خالد البري

خالد البري يكتب: سنة جديدة دنيا جديدة

عام ٢٠١٣، على المستوى العام، كان عاما صعبا، لكنه أيضا على نفس المستوى عام جيد جدا. صعوبته تفسر جودته. لأنه وضعنا فى مواجهة مع مهام كانت مؤجلة منذ زمن بعيد. فى مواجهة مع ادعاءات لم تختبر، وفى مواجهة مع سلوك كنا نرى ظاهره، ورأينا باطنه. فى مواجهة مع مواقف اتخذناها لتخدم ناس ما تستاهلش، لم نكن ننتظر منهم خيرا، لكننا اعتقدنا أنهم أذكى من الإفصاح عن شرهم بهذه السرعة.

عام ٢٠١٣ شهد سقوط الإخوان عن السلطة التى وصلوا إليها لأول مرة. وآخر مرة. ولو لم يحدث فيه على المستوى العام سوى هذا لكفاه. لو سقط عام ٢٠١٣ من التاريخ لربما كنا الآن أقرب عاما إلى إيران، أو باكستان. لكان بعض ممن لا يختلف سلوكهم عن سلوك مخبرى أجهزة الاستخبارات فى أوروبا الشرقية لا يزالون يحاضروننا عن الحريات والحقوق. ولا يزال أصدقاؤهم «الذين يحاضروننا عن الموضوعية والنزاهة»، يخشون من انتقادهم، حتى لا يلتفتوا إليهم وينالهم نصيب من الشتائم. (أى صورة لدولة يكون هؤلاء نخبتها!!).

التغيرات التى حدثت فى عام ٢٠١٣ ستجعله عاما مفصليا فى تاريخ مصر، تماما كما كان ٢٠١١، العام الذى افتتح بـ«ثورة يناير». نميل أحيانا إلى النظر فى التاريخ مشغولين بإطلاق الأحكام. لكن التاريخ ليس قضية إخلاء مرفوعة فى محكمة، إن صدر الحكم لصالحنا بقينا فى الشقة وإن لم يكن خرجنا منها، أو العكس. التاريخ ليس نزاعًا قضائيا على قطعة أرض. التاريخ لعبة، لن تتغير نتائجها إلا بما يبذله اللاعبون فى أثناء المباراة. فى عام ٢٠١٣ نفذ الشعب المصرى جملا تكتيكية، بعضها هجمات مرتدة خاطفة، وبعضها هجمات منظمة ضد دفاع متكتل.

هل حسمت النتيجة؟ لا. لكننا أحرزنا أهدافًا.

هل الوضع مطمئن؟ لا. لكنه يبعث على الأمل، لمّا الشوط الأول ينتهى واحد واحد أحسن بكتير جدا من لما ينتهى ٣ / صفر.

هل نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة النهائية؟ لا. عندنا ثغرات كثيرة فى النظام، ونقاط ضعف فى مراكز رئيسية، وضعف فى اللياقة البدنية لدى بعض اللاعبين، وفوق ذلك كله نحن لا نلعب فى الفراغ، لأن الخصم لا يزال يهاجم، ميدانيا، وفكريا، وإعلاميا. ولا يزال يعمل على أكثر من جبهة، ولا يزال ينشر بعض جمهوره فى أوساط جمهور فريقنا لنشر الإحباط، وتذكير اللاعبين بمشكلاتهم بينهم، وكل فترة يتعمد الهتاف الشخصى ضد لاعبة أو لاعب فى فريقنا، لكى يهزمها نفسيا، ويجعلها تطلب الخروج.

شوط جديد فى تاريخنا سيبدأ. ونحن لسنا مانشستر يونايتد ضد فريق إسكو. نحن فرق كثيرة، متنوعة، لكنها جميعا فى مستوى الدورى عندنا، صناعة محلية زى ما بيقولوا. ومهما قارنّا أحسنها بالدورى الإنجليزى مثلا مش هتفرق، لأن الارتقاء إلى مستوى الدورى الإنجليزى محتاج إلى دأب، وسياسات زى سياسة الدورى الإنجليزى، ولعيبة زى لعيبة الدورى الإنجليزى، وتدريب زى تدريب الدورى الإنجليزى، ودا مش بيحصل فى شهر ولا شهرين، دا محتاج سنين. متخليش حد يخدعك بغير كده، ويعمل نفسه متباكى على «الكفاءة»، لأن كلنا عارفين الفرق. بعض التباكى غرضه الإصلاح، وبعض التباكى غرضه الإحباط. حاليا بنلعب بالموجود، وبنحاول نحسن.. معندناش غير كده.

المستوى العام أثر -بالنسبة لى وأكيد بالنسبة لكل واحد فينا- على قرارات شخصية. وأنا باشوف الخصم الإرهابى بيجمع ناس من اتجاهات مختلفة ويعمل مشاريع فى الإعلام، بينما المواطنون المصريون العاديون أمثالى أَسرى لدعاية تفريقية، غرضها الحيلولة دون أى جهد مشترك، يقدم إعلامهم. وأنا باتكلم عن الإعلام لأنه مجال شغلى. يعنى «الجزيرة» تشتغل بناس من مختلف الاتجاهات كلهم بيخدّموا على الإسلامجية، وبيطلعوا مشروع إعلامى لندنى كبير، وبينفقوا على صحف مصرية بيشتغل فيها ناس من كل جهة.. كل دا ماشى. إنما إحنا -المواطنين- نقعد نقطع فى فروة بعض، ونتخانق على الماضى. والنتيجة إن همّ اللى يشتغلوا. فى عام ٢٠١٣ لم تنطلِ علىّ هذه الحيلة الساذجة.

دا كويس. فيه نقطة واحدة بس مزعجة شوية. إن دا آخر مقال لى ككاتب متفرغ فى جريدة «التحرير»، زى ما كان الحال من ساعة ما طلعت فى يوليو ٢٠١١. أتمنى إنى أعود لنشر مقالاتى فيها قريبا لما أبدأ أكتب مقالات فى شغلى الجديد (ودا برضه باتمنى يكون انعكاس لروح لا تقف فيها التنافسية أمام التعاون الذى لا يضر حظوظ المتنافسين). أنتظر تمنياتكم بالتوفيق. وأشكر الناس اللى استحملتنى وشجعتنى على مدار أكثر من سنتين، وأشكر زملائى فى الجريدة، وعلى رأسهم رئيس تحريرها الأستاذ إبراهيم عيسى، نلتقى على خير.

القسم: 
المصدر: 

شعبك هيعرفك من قائمة خياراتك

إحدى القصص العالقة فى ذهنى منذ أكثر من عشرين سنة حدثت فى أثناء الزلزال الذى ضرب مصر عام ١٩٩٢. لا أدرى مدى دقّتها، لكن المهم عندى مدى شيوعها فى ذلك الوقت.

القصة مروية على لسان شخص ظل تحت أنقاض عمارته المنهارة فى الإسكندرية عدة أيام، كان خلالها يشرب من بوله، وقد حاول أن يقنع ابنته بأن تفعل مثله فرفضت. الأب نجا، والطفلة ماتت.

فى هذه القصة القصيرة جدًّا أكثر من نقطة تلفت نظرى:

١- من الصعب على المرء أن يختار اختيارات حلوة إن كانت خياراته المتاحة ضيّقة.

٢- فى الحياة العملية تتضح العلاقة بين الخيارات والاختيارات، ليس فقط فى موقف صعب، الاختيار فيه بين الحياة والموت، مثل موقف الوجود تحت أنقاض مبنى متهدّم، إنما أيضًا فى اختيارات تتعلق بمكان السكن، ونوع الوظيفة. أنا أرفض أن أعمل فى وظيفة كذا أو كذا، ولو على رقبتى، موقف يبدو مبدئيًّا، لكنه فى الحقيقة غير موجود إلا فى البراح. براح مادى، كأن يكون لديك ما يعيلك لفترة قادمة، أموال فى البنك، أو أسرة تنفق عليك، أو أو. أما حين يضيق البراح جدًّا، ويخنقك، فعليكِ أن تختارى من بين الموجود لزامًا. أو تنتحرى. هذا ما فعله المواطن الذى شرب بوله.

٣- الخيار هنا يحتاج إلى نضوج، وإدراك للعواقب. ابنته الطفلة لم يكن لديها هذا بحكم سنّها، لذلك رفضت الخيار المعروض عليها وأصرّت على رفضه.

٤- فى القصة أيضًا علاقة لافتة بين الإحساس المعنوى بالخيار والإحساس «الحسى» به.

كثير من مواقفنا السياسية تشبه هذا. الخومينى حين قبل وقف إطلاق النار مع العراق، قال وهو يعلن ذلك «كأنى أتجرّع السم». لعله يقصد أنه قبل بخيار أن يتجرّع السم بنفسه، بدل أن تشقى بلده بما هو أكثر.

والخومينى طبعًا اختار أن يتجرّع السم لأن المسألة تحولت إلى حياة أو موت بالنسبة إلى أمته. زلزال يشبه الزلزال المشار إليه أعلاه، وأنقاض تشبه الأنقاض المشار إليها أعلاه.

لكن ما معنى هذا؟ معناه أن عملية الاختيار تبدأ من عملية التقييم، تقييم الحالة. هل مصر الآن كبيت منهار أم لا. هل كان البلد على حافة الحرب الأهلية أم لا؟ حين نجاوب على هذه الأسئلة نستطيع أن نقرر، هل نتجرع السم، هل نتجرع البول، هل نقبل المرار أم لا. لا يمكن الفصل بين التقييم وبين الاختيار. والتقييم يختلف من إنسانة إلى إنسانة.

بصيغة أخرى.

لا يمكن لأشخاص يعملون فى جمعيات مدنية، أو فى الصحافة، أو فى الإعلام، وبالتالى يستطيعون أن يعيلوا أنفسهم فى ظل هذا الوضع أن يقارنوا خياراتهم بخيارات أشخاص يعملون فى مجال السياحة، أو سواقة التاكسى، أو فواعلية. لا يمكن. لماذا؟ لأن تقييم هؤلاء للوضع يختلف عن تقييم هؤلاء. بالنسبة إلى الفريق الأول الموضوع لم يصل إلى درجة الاختناق تحت الأنقاض. وبالتالى ليس مسألة حياة أو موت. أو لنقل ليس مسألة إشباع الأطفال أو جوعهم. أما بالنسبة إلى الفريق الثانى فالموضوع وصل إلى هذه الدرجة.

بالنسبة إلى الفريق الأول فإن شرب البول شىء شنيع. بالنسبة إلى الفريق الثانى فإن شرب البول هو الخيار الوحيد المنطقى، وعدم شربه قصور فى النظر لا يصح لإنسانة ناضجة.

وهنا. ها هنا. ها هنا. تكمن براعة السياسة. لكى تكونى سياسية جيدة عليكِ أن لا تسمحى للوضع بالوصول إلى نقطة يعتبرها معظم الناس حدًّا فاصلًا بين الحياة والموت، بين الإشباع والجوع، بين الستر والحاجة. لأن خياراتهم وقتها ستضيق جدًّا. وكلما ادّعيت لهم أن لا، أن الخيارات أوسع من ذلك، كلما أيقنوا أنكِ تملكين قائمة غير قائمتهم. أنكِ تعيشين فى ظروف غير ظروفهم. أنكِ لا تشعرين بهم.

هل تفهميننى؟

براعة السياسية أن تعزل نفسها عن ظروفها المعيشية، وأن تطلع على قائمة خيارات المواطنين الذين تمثلهم. لكى تدرك ما المتاح حقيقةً، ما الموجود فى قائمتهم، فى تلك اللحظة من الزمن. حين يخرجون من تحت الأنقاض تلك قصة أخرى.

القسم: 
المصدر: 

عدالة أم إعالة؟: 5- عواد باع هدومه بسببكم

أسرة مكونة من عشرة أفراد، عندها أربعة قراريط أرض، هى مصدر دخلها الوحيد. الأسرة دى عايشة فى قرية، والأبناء كلهم أطفال، أكبر واحد فيهم عنده ١٥ سنة. دخل محصول الأربعة قراريط مايكفيهمش. مهما عملوا مش هينفعهم، جات لهم سيدة أعمال وقالت إن القراريط الأربعة دول فى مكان جيد جدا لمشروع. وإنها ممكن تشاركهم، هم بالأرض وهى برأس المال. وقدمت دراسة للمشروع هتحتفظ بالمنتج الزراعى، وهتضيف له ماشية وآلات ألبان وأجبان وتعليب ونقل لمراكز توزيع.

فيه هنا طريقتين للتفكير، إما رفض المشروع «مبدئيا» بناء على الدعاية ضد «الاستثمار وأصحاب الأعمال»، وبناء على «أخلاق القرية» وعواد باع أرضه، والمحافظة على الأرض، إلى آخره.

وإما دراسة المشروع، حسب «جدواه الاقتصادية». وعرضه على محامين يضمنون حق أصحاب الأرض، وبالتالى رفضه إن لم يكن له جدوى اقتصادية، وقبوله إن توفر فيه شرطا الجدوى والضمانات القانونية.

أى الطريقتين أحرص على مصلحة هذه الأسرة؟!

طيب تعالى ناخد الموضوع خطوة أبعد. نتخيل إن الأب رفع الشعار ورفض المشروع مبدئيا، واستمرت الأسرة فى المعاناة. هل سيكون الأب «حافظ على الأرض؟». من فضلك فكرى فى رأيك. إنما بالنسبة لى أبدا. ليه؟ لأنه غالبا مش هيقدر يستمر على كده. ولو دخلت «كردون مبانى» هيبيعها على طول. «دا اللى حاصل على أرض الواقع». أو هيجرفها ويعملها طوب أحمر «ودا برضه اللى حاصل على أرض الواقع»، أو لا هيعمل دا ولا ده، وعياله هيشحتوا وفرصهم فى الحياة هتقل. علشان الأرض دى تجيب فلوس على حالتها الراهنة، كأرض زراعية، لازم نغلى أسعار المحاصيل. وبالتالى أسعار المحاصيل دى من طماطم وخيار هتغلى على المواطنين المستهلكين.

النكتة هنا إن التيارات السياسية اللى بتشجع الأب على «رفض الاستثمار»، وتغذى شكوكه «بدل أن تشغل نفسها بالبحث عن ضمانات تحمى حقه» هى برضه اللى هتيجى تتاجر بفقر أولاده، وتصرخ «هل ترون ماذا فعلتم فى أبناء الفلاحين؟». أو هتصرخ «إنهم يجرفون الأرض الزراعية»، «إن الأسمنت يأكل التربة». وفى حالة غلاء المحاصيل هتطلع بيان صحفى طويل عريض: «طبق السلطة يساوى ثروة».

الحاجة الوحيدة اللى مش هيعترفوا بيها إنهم هم السبب فى كل دا. لأ وإيه، سيدة الأعمال اللى كانت هتستثمر فى الأرض دى ممكن جدا تتحول إلى التصدير والاستيراد، وتشترى موز أو طماطم أو خيار من بره، وتطرحه فى السوق وبأسعار أرخص من أسعار المنتج المصرى. فهيبقى قدامنا خيارين: إما نقفل السوق ونمنع استيراد الخضراوات الأرخص، يا إما نفرض ضرائب أكثر على الاستيراد، وفى كلتا الحالتين نكلف المواطنين المستهلكين أعباء أكثر فى شراء «طبق السلطة»، يا إما نسمح بالاستيراد، والمحاصيل المصرية تخسر فى سوق المنافسة، والمزارعون يدفعون الثمن.

طيب ليه. ما نشجع الاستثمار فى الأرض الزراعية، وبكده نحافظ عليها ونزود قدرتها الإنتاجية، ونزود العائد عند الفلاح والفلاحة، ونشجعهم يحتفظوا بأرضهم ويستمروا فى زراعتها.

طيب. أنا غرضى إيه من مقالات عدالة أم إعالة؟ اللى كتبتها واللى لسه هاكتبها من وقت للتانى. غرضى بسيط جدا، إنى أقول إن رفع الشعار لا يعنى امتلاك الحل، دا مجرد تعبير عن «الرغبة». إنما لما تيجى تناقشى السياسات، أو الإجراءات، ممكن جدا جدا جدا تكتشفى إن الإجراءات المقترحة تقود إلى عكس الشعار المرفوع تماما، وأنها مضرة بمن تدعى أن الشعار لصالحهم.

ودا ينطبق، أكثر ما ينطبق، على شعار «العدالة» الاجتماعية. ممكن خطة فريق رافع الشعار تؤدى على أرض الواقع إلى خلاف ذلك تماما، إلى خسارة الأفراد، وإلى تراجع الرخاء فى البلد، على الجميع. وبالتالى تيجى نفس التيارات اللى غرقتنا باختياراتها الخطأ وتطالب الدولة بـ«الإعالة»، تحت مسمى العدالة. والدولة التى تعيل تتحكم. فلا نطلع بعدالة، ولا نطلع بديمقراطية.. دى قصة دول أوروبا الشرقية كلها قبل سقوط جدار برلين. معظم رافعى شعار «العدالة الاجتماعية» تيارات تريد لمصر أن تمر بنفس التجربة، بدل أن نتعلم الدرس.

القسم: 
المصدر: 

خالد البري يكتب: عدالة أم إعالة؟ 4- مناضلين بيلهفوا فلوس الكادحين

إنتى يا أخت يا اللى هناك، أيوه انتى، يا مناضلة. إنتى عضوة فى نقابة الصحفيين، مش كده؟ وبتلهفى ٩٠٠ جنيه أول كل شهر من النقابة، فوق مرتبك، مش كده؟ الفلوس دى جاية منين؟

معظمها من وزارة المالية، من ميزانية الحكومة، من الضرايب اللى المواطنين بيدفعوها، سواقين التاكسى بيدفعوها، والأطباء بيدفعوها، وشوية من الإعلانات «عضو النقابة ياخدها واللى مش عضو فى النقابة ماياخدهاش»!!

الـ٩٠٠ جنيه دى اسمها رشوة مقنعة، بتديها السلطات المستبدة لأصحاب المهن اللى ممكن يضايقوها شويتين. النقابة بتاعتك دى ماشية عكس «فكرة العمل النقابى». أنا كنت عضو نقابة صحفيين فى بريطانيا، بادفع كل شهر، أنا اللى بادفع للنقابة، ٢١ جنيه إسترلينى اشتراك، علشان تدافع مهنيا عنى وعن زمايلى. وعلشان تضمن استقلاليتنا واستقلالية المهنة، وإن إحنا مانتعرضش لظلم بسبب آرائنا أو غيره. مش هى دى فكرة العمل النقابى، يا ناشطة، يا بتاعة النقابات؟ النقابة تجمُّع مهنى مستقل عن السلطة يدافع عن المشتغلين بالمهنة.

لأ، مش بنفسن عليكى ولا حاجة. أنا بس عايز أفهمك إن إحنا فاهمين. ومابتغرناش الشعارات اللى بترفعيها، ونظام شايف العصفورة، ونظام الآخرون فاسدون اللى بيوحى إنك إنتى لأ. الصحافة دى أفسد مهنة فى مصر. أكتر مهنة بطَّالة ومحتاجة «تطهير وإصلاح».

دا انتى كمان بتشتغلى فى جريدة قومية. سيبك من كون المانشيتات بتاعتها بتعدى على جهات سيادية قبل ما تطلع. سيبك إن وظيفتها التطبيل للسلطة. خلينا فى ميزانيتها. الإعلانات دى جاية منين؟ أو بصيغة تانية، إيه اللى بيخلى المعلن يعلن فى جرايد بعضها مابيبعش؟ أيوه، علشان مرتبطة بالسلطة، وعلشان بتستغل ارتباطها بالسلطة فى مساومة المعلنين.

هو إيه الفساد بأه من وجهة نظرك؟ يعنى إن ماكانش دا كله فساد، وانتى شغالة فيه، يبقى إيه هو الفساد؟ منين بتجيلك عين تكتبى مقالات عن فساد «الآخرين» من غير ما تبصى مرة لنفسك وتكتبى عن فساد مؤسستك. ليه بتطالبى «الآخرين» بتطهير مؤسساتهم، ومش بتطالبى بتطهير مؤسستك، أو حتى باتباع سياسات تكافح الفساد؟ ليه بتتظاهرى أو بتدعى للتظاهر قدام المؤسسات الفاسدة الأخرى، ومافيش مرة بتتظاهرى، أو تدعى للتظاهر قدام مؤسستك الفاسدة، ونقابتك الأفسد؟ مرة تانى، إيه هو الفساد؟!

طبعا. ويا سلام لو كنتى اشتراكية ومغرقانا كلام عن فساد رجال الأعمال. كأن فساد رجال الأعمال دا حاجة، وفسادكم انتم دا حاجة تانية. لمجرد إن حضرتك بتعرفى ترصى كلمتين جنب بعض عن «العدالة الاجتماعية» و«تزاوج المال والسلطة» والذى منه. أما «تزاوج الصحافة والسلطة»، السمة المميزة لكل تجارب الدول الاشتراكية، واللى نظام مبارك ورثها من «بستان الاشتراكية» بتاعنا، فهو حلالٌ حلالٌ حلال. أما «إعالتك اجتماعيا» من ضرايب الكادحين، فماشى.

الغريب إن نص «الاشتراكيين» شغالين صحفيين فى جرايد الحكومة، متوغلين. هتقولى لى ما «الرأسماليين» كمان. هقول لك آه. بس الرأسماليين دول «فاسدين» زى ما انتى عارفة. فأنا باتكلم دلوقتى عن «الأشراف الأطهار»، أنصار الكادحين. «الرأسماليين» على الأقل بيقولوا لازم يبقى فيه استثمار فى كل حاجة، لازم يبقى فيه استثمار حتى فى الصحافة، لأن دا السبيل الوحيد لوجود صحافة مش مرتبطة بالسلطة، ممكن مرتبطة بمتنافسين على السلطة -خدى بالك، وبالتالى تنافسية، وهادفة إلى الربح، وضاغطة من أجل الحصول على معلومات، يعنى بتقدم منتج يعجب الزباين/القراء علشان يشتروه، مش منتج صحفى قطاع عام، لا هامّه يعجب الناس ولّا مايعجبهمش، ولا هامّه يربح ولّا مايربحش، اللى هامّه بس يقبض أول الشهر، ويستغل علاقته بالسلطة علشان ابتزاز المعلنين، زيه زى أى موظف قطاع عام مرتشى.

أيوه. انتى بتاخدى رشوة من السلطة علشان تقفلى بؤك، وعلى حساب الكادحين. رفاهيتك مرتبطة برضا السلطة عنك، وعلى حساب الكادحين. من يمد يده يكتم لسانه. أول ما تصلحى المؤسسات الصحفية، يبقى ليكى عين تعدّلى على غيرك. بلا وكسة.

القسم: 
المصدر: 

خالد البري يكتب: البرادعى.. بحكمتك تحتال علينا

يظن البرادعاوية أن حدوث عمليات إرهابية معناه أن عرَّابهم كان «حكيما». وليست تلك الحقيقة. بل إن السيناريو الذى كان يجب على البرادعى أن يفعله ولم يفعله كالتالى:

١- أن يقول للإخوان من اليوم الأول لا بديل لديكم. خياركم الوحيد هو القبول بهذا المسار، والمشاركة فيه، وامتحان شعبيتكم انتخابيا. لو رفضتموه فلا تلوموا إلا أنفسكم. القادم أسوأ بالنسبة إليكم.

٢- أن يضع حدًّا زمنيًّا لهذا.

٣- أن يستقيل لو أراد بمجرد أن تنقضى المهلة الزمنية، وأن يحمِّل الإخوان المسؤولية عن هذا، لرفضهم جهود «المصالحة». وأن يقول إنه جرب الطريق «الذى يؤمن به» ولم يتحقق. ومع السلامة.

لكن البرادعى:

١- لم يدرك أن الإخوان ليسوا القوة الوحيدة فى البلد. وأن محمد مرسى ليس أعزّ على المصريين من مبارك. كونه منتخبًا لا يعنى أنه يحمل صك استمرار. كم من زعماء منتخبين أعظم منه ألف مرة نزلوا على رغبة الرأى العام واستقالوا، ديجول مجرد مثال.

٢- لم يدرك أن القوى الأخرى الموجودة فى البلد، وأنا هنا لا أتحدث عن الدولة، فيها من يقارن ما حدث مع حليفهم مبارك بما حدث مع مرسى. وهذه القوى كانت فعلا مستعدة للوصول إلى درجة الصدام الأهلى المباشر مع الإخوان. ليس فى رابعة وحدها وإنما فى النجوع والقرى والمدن أيضا. هذه هى الحرب الأهلية المشار إليها. وهى حقيقة وليست خيالا. تذكُّرى هذه النقطة. سنحتاج إليها فى النهاية.

٣- لم يدرك أن السياسة محدودة بمواعيد وليست مفتوحة إلى الأبد. انفتاح المدى الزمنى هذا أغرى الإخوان بالتمادى، وبالتالى ألَّب الرأى العام أكثر، وهو يشاهد ما فعلوه فى اعتصام النهضة «حتى علاء عبد الفتاح نطق ساعتها» ويشاهد على شاشات «الجزيرة» «مش الإعلام الفاسد يعنى» خطْف أحد قوات الأمن من قسم شرطة والمجىء به إلى الاعتصام وسط صيحات الله أكبر. لن أسرد هنا تعطيل الحياة لمدة ستة أسابيع والاعتداءات الفردية. أنتم أعلم بها منى. أركز على ما يتعلق بسيادة الدولة وإهانتها على شاشات «الجزيرة». والتهديدات التى أطلقت بحق المسيحيين وبحق الجيش، التى -أيضا- أذيعت على شاشات «الجزيرة». و«هذا الذى يحدث فى سيناء سيتوقف فى نفس اللحظة التى ..... » كما قال مولاهم البلتاجى. كل هذا قبل فض اعتصام رابعة. علشان ماحدش يتحجج.

٤- نظرَ إلى العمل السياسى كأنه معزول عن الضغط الأمنى على الطرف الآخر. كل الدول تعرف هذا. كل مبتدئ سياسة يعرف هذا. كل شخص لديه حكمة غريزية يعرف هذا. لكننا قد نفهم السبب إذا تذكرنا أنه كان دبلوماسيًّا معبرا عن منظمة دولية وليس عن دولة. وأنه -لضيق أفقه السياسى- لم يدرك أنه هنا، فى الحالة المصرية، يعبر عن دولة، وعن سياسة دولة، وعليه أن يوفق طريقته بما يناسب الوضع الجديد.

والسبب الذى أعمى بصيرته السياسية:

١- أنه كائن تويترى فعلا. تويترى عاجز عن النظر وراء الهيد لاين المكون من ١٤٠ حرفا. يعنى حتى مش تويترى محترف «جاتنا خيبة». هذه النقطة سينالها مزيد من الشرح لاحقا.

٢- بالتالى هو حريص على رضا التويتريين عنه، كجزء من حرصه على صورة نفسه. لكن التويتريين محترفون. لم يعطوه أبدا رضاهم، لأنه بالطبيعة ضد مصلحتهم ككائنات فردية، تتسابق لصنع مجد فردى. وبالتالى سجن الأمة فى حلقة مفرغة من الأغراض التافهة، وياريت كفاية، إنما التَّافهة غير المتحققة.

ما الذى لم يفهمه البرادعى خلف مانشيتات «تويتر»:

١- كثير من النشطاء السياسيين إخوان، لجان إلكترونية منظمة، دول هنحطهم على جنب ومالناش دعوة بيهم. وآخرون وظيفتهم كحقوقيين تقتضى منهم أن يصلوا فى محراب الشعارات الحقوقية -لا أقلل من دورهم- على عينى ورأسى ونحن نحتاج إلى وجوده. لكننى فقط ألفت النظر إلى أنه ليس المعبد السياسى كله. هذا المحراب فقط.

٢- البقية ليسوا إخوانا ولا ليهم دعوة بيهم. هؤلاء يدركون؛ يدركون ويعرفون، أن احتمال الحرب الأهلية احتمال حقيقى، لكنهم لا يصرحون بهذا إلا فى الجلسات الخاصة. وهم يرون الحرب الأهلية من مصلحتهم. ليه؟ لأنه هيكسر الإخوان وهيكسر الدولة القديمة. وهى وجهة نظر لا يمكن تجاهلها حتى لو اختلفنا معها. إنما ليس هذا موضوع المقال. المهم هنا أن السيد البرادعى رمز الحكمة، لم يفهم هذا. وصدَّق أن هؤلاء فعلا يدافعون عن «مبادئ». لأن البرادعى لا يفهم التاريخ الحركى للتيارات السياسية، ولا يدرك النماذج التاريخية التى تحركهم. الحكيم بيقرا ثقافة ستاتيكية بس.

وبالتالى، فإن هؤلاء يعلمون جيدا أن التحذير من حرب أهلية حقيقى. لكنهم يريدون حدوثها. لأسباب أيديولوجية أولا. ولكن أيضا لأسباب لا مسمى لها، ترتبط بتربيتهم العاطفية، واعتقادهم أن الحروب الأهلية والكفاح بالسلاح يخلق جوا من الشجن، ويعيشهم فى أجواء أغنيات إمام ونجم، كما يعيشهم فى الصورة الرومانسية الكاذبة الشائعة عن الحرب الأهلية اللبنانية، قتال بالنهار وحب وغناء بالليل، ثم تقوم بعدها دولة العمال والفلاحين. بعد التخلص من اليمين الدينى ممثلا فى الإخوان، و«اليمين» السياسى ممثلا فى أصحاب المصالح من أنصار مبارك. هكذا يعتقدون. باختصار «قُوم نحرق هالمدينة ونعمَّر بلد أحلى»، أو «أنا أناركى». تجربة لبنان الله يمسيه بالخير علمنى كتير عن الأشكال الوسخة والعقول الأوسخ. والفشل اللبنانى حتى الآن لم يعلمهم شيئا.

إنما المواطنون العاديون، اللى زيك وزيى، اللى لو خُيروا بين الحرب الأهلية وبين الاستبداد المستقر هيختاروا الأخير، لقوا إنهم فى الحقيقة قدروا يوصلوا فى 30 يونيو إلى صيغة أفضل من الاتنين. بأى معنى؟ بمعنى إنها صيغة تخلصنا من شبح الحرب الأهلية اللى يتفرق فيها الدم بين القبائل وتحولنا إلى سوريا «فاكرة التهديد» أو العراق. وفى نفس الوقت تقلل احتمالات الاستبداد. من ناحية، صيغة هتفضل فاتحة الباب أمام الإخوان أو من شاء منهم للعمل السياسى، بحيث تعزل الإرهابيين.

من الناحية الأخرى، الصيغة دى أيضا جابت وجوه محسوبة على يناير للواجهة، رغم إنهم شعبيا مالهمش قاعدة. يعنى كانت مكسب سياسى لأحزاب يناير لو يفقهون. والحقيقة كنت معتبر أن أكبر طرف لم يكسب فيها هو القوى التقليدية. وكنت متوقع الاعتراض ييجى من ناحيتهم.

والأهم من كده إنها صيغة تحافظ على دماء المصريين، ومنهم أسر الإخوان العادية المنتشرة بيننا. علشان كده بقول إن إحنا اللى كان غرضنا الحقيقى نحافظ على الدم. واللى كانت خطابنا بعد 30 يونيو غرضه الحفاظ على الدم، وعدم الاضطرار إلى فض الاعتصام بالقوة.

لكن كان فيه ثلاث قوى عطلت هذه الصيغة:

1- قيادات الإخوان كانوا أغبياء ومافهموش، أو يمكن كانوا شايفين مصلحتهم فى النموذج السورى زى ما قالوا فى تصريحاتهم.

2- اليسار الثورى الداعم للإخوان فهمها بس ماعجبتوش، مش حرصا على الإخوان ولا حاجة، وإنما لأنه معتبر إنه بيضحك عليهم وبيستخدمهم كجنود فى حربه ضد الدولة. فأغراهم بالاستمرار.

3- البرادعى -اللى انتو مزهقينا بحكمته- مافهمهاش. وقعد يردد شعارات. وكأنه -ضمنيا- فاكر إن إحنا مش عارفينها أو إننا بنشرب كباية دم كل يوم الصبح. يا صديقتى، الحكمة لو بالسهولة دى كان الخمسة منها بقت بقرش. يا دكتور، السياسة مش وظيفتها تحط لك شهادة تقدير على رف فاضى فى النيش. السياسة دى أرواح ناس. وتشوش أولوياتك السياسية، وكونك سياسيًّا ميديوكر، أحد الأسباب الرئيسية لما يحدث الآن.

القسم: 
صورة / فيديو: 
المصدر: 

خالد البري يكتب: متى نتوقف عن استئجار الإرهاب فى معاركنا؟

العمليات الإرهابية التى انتقلت الآن إلى المدن المصرية شىء مؤسف جدًّا، وهؤلاء الذين يفقدون أرواحهم عشوائيًّا، سواء من العاملين مع قوات الأمن أو المواطنين، يتركون خلفهم أسرًا مكلومة، وجيرانًا مكلومين، ومجتمعًا يدرك أنه على قوائم الضحايا المحتملين. هذا أسوأ مرض يمكن أن يعانى منه مجتمع. العدو الداخلى.. هل هناك أسوأ من ذلك؟

لكن -فى نفس الوقت- العمليات الإرهابية هى الميكروب الذى ينشِّط مقاومة الجسم، والذى يمهِّد للتعافى من المرض، لو استقام الغرض.. وما من تنظيم إرهابي، من القاعدة وما دونه، فعل ذلك إلا خسر.. ولكن.

لقد ضيعت مصر أكثر من فرصة لمواجهة هذا المرض العضال، مواجهة حقيقية، وليست مجرد «كشط». أولاها فى الخمسينيات، حين انقلب الشعب على الإخوان، لكن السلطة لم تدرك اللحظة، بل اعتبرت أنها بالقضاء على الإخوان قد تخلصت من المعارضة الأقوى، وأن الفرصة سانحة لكى تقضى على ما تبقى، فمدت أيديها كالأخطبوط تضرب هنا وهناك، تضرب فى القضاء، وتضرب الصحافة، وتضرب الأحزاب، وتضرب الاستثمار، فأعطت، دون أن تقصد، وقودًا لدعاية الإخوان بأن هذه سلطة غاشمة.

ليس هذا فحسب، بل إن السلطة نفسها استخدمت دعاية مشابهة لدعاية الإخوان فى جوهرها، وإن كانت علمانية فى مظهرها، وأقصد بذلك دعاوى العداء الدينى لمن نواجهه سياسيًّا.. من الأزهر فى ١٩٥٦، إلى «هم نفس اليهود» فى أغانى عبد الحليم حافظ وغيره، أى أنها «كشطت الإخوان»، بينما بقيت طريقة التفكير كما هى. يزكيها «الدين الرسمى»، والدين الوسطى السياسى السمسار. فلما انهزمت السلطة فى ١٩٦٧ كان المجتمع جاهزًا لارتداء الثوب الظاهرى الذى خلعه قبل سنوات. وكان الإسلامجية أداة المرحوم أنور السادات فى مواجهة معارضته.

ثم جاءت اللحظة الثانية، اغتيال السادات فى ١٩٨١، والمنطقى، المنطقى البسيط، أن يكون هذا درسًا قاسيا نتعلمه جميعًا، لكن العجب كل العجب أننا لم نتعلمه. غشاوة الرغبة فى المكسب السريع كست أعيننا مرة أخرى، رأينا المعارضة التى استُخدم الإرهابيون ضدها قبل سنوات يغنون للإرهاب، يغنون لخالد الإسلامبولى. ورأينا -مرة أخرى- الإسلام السياسى الوسطى السمسار يلعب على كل الأحبال. وعلى الجانب الآخر، رأينا النظام نفسه مرتعش الأيادى أمام الإسلامجية، فأغمض عينه عن إعادة تشكيلهم صفوفهم عام ١٩٨٤، وعن سيطرتهم على الجامعات بعد ذلك.

ثم، عودة إلى المعارضة، رأينا «المبدئين» يخلطون بين الحقوق والحريات السلمية للمواطنين السلميين، وبين الحقوق والحريات لـ «المحاربين» المتخفين فى ثياب مدنية، وكأن البشر أغبياء لدرجة أن يمنحوا أناسًا الحرية لهدم الحرية، الحرية للتحريض على قمع الحرية، الحرية فى التحريض على المواطنين المختلفين دينيًّا، وإحراق دور عبادتهم وبيوتهم، الحرية فى التحريض على القتل.

ثم، عودة إلى النظام، رأيناه يلعب بالإسلامجية لعبة «خيال المآتة»، والمقصود أن يحتفظ بهم على درجة معينة بين القوة والضعف، تجعلهم مبررًا لقمع كل المعارضة، وفى نفس الوقت أضعف من أن يتولوا السلطة.

ثم، عودة إلى المعارضة، فقد ظنت أنها تستطيع أن تستخدم الإسلامجية عصا ضد النظام، فادعت أنهم «مجرد فزاعة»، إنما هم فى الحقيقة أمامير خالص وكويسين وكيوت. تكرار «ثُمّ» هنا ليس عبثًا. إنما مقصود تمامًا لكى أُشعرك بالتكرار، بالملل والزهق من الحلقة المفرغة التى ندور فيها. والقصد، لا نعيش فقط فى دائرة العنف بسبب العنف والعنف المضاد. هذه مقولة سطحية. إنما نعيش فى دائرة من العنف بسبب الانتهازية والانتهازية المضادة. انتهازية السلطة وانتهازية المعارضة. كلاهما يستأجر الإسلامجية، ويستأجر أو يتسامح مع بنية الإرهاب الفكرية، لهزيمة الآخر. والكاسب الوحيد هو الإرهاب. لولا مساحة المقال لضربت لك أمثلة «دولية» أيضًا تسير على نفس النهج، لكننى أتركها لك لتتفكر فيها. الانتهازية وغشاوة الرؤية داء يمهد لمرض، هذه هى الحلقة المفرغة الحقيقية، فدعون-مرة واحدة على سبيل التغيير- نعزل الإرهاب عن خلافاتنا السياسية. نعزله. فلا السلطة تنتهزه لقمع المعارضة السلمية. ولا المعارضة تستخدمه لـ «تكسير» السلطة تحت شعار «المبادئ الحقوقية». وإلا سندفع جميعًا الثمن. ولن يربح إلا الإرهابيون.

أما «الكشط» فسهل جدًّا.. وسيحدث قريبًا، مهما كان الثمن. لأن الحمقى نقلوا الإرهاب إلى المجتمع. فلا يلومون إلا أنفسهم.

القسم: 
المصدر: 

دالة أم إعالة: 3- راسك لفوق يا إنسانــة

السنة اللی فاتت رحت أمریكا فی منحة للكتاب، بیجمعوا كُتاب من أكتر من تلاتین دولة فی العالم ویقعدوهم مع بعض لمدة شهرین، علشان تبادل الخبرات والذی منه. المهم، قعدونا فی سكن طلابی متواضع، ناحیة منه حلوة بتبص على نهر، وناحیة منه داخلیة بتبص على منور. الشباك الوحید فی الأوضة قدامه حیطة طویلة جدا. تصحی الصبح تلاقی حیطة، تسهری باللیل تتفرجی على حیطة. لو عایزة تشوفی السما لازم تنزلی راسك تحت مستوى الشباك، وتبصی لفوق، دی الطریقة الوحیدة إن زاویة النظر تلمح حتى من السما من فوق الحیطة.

اكتأبت. لدرجة إنی قررت بعد أسبوعین إنی أقطع المنحة وأرجع على مصر. باقی القصة مش مهم. وملخصه إنی مارجعتش والموضوع اتحل.

إنما السؤال اللی سألته لنفسی، واللی یهمنی فی موضوع المقال دا، لیه؟ شقتی فی القاهرة برضه مش بشوف منها السما، بشوف قدامی على طول، على مسافة قریبة جدا، عمارة أسمنت ومافیهاش أی علامة جمالیة. لكن فی مصر مش واخد بالی إن دا ممكن یكون سبب للاكتئاب لأنی «قانع» بیه. ولما رحت أمریكا كنت مستنی المنظر دا یتغیر، وبالتالی رفضته بشدة. لیه؟

والإجابة اللی وصلت لها إننا فی مصر كلنا قانعین نبص لتحت. بمعنى إنك لو اشتكیتی من شقتك هاتلاقی ألف واحد وواحدة یقولوا لك: احمدی ربنا، فیه ناس مش لاقیة الشقة اللی انتی عایشة فیها دی. وبالتالی، لو اتخیلنا «سلم المجتمع» مرسوما فی لوحة هایكون الناس واقفة على درجات السلم، وكل مجموعة على درجة باصة لتحت، على المجموعة اللی تحتها، راسها متنیة على صدرها وباصة لتحت. (ما عدا شویة فهموا الخدعة وبصوا لفوق .. شویة قلیلین جدا).

لكن السیاسة الاقتصادیة الرأسمالیة- سیبك من الدعایة- غرضها الناس كلها تبص لفوق. الناس من كل الطبقات تبص لفوق. علشان كده بتعزز قیم الصعود الاجتماعی وبتمدحها. الأغنیاء یبصوا لفوق علشان یزدادوا غنى، والفقرا یبصوا لفوق علشان یدخلوا دایرة الغنى. الإدارة الحدیثة للاقتصاد لا تسمح لذوی الأموال «بتكدیس الأموال» زی زمان، لأن المال قیمته هاتقل بفعل التضخم. الرأسمالیة بتغریهم، وبتقرصهم، علشان یطلعوا فلوسهم ویستثمروها، ولما یستثمروها بیحتاجوا عاملین، وبیحتاجوا من یظهرون مواهب وقدرات، مش لأن الرأسمالیین ناس طیبین وحلوین، إنما لأنهم ناس، من مصلحتهم ومصلحة شغلهم واستثماراتهم إنهم «یصطادوا» ذوات المواهب وذویها. وبالتالی، الاقتصاد المدار رأسمالیا بیأدی تلقائیا إلى إتاحة الفرص، مضاعفة الفرص، وبیستغل رغبة أصحاب الأموال فی زیادة أموالهم ویقول لهم طیب اكسبوا وكسِّبوا. وبیستغل رغبة الصعود الاجتماعی لدى من لیس لهم أموال علشان یقول لهم اجتهدوا، نافسوا، اتعلموا مهارات أكتر علشان یبقى عندكم میزة تنافسیة، وعلشان لما الفرصة تتوفر تكونوا مستعدین.

الكلام دا محتاج سیاسة أیوه، إنما كمان محتاج منظومة قیمیة جدیدة. القناعة فیها مش أول حاجة من فوق. مش بقول إنها سیئة، بقول إنها عادیة. محمودة فی حاجة صغیرة، حفظ التوازن النفسی أمام الرغبة الطبیعیة فی الصعود والتحسن. لغایة ما یحصل الصعود والتحسن. بمعنى أنها تفكیر منطقی یخبرك أن الصعود یحتاج إلى وقت ومجهود، صبر لغایة ما المجهود یؤتی ثماره، ابتعاد عن الانشغال بالنقمة. لكنها أبدا مش محمودة إن كان معناها التكاسل عن بذل الوقت والمجهود فی مقابل الرضا بالحالة. دا اسمه كسل. أما نقعد ننفخ فیها ونقول إنها كنز لا یفنى وأبصر إیه، فدا كلام مش حقیقی. الحقیقة إن الغنى مش سبب وحده للسعادة، إنما الغنى مرتبط

بـ«وسائل» السعادة أكتر من الفقر. إحنا محتاجین الناس تبص لفوق وتشوف العالم. عایزین الرغبة فی الصعود الاجتماعی ماتبقاش كلمة خبیثة زی ما إحنا ضمنیا بنوحی. الصعود الاجتماعی محاولة من الإنسانة أو الإنسان لتحسین وسائل حیاتهم، وتوفیر فرص أفضل لأبنائهم، وزیادة مستوى استمتاعهم بالحیاة. الرغبة فی الصعود الاجتماعی هی اللی بتخلیهم یفكروا ویشتغلوا علشان یكسبوا أكتر، ویكتسبوا مهارات أكتر، ویضیقوا على نفسهم علشان یتعلموا أكتر ویعلموا أولادهم أكتر. دی قیمة إیجابیة جدا، لا سبیل لتقدم مجتمع إلا بیها. الفقراء باصین لفوق والأغنیاء باصین لفوق، ومصلحتهم المشتركة إنهم یتعاونوا.

نفس المنظومة الأخلاقیة دی بتخلینا نبطل نحسس الفقیرة بأنها مولودة عظیمة وإنها ملح الأرض لمجرد أنها مولودة فقیرة، وإن إرضاءها- مش توفیر الفرص لیها أو غیرها- هو الغرض الاجتماعی الذی تقاس علیه السیاسات. بمعنى تانی. لازم نفرق بین «مدح الكفاح» و«مدح المعاناة». خلیكی معانا، هانروح الحارة الضلمة دی.

القسم: 
المصدر: 

خالد البري يكتب: عدالة أم إعالة: 2- فلتكن فجوة بين الطبقات

فى أحد المقاطع المنتشرة على «يوتيوب»، يقف سياسى بريطانى معارض منتقدًا مرجريت ثاتشر بما معناه أن إحدى المشكلات الكبرى التى حدثت منذ سنة ١٩٧٩، السنة اللى تولّت فيها الحكم، أن الفجوة بين الفقراء والأغنياء زادت.

مرجريت ثاتشر بتاخد الدور فى مجلس العموم علشان ترد عليه. بيلفت نظرى فى كلامها حاجتين بيميزوا السياسيين ذوى الرؤية من وجهة نظرى. أولًا: مش بتاخد موقف دفاعى. مش بتشغل نفسها إنها تدافع عن نفسها. ثانيًا: بتشغل نفسها بتقديم رؤيتها كما هى. وبتاخده لملعبها.

رد مرجريت ثاتشر فتح عينى على نقطة مهمة، علشان كده بيسموها رؤية. قالت له إن كل مستويات الدخل، فى كل الطبقات، ارتفعت منذ عام ١٩٧٩. تصريح واضح. لو كانت كذابة الصحافة البريطانية ممكن تقطعها فيه. أرقام.

أومال فين المشكلة؟ هنا بتلف مرجريت ثاتشر وبتحط السياسى البريطانى فى موقع الدفاع من كلامه.

المشكلة كما عبّرت عنها ثاتشر هو أن السياسى دا مركز على موضوع الفجوة بين الطبقات. معتبرًا أن تقليل الفجوة دا مفتاح الحل. ومسلم بأن قناعته دى صحيحة. مابيحاولش يختبرها. ولذلك -حسب تعبير ثاتشر- قناعته دى بتخليه يُفضِّل أن الفقرا يثبتوا فى مكانهم، بشرط أن الأغنياء يبقوا أقل غنى. أو بمعنى آخر ماعندوش مشاكل أن الفقرا يفضلوا فى مكانهم بشرط أن الأغنياء يصيروا أقل غنى.

تصدّقى فعلًا يا ست ثاتشر!! والنيعمة عندك حق. علشان السياسة تقلل الفروق بين الطبقات لازم لها أنها تكبح جماح الأغنياء، تكبح جماح الاستثمار. وفى نفس الوقت -الاشتراكيين هيقولوا- ترفع مستوى الطبقات الأفقر. إنما مش هيقولوا لنا إزاى؟ إزاى لو كبحوا الاستثمار هيرتفع مستوى الطبقات الفقيرة؟

خلينى هنا آخد المايك وأوضح فكرتى. لو افترضنا أننا خدنا فلوس الأغنياء وأعطيناها للفقراء، إيه اللى هيحصل؟ اللى هيحصل إن الاستثمار مش هيزدهر، ودا معناه أن فرص العمل هتقل، وبالتالى البطالة هتزيد، وهنا يا إما الحكومة تتكفل بالبطالة بتعيينات لا تحتاج إليها، أى تحوّلها من بطالة صورية إلى بطالة مقنعة. يا إما من خلال برامج إعانة.. المهم، فى الحالتين هيكون معناه زيادة أعباء على الحكومة، زيادة ضرايب على المواطنين، زيادة دين داخلى. أو الاعتماد على الاقتراض الخارجى لكى تقوم هى نفسها بمهمة الاستثمار.

ودا معناه السياسى أنها هتكون الجهة المتحكمة فى جميع مصادر الرفاهية، إنها هتكون سلطة مركزية مطلقة. وهنا نرجع لمرجريت ثاتشر. دا بيفسر ليه هذه السياسات اللى اتبعتها دولة الكتلة الشرقية لم تسفر فى أى منها عن دولة ديمقراطية. ولو أعيدت فى أى مكان بالصورة دى مش هتنتج أبدًا ديمقراطية. مش هتنتج أبدا ما سمته مرجريت ثاتشر «ديمقراطية أصحاب الأملاك».

مافيش ديمقراطية حقيقية مستقرة فى شعب أغلبيته مش متملكة، مش متملكة لسكنها، ولمصدر أرزاقها. دا هو العامل الخفى اللى بيخلى الأفراد مستغنيين عن السلطة، وبيخليهم يحولوها من «ولى النعم» إلى خادم، يسهر على راحتهم وعلى تطبيق القانون، وأيضًا على تحقيق نوع من التناغم الاجتماعى من خلال قوانين متوافقة عليها هذه الأغلبية وممولة من أموالهم. التملّك دا يبدأ من تملك شقة صغيرة، إنشالله أوضة وصالة، المهم إن الإنسانة تحط رجلها على أولى درجات «سلم التملك»، علشان يبقى كل قرار بيلمسها هى شخصيًّا، التضخم بيلمسها، والركود بيأثّر عليها.. إلخ.

عكس الكلام دا بالظبط هو ما تسعى إليه السياسات الرأسمالية. أكتر عبارة ممكن تكرهيها لو انتى من أنصار التوجه السياسى الرأسمالى هى «كله بالحنية يفك». الحقيقة أن الاقتصاد مش بيفك بالحنية، الاقتصاد بيفك بقرارات صعبة، إنما ميزانها المنطق. الحنية تكمن فى الاعتقاد بأن دا هيكون لفايدة الناس الحقيقية. زى ما هو الوضع فى الرأسماليات الغربية. الفكرة هتقرّب لو فكرنا فى البطولات الرياضية العالمية. المساواة تعنى سريان نفس القواعد على الجميع، إنما المنافسة مفتوحة، ودا السبب الحقيقى لتقدم اللعبة، أرقام قياسية أكتر بتتحطم على مستوى القمة، ومواهب أكتر بتطلع من القاعدة. وفيه - طيب والفساد؟ زى المنشطات. هتفضل ناس تحاول تفسد. وهنفضل نلاحقهم. بس ماتنسيش إن الفساد مش مرتبط بالرأسمالية، الفساد الأكبر مرتبط بالدول المركزية. زى ما هنشوف بعدين.

القسم: 
المصدر: 

عدالة أم إعالة: 1- طبقة الكوتوموتو

مرت قبل أسبوع ذكرى وفاة جدى الذى لا تجمعنى به ذكريات مشتركة، لأنه توفى وعمرى سنتان فقط. لكنه أحد أكثر الشخصيات تأثيرا فى حياتى. ولد فى عام ثورة ١٩١٩، وبدأ حياته العملية طفلا فى الثانية عشرة من عمره، توفى أبوه وترك له أختًا أصغر، فعمل عامل ميزان فى شركة مقاولات. بحلول الأربعينيات، فى مجتمع طامح منفتح مشجع على الفردانية والاستثمار، كان هذا الطفل النابه قد اكتسب من المهارات ما يؤهله لأن يكون له عمله الخاص. كان جدى هذا وفديًّا (الوفد القديم طبعا) بحكم الهوى السياسى الانتخابى لا أكثر. وهذا يعنى سياسيا ما يعنى. وحين جاءت ثورة يوليو كان يمتلك من الأصول ما يزيد على مئة ألف جنيه (وبالتالى كان يصنف على أنه من الرأسمالية الوطنية)، لم يرثها من أبيه الإقطاعى، لم يستول على نصيب غيره، بل كافح من أجلها، وتحدى ظروفا صعبة.

أنجب هذا الفتى المفتقد لسند الأب «عزوة» قروية قوامها ستة عشر من الأبناء، منهم ثمانى فتيات، كلهن- إلا اثنتين- يحملْن شهادات جامعية. حين توفى عام ١٩٧٤ ترك لأبنائه بناية ونصف البناية. أى بناية مكتملة وأخرى لم تكتمل. تقعان فى شارع راقٍ فى حى شركة قلتة فى أسيوط. وبالتالى، كان سكان البنايتين جميعًا خليطًا من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة وضباط جيش وشرطة وسياسيين محليين. نشأت فى البناية المكتملة. بناية غريبة. فى شقة يسكن نسل مرشد عام سابق للإخوان المسلمين، وفى شقة مقابلة شقيق عقيد شرطة مسيحى ذبحه الإسلامجية فى أحداث أسيوط عام ١٩٨١. مجرد مثال.

إيجار الشقة من تلك لا تتعدى بأى حال سبعة جنيهات فى الشهر. ومطلوب منها أن تنفق على القُصَّر من أعمامى وعماتى القرويين، ومنهم من كانت فى بطن أمها حين توفى جدى وعمره ٥٥ عاما. أن تنفق على تعليمهم، وطعامهم، وكسوتهم، ثم حياتهم الجامعية فى بلد أخرى.

بالصدفة فإن عدد شقق العمارة ١٦ شقة، بعدد الأبناء. وبالتالى فإن الفرد يجب أن يلتزم فى إنفاقهـ/ـا بما يعود عليهـ/ـا من إيجار الشقة. المأساة وضحت. الفتاة التى ولدت فى نفس عام وفاة أبيها، وكانت تملك دخلا قدره سبعة جنيهات فى الشهر، صارت وهى فى السنة الأخيرة من الجامعة، بعد ذلك باثنين وعشرين عاما، لها نفس الدخل، سبعة جنيهات فى الشهر. ليس هذا فحسب. بل إن شقتها مغلقة، لأن «مستأجريها» من الموظفين الكبار صارت لهم بناياتهم الخاصة، مكتوبة بأسماء زوجاتهم، أو صار لهم سكن إدارى فى مساكن أعضاء هيئة التدريس، أو هاجروا إلى أمريكا، أو حتى توفوا وتركوا الشقة لأحد أبنائهم. المستأجر أورث ابنه أو ابنته شقة رائعة بإيجار بخس. وأحيانا خليطا من هذا كله. الأب يملك عمارتين مكتوبتين باسم زوجته، يؤجر الشقة فيهما بألف ومئتى جنيه، أو يبيعها تمليكًا بربع مليون جنيه، ويسكن ابنه فى الشقة ذات الخمسة جنيهات. يدفعها لعمى أو عمتى.

كان جدى ليبراليًّا، أما أبى المولود فى الأربعينيات فناصرى. أقول له دائما: لا أفهم كيف يدافع إنسان عن شعارات أضرته ضررًا مباشرًا، واضحًا. ولم تفد أناسا يستحقون «التضحية» لصالحهم، وإنما أفادت أناسا لا يستحقون. بل إنها، كونها أتاحت لهؤلاء إغلاق الشقق، أخرجت مئات آلاف الشقق من السوق، وأسهمت فى ارتفاع رهيب فى أجور المبانى. ارتفاع جعل أخى الأصغر وأعمامى الصغار، يستأجرون شققا أقل جودة من شقق أبيهم المغلقة، ويدفعون مقابلها من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ ضعف الإيجار الذى يتلقونه من شققهم، التى ورثها المستأجرون.

هل هذه عدالة اجتماعية؟ أبدًا.

هذه دولة فاشلة تريد أن تضمن ولاء القطاع الأكبر من الطبقة الوسطى فى شقّها الكسول، العالة، طبقة الكوتوموتو، تجاملهم على حساب المجتهدين. ترشوهم. وهناك أيضا فى المعارضة نخبة سياسية فاشلة، ومخادعة، تبيع مواقف تحت نفس المسمى، العدالة الاجتماعية، لكى تحصل على تأييد رخيص. يعلم مانحوه وطالبوه، كلاهما، أنه مبنى على ظلم بيِّن، ويخدم ظالمين، كل ميزتهم الكثرة، وضمان الاستقرار للسلطة. نخبة معارضة تحمل الملاك، لا الدولة، التضخم الاقتصادى. باعتبار أنهم الحلقة الأضعف.

النتيجة؟ ما النتيجة. «يا سيدتى لو معاكى فلوس حطيها فى بنك، ويا ريت لو بره مصر. لأنه فى غياب العدالة الحقيقية والشفافية، فالدولة والنخبة الكذابة كل ما هايتزنقوا فى قرشين هياخدوهم منك». هذه هى الرسالة السياسية التى تصل إلى المستثمرين، وبالأخص صغار المستثمرين. وعلشان كده البلد دى هاتفضل فى مكانها الذى تستحقه سياساتها. ولو مش مصدقين شوفوا الدستور مكتوب إزاى.

القسم: 
المصدر: 

البحث عن وائل غنيم واللى زيه

الاختلاف السياسى، حتى لو وصل إلى درجة الاتهام بالعمل لصالح مشروع «تخريبى»، وقد سبق أن اتهمت وائل غنيم بذلك بعد عصر الليمون، وبعد استخدام صفحة «كلنا خالد سعيد» من أجل هذا الغرض، إدانة للمشروع التخريبى، وليس للفرد. لاحظى استخدامى كلمة «اتهام» فى مقابل كلمة «إدانة». الفرد يتبع ما يراه صالحًا من وجهة نظره. وقد يخطئ وقد يصيب. ومعارضوه يتهمونه، بناءً على رؤيتهم هذا السلوك السياسى.

متى تخرج الأمور عادة من باب الاتهامات السياسية إلى باب العداء للفرد نفسه؟

١- حين يوجه هذا الفرد اتهامات تخوين إلى آخرين فيستدعى أن يواجهه الآخرون باتهامات على نفس الدرجة. وقد رأينا بعض عاصرى الليمون يفعلون ذلك. مرة أخرى هذا استدعاء للتخوين، واستدعاء للعداء. قيل قديمًا، «رأينا أناسًا لم تكن لهم عيوب، خاضوا فى عيوب الناس، فذكر الناس لهم عيوبًا. ورأينا أناسًا كانت لهم عيوب، سكتوا عن عيوب الناس، فلم يذكر الناس لهم عيوبا».

٢- أن يلجأ هذا الفرد إلى العنف. سواء بالمممارسة أو التحريض. هنا يتحول المشروع «التخريبى» إلى مشروع إرهابى، ولا بد من مواجهة السلاح بالسلاح.

٣- أن يحرض هذا الشخص على العنف.

٤- أن يستمر هذا الشخص مع نفس المشروع حتى بعد انكشاف ميوله الإرهابية. هنا تحول هذا الشخص من صاحب خيار فردى فى الاعتقاد بما يشاء، إلى صاحب خيار فردى فى الانضواء تحت لواء جماعة إرهابية، أو الترويج لها. أو محاولة إجبار (وليس دعوة) الآخرين على الانصياع لها.

من بين كل رجال أبى الفتوح الذين تحولوا إلى عاصرى ليمون بعدها، ثم معارضين لـ٣٠ يونيو، أستثنى وائل غنيم من كل هذا. وائل غنيم لم «يخوِّن» أحدًا، بل إنه لم يشخصن يومًا خلافًا بينه وبين أحد، فينقله من خلاف بين ما يمثل إلى خلاف مع الشخص نفسه، وبالتالى محاولة النيل منه فى غير موضوع الخلاف. وهو لم يحرض يومًا على العنف، ولم يلجأ يومًا إلى العنف. بعد كل هذا الوقت لم توجه جهة اتهامًا إلى وائل غنيم بهذا الشأن. ولو فعلت، بعد كل هذا الوقت، لكان بلاغًا مثيرًا للريبة. ووائل غنيم لم يحاول بعد إزاحة الإخوان أن يستخدم تأثيره على قطاع من الجمهور لكى يبرر -أو يشتت الأنظار عن- أفعال إرهابيين.

هذا شىء يسعدني كمواطن مصرى. تأثر بكلمات وائل غنيم وانسحر بها، بلغته المنطقية غير المستعلية، كأدمن لصفحة «كلنا خالد سعيد»، وبتاريخه المهنى بعد أن انكشفت شخصيته وعرفنا من هو. وبسلوكه المتواضع، الباعد عن الأضواء، والنائى عن المشاتمة والسباب. لو نحينا الخلاف السياسى جانبا، لم أرَ شخصية تبهرنى بعد ٢٥ يناير -على مستوى السلوك الشخصى- بقدر ما أبهرنى وائل غنيم.

لماذا أتذكر هذا الآن؟ لأن الأوان آن لكى نهدأ، ونفرق بين الغضب من الإخوان وبين الغضب ممن نختلف معه سياسيًّا، لكنه لم يكن إرهابيًّا ولا محرضًا على إرهاب. لكى نبنى أمة لا بد أن ننظر إلى المستقبل. ولكى ننظر إلى المستقبل لا بد أن يكون فى البلد مكان لكل الموهوبين، أن نتوقف عن حالة «الروماتويد السياسى» التى يأكل فيها المجتمع بعضه، وينشغل بمطاردة أنسجته. لا مستقبل بلا شخصيات موهوبة ومسالمة تضع خبراتها لصالح الوطن ككل. مرة أخرى، بغض النظر عن الخلافات السياسية، بغض النظر عن الأخطاء التى كان لكل منا نصيب منها، بدرجة أو بأخرى.

إن يدًّا مصرية تحمل سلاحًا أو حجرًا ضد الآخرين يد يجب أن تُكبَّل، لا شك فى هذا.

لكن، فى نفس الوقت، جهد مثل هذا وأكثر يجب أن نبذله فى مد الأيادى نحو الآخرين، فى تلمس الأيادى المترددة عن الامتداد، وفى البحث عن الأيادى الممدودة لكن الغشاوة تحجبها عنا. فى ذهنى من هؤلاء كثيرون. أولهم وائل غنيم. صاحب اللغة العبقرية المتواضعة الإنسانية الساحرة. وصاحب العقل المنظم المبتكر. وصاحب الشخصية المنكرة للذات. وصاحب الآراء التى قد تختلفين معها، لكنها تظل آراء.

القسم: 
المصدر: