى، قبل أن ننقلها إلى المجال الأعلى وهو المجال السياسى».

أعتقد أن أستاذ الفلسفة قد حدد مجالات التمايز القيمى وشرحها، لكننا فى مجتمعاتنا -مجتمعات ما قبل الحداثة وثقافة الشفاهية- نعشق هذه الخلطبيطة، خاصة حشر نكهة الدين فى أى مذاق فنى أو علمى أو سياسى أو اقتصادى، إنه صار إدماناً، ليس بغرض التخدير فحسب، ولكن بغرض إحكام السيطرة والتسلط، إذن الحداثة ليست فصلاً ما بين الدولة والدين فقط، ولكن ما بين الدولة والمجتمع كأفراد، بين الملعب العام والمضمار الخاص، إذن ما هو دور الدولة فى المجتمع الحداثى؟ هو كما قال عبدالكريم سروش: «الدولة شاغلها الأوحد هو المصلحة العامة للمتحد السياسى». إذن هناك تمييز واضح ما بين الإنسان الفرد الذى له الأولوية وبين المواطن، الحداثة تحترمنى كإنسان أولاً ثم كمواطن ثانياً ثم كمتدين وصاحب عقيدة أو مذهب ثالثاً، شعارها فلتسقط الحشرية، واستخدم أنفك فى شم مساحتك الخاصة ولا تدسه أو تنشر رذاذه فى مساحتى الخاصة.

القسم: 
المصدر: