حاتم صادق

مع اقتراب الاحتفال بذكرى مولده نسأل: هل السلفيون يكرهون السيد البدوى؟

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

 هل كان السيد البدوى جاسوسا فاطيميا؟

 كيف كانت العلاقة بين البدوى والظاهر بيبرس؟

 

تحتفظ الذاكرة الشعبية الإسلامية بأسماء العشرات بل المئات من أئمة وأقطاب التصوف، الذين تركوا أثارا ولمسات فوق جبهة الحياة.

لكن فى ظنى لم يحظ واحد من هؤلاء الأئمة والأقطاب بمثل ما حظى به السيد أحمد البدوى من عداء من جانب أبناء التيار السلفى، ليس فى مصر وحدها، بل فى كل البلاد التى بها تواجد لهذا التيار .

كلام السلفيين عن السيد البدوى لا يحتاج إلى أى جهد أو فائض من ذكاء ليكتشف المرء كم الحقد والكراهية، وغياب التعقل والموضوعية فى إلصاق كل نقائص وسفاهات وانحطاطات الدنيا بهذا الرجل الذى رحل عن الدنيا منذ أكثر من ثمانية قرون .

وقد يكون مفيدا هنا أن نذكر أن السلفيين فى منهجهم المعادى للتصوف والمتصوفة، يسلكون مسلكين فى هجومهم العنيف وحملاتهم التشويهية ضد التصوف، المسلك الأول الطعن فى النظرية ذاتها، بمعنى التشكيك فى أصول التصوف ومبادئه وعلومه بدعوى أن أصوله غير إسلامية وإنما هو بدعة لقيطة لعبت فيها أصابع هندوكية ويهودية ومسيحية .

أما المسلك الثانى فهو توجيه سهام التشهير المباشرة إلى أئمة الصوفية وأقطاب الأولياء بالقدح فى عقيدتهم وسلوكياتهم والتشكيك فى حقيقة انتمائهم إلى أهل السنة والجماعة .

والمتابع لكلام الدعاة السلفيين، مثل الشيخ محمد الزغبى وأبى إسحاق الحوينى وعبد الرحمن عبد الخالق يجد أن محور هجومهم على السيد البدوى يدور فى (الطعن فى نسبه – كان جاسوسا شيعيا إسماعيليا باطنيا - وأنه لم يصل لله ركعة – ولا يعرف إن كان ذكرا أم أنثى).

وبالنسبة للطعن فى نسب السيد البدوى، فيكفى أن نؤكد أن كثيرا من المؤرخين وعلماء الأنساب مثل المقريزى والإمام السيوطى والزبيدى قد اتفقوا على ربط سلسلة نسبه بالإمام على بن أبى طالب  .

وأما عن اتهام السيد البدوى بأنه كان جاسوسا فاطميا، فهو مخالف بالكلية لما عرف عن الرجل من تمسكه بعقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه كان شافعى المذهب.

ويعزز ما سبق، تلك العلاقة الوثيقة بين السيد البدوى والظاهر بيبرس، وقد عبر الدكتور عبد الحليم محمود عن المحبة التى يكنها بيبرس للبدوى قائلا: «كان -بيبرس- يزوره متبركا به ويقبل قدميه»، والظاهر بيبرس معروف ببغضه للشيعة وبحربه الدائمة عليهم ومطاردته لهم .

ثم يفند فضيلته فى نفس المصدر (السيد أحمد البدوى) أكذوبة الجاسوسية التى حاول البعض إلصاقها بالقطب الصوفى الكبير فيقول: أولا حياة السيد البدوى فى نفسها خلصت لله، لقد كان يصوم نهاره، وكان إذا جن الليل قامه فى قراءة القرآن، وكان منصرفا بكيانه كله إلى الهداية إلى الله.. وإنسان هذه حالته لا يتأتى له أن يكون جاسوسا فاطميا .

وثانيا من المعروف أن الدول أيا كانت شديدة الحساسية لكل ما تشتم فيه رائحة العمل على زوالها، وما كان يعجز الدولة الأيوبية أن تلقى بالسيد فى غيابة جب أو فى أعماق سجن، بل ما كان يعجزها إعدامه أو إخراجه من البلاد لو شمت فيه ولو من بعد رائحة الجاسوسية للفاطميين. وإن الدولة التى قضت على الفاطميين برغم دهائهم وقوتهم وجيشهم فى البر والبحر، ما كانت لتعجز أمام رجل !

وثالثا لم يلاحظ شخص ما من المحيطين بالسيد أنه ذكر الفاطميين أو دعا إليهم، أو تحدث عن أيامهم أو ذكرهم على أى وضع من الأوضاع.

أما دعوى أن الرجل لم يصل لله ركعة، بل إن الشيخ الزغبى يضيف «وأن المرة الوحيدة التى نزل فيها للمسجد ودخل المصلاة، بال فيها!»، فتبدو فى غاية الغرابة، إذ كيف يجمع أهل العصر الذى عاش فيه البدوى على صلاحه وتقواه وهو تارك للصلاة بالكلية، وكيف لعاقل أن يصدق أن المرة الوحيدة التى نزل فيها البدوى للمسجد قد نزل ليبول فيه مستهينا ومستخفا بمشاعر من حوله! كيف يصدر ذلك الفعل الهمجى عن الرجل الذى كان يقول لمريده وتلميذه :

» يا عبد المتعال: طريقتنا هذه مبنية على الكتاب والسنة والصدق والصفاء وحسن الوفاء وحمل الأذى وحفظ العهود» .. وهل يمكن الجمع بين ذلك الفعل الأحمق وبين اتهامه السابق بالجاسوسية الذى يتطلب أول ما يتطلب أكبر قدر من المكر والخبث والخداع ومداراة مشاعر العامة؟

ثم أى جاسوس هذا الذى يعمل لوجه الله دون ثمن يكافئ خدمته؟! فالمعروف أن السيد البدوى لم يترك شيئا يورث عنه سوى عباءته وقميصه وعمامته ومسبحته، بل كان يوصى مريده ويقول له :

يا عبد المتعال: إياك وحب الدنيا فإنها تفسد العمل الصالح كما يفسد الخل العسل .

 

القسم: 

الخلافة.. مجرد نظام وليست من أصول الإسلام

المقال- حاتم صادق يكتب:

 

هل الخلافة من العقائد الأساسية فى الإسلام؟ ما رأى ابن خلدون فى الخلافة؟ هل الخلافة من أولويات الإصلاح فى مجتمعاتنا الحالية؟


وحدهم إخواننا الشيعة هم الذين جعلوا نظام الحكم والإمامة «الخلافة» والدولة والسلطة من العقائد والأصول، أما جميع تيارات الفكر الإسلامى السنى ومعها الخوارج والمعتزلة فقد اتفق هؤلاء جميعًا على أن الحكم والدولة والسياسة من الفقهيات والفروع وليست من العقائد والأصول.


فها هو حجة الإسلام أبو حامد الغزالى مجدد المئة الخامسة يقول: «إن نظرية الإمامة ليست من المهمات، وليست من فن المعقولات فيها بل من الفقهيات، والنظريات قسمان: قسم يتعلق بأصول القواعد، وقسم يتعلق بالفروع، وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله وبرسله واليوم الآخر، وما عداها فروع، والخطأ فى أصل الإمامة وتعيينها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجب شيئًا من التكفير» [فصل التفرقة بين الإسلام الزندقة].


ومن قبل الغزالى نجد إمام الحرمين الجوينى يقول: «إن الكلام فى الإمامة ليس من أصول الاعتقاد».


وفى معرض رده على من قالوا بأن «الإمامة من أركان الإسلام» يقول ابن تيمية المرجع السلفى العتيد فى كتابه «منهاج السنة»: «الإمامة ليست من أركان الإسلام الخمسة، أو من أركان الإيمان الستة (وهى الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر) أو من أركان الإحسان التى هى أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».


وفى مقدمته يقرر العلامة ابن خلدون أن القول بأن الإمامة من أركان الدين وأصوله هو الذى أوقع الشيعة فى الخطأ الذى وقعوا فيه لأنها سلطه بشرية، يقيمها الناس رعاية لمصالحهم العامة وهى من اختصاصهم. ولعل الرجل كان سابقًا عصره حيث يشير إلى ما يعرف بيننا اليوم بأن «الأمة هى مصدر السلطات».


وحول هذا المبدأ الذى نحن بصدده «وهو أن السياسة من الفروع» يقول الدكتور يوسف القرضاوى فى كتابه «السياسة الشرعية»: «ونحن نسلم بهذا من غير شك، ولكن هذا لا يعنى التهوين من هذا الأمر، لأن الإسلام ليس عقائد فحسب، بل هو عقيدة وعمل».


وهكذا نستطيع أن نقول بكل اطمئنان وأريحية ومن خلال قراءتنا لكثير مما كتب حول السياسة الشرعية فى الإسلام:
إن القضية محسومة ومقطوع بها والإجماع شبه منعقد فى تراثنا وفكرنا الإسلامى على أن السياسة من الفروع وليست من الأصول.


وقد تثار هنا شبهة بسبب تناول مبحث «الإمامة» فى كتب علم الكلام والأصول ما يقود البعض إلى اعتبارها من الأصول والعقائد، والحق أن ما حدث من تناول هذا المبحث فى كتب علم الكلام كان مجرد مجاراة للشيعة، فالشيعة هم رواد التأليف فى «الإمامة»، وهم –تماشيًا مع تصورهم لها– قد وضعوا مباحثها فى كتب الأصول، فلما جاءت المعتزلة وكل فرق أهل السنة للرد على الشيعة فى هذا الشأن تمثلوا صنيعهم وسايروه بوضع هذا المبحث فى كتب الأصول.


وعلى هذا فلا حجة هنا لمن يريد الزعم بوجود سلطة دينية فى الإسلام تأسيسًا على إيراد العلماء والفقهاء الأوائل لهذا المبحث «الإمامة» على صفحات كتب علم الكلام والأصول.


طبيعة الخلافة ووجوبها
الخلافة ببساطة شديدة كما فى الفكر الإسلامى، وكما هو شائع على لسان المسلمين، هى «الرئاسة العامة فى أمور الدين والدنيا نيابة عن النبى صلى الله عليه وسلم»


وقد جاء فى الباب الأول من كتاب الأحكام السلطانية لـ«الماوردى» أن «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة فى حراسة الدين وسياسة الدنيا».


وعن حكمها يضيف الماوردى: «وعقدها لمن يقوم بها فى الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم».


وغير الماوردى يقول الإمام ابن حزم فى «الفصل فى الملل والنحل»:
«اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة ما عدا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم». ويضيف ابن حزم: «وقول هذه الفرقة -النجدات- ساقط يكفى فى الرد عليه إجماع كل من ذكرنا على بطلانه».


وحول التساؤل عن كيفية وجوب «الإمامة» يقول الماوردى: «واختُلف فى وجوبها، هل وجبت بالعقل أو بالشرع؟ فقالت طائفة وجبت بالعقل لما فى طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم فى التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجًا مُضَاعين».


ثم يضيف: وقالت طائفة أخرى بل وجبت بالشرع دون العقل لأن الإمام يقوم بأمور شرعية، وجاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه فى الدين «يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم» ففرض علينا طاعة أولى الأمر فينا وهم الأئمة المتآمرون علينا.
إذن نحن تقريبًا أمام حالة من الإجماع على «وجوب الإمامة» يقابلها حالة من الانقسام على «أساس هذا الوجوب».


فهناك اتجاه يقوده أهل السنة يرى أن سنة وجوب «الإمامة أو الخلافة» هو الشرع والإجماع، وهناك اتجاه آخر غالب أنصاره من المعتزلة يرى أن سند الوجوب هو العقل.


ونحن لا نجادل ولا نختلف فى مسألة وجوب «الإمامة أو السلطة السياسية» لأنها أولا وقبل أى شىء ضرورة من ضرورات الاجتماع الإنسانى لتحقيق مصالح المواطنين وتنظيم أمورهم فى جميع مناحى الحياة، أما ما نختلف حوله وفيه فهو الادعاء بأن الشكل الشرعى والثابت لتلك السلطة هو نظام «الخلافة» الذى عرفته الأمة الإسلامية بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم.


ومن ثمَّ فنحن نختلف قطعًا مع هؤلاء الذين يزعمون أن أولى الأولويات فى واقعنا السياسى الحالى هو «إحياء الخلافة الإسلامية بشكلها القديم» ويقدمون ذلك للعوام على أنه «الحل السحرى» أو كلمة السر التى بها نتجاوز جميع مشكلاتنا الحضارية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية …إلخ.


والحق الصريح أن هذا بتبسيط مخل وتسطيح ساذج وتزييف للحقائق لا يشفع له حسن النوايا، وذلك لسبين:
أولًا: أنه ليس لدينا أمر قرآنى صريح أو حديث نبوى يأمر بقطع ووضوح بأن يسمى القائم على شؤون الدولة بـ«الخليفة» حيث إن من يطلق عليه اسمًا غير هذا يكون مخالفًا للكتاب أو السنة الصحيحة، وهذا سنفصله فى ما بعد.


ثانيًا: أن الكارثة الكبرى فى الموضوع هى الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين ما هو نظام وإبداع بشرى وحضارى وبين ما هو دين ووحى وعقيدة، فيا للأسف الشديد! هناك قطاعات عريضة من شباب التيار الإسلامى الحديث فى مصر لا تميز بين «النظام» و«المرجعية والمقاصد» التى يقوم النظام لتحقيقها فالنظام –أى نظام– هو جميع الآليات والمؤسسات والتراتيب الإدارية والوسائل التى تقيمها وتتبناها أى جماعة أو حزب لتحقيق مقاصد المرجعية الدينية أو الفلسفية أو السياسية التى تؤمن بها وتريد وضعها موضع الممارسة والتطبيق فى عالم الحياة.

 

ولأن هذه بدهية يتفق عليها كل عقلاء الدنيا، فقد مارسها المسلمون الأوائل إبّان إقامة نظامهم السياسى الذى أبدعوه -وهو الخلافة- لتفعيل المرجعية الإسلامية فى السياسة والاجتماع.


وعلى هذا، فالخلافة هى مجرد نظام له آلياته ومؤسساته وتراتيبه الإدارية، وليست دينًا أو وحيًا أو وضعًا إلهيًّا ثابتًا مثله كمثل العقيدة والشريعة والقيم والأخلاق.


وفى هذه الرؤية يكون النظام «مدنيًّا» قابلًا للنمو والتطور وفى ظله يحق للمسلمين –بل يجب عليهم– أن يتفاعلوا مع الحضارات الإنسانية الأخرى ليفيدوا ويستفيدوا من تجارب الأمم والشعوب، دون افتئات على المرجعية ودون المساس بما هو وحى إلهى مقدس.
نكمل غدًا مع «الخلافة المذكورة فى القرآن ليست هى النظام السياسى، واستحالة تطبيقها فى الوقت الراهن».

القسم: