حاتم صادق

منشق عن الإخوان: الجماعة تعتمد على «التوظيف» لجذب أعضاء جدد

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

طارق أبو السعد: لم يعد هناك ثقة بين شباب الجماعة والقيادات

 

طارق أبو السعد واحد من أهم الكوادر المنشقة عن جماعة الإخوان، التحق بالجماعة منذ صباه عام 1978، وغادرها فى 2013، وكان يشغل موقع أمين سر لجنة نشر الدعوة بمحافظة البحيرة.

وهو واحد من الكتاب والباحثين الجادين فى دراسة ونقد حركات الإسلام السياسى، وله العديد من المقالات والأبحاث، لذا حرص «اليوم الجديد» على إجراء حوار معه؛ للوقوف والتعرف على مساهماته فى ملف الإسلام السياسى، وكشف زيف الفكر الإخوانى.

كيف كانت بدايتك ونهايتك مع جماعة الإخوان؟

تربيت مع أشبال الإخوان، عندما كان عمرى 10 سنوات، عام 1978، ولكن الإخوان لا تعتمد إلا من سن الشباب يعنى من 1984، ولكن بدأت أخرج عن خط الجماعة فى 2011 بعد ثورة يناير بعدة أشهر، ثم تواصلت المراجعات وإعادة النظر إلى أن جاءت اللحظة الفارقة فى مايو 2013 عندما بدأ الإخوان بالتلويح باستخدام القوة والعنف ضد المعارضين.

وكنت أذكرهم بأننا كنا جماعة دعوية فكانوا يردون بأقوال لحسن البنا يؤيد فيها العنف، فأدركت أن الخطاب الإخوانى بـ«وشين»، صحيح هو إدراك متأخر، لكنه خير من عدم الإدراك تماما، ومع المراجعات والبحث والتأنى اكتشفت هول مأساة الفكر الإخوانى وحجم الجريمة التى كنا نرتكبها، فقررت أن أكشف زيف الفكر وأضراره حتى لا ينخدع فيه غيرى.

 كيف ترى سياسة الجماعة فى تجنيد أتباع جدد؟

الجماعة فى الوقت الحالى لن تتبع أساليب التجنيد القديمة والمعتادة؛ نظرا للملاحقات الأمنية، لكنهم يقومون الآن بالتجنيد على محورين هما (الانضمام أو التوظيف)، والانضمام هو أن يصبح العضو منتسبا ومنتظما فى التنظيم، وهو يعلم أنه منضم للإخوان، هذا المحور وإن كان ضعيفا إلا أنه ما يزال يقوم به الإخوان، ومقتصر فى الظروف الحالية على الأصدقاء وأبناء الإخوان، وخصوصا من لهم أقارب فى السجون أو مصابين أو قتلوا فى مداهمات أمنية، يستغلون حالتهم النفسية وغضبهم من أجل أن ينضموا إلى الجماعة، وفى هذا المحور يكون التجنيد عبر السيطرة على الثلاث دوائر التى تحرك الإنسان (البيئة الاجتماعية – البيئة العقلية - البيئة الوجدانية) فيتم التحكم فيها واستخدامها من أجل الوصول بالفرد إلى التسليم التام للجماعة.

أما المحور الثانى وهو التوظيف، فتعتمد فيه الجماعة على التواصل مع التكتلات الشبابية وخصوصا الثورية منها، فتبدأ أولا بخلق مساحات مشتركة مزعومة، ويقوم مجموعة من الإخوان بالتسلل إليهم، فى البداية يظهرون أنهم يتبنون نفس آراء الكتلة التى يسعون لتوظيفها، ثم بالتأثير غير المباشر يتم نقل أفكارالإخوان إليهم، ومع الوقت يتبنى أفراد هذه الكتلة كل مواقف الإخوان دون أن يدروا، وهو ما أسميه التوظيف العملى لمن لا يستطيع تحمل تبعات التنظيم.

وماذا عن التعاطف الشعبى مع الجماعة؟

كان للإخوان رصيد شعبى كبير، فخلال عقود سابقة كان يتم تقديمهم للشباب وللمجتمع وللأسرة المصرية على أنهم مجموعة متدينة مظلومة بسبب تدينها، وبالتالى كانوا ينالون احترام الناس وتقديرهم، خصوصا أنهم فى البداية كانوا يتبنون خطابا دينيا مريحا ومحببا للناس، وللأسف لم يقم أحد بتفنيد تلك المقولات الإخوانية ولا كشف ألاعيبهم حتى 25 يناير، عندما ظهروا على حقيقتهم وكشفوا عن وجه بشع عنيف سافك للدماء، وانخدع فيهم من كانوا على شاكلتى، واستمر الانكشاف مستمر واستمر الإخوان فى كشف حقيقة أنفسهم.

كيف تقيم مدى نجاح أو فشل قنوات الإخوان الإعلامية؟

قنوات الإخوان تعمل بمقولة جوبلز وزير إعلام هتلر، وهى (أكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس)، قنوات الإخوان مدعومة ماليا ولها ظهير إخوانى واسع، تهدف أولا إلى توفير إعلام بديل للجماعة ليحافظوا على تماسكهم النفسى، حيث يخرج عليهم من يثبتهم ويقول لهم إنهم أصحاب حق وأن من ظلمهم إنما ظلمهم؛ لأنه يكره الإسلام وأن النصر قادم.

ثانيا يهدف فى المقام الثانى إلى تشويه الصورة المصرية من كل ركن وزاوية (رئيس – حكومة – معارضة – مواطنون بسطاء – موظفين حكوميين) كل هؤلاء معرضون لاتهامات من داخل القنوات والأبواق الإخوانية كل فى مجاله، هذا الهجوم الغرض منه فقدان الثقة بالنفس وجعل الناس يندمون على الاشتراك فى ثورة 30 يونيو، وضخ ضباب كثيف حول الحقائق والإنجازات التى على الأرض لينفض الناس عنها، وللأسف يقومون بنشر الأكاذيب باستمرار.

هل أنت من مؤيدى تصالح الدولة مع الجماعة؟

هذا يتوقف على مفهوم المصالحة، إذا كنت تقصد بعودة الإخوان كجماعة وتنظيم وكلاعب فى الحياة السياسية فلا وألف لا، أما إذا كنت تقصد مصالحة مع الإخوان كأفراد قبل حدوث مراجعات فهذا له أثر سلبى كبير على المجتمع، أما إذا كنت تقصد بالمصالحة وقف المواجهة الفكرية فهذه جريمة فى حق الأجيال القادمة، وإذا كنت تقصد بالمصالحة تقبل الفرد الإخوانى كفرد عادى فلا بأس على أن يثبت انتماءه لمصر وليس للجماعة.

كيف يمكن أن نقيم الآن موقف شباب الجماعة من القيادات الكبرى؟

أزمة كبيرة تكاد تنفجر، خصوصا أن عمل الإخوان السرى يحتاج إلى ثقة الأفراد فى القيادة، هذه الثقة اهتزت كثيرا وخصوصا بعد تخلى القيادات عن بعض الشباب ولا ننس أن هناك من قتل من الشباب بسبب تعليمات الجماعة واكتشفوا أن قيادات الجماعة تولت من الزحف وذهبت إلى مخابئ كانت قد أعدت لهم خصيصا، كما أن التخبط الإدارى الذى زج بالإخوان فى هذا المأزق لا بد له من حساب والقادة يهربون منهم، وبالتالى هناك أزمة قادمة فى الأفق بدأت بوادرها بالمراجعات فى السجون وبالفيديوهات التى يخرجها شباب الإخوان وتكشف فضائح القيادة خصوصا فى تركيا.

 ما هى حقيقة رفع الجماعة لشعارات حماية الدين وأنهم مضطهدون بسبب تلك الرسالة؟

هذا هو الباب الذى يدخل الإخوان منه إلى المجتمع، فهم يريدون منا أن نؤمن أن الإسلام فى خطر، وأنهم من سيحمى الإسلام، وهذه هى رسالتهم.

والحقيقة غير ذلك هم يتخذون من الإسلام ستارا لهم، لماذا الإسلام تحديدا؟ لأنه يتيح لهم الحركة بحرية ومن يواجههم سيناله الاتهامات الفظيعة، مثل أنه عدو للإسلام وأن ما يصيبهم من سجن سببه حمايتهم للدين وغيرتهم على الفضيلة، لهذا يجب كشف خداعهم وأضرارهم على الدين والمجتمع.

كيف ترى مستقبل جماعة الإخوان وبقية جماعات الإسلام السياسى؟

لا مستقبل للإخوان فى ظل تفكيك التنظيم ومواجهة أفكار الجماعة وتحصين المجتمع منهم وفضح أساليب التجنيد وطرق نشر الشائعات وترويجها، لكن لو الدولة والعلماء والصفوة تقاعسوا عن أداء هذه المهمة فمن المحتمل عودتهم جدا نظرا لأن خدعتهم لم تنكشف كاملة، كما أن هناك أجيالًا قادمة يراهن الإخوان عليها وعلى عاطفتها الدينية.

 

القسم: 

أستاذ الفلسفة الإسلامية: الإخوان طلاب سلطة.. والسلفيون منغلقون مع الموجة

من النسخة الورقية

 أقول لكل شاب فى مصر: طريق الله لا يحتاج إلى قيادة أو جماعة

 الجماعة تراهن على أن ينفتح الأفق فى يوم ما ويعودون أو شر كبير وهو خراب الدولة المصرية

الدكتور أحمد سالم الكاتب والباحث والمفكر وأستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا.. واحد من القامات الفكرية والثقافية فى الوقت الراهن.. أثرى المكتبة العربية والإسلامية بأطروحاته المثيرة للجدل ومؤلفاته ذات العمق والدسامة الفكرية.. وهو واحد من أبناء المدرسة التنويرية والعقلانية التى تحاول تقديم رؤية وقراءة جديدة وعصرية للتراث تبث روح التسامح وتحيى دفائن العقول، وتسعى جاهدة لمواجهة كل أفكار وأوهام التعصب والتطرف والإرهاب.

التقيناه فى منزله وكان لنا معه هذا الحوار..

-      أولا دكتور أحمد وأنت أستاذ الفلسفة الإسلامية كيف ترى جماعة الإخوان وماهى الفلسفة التى تقوم عليها الجماعة؟

جماعة الإخوان جماعة مغلقة، جماعة مفلسة فكريا وثقافيا.. جماعة عنصرية من أول اسمها.. بداية وبكل وضوح ليس لها أى فلسفة.. هى فقط عبارة عن تنظيم استطاع من خلال اللعب فى بعض الأنشطة الاجتماعية التى يحتاج إليها الناس إضافة إلى خطاب دينى يدغدغ مشاعر البسطاء تحت تأثير العاطفة الدينية.. وطول الوقت خطتهم المنظمة هى أن تقدم للناس إعانات ومساعدات قبل أن تقول لهم (الله ورسوله).

الجماعة مشكلتها بتظهر لأول وهلة من الاسم.. إنك تسمى نفسك الإخوان المسلمين معناه إن غيرك مش مسلمين.. مشكلتى هنا مع الجماعة إنها بتعمل خصخصة للدين لحسابها وإنها بتدعى فقط أن أفرادها هم حراس الدين والفضيلة.. تيجى تنتقد الجماعة أو تعارض سياساتها ومواقفها يبقى انت كده بتعارض الدين وبتهاجم الإسلام.

- ما الذى يجعل شابا متعلما وجامعيا ينضم إلى جماعة مثل جماعة الإخوان؟

هم فقط يجتذبون نوعا من الشباب ضحل أو معدوم الثقافة حتى ولو حصلوا على أعلى الشهادات الجامعية.. وهم شباب غير قادر على مناقشة الأفكار وتفنيدها.. شبابهم فى أغلبه من هذا النوع الذى يسهل استسلامه لتأثير القيادات. هم باختصار شباب السمع الطاعة بامتياز.. مع أن الطاعة غير المشروطة لا تكون إلا لله وليس للقيادات أيا كانت. ولذلك أقول بكل ضمير وقناعة أن الجماعة تنظيم فاشستى يجمع كل ملامح الفاشية وربما يزيد عليها.

- ما هو الفرق باختصار بين الإخوان والسلفية والصوفية؟

الإخوان طلاب سلطة بأى ثمن حتى ولو على حساب الوطن.. السلفيون منغلقون ومع الموجة.. الصوفية هم أفضل ممثلين لروح الإسلام وسماحته.

- كيف ترى العلاقة بين الدين والجماعات.. وهل وجود تلك الجماعات خدم الدين أم أضر به؟

بالطبع الجماعات وأفرادها بما قدموه من سلوكيات وتصورات للدين أساءت للدين أكثر مما خدمته.. وبالمناسبة هناك عدد كبير ممن ألحدوا كان سبب إلحادهم انهيار النماذج الأخلاقية لممثلى وأعضاء جماعة الإسلام السياسى بكل فروعه.

- كيف أثرت ثورة 25 يناير وما تلاها من أحداث على جماعة الإخوان؟

الثورة كشفتهم وفضحتهم.. ركبوا عليها وأضاعوها.. وكانوا أغبياء ومطامعهم ومحاولاتهم للتكويش على السلطة دون وجود كوادر حقيقية كفؤة ومؤهلة لإدارة الدولة.. وجهادهم كان فقط فى تشويه الخصوم السياسيين وتكفير كل من يعارضونهم أو اتهامهم بالعداء الدين.. مع أن ممارسات أبناء الجماعة كانت أبعد ما يكون عن الدين وقيمه ومبادئه.. لهذا انكشف الإخوان بسرعة وفقد الناس فيهم الثقة. وأظن أنه من شبه المستحيل أن يستعيد الإخوان حالة التأييد والتعاطف التى شهدوها من قبل عبر المراحل التاريخية.

- على ماذا تراهن الجماعة الآن؟

الجماعة تراهن على أن ينفتح الأفق فى يوم ما.. ثم يعودون لنفس الوضع القديم والتغلغل فى المجتمع.. لكنهم قد لا يحاولون اللعب المباشر فى الوصول للسلطة رغم أنها هدفهم الأول ووجهتهم الوحيدة.

وأيضا تراهن الجماعة على شر كبير وهو انهيار الدولة المصرية، وما يتبع ذلك من خلل وتفكك، وربما حروب أهلية بين أبناء الوطن الواحد.

-      كيف تقيم المنهج أو الأسلوب الذى تتبعه الدولة الآن فى مواجهة الجماعة؟

رغم كل الجهود فى محاربة الإرهاب.. إلا أنه منهج ناقص.. فالمواجهة الأمنية وحدها لا تكفى..لا بد معها من مواجهة فكرية شاملة تبدأ من الريف والقرى.. ولا بد صراحة من القضاء تماما على فكرة وجود الجماعات والتنظيمات والأحزاب التى تقوم على أساس دينى وألا يرخص لها أو يسمح لها بالعمل على هذا الأساس.

- حقيقة العلاقة بين جماعة الإخوان والعنف والإرهاب؟

التنظيمات الدينية اللاعبة فى السياسة عموما تميل إلى العنف.. والإخوان جماعة من جماعات العنف.. بدأت بالعنف ولا زالت تعيش عليه حتى الآن.. وتأسيس التنظيم السرى للجماعة كان من ضمن أهدافه تصفية خصوم الدعوة والجماعة والتخلص من طواغيت الأرض.. حادثة اغتيال النقراشى والخازندار وغيرها أحداث مثبتة تاريخيا.. وعلى فكرة الجماعة طول الوقت بتأكد أن التنظيم السرى كان من أجل محاربة المحتل الأجنبى.

- جماعة الإخوان والمتعاطفون منعها ينكرون أى علاقة لهم بحوادث العنف والإرهاب، ما هو رأيك فى ذلك؟

طبيعى ومفهوم إنهم ينكروا هذا.. لكن الحقيقة أنهم ضالعون فى كل أعمال العنف بعد 30 يونيو 2013 وإزاحة مرسى من السلطة.. وخطاب رابعة نفسه كان حالة من العنف والإرهاب.. ومنصة رابعة كانت خليطا من الجماعات بما فيها الجهادية والتكفيرية التى تحالفت وقتها ولا زالت مع الإخوان وترى أن ما نزلوا ضد مرسى هم مجموعة من العلمانيين والليبراليين وأعداء الله والدين، فالعنق معهم واجب شرعى، وكذلك قتل ضباط الجيش والشرطة باعتبارهم حراسا ومساعدى الطاغوت من وجهة نظرهم.

ثانيا الجماعة فى العادة تلجأ إلى الكذب لتغطية فعل ما أو تبرير موقف ما، وتاريخها من قبل ثورة يوليو 1952 وما بعدها فيه مواقف كثيرة من القتل ثم الإنكار.

- سؤال افتراضى دكتور أحمد: ماذا كنت تفعل لو كنت مكان مرشد الإخوان محمد بديع، أو الرئيس المعزول محمد مرسى؟

 أولا لو كنت بديع -لا سمح الله- كنت هكون حريص إنى لا أخوض انتخابات الرئاسة فى 2012، وأكتفى بمساندة أى رئيس مدنى يمكن أن تتعاون معه الجماعة.. وكان ممكن كمان أقوم بحل التنظيم وأترك أعضاء وشباب الجماعة للاندماج والانخراط فى المجتمع بشكل طبيعى دون تمييز.

ولو كانت رئيسا مكان محمد مرسى لأخذت خطوة إلى الوراء فى 30 يونيو استجابة لملايين الناس التى نزلت الشوارع،

وتخليت عن السلطة بإعلان استفتاء يقول فيه الشعب كلمته.. ساعتها كانت البلد هتتجنب الدم اللى أريق، وكانت الجماعة نفسها مش هتخسر هذه الخسائر.

لكن مرسى لم يكن يملك قراره لم يكن رئيسا مستقلا عن جماعة يديرها المرشد.

- من يدفع ثمن الصراع والمواجهة مع جماعة الإخوان؟

طبعا مصر كلها تدفع الثمن، فمجرد وجود الصراع ومسلسل العنف والإرهاب الذى تقف وراءه الجماعة وحلفاؤها، كل هذا يعطى صورة بأن مصر لم تعد بلدا آمنا وهذا يؤدى إلى ضرب السياحة وهروب رؤوس الأموال والاستثمارات وغيرها من الأضرار التى تلحق بالدولة والمجتمع.

المشكلة هنا أن شباب الجماعة لم يلحظ أن القيادات هربت وخانته لتعيش متنعمة فى قطر وتركيا، وتركوهم هنا للضياع.. والغريب أنه ما يزال هناك من بين هؤلاء الشباب من يتم تجنيده من خلال قيادات إخوانية هنا فى مصر تبنت عمليات العنف، فيقوم هؤلاء الشباب بتنفيذها وفى النهاية يكونون جناة وضحايا لعقلهم المسلوب وخضوعهم الأعمى لقيادات لا تستحق أى درجة من التقدير والثقة.

- كلمة توجهها للشباب بخصوص الانتماء أو التعاطف مع الجماعات الدينية؟

أقول لكل شاب فى مصر وغير مصر خد دينك بعقلك ووعيك وقلبك.. لا تسلم عقلا لأحد تعتقد أنه أعلى منك وأنه من يقودك إلى طريق الله.. لأن طريق الله ببساطة طريق سهل وبسيط لا يحتاج إلى وساطة أو قيادة أو جماعة.

 

 

القسم: 

عبد العزيز سلام: تركت الطب لأتفرغ لمدح النبي


من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد

أقول للمتصوفين: طهروا ثوبكم الأبيض من البقع السوداء

فى إحدى الليالى وضعوا لى ملحا فى المشروب بدلا من السكر

 

إنه مداح النبى الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، الذى تغنى وأنشد كثيرا من المدائح التى تلامس القلوب وتأسر الأرواح وتحلق بنا عاليا فى فضاء لا متناهى من الحب والهيام والود النقى مع الله.. اشتهر بروائعه التى يستمتع بها المحبون والعاشقون للنبى (ص)، ومنها (قمر سيدنا النبى) (بحبك وبريدك وأتمنى أبوس إيدك، خدامك ومريدك يا جد الحسنين) (مشتاقلك يا نبينا وببعتلك سلام، مبعوت على المدينة بدموع من غير كلام) ،(إنى أحب محمدا والله خير شاهدا) وغيرها من الكلمات والأشعار التى تسحر الآذان وتخطف القلوب.. مع أسلوبه خاص فى الأداء، حيث «الإنشاد يصحبه الإرشاد» ينهى عن التصفير والتصفيق، فكثيرا ما ينبه جمهوره قائلا «احنا مش فى مسرح احنا فى حضرة عايشين فيها مع سيدنا النبى».

- دكتور عبد العزيز متى اخترت طريق مدح النبى؟

اخترت هذا الطريق منذ التسعينيات، عندما ذهبت للقاهرة للدراسة فى كلية طب قصر العينى ، كان اللقاء مع سيدنا ومولانا الشيخ صالح الجعفرى الذى أحببته حبا خاصا وتأثرت به وبدأت فى ترديد بعض أشعاره وإنشادها.

كذلك تأثرت بالحاج عباس الديب منشد عصره والذى يعرفه كثيرون من المنشدين، كما تأثرت بالحاج أحمد شعبان شيخ الطريقة فى محلة زياد.

- هل تتقاضى أجرا على هذا العمل؟

لا ، تقريبا لا أتقاضى أى أجر.. ولكن للأمانة لأننى أنتقل بالفرقة التى تصاحبنى من المحلة إلى محافظات ومدن وقرى بعيدة فإننى أتلقى ما يوهب لى ممن استضافونى أنا ومن معى، وفى كل الأحوال لا يزيد على ألف جنيه.

- أيهما أحب إلى قلبك مهنة الطب أم المدح النبوى؟

كل منهما يقربنى من ربى، ففى الطب تتعرف على أسرار الخلق والتكوين الذى أبدعه رب العالمين، وفى المدح النبوى أعيش روحانيات مع النبى صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام وكله فى حب الله سبحانه وتعالى، لكننى فى النهاية حسمت الأمر واخترت التفرغ التام للمدح النبوى.

- أغرب المواقف التى قابلتك فى هذا العمل؟

أحد أصحاب الليالى أتى لى بالماء وكانوا قد حلوه بالخطأ بالملح بدلا من السكر، ومع أول رشفة ارتبكت وانقلبت بطنى وشعرت أننى لابد وأن أبتعد عن الميكرفون، والحمد لله عدت لحالتى وعدت الليلة على خير.

- كيف ترى أحوال الصوفية فى مصر؟

رغم اعتقادى بأن الصوفية على العموم أهل محبة ونقاء، إلا أنه تظل هناك أخطاء من المتصوفة لابد من تصحيحها مثل منع الاختلاط بين الرجال والنساء فى المناسبات التى يحتفلون بها، وكذلك لابد من عدم المغالاة فى محبة وتقدير الصالحين بحيث لا تخرجنا تلك المحبة عن ضوابط الشر ، كذلك لابد من المنع التام للتدخين وأى تجاوز.

- كلمة توجهها للتيار الصوفى فى مصر؟

أقول لهم مميزاتكم كثيرة، ولكن لكى تكونوا قدوة للآخرين عليكم بالالتزام بالشرع.

- هل توافق على الانتقادات التى يوجهها السلفيون للمتصوفة؟

أنا مع هذا النقد بحيث يضبط ويقوم المسيرة الصوفية وحتى يتم تطهير الثوب الأبيض من البقع السوداء مهما صغر حجمها.

- أحب أصوات المداحين إلى قلبك؟

بالطبع أحب وأعشق فن العلم الكبير الشيخ ياسين التهامى، وأحب أيضا الشيخ أحمد التونى، وغيرهما ممن يتغنون بالشعر الصوفى والمدح النبوى.

- فى الفترة الأخيرة هناك حضور للتصوف بين الأدباء والروائيين.. بما تفسر ذلك؟

هذا أمر طبيعى.. وأنا أرى أن التصوف عائد بقوة لأنه راحة للروح، وفيه ملجأ لكل من يريد الراحة، وفيه مجال واسع لأن يجد فيه المبدعون والكتاب والفنانون أنفسهم وميولهم.

- هل الصوفية فى الغالب لا تعارض السلطة؟

الصوفية لا يطمعون فى السلطة أبدا، وهم فقط يدعون للحاكم بالتوفيق والصلاح، وبالطبع لن يؤيدوه فيما هو مخالفة لشرع الله الواضح الصحيح.


 

القسم: 

مشايخ يكرهون العقل.. ولماذا يحسدون أصحاب الفهم والذكاء؟

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

بالله عليكم هل حدث ولو مرة فى العمر أن استمع واحد منكم إلى خطبة جمعة واحدة يحث فيها الخطيب جمهور المصلين على تشغيل العقل واستخدامه فى فهم الدين ومقاصده ومبادئه والتفكر فى كتاب الله وآياته التى أنزلت (لقوم يعقلون)؟

الإجابة: لا .. وليت الأمر وقف بالسادة الخطباء عند الامتناع عن تمجيد العقل والحث على تكريمه وتعظيمه، رغم أن هذا قصور منهم وتقصير يعكس مدى جهلهم بمضمون القرآن الكريم الذى لا يذكر العقل إلا فى مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب الاستضاءة به والرجوع إليه دون عوائق أو محاذير.

لكن للأسف، نرى هؤلاء الأشاوس من على منابرهم التى اعتلوها دون جدارة أو استحقاق، يتطوعون بمهاجمة العقل والتنديد به، باعتباره فيروسا خطيرا يهدد الدين، ومفسدة للقلب يهتز بها الإيمان ويضيع معها اليقين.

ومن ثم فلابد من إعلان حالة التعبئة العامة، قبل أن تنفلت الأمور، وتحل الكارثة على المسلمين، فيفشو بينهم الوباء وتنتشر العدوى، وباء العقل وعدوى التأمل والتفكير!!

والهجوم على العقل، لا يقتصر على خطباء المساجد المعينين من الأوقاف، بل هو ظاهرة شائعة يمارسها كثير من الفقهاء والمنظرين فى كل العصور، فى الماضى والحاضر، وربما يعتقدون أنهم يفعلون ذلك خدمة لدين الله.. هذا يحدث إذا افترضنا حسن النية، لكن النية الحسنة لا ينبغى لها أن تجعلنا نتنبه وننبه إلى أن الهجوم المكثف على العقل ودوره فى حياة الإنسان قد يكون موجها فى أحيان كثيرة بدافع الرغبة فى تخدير الجماهير والإبقاء عليهم فى حالة من الغيبوبة، يسهل معها استغلال هذه الجماهير وابتزازها وخداعها والضحك عليها بمختلف الأساليب والوسائل.

خذ عندك على سبيل المثال ما ذكره أبو الأعلى المودودى فى كتابه «نحن والحضارة الغربية»: إن الإيمان وطلب الحجة العقلية كشرط من شروط الطاعة والإذعان أمران متناقضان لا يسوغ العقل السليم اجتماعهما أبدا، فالذى هو مؤمن لا يمكن أن يكون طالبا للحجة بحكم منزلته هذه... وأما الذى هو طالب للحجة العقلية على هذا النحو فلا يمكن أن يكون مؤمنا».

كلام غريب، يستحيل أن ينسجم مع المنطق السليم، ولا مع طبيعة الرسالة الخاتمة، تلك الطبيعة التى أشار إليها الفيلسوف والشاعر الكبير محمد إقبال قائلا: كان من الطبيعى أن يكون محمد عليه السلام هو آخر الأنبياء، لأنه بعد أن أسلم البشرية إلى عقلها، لم يعد هناك مجال لنبوة جديدة ورسالة جديدة.

وفى التفتيش فى تراثنا الفكرى، يمكن أن نرصد حالات من العداء والحسد لأى صاحب عقل يحاول التفكير خارج الصندوق ويتمرد على الخط المرسوم والإطار المحدد.

ولعل أبرز تلك الحالات ما حدث مع الفقيه والإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان.

وكثيرون قد لا يصدقون أن عقل أبى حنيفة ونبوغه وذكائه ونباهة ذهنه، كانت من الأسباب التى جلبت عليه حقدا وحسدا ونقمة من العلماء والفقهاء لا يستحقها بأى حال من الأحوال.. لكن كانت مشكلته الوحيدة أنه كان يحترم عقله، وأبدع بهذا العقل طريقة جديدة فى الإفتاء والتخريج.

جاء فى (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادى أن الأوزاعى فقيه الشام الذى كان معاصرًا لأبى حنيفة، قال لعبد الله ابن المبارك؛ مَنْ هذا المبتدع الذى خرج بالكوفة ويُكنى أبا حنيفة؟ فلم يجبه ابن المبارك، بل أخذ يذكر مسائل عويصة، وطرق فهمها والفتوى فيها، فقال: مَنْ صاحب هذه الفتاوى؟ فقال: شيخ لقيته بالعراق. فقال الأوزاعى: هذا نبيل من المشايخ اذهب فاستكثر منه. قال: هذا أبو حنيفة.

ثم اجتمع الأوزاعى وأبو حنيفة بمكة، فتذاكرا المسائل التى ذكرها ابن المبارك فكشفها فلما افترقا قال الأوزاعى لابن المبارك: غبطتُ الرجل بكثرة علمه، ووفور عقله، واستغفر الله تعالى، لقد كنت فى غلط ظاهر، الزم الرجل فإنه بخلاف ما بلغنى عنه.

وتأمل معى ما يقوله ابن عابدين فى تصوير مدى ما تعرض له الفقيه الأعظم صاحب مدرسة الرأى من تشويه وتشهير:

«إن الإمام أبا حنيفة لما شاعت فضائله، وعمتْ الخافقين فواضله، جرتْ عليه العادة القديمة، من إطلاق ألسنة الحاسدين فيه، حتى طعنوا فى اجتهاده وعقيدته بما هو مبرأٌ منه قطعًا».

هل كنت تتخيل أن يصل الأمر إلى الطعن فى الإمام الكبير إلى هذه الدرجة من الطيش والرعونة؟! إنه ليس فقط طعن فى اجتهاد أبى حنيفة، وإنما أيضا فى عقيدته ؟!

لقد شعرت بالأسى والأسف، وأنا أطالع الأخبار والروايات التى جمعها الخطيب البغدادى فى (تاريخ بغداد) بشأن أبى حنيفة.. منها ما قاله شريك بن عبد الله: إن أبا حنيفة استُتِيبَ من الزندقة مرتين.

ومنها ما قاله حماد بن سلمة: إن أبا حنيفة استقبل الآثار والسنن فردها برأيه.

وخذ عندك هذه أيضا، عن إبراهيم بن محمد الفزارى قال: كنا عند سفيان الثورى، إذ جاء نعى أبى حنيفة. فقال:

الحمد لله الذى أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض عُرى الإسلام عروة عروة، ما ولد فى الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام منه.

وعن إسحاق بن إبراهيم الحربى قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن مالك فقال: حديث صحيح ورأى ضعيف، وسئل عن الأوزاعى فقال: حديث ضعيف ورأى ضعيف، وسئل عن أبى حنيفة فقال: لا رأى ولا حديث. وسئل عن الشافعى فقال: حديث صحيح ورأى صحيح.

وفى سياق الهجوم الحنبلى على أبى حنيفة، يقوم عبد الله بن أحمد بن حنبل بجمع أقوال الكارهين والطاعنين فى أبى حنيفة، فى كتاب (السنة)، ونكتفى هنا فقط بإيراد تلك الروايات الأربع.

الأولى: يقول عبد الله عن أبيه -ابن حنبل- إنه كان لا يثق فى أصحابه إلا لو بغضوا أبى حنيفة ونظروا فى كلامه بمعنى أن يرفضوه.

الثانية: وأخبرت عن إسحاق بن منصور الكوسج، قال: قلت لأحمد بن حنبل يؤجر الرجل على بغض أبى حنيفة وأصحابه؟ قال: إى والله..

الثالثة : حدثنى منصور بن أبى مزاحم، سمعت مالك بن أنس، ذكر أبا حنيفة فذكره بكلام سوء وقال: «كاد الدين، وقال: من كاد الدين فليس من الدين».

والرابعة: حدثنى الحسن بن الصباح البزار، حدثنى الحنينى، عن مالك بن أنس، قال: «ما ولد فى الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبى حنيفة».

ومن المضحكات المبكيات أنهم قد جعلوا عمر بن الخطاب يتنبأ بأن أبا حنيفة المولود بعد وفاة عمر بأكثر من نصف قرن سيكون هو الداء العضال فى مستقبل الإسلام .. لا تستغرب ولا تفتح عينيك أو ترفع حاجبيك أو تعبر عن اعتراضك بأى طريقة مهذبة كانت أم بذيئة.

إن الخبر الذى رواه مالك فى (الموطأ) بلاغا: أن عمر بن الخطاب أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال.

وعن تفسير (الداء العضال) المذكورفى هذا الخبر تقول روايات الخطيب البغدادى، إن الإمام مالك سئل عن قول عمر فى العراق: بها الداء العضال. قال: الهلكة فى الدين ومنهم أبو حنيفة وأصحابه.. وذلك أنه ضلل الناس بوجهين: بالإرجاء وبنقض السنن بالرأى.

إذا كان كل هذا قد حدث مع أبى حنيفة، فلماذا نستغرب إذا كفر المتنطعون أى صاحب رأى فى وقتنا الراهن لمجرد أنه يسائل التراث ويناقش المتون ويحاول أن يفهم ويجد تفسيرات لمسلمات لا يطمئن لها قلبه، ويبذل كل ما فى وسعه بحثا عن إجابات وحلول لإشكاليات تؤرق عقله وضميره.

«وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير»

«إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون»

صدق الله العظيم

 

القسم: 

لمن يفهم: السيسي والطيب وجمعة اتفقوا ولم يختلفوا

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

لا يزال الجدل دائرا حول الكلمات الثلاث لرئيس الدولة وشيخ الأزهر ووزير الأوقاف فى احتفال الدولة الرسمى بمولد النبى «صلى الله عليه وسلم».

وتم تصوير الأمر وكأنه حرب واقتتال بين مدافعين عن السنة النبوية وبين من يريدون محو تلك السنة أو إلغائها كمصدر ثان من مصادر التشريع.

والحقيقة أن من يتأمل الكلمات الثلاث للرئيس السيسى والشيخ الطيب والدكتور مختار جمعة يلاحظ أن الثلاثة اتفقوا أكثر مما اختلفوا، هذا إذا كان هناك خلاف من الأصل.

فأولا تحدث فضيلة الإمام الأكبر د/أحمد الطيب عن أهمية السنة ومكانتها فى الإسلام وأنها العمود الثانى للإسلام بعد القرآن, وأنها الشارحة والمفسرة والمبينة لمجمله والموضحة لمعانيه وهى التطبيق العملى للقرآن فى واقع الحياة، وأن الإسلام بغير السنة النبوية بأقسامها كالرأس بلا جسد.

ثم أكد فضيلته أن روايات السنة قد محصت تمحيصًا علميا جادا وحقيقيا وغير مسبوق فى أى دين آخر.

وبعد كلمة الدكتور الطيب، تأتى كلمة د/ محمد مختار وزير الأوقاف التى وصفها كثيرون بأنها جيدة ومحكمة أيضًا، ومن يتأملها بعناية يكتشف بسهولة أنها لا تتناقض مع كلمة الإمام الأكبر كما أشيع ويشاع من قبل المغرضين، بل هى فى أغلب الظن موافقة لها ومتممة ومكملة لخطها الداعى إلى احترام السنة والحفاظ على الثوابت وعلى رأسها السنة.

ربما يكون الفرق الوحيد أن كلمة وزير الأوقاف تطرقت إلى كيفية التعامل مع السنة, فهناك علة لكل حديث, والحكم فى كل حديث يدور مع علته وجودًا وعدما.

فعلى سبيل المثال نهى الرسول (ص)عن حمل المصحف إلى بلاد الكفار، والعلة فى ذلك إهانتهم قديما للمصحف، أما الآن فلا يوجد ذلك بل يطبع المصحف نفسه فى هذه البلاد ويباع ويوزع علانية، فانتفت العلة وانتفى معه النهى والحكم, وليس هذا إلغاءً للحديث الشريف ولكنه فهم لعلته وحكمته وإعمال له بحق.

وكذلك من حسن التعامل مع النبى الكريم وسنته الشريفة

أن يتم التفريق بين ما قاله وفعله رسول الله (ص) باعتباره بشرا كسائر البشر وبين ما فعله باعتباره رسولًا مبلغًا عن رب العزة وبين ما صدر عنه كقائد دولة أو قائد عسكرى أو قاضى.

فمثلا إذا قال صلى الله عليه وسلم «من قتل قتيلًا فله سلبه» أو «للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم» كل ذلك لم يعد يتوافق مع قواعد العسكرية الحديثة التى عرفت الجيوش النظامية التى تنفق عليها الدولة، فى حين أنه كان المجاهد والفارس فى زمن النبى يجهز نفسه بنفسه فى أغلب الأحوال.

أما الرئيس السيسى فى كلمته التى ابتدأها بتحية شيخ الأزهر على وجه الخصوص، ووصف كلام الرجلين (شيخ الزهر ووزير الأوقاف) بأنه كلام رائع وجميل جدا، ثم أثنى على النبى الكريم وسيرته العطرة.. ثم تساءل: أيهما يسىء إلى السنة أكثر من يريد ترك سنة النبى أم من يفسرون سنته الشريفة تفسيرا خاطئا بشكل أضر بسمعة المسلمين فى العالم؟

أين التعارض بين الكلمات الثلاث؟!

وهنا إذا أطلقنا المجال للخيال، وسألنا ماذا كانت ستكون كلمة النبى (ص) لو كان حاضرا هذا اللقاء الكبير.

أغلب الظن أنه صلى الله عليه وسلم سيحيى الجميع، ثم يدخل إلى الكلمة مباشرة موضحا فى البداية أن رجال الحديث قد بذلوا كل ما فى وسعتهم وكل ما يقدرون عليه فى جمع الأحاديث وتبويبها، وتقسيم رواتها وأسانيدها، وبفضل جهودهم تلك أصبح الحديث على هذه الشروط والعلامات علما مستقلا بذاته له أساتذته وعلماؤه المتخصصون فى دراسته وتدريسه.

لكن تظل هناك ملاحظة فى غاية الأهمية، وهى أن هناك كثيرا من الأحاديث لم تحظ بتسليم وإجماع الأمة، وما زالت محلا للنقاش والجدال وربما الرفض.. وينشأ عن ذلك كله حالة من الفرقة والشقاق بين المؤيدين والمصححين لتلك الأحاديث وبين المتوقفين فيها أو الرافضين للتسليم بصحتها، مع العلم أن كلا الفريقين يدعى أنه يدافع بموقفه هذا عن سنة النبى (ص).

ولا شك أنه فى هذا الجو المشحون بالجدل والتوتر، تكفى كلمة واحدة من النبى (ص) لتنهى الموقف وتحسم الجدل وترد الأمور إلى نصابها، وبذلك يتوقف الغمز واللمز والقيل والقال فى مسألة من أهم وأخطر الأمور المطروحة طول الوقت للنقاش بين المسلمين، وتنقطع إلى الأبد الآثار السلبية لترديد أحاديث كثيرة مخالفة للقرآن ومكذوبة على النبى الصادق وتلعب دورا أسود فى تضليل العقول وترويج الخرافات والأباطيل.

وقد لا أغالى ولا أبالغ إذ أظن أن يبدأ النبى (ص) أول ما يبدأ فى ذلك بصحيح البخارى، ليتوقف مع بعض من أحاديثه ليؤكد لنا بما لا يدع مجالا لأى شك أنه لم يقلها ولم تصدر عنه بأى حال من الأحوال، أو ينفى نفيا تاما ما تحكيه كلماتها مثل زواجه من عائشة وهى ما زالت طفلة صغيرة، أو قصة وقوعه تحت تأثير السحر اليهودى. من هذه الأحاديث مثلا:

1- حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوجها وهى بنت ست سنين وأدخلت عليه وهى بنت تسع ومكثت عنده تسعا.

(كتاب النكاح)

2- عن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى ذر حين غربت الشمس أتدرى أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعى من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم.

(كتاب بدء الخلق)

3- حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن خالد عن محمد عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال «فقدت أمة من بنى إسرائيل لا يدرى ما فعلت وإنى لا أراها إلا الفار إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت».

(كتاب بدء الخلق)

4- عن عائشة قالت: سحر النبى صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشىء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندى دعا الله ودعاه ثم قال أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتانى فيما استفتيته فيه قلت وما ذاك يا رسول الله قال جاءنى رجلان فجلس أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى ثم قال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال مطبوب قال ومن طبه قال لبيد بن الأعصم اليهودى من بنى زريق قال فيما ذا قال فى مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال فأين هو قال فى بئر ذى أروان قال فذهب النبى صلى الله عليه وسلم فى أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين قلت يا رسول الله أفأخرجته قال لا أما أنا فقد عافانى الله وشفانى وخشيت أن أثور على الناس منه شرا وأمر بها فدفنت.                            (كتاب الطب)

5- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: كل بنى آدم يطعن الشيطان فى جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن فى الحجاب.

 (كتاب بدء الخلق)

ثم ينهى النبى (ص) كلمته داعيا الجميع إلى الوحدة ونبذ الفرقة والاختلاف، وأن تتم إعادة قراءة بعض الأحاديث فى ضوء عرضها مع صريح القرآن والمقاصد العامة للإسلام الذى هو دين الرحمة للعالمين.

                       

 

 

القسم: 

سيدي علي زين العابدين.. مربي الأيتام

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

ماذا قال أئمة المذاهب والعلماء عن على زين العابدين؟
 لماذا سمى بـ(مربى الأيتام) ومن قال إنه متاجرين بالدين؟

 

يحتفل السادة الصوفية هذا الأسبوع (من السبت 3 نوفمبر وحتى الخميس 8 نوفمبر) بالمولد السنوى لذكرى ميلاد على زين العابدين بن الحسين.
يعد من الطبقة الأولى من تابعى أهل المدينة. ولد سنة 38 هـ، وتوفى سنة 95 هـ بالمدينة المنورة، عن عمر يناهز السابعة والخمسين.
لم يكتسب شهرته فقط من كونه واحدا من أبناء آل بيت النبوة، بل لمكانته العلمية والدينية التى شهد له بها الجميع.. فكان إمامًا فى الدين وبحرا فى العلم، ومرجعًا ومثلًا أعلى فى الخلق الورع والعبادة والتقوى حتى أقر له أبناء عصره بأنه أفقه أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم.. فقال الزهرى، وهو من معاصريه: «ما رأيت قرشيًا أفضل منه»، وقال سعيد بن المسيّب وهو من معاصريه أيضًا: «ما رأيت قط أفضل من على بن الحسين»، وقال الإمام مالك: «سمى زين العابدين لكثرة عبادته»، وقال سفيان بن عيينة «ما رأيت هاشميًا أفضل من زين العابدين ولا أفقه منه»، وذهب الشافعى إلى أنه: «أفقه أهل المدينة».
جاء فى (البداية والنهاية) لابن كثير وغيره من كتب التاريخ: أن هشام بن عبد الملك حج فى خلافة أبيه وأخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه، وقام أهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل على بن الحسين، فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالا له وهيبةً واحتراما، وهو فى بزة حسنة، وشكل مليح، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه - استنقاصا به واحتقارا لئلا يرغب فيه أهل الشام -فقال الفرزدق: -وكان حاضرا- أنا أعرفه، فقالوا: ومن هو؟
فأنشأ الفرزدق يقول:

هــذا الــذى تـعـرف الـبـطحاء وطـأته
والــبـيـت يـعـرِفُـه والــحـلُ والــحـرمُ

هـــذا ابـــن خــيـر عِــبـاد الله كـلـهـم
هــذا الـتـقى الـنـقى الـطـاهر الـعلمُ

هــذا ابــن فـاطـمة إن كـنـت جـاهله
بـــجــدّه أنــبــيـاء الله قـــــد خــتــمـوا

ولــيـس قـولـك مــن هــذا بـضـائره
الـعُـرب تـعـرف مــن أنـكرت والـعجم

مــن مـعـشرٍ حـبـهم ديــن وبُـغضهم
كــفــر وقـربـهـم مـنـجـى ومـعـتـصمُ
          
لك أن تتأمل تلك القصة الشهيرة، من أن غلامًا لزين العابدين كان يصب له الماء بإبريق مصنوع من خزف، فوقع الإبريق على رِجل زين العابدين فانكسر، وجُرحت رجله؛ فقال الغلام على الفور: يا سيدى يقول الله تعالى «والكاظمين الغيظ»، فقال زين العابدين: لقد كظمت غيظى؛ ويقول «والعافين عن الناس»، فقال: لقد عفوت عنك؛ ويقول: «والله يحب المحسنين» فقال زين العابدين: أنت حرٌّ لوجه الله.
وحكى أيضا عنه، أنه ضرب يومًا غلامًا تباطأ فى عملٍ أرسله لإِنجازه، فقال له الغلام تبعثنى فى حاجتك ثم تضربنى! فبكى الإمام وقال له فى الحال: «يا بنى اذهب إلى قبر رسول الله فصلِّ ركعتين ثم قل: اللهمّ اغفر لعلى بن الحسين خطيئته يوم الدين»، ثم قال: اذهب أنت حر لوجه الله.

والحقيقة أن هذه الرأفة وتلك الرحمة كانت طباعا أصيلة فى شخصية على زين العابدين، وثابتة لديه بالفطرة التى فطره الله عليها كإبن من أبناء بيت نبى الرحمة.
لم يكن فى المسألة أى تصنع أو افتعال أو ادعاء، بل كانت سجية الرجل هكذا، ولا يتوقع أو ينتظر أن يصدر منه خلاف ذلك.
ومن ثم فليس غريبا أن يشتهر على زين العابدين كنموذج فذ وفريد لفرسان (صدقة السر) تلك التى تطفئ غضب الرب، فكان يسمى (صاحب الجراب)، إذ كان يقصد بجرابه بيوت الفقراء والأيتام فى المدينة ليلًا ملثما، فيدق أبوابهم بابًا بابًا ليضع ما يضعه أمامها فى جوف الليل من طعام أو صرّة مال.. وقد ظل الأمر سريا للغاية، ولم يتمكن أحد من معرفة من هو (صاحب الجراب) هذا، حتى غيبه الموت عن الدنيا، ومع غيابه غابت الصدقات الخفية وغاب الجراب، فعرف الناس فيما بعد أن عليا زين العابدين هو صاحب الجراب، وأطلق عليه (مربى الأيتام).
وفى ذات السياق يقول محمد بن إسحاق: كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون، ومن يعطيهم؟ فلما مات على بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذى كان يأتيهم فى الليل بما يأتيهم به، ولما مات وجدوا فى ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين فى الليل، وقيل: إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات.
ويقول ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون ما فقدنا صدقة السر إلا بعد موت على بن الحسين رضى الله تعالى عنه.
ومما روى عنه فى بر الوالدين، أنه قد قيل له: «إنك أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل معها فى صفحة واحدة» فقال: «أخاف أن تسبق يدى إلى ما تسبق إليه عينها فأكون قد عققتها».
ومن أروع ما جاء على لسانه، تلك الكلمات التى حذر فيها وندد بالمتاجرين بالدين، حيث قال:
«إذا رأيتم الرجل قد حسُنَ سمتُه وهديه، وتمادى فى منطقه وتخاضع فى حركاته، فرويدًا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام فيها، لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه، فنصبَ الدين فخًا له، فهو لا يزال يُختل الناس بظاهره، فإنّ تمكن من حرام اقتحمه».
توفى الإمام على زين العابدين فى المدينة سنة 95 هجرية ودفن فى البقيع فى المدينة المنورة بجانب قبر عمه الحسن.           
وأما ضريحه الموجود بالقاهرة، فهو من الأضرحة التى شيدها الفاطميون بمصر، وقد أطلق أهل المنطقة التى شيد بها الضريح عليها اسم منطقة أو حى (زينهم) ويقصدون بذلك الاسم زين العابدين، أى أنه زينة الرجال.
وهناك خلاف بين الباحثين والمؤرخين حول شخصية المدفون بضريح زين العابدين بالقاهرة، والمرجح والأقرب للصواب أن المدفون بهذا الضريح هو رأس ابنه زيد بن على المتوفى سنة 122هجرية.

 

القسم: 

قرشية الخليفة.. رؤية سياسية أم نص نبوى؟

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد:-

تناولت فى مقال سابق مسألة (قرشية الخليفة) التى تذهب وجهة النظر السلفية التقليدية إلى أنها من المسائل المنصوص عليها والتى انعقد عليها الإجماع.

وكنت قد تعرضت لمناقشة النصوص الواردة فى ذلك، وكذلك فندت مسألة الإجماع المزعوم فى المسألة.

وقد يكون مفيدا لتتمة الكلام والفكرة أن نضيف أن واحدا من كبار الأشاعرة وهو الفقيه الشافعى أبو المعالى الجوينى إمام الحرمين قد تحفظ بشكل واضح على أحاديث القرشية من منطلق أنها من أحاديث الآحاد التى لا تفيد اليقين، وقد عبر عن رأيه هذا فى كتابه (غياث الأمم فى التياث الظلم) قائلا:

«وقد نقل الرواة عن النبى – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : (الأئمة من قريش) وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث فى حكم المستفيض المقطوع بثبوته; من حيث أن الأمة تلقته بالقبول. وهذا مسلك لا أوثره فإن نقلة هذا الحديث معدودون، لا يبلغون مبلغ عدد التواتر».

والذى يوضح الحق فى ذلك أننا لا نجد فى أنفسنا ثلج الصدور; واليقين المبتوت، كما لا نجد ذلك فى سائر أخبار الآحاد، إذ لا يقتضى هذا الحديث العلم باشتراط النسب فى الإمامة».

دعك من نصوص الأحاديث، ودعك من الإجماع، وتعال معى لنعيد القراءة فى الروايات التى نقلت لنا تفاصيل ما حدث فى السقيفة، فربما وجدنا فيها ما يشفى الصدور ويطمئن العقول.

لو فتحنا صفحات (تاريخ الأمم والملوك) للطبرى وهو من أقدم المراجع التى نقلت لنا مشهد السقيفة وبشكل دقيق وتفصيلى، لاكتشفنا بسهولة أن هذا المؤرخ الثقة الكبير قد روى خبر السقيفة بطرق متعددة خالية كلها من ذكر الاحتجاج بالخبر المروى «الأئمة من قريش».. وأن ما يمكن فهمه بشكل قاطع مما جاء فى تاريخ الطبرى أن ما قيل فى هذا الشأن هو مجرد رأى وتقدير سياسى للصديق أبى بكر وليس حديثًا رواه عن رسول الله (ص).

ومما جاء فى الطبرى أن أبا بكر تحدث عن المهاجرين ذاكرا أنهم: «أول من عبد الله فى الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياء وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم».

ثم أثنى على الأنصار قائلا: «وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم فى الدين ولا سابقتهم العظيمة فى الإسلام رضيكم الله أنصارًا لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة ولا نقضى دونكم الأمور».

وفى موضع آخر فى تاريخ الطبرى أن أبا بكر قال: أما بعد يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلا إلا وأنتم له أهل وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش وهم أوسط العرب دارا ونسبا.

ووفقا لهذه الروايات فإننا نلحظ أن أبا بكر قد أثبت قدراته الدبلوماسية الرفيعة فأقر للأنصار بدورهم الفعال فى الحركة الإسلامية، واعترف بفضلهم، ثم بدأ بعد ذلك بكل سلاسة يعرض عليهم رؤيته السياسية وتقديره للموقف وقراءته للمشهد التى لخصها فى تلك الحقيقة التى غابت عنهم، وهى أن العرب لا يمكن أن تقبل تولية أمر بهذه الأهمية إلا لرجل من قريش، وقد انطوى هذا التنبيه على التحذير من خطر ضياع الإنجازات التى حققتها الحركة الإسلامية فى حال ما إذا آلت مقاليد الأمور إلى رجل غير قرشى.. وهكذا استطاع أبو بكر أن بثبت قدرته على التعامل مع النفوس وإقناع العقول ففى الرواية التى يرويها الإمام أحمد فى مسنده، أن أبا بكر لم يترك شيئًا من القرآن أُنزل فى الأنصار ولا ذكره رسول الله من شأنهم إلا ذكره.. وقد أقنعهم إلى حد كبير بأن «العرب لا تدين إلا لهذا الحى من قريش»..

وتكتمل الصورة وتزداد قربا ووضوحا حين نتأمل جيدا كلمات عمر عن بيعة أبى بكر أن مبايعة أبى بكر كانت فلتة «أى أمرًا لا يتكرر»، ومعنى هذا كما أفهمه أنه لم يكن هناك تمهيد سابق له بمؤامرة بين عائشة وأبيها أو مؤامرة بين رجال ثلاثة أعانتهم عائشة على ما تآمروا فيه.. كما أنه لم يتم استنادا إلى مرجعية نصية، لا بنص قرآنى أو نبوى، وإلا لسلم به جميع من حضر اجتماع السقيفة، ومن ثم فلست مقتنعا بتلك الرواية التى جاءت ضمن روايات الطبرى للسقيفة من أن أبا بكر قال لسعد بن عباده «ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم قال فقال سعد صدقت فنحن الوزراء وأنتم الأمراء».. والواقع لا يصدق هذه الرواية، فالأشهر أن سعد بن عبادة لم يقبل بما حدث فى السقيفة ولم يبايع أبا بكر.

ولو انتقلنا إلى رواية ابن قتيبة فى (الإمامة والسياسة) لوجدنا أن أبا بكر وقف فى الناس قائلا: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا فيه تبع، ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة.

إن الروايتين معا -رواية الطبرى وابن قتيبة- تؤكدان أن ما طرحه أبو بكر بشأن (قرشية الخليفة) هو مجرد رأى سياسى يفهم فى وقته وزمانه، وليس نصا دينيا ملزما لكل زمان ومكان، وأن الرأى يعكس حقيقة موازين القوى وثقل قريش فى المجتمع العربى فى ذلك الوقت وأن عبارات (الأئمة من قريش) و(الناس تبع لقريش) و (أن العرب لا تدين إلا لهذا الحى من قريش) ما هى إلا استنتاجات و رؤى سياسية قائمة على قراءة وتحليل الواقع القبلى العربى فى هذا الزمان.

 

 

 

القسم: 

الخليفة من قريش أم تركيا؟

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

 كيف شكك ابن حجر فى حدوث الإجماع على أحاديث القرشية؟

 ما هو الحل إذا كانت قريش قد انتهت من الدنيا بأجمعها؟

 

فى كتابه المهم ومؤلفه الأشهر (الأحكام السلطانية) عدد أبو الحسن الماوردى الشروط الواجب توافرها مجتمعة فيمن يتولى منصب الخلافة، وجعلها سبعة شروط هى على الترتيب: العدالة، العلم المؤدى إلى الاجتهاد فى النوازل والأحكام، سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان، سلامة الأعضاء من نقصٍ يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوضِ، الرأى المُفضِى إلى سياسة الرعية وتدبير المصالِح، الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش، لورود النص فيه وانعقاد الإجماعِ عليه.

ما يهمنا فقط فى تلك السطور هو التوقف أما الشرط السابع المتعلق بالنسب والذى بناءً عليه يتحتم أن يكون الخليفة من قريش، وهو الشرط الذى أكدته أكثر المراجع الخاصة بالسياسة الشرعية وفقه الأحكام السلطانية، فمثلا هناك أبو يعلى الفراء الفقيه الحنبلى فى مؤلفه الذى يحمل نفس الاسم (الأحكام السلطانية) يحدد شروط الخلافة فى أربعة، أولها أن يكون قرشيا من الصميم، ونقل عن الإمام أحمد قوله «لا يكون من غير قريش خليفة».

وفى ظنى أن مناقشة هذا الشرط، تجعلنا نتوقف أمام ما ذكره الماوردى من ورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه.

والحقيقة فيما يتصل بحقيقة الإجماع على شرط القرشية، إن الكلام بهذا الشكل المطلق ليس دقيقا ولا صحيحا إلا إذا وضعنا فى الاعتبار أنه إجماع منحصر فى الدائرة السلفية التى جعلت من نفسها مرادفا لمصطلح (أهل السنة والجماعة).. فهناك اتجاه آخر أخذ به الخوارج وكثير من المعتزلة، ومؤدى هذا الاتجاه أن الخلافة محتملة وممكنة لأى شخص مسلم، ولو لم يمكن قرشيا، وحجتهم فى ذلك الحديث النبوى الشهير «اسمعوا وأطيعوا ولَوْ وُلِّى عليكم عبد حبشى»، مما يدل فى نظرهم على أنّ الإمام يمكن أن يكون غير قرشى.. بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فهذا ضرار بن عمرو الغطفانى وهو من فقهاء المعتزلة يرى أنه يجب أن يفضَّل الزنجى على القرشى إذا كان كلاهما فى درجة واحدة من الأهلية، لأن الزنجى يكون من السهل عزله إذا خرج عن واجباته كخليفة.

وهذا رأى له منطقه وله وجاهته وينطوى على تقدير سياسى ذكى وسليم.

أما بالنسبة لما ذكره الماوردى وغيره من الفقهاء حول وردود النص على قرشية الخليفة، فإن المقصود بشكل واضح هو ما جاء على لسان الصديق أبى بكر فى حوارات ومناقشات سقيفة بنى ساعدة التى دارت بين المهاجرين والأنصار حول المرشح المحتمل لمنصب (الخلافة) وذكره الماوردى على هذا النحو فى استدلاله على وجوب على هذا الشرط: لأن أبا بكر الصديق رضى الله عنه احتج يوم السقيفة على الأنصار فى دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبى صلى الله عليه وسلم {الأئمة من قريش} فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا منا أمير ومنكم أمير تسليما لروايته وتصديقا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء.

ويلاحظ أن الحديث بلفظه هذا (الأئمة من قريش) ليس له وجود فى البخارى ولا مسلم، وإنما قد ورد بمعناه أو بما هو قريب من معناه فى الصحيحين وكتب الحديث الأخرى.

ففى مسند الإمام أحمد: أن أبا بكر وعمر لما ذهبا إلى سقيفة بنى ساعدة حين اجتمع الأنصار لاختيار خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تكلَّم أبو بكر ولم يترك شيئًا أنزل فى الأنصار وذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من شأنهم إلا ذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا لسلكت وادى الأنصار. ولقد علمت يا سعد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء.

ولعل الرواية الأقوى فى ذلك المعنى ما رواه البخارى ومسلم فى (صحيحيهما) عن أبى هريرة أن رسول الله (ص) قال: الناس تبع لقريش فى هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم.

وفى شرحه لهذا الحديث يقول النووى: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع فى زمن الصحابة... ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين.

وإذا كان النووى يرى أن من يعترض على ذلك الإجماع أو يناقشه يكون من أهل البدع، فإننا نرى الحافظ ابن حجر فى شرحه لصحيح البخارى يبدى شكلا ما من الاعتراض على هذا الإجماع بقوله: (قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: (إن أدركنى أجلى وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل... الحديث). ومعاذ بن جبل أنصارى لا نسب له فى قريش فيحتمل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا، أو تغير اجتهاد عمر فى ذلك والله أعلم.

أيا كان الأمر ، فأحاديث القرشية وفقا لما قررته المنظومة السلفية لابد وأن تثير كثيرا من التساؤلات القلقة التى لا يجب إخفاؤها تقية وخوفا من الاتهام بالخروج على الإجماع والانخراط فى صفوف أهل البدع والأهواء.

أول التساؤلات: لماذا لم يرد حديث واحد من الأحاديث التى تقرر أو توحى بأحقية قريش بولاية الأمر موضوعا فى سياقه الذى يبين لنا السبب الذى جعل النبى (ص) ينطق به؟

باختصار ما هى الظروف الموضوعية والملابسات التاريخية التى جعلت النبى (ص) يفصل فى هذا الأمر وكأن هناك صراعا خفيا أو معلنا بين المهاجرين والأنصار على السلطة، فى حين أن كافة المراجع تحدثنا عن المؤاخاة بين الفريقين وما تجلى فيها من الإيثار والسماحة وإنكار الذات؟

ثانيا : كيف يعقل أن يكون النبى (ص) قد قال حديثا فى أمر مهم كهذا وهو أمر الخلافة، ولا يعلمه إلا نفر قليل من المسلمين، بينما تجهله جماعة كبيرة مثل الأنصار، هل معنى ذلك أنه كانت هناك مشكلة فى البلاغ من النبى أو عنه؟

وثالثا: إذا سلمنا بصدور هذه الأحاديث عن النبى (ص)، فمعنى ذلك أن المسألة أصبحت مسألة (نص) ، وهذا يعنى إطلاقية الحكم الوارد فيه، أى تجرده من خصوصية الزمان والمكان، بحيث تظل القرشية إلى الأبد شرطا يتحتم توافره فى المرشح المحتمل للخلافة التى من المقرر لها أن تحكم العالم أو جزءا كبيرا منه على الأقل، فما هو الرأى إذا كانت قريش قد انتهت من الدنيا واختفت بأجمعها وظهرت عصبيات أقوى منها وأعز؟ هل معنى ذلك أن الواقع يكذب الحديث؟

 

القسم: 

كيف كانت العلاقة بين الإمام الشافعي والسيدة نفيسة؟

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

كثيرون يذهبون لزيارة ضريحها المشهور الواقع بمحافظة القاهرة وفى الشارع المسمى باسمها، لكن للأسف قليلون من يعرفون من هى تلك السيدة الجليلة صاحبة هذا المشهد..

إنها نفيسة ابنة الإمام حسن الأنور بن زيد الأبلج بن سيدنا الحسن بن على.. اعتنى أبوها بتربيتها منذ صغرها وحين ولى إمرة المدينة كان يأخذ بيدها إلى قبر النبى (ص) ويقول: يا سيدى أنا راض عن ابنتك نفسية فارض عنها.

وأقبلت السيدة نفيسة على العلم بكل ما فيها من طاقة فقد حفظت القرآن الكريم وهى دون الثامنة من عمرها وأتقنت القراءة والكتابة وتفقهت فى دينها حتى أصبحت حجة وأستاذة وصارت تُلقب بـ«نفيسة العلم» نظرا لإحاطتها بأسرار التشريع.

وحين بلغت سن الزواج زوجها أبوها من ابن عمها إسحاق الملقب بالمؤتمن بن جعفر الصادق وبعد أن عاشت مع زوجها بالمدينة استمرت فى تلقى العلم والتزود منه وكان الإمام مالك أستاذها وقرأت عليه الموطأ وغيره من الكتب.

وبعد ذلك انتقلت هى وزوجها إلى مصر وما أن ذاع خبر قدومها حتى خرج الناس يستقبلونها عند العريش فى فرح وسرور لم يسبق له مثيل.

وفى مصر كان لها مجلس علم يتردد عليه طلاب العلم ليستمعوا إلى  حديثها ويسألوا فيما استعصى عليهم إجابته أو تفسير ما عجزوا عن فهمه والتقت السيدة نفيسة فى مصر بكثير من الأعلام من بينهم أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث.

وحدث ذات يوم أن انقطع بشر بن الحارث عن زيارتها وهو الحريص على مجلس علمها، فلما سألت عنه وعلمت بمرضه ذهبت لتعوده فى داره،‏ وهناك التقت الإمام أحمد بن حنبل الذى سأل صاحب الدار عن شخصية السيدة، فلما علم بها أحسن تحيتها وطلب من بشر مستبشرا أن يسألها الدعاء لهما فلم تخيب رجاءهما لتدعو قائلة‏:‏ اللهم إن بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النار فأجرهما يا أرحم الراحمين‏.

وممن حضر مجلسها الإمام الشافعى الذى لم يكد يصل من بغداد إلى مصر حتى سأل عن دارها واستأذن فى زيارتها فأذنت له ورحبت به وأعجبت بعقله وورعه.

وأخذ الشافعى عنها الحديث النبوى وسمع منها ما لم يكن قد وصل إليه من أحاديث شريفة مما أتاح له بعدا أكبر فى مجال الفقه والاجتهاد.

وكان الشافعى إذا أقعده المرض عن زيارتها أرسل بعض أصحابه إليها يسألها الدعاء فتدعو له بالشفاء.

وفى المرض الأخير الذى توفى فيه أرسل إليها كعادته فقالت لمن جاءها: أحسن الله لقاءه ومتعه بالنظر إلى وجهه الكريم.. فعلم الشافعى أنها النهاية.

ولما توفى رضى الله عنه حملت جنازته إلى بيت السيدة نفيسة فصلت عليه وقالت: رحم الله الشافعى إنه كان يحسن الوضوء ويبدو أنها كانت تعنى أن الوضوء أصل العبادة.

ومن ثم كان الرجل صالحا حسن العبادة.

ومن المفارقات الظريفة، أنه عندما رحلت كريمة الدارين كتب على باب مقامها الطاهر قول الإمام‏ الشافعى:‏

يا أهل بيت رسول الله حبكمُ                                   فرض من الله فى القرآن أنزله

يكفيكموا من عظيم القدر أنكمُ

من لم يصل عليكم لا صلاة له

وقد حفرت السيدة نفيسة قبرها بنفسها فى البيت الذى تسكن فيه والذى أصبح ذلك مسجدها العامر المشرق، وكانت تنزل فيه وتقرأ القرآن الكريم حتى ختمته مئتى مرة وفى رواية أخرى أكثر من ألف مرة.

وروى أنها فى مرضها الأخير، وأثناء المعاناة وشدة الألم، دخل عليها الأطباء وأشاروا عليها بالإفطار كى تستطيع الصمود والمقاومة، إلا أنها رفضت وأنشدت هذه الأبيات:

اصرفوا عنّى طبيبى                               ودعونى وحبيبي

زاد بى شوقى إليه                                 وغرامى فى لهيب

طاب هتكى فى هواه                               بين واشٍ ورقيب

لا أبالى بفوات                                      حيث قد صار نصيبى

ليس من لام بعذل                                 عنه فيه بمصيب 

وجفونى بنحيبى                               جسدى راضٍ بسقمى

ويوم وفاتها كانت صائمة فظلت تقرأ القرآن كعادتها ويقال أنها بدأت فى تلاوة سورة الأنعام وحين بلغت قوله تعالى «لهم دار السلام عند وهو وليهم بما كانوا يعملون»

فاضت روحها الطاهرة وعادت إلى بارئها وكان ذلك علامة حسن الختام. وتوفيت فى الثالثة والستين، أى  مثل عمر جدها المصطفى عليه الصلاة والسلام حين حان وقت الرحيل ليلحق بالرفيق الأعلى.

و فى خططه التى تحمل عنوان (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار)  يقول المقريزى: وقبر السيدة نفيسة رضى الله عنها أحد المواضع المعروفة بإجابة الدعاء بمصر، وهى أربعة مواضع: سجن نبى الله يوسف الصدّيق عليه السلام، ومسجد موسى صلوات الله عليه، ومشهد السيدة نفيسة رضى الله عنها، والمخدع الذى على يسار المصلّى فى قِبلة مسجد الأقدام بالقَرافة.

 

القسم: 

مع اقتراب الاحتفال بذكرى مولده نسأل: هل السلفيون يكرهون السيد البدوى؟

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

 هل كان السيد البدوى جاسوسا فاطيميا؟

 كيف كانت العلاقة بين البدوى والظاهر بيبرس؟

 

تحتفظ الذاكرة الشعبية الإسلامية بأسماء العشرات بل المئات من أئمة وأقطاب التصوف، الذين تركوا أثارا ولمسات فوق جبهة الحياة.

لكن فى ظنى لم يحظ واحد من هؤلاء الأئمة والأقطاب بمثل ما حظى به السيد أحمد البدوى من عداء من جانب أبناء التيار السلفى، ليس فى مصر وحدها، بل فى كل البلاد التى بها تواجد لهذا التيار .

كلام السلفيين عن السيد البدوى لا يحتاج إلى أى جهد أو فائض من ذكاء ليكتشف المرء كم الحقد والكراهية، وغياب التعقل والموضوعية فى إلصاق كل نقائص وسفاهات وانحطاطات الدنيا بهذا الرجل الذى رحل عن الدنيا منذ أكثر من ثمانية قرون .

وقد يكون مفيدا هنا أن نذكر أن السلفيين فى منهجهم المعادى للتصوف والمتصوفة، يسلكون مسلكين فى هجومهم العنيف وحملاتهم التشويهية ضد التصوف، المسلك الأول الطعن فى النظرية ذاتها، بمعنى التشكيك فى أصول التصوف ومبادئه وعلومه بدعوى أن أصوله غير إسلامية وإنما هو بدعة لقيطة لعبت فيها أصابع هندوكية ويهودية ومسيحية .

أما المسلك الثانى فهو توجيه سهام التشهير المباشرة إلى أئمة الصوفية وأقطاب الأولياء بالقدح فى عقيدتهم وسلوكياتهم والتشكيك فى حقيقة انتمائهم إلى أهل السنة والجماعة .

والمتابع لكلام الدعاة السلفيين، مثل الشيخ محمد الزغبى وأبى إسحاق الحوينى وعبد الرحمن عبد الخالق يجد أن محور هجومهم على السيد البدوى يدور فى (الطعن فى نسبه – كان جاسوسا شيعيا إسماعيليا باطنيا - وأنه لم يصل لله ركعة – ولا يعرف إن كان ذكرا أم أنثى).

وبالنسبة للطعن فى نسب السيد البدوى، فيكفى أن نؤكد أن كثيرا من المؤرخين وعلماء الأنساب مثل المقريزى والإمام السيوطى والزبيدى قد اتفقوا على ربط سلسلة نسبه بالإمام على بن أبى طالب  .

وأما عن اتهام السيد البدوى بأنه كان جاسوسا فاطميا، فهو مخالف بالكلية لما عرف عن الرجل من تمسكه بعقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه كان شافعى المذهب.

ويعزز ما سبق، تلك العلاقة الوثيقة بين السيد البدوى والظاهر بيبرس، وقد عبر الدكتور عبد الحليم محمود عن المحبة التى يكنها بيبرس للبدوى قائلا: «كان -بيبرس- يزوره متبركا به ويقبل قدميه»، والظاهر بيبرس معروف ببغضه للشيعة وبحربه الدائمة عليهم ومطاردته لهم .

ثم يفند فضيلته فى نفس المصدر (السيد أحمد البدوى) أكذوبة الجاسوسية التى حاول البعض إلصاقها بالقطب الصوفى الكبير فيقول: أولا حياة السيد البدوى فى نفسها خلصت لله، لقد كان يصوم نهاره، وكان إذا جن الليل قامه فى قراءة القرآن، وكان منصرفا بكيانه كله إلى الهداية إلى الله.. وإنسان هذه حالته لا يتأتى له أن يكون جاسوسا فاطميا .

وثانيا من المعروف أن الدول أيا كانت شديدة الحساسية لكل ما تشتم فيه رائحة العمل على زوالها، وما كان يعجز الدولة الأيوبية أن تلقى بالسيد فى غيابة جب أو فى أعماق سجن، بل ما كان يعجزها إعدامه أو إخراجه من البلاد لو شمت فيه ولو من بعد رائحة الجاسوسية للفاطميين. وإن الدولة التى قضت على الفاطميين برغم دهائهم وقوتهم وجيشهم فى البر والبحر، ما كانت لتعجز أمام رجل !

وثالثا لم يلاحظ شخص ما من المحيطين بالسيد أنه ذكر الفاطميين أو دعا إليهم، أو تحدث عن أيامهم أو ذكرهم على أى وضع من الأوضاع.

أما دعوى أن الرجل لم يصل لله ركعة، بل إن الشيخ الزغبى يضيف «وأن المرة الوحيدة التى نزل فيها للمسجد ودخل المصلاة، بال فيها!»، فتبدو فى غاية الغرابة، إذ كيف يجمع أهل العصر الذى عاش فيه البدوى على صلاحه وتقواه وهو تارك للصلاة بالكلية، وكيف لعاقل أن يصدق أن المرة الوحيدة التى نزل فيها البدوى للمسجد قد نزل ليبول فيه مستهينا ومستخفا بمشاعر من حوله! كيف يصدر ذلك الفعل الهمجى عن الرجل الذى كان يقول لمريده وتلميذه :

» يا عبد المتعال: طريقتنا هذه مبنية على الكتاب والسنة والصدق والصفاء وحسن الوفاء وحمل الأذى وحفظ العهود» .. وهل يمكن الجمع بين ذلك الفعل الأحمق وبين اتهامه السابق بالجاسوسية الذى يتطلب أول ما يتطلب أكبر قدر من المكر والخبث والخداع ومداراة مشاعر العامة؟

ثم أى جاسوس هذا الذى يعمل لوجه الله دون ثمن يكافئ خدمته؟! فالمعروف أن السيد البدوى لم يترك شيئا يورث عنه سوى عباءته وقميصه وعمامته ومسبحته، بل كان يوصى مريده ويقول له :

يا عبد المتعال: إياك وحب الدنيا فإنها تفسد العمل الصالح كما يفسد الخل العسل .

 

القسم: