حاتم صادق

سيدي علي زين العابدين.. مربي الأيتام

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

ماذا قال أئمة المذاهب والعلماء عن على زين العابدين؟
 لماذا سمى بـ(مربى الأيتام) ومن قال إنه متاجرين بالدين؟

 

يحتفل السادة الصوفية هذا الأسبوع (من السبت 3 نوفمبر وحتى الخميس 8 نوفمبر) بالمولد السنوى لذكرى ميلاد على زين العابدين بن الحسين.
يعد من الطبقة الأولى من تابعى أهل المدينة. ولد سنة 38 هـ، وتوفى سنة 95 هـ بالمدينة المنورة، عن عمر يناهز السابعة والخمسين.
لم يكتسب شهرته فقط من كونه واحدا من أبناء آل بيت النبوة، بل لمكانته العلمية والدينية التى شهد له بها الجميع.. فكان إمامًا فى الدين وبحرا فى العلم، ومرجعًا ومثلًا أعلى فى الخلق الورع والعبادة والتقوى حتى أقر له أبناء عصره بأنه أفقه أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم.. فقال الزهرى، وهو من معاصريه: «ما رأيت قرشيًا أفضل منه»، وقال سعيد بن المسيّب وهو من معاصريه أيضًا: «ما رأيت قط أفضل من على بن الحسين»، وقال الإمام مالك: «سمى زين العابدين لكثرة عبادته»، وقال سفيان بن عيينة «ما رأيت هاشميًا أفضل من زين العابدين ولا أفقه منه»، وذهب الشافعى إلى أنه: «أفقه أهل المدينة».
جاء فى (البداية والنهاية) لابن كثير وغيره من كتب التاريخ: أن هشام بن عبد الملك حج فى خلافة أبيه وأخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه، وقام أهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل على بن الحسين، فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالا له وهيبةً واحتراما، وهو فى بزة حسنة، وشكل مليح، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه - استنقاصا به واحتقارا لئلا يرغب فيه أهل الشام -فقال الفرزدق: -وكان حاضرا- أنا أعرفه، فقالوا: ومن هو؟
فأنشأ الفرزدق يقول:

هــذا الــذى تـعـرف الـبـطحاء وطـأته
والــبـيـت يـعـرِفُـه والــحـلُ والــحـرمُ

هـــذا ابـــن خــيـر عِــبـاد الله كـلـهـم
هــذا الـتـقى الـنـقى الـطـاهر الـعلمُ

هــذا ابــن فـاطـمة إن كـنـت جـاهله
بـــجــدّه أنــبــيـاء الله قـــــد خــتــمـوا

ولــيـس قـولـك مــن هــذا بـضـائره
الـعُـرب تـعـرف مــن أنـكرت والـعجم

مــن مـعـشرٍ حـبـهم ديــن وبُـغضهم
كــفــر وقـربـهـم مـنـجـى ومـعـتـصمُ
          
لك أن تتأمل تلك القصة الشهيرة، من أن غلامًا لزين العابدين كان يصب له الماء بإبريق مصنوع من خزف، فوقع الإبريق على رِجل زين العابدين فانكسر، وجُرحت رجله؛ فقال الغلام على الفور: يا سيدى يقول الله تعالى «والكاظمين الغيظ»، فقال زين العابدين: لقد كظمت غيظى؛ ويقول «والعافين عن الناس»، فقال: لقد عفوت عنك؛ ويقول: «والله يحب المحسنين» فقال زين العابدين: أنت حرٌّ لوجه الله.
وحكى أيضا عنه، أنه ضرب يومًا غلامًا تباطأ فى عملٍ أرسله لإِنجازه، فقال له الغلام تبعثنى فى حاجتك ثم تضربنى! فبكى الإمام وقال له فى الحال: «يا بنى اذهب إلى قبر رسول الله فصلِّ ركعتين ثم قل: اللهمّ اغفر لعلى بن الحسين خطيئته يوم الدين»، ثم قال: اذهب أنت حر لوجه الله.

والحقيقة أن هذه الرأفة وتلك الرحمة كانت طباعا أصيلة فى شخصية على زين العابدين، وثابتة لديه بالفطرة التى فطره الله عليها كإبن من أبناء بيت نبى الرحمة.
لم يكن فى المسألة أى تصنع أو افتعال أو ادعاء، بل كانت سجية الرجل هكذا، ولا يتوقع أو ينتظر أن يصدر منه خلاف ذلك.
ومن ثم فليس غريبا أن يشتهر على زين العابدين كنموذج فذ وفريد لفرسان (صدقة السر) تلك التى تطفئ غضب الرب، فكان يسمى (صاحب الجراب)، إذ كان يقصد بجرابه بيوت الفقراء والأيتام فى المدينة ليلًا ملثما، فيدق أبوابهم بابًا بابًا ليضع ما يضعه أمامها فى جوف الليل من طعام أو صرّة مال.. وقد ظل الأمر سريا للغاية، ولم يتمكن أحد من معرفة من هو (صاحب الجراب) هذا، حتى غيبه الموت عن الدنيا، ومع غيابه غابت الصدقات الخفية وغاب الجراب، فعرف الناس فيما بعد أن عليا زين العابدين هو صاحب الجراب، وأطلق عليه (مربى الأيتام).
وفى ذات السياق يقول محمد بن إسحاق: كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون، ومن يعطيهم؟ فلما مات على بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذى كان يأتيهم فى الليل بما يأتيهم به، ولما مات وجدوا فى ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين فى الليل، وقيل: إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات.
ويقول ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون ما فقدنا صدقة السر إلا بعد موت على بن الحسين رضى الله تعالى عنه.
ومما روى عنه فى بر الوالدين، أنه قد قيل له: «إنك أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل معها فى صفحة واحدة» فقال: «أخاف أن تسبق يدى إلى ما تسبق إليه عينها فأكون قد عققتها».
ومن أروع ما جاء على لسانه، تلك الكلمات التى حذر فيها وندد بالمتاجرين بالدين، حيث قال:
«إذا رأيتم الرجل قد حسُنَ سمتُه وهديه، وتمادى فى منطقه وتخاضع فى حركاته، فرويدًا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام فيها، لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه، فنصبَ الدين فخًا له، فهو لا يزال يُختل الناس بظاهره، فإنّ تمكن من حرام اقتحمه».
توفى الإمام على زين العابدين فى المدينة سنة 95 هجرية ودفن فى البقيع فى المدينة المنورة بجانب قبر عمه الحسن.           
وأما ضريحه الموجود بالقاهرة، فهو من الأضرحة التى شيدها الفاطميون بمصر، وقد أطلق أهل المنطقة التى شيد بها الضريح عليها اسم منطقة أو حى (زينهم) ويقصدون بذلك الاسم زين العابدين، أى أنه زينة الرجال.
وهناك خلاف بين الباحثين والمؤرخين حول شخصية المدفون بضريح زين العابدين بالقاهرة، والمرجح والأقرب للصواب أن المدفون بهذا الضريح هو رأس ابنه زيد بن على المتوفى سنة 122هجرية.

 

القسم: 

قرشية الخليفة.. رؤية سياسية أم نص نبوى؟

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد:-

تناولت فى مقال سابق مسألة (قرشية الخليفة) التى تذهب وجهة النظر السلفية التقليدية إلى أنها من المسائل المنصوص عليها والتى انعقد عليها الإجماع.

وكنت قد تعرضت لمناقشة النصوص الواردة فى ذلك، وكذلك فندت مسألة الإجماع المزعوم فى المسألة.

وقد يكون مفيدا لتتمة الكلام والفكرة أن نضيف أن واحدا من كبار الأشاعرة وهو الفقيه الشافعى أبو المعالى الجوينى إمام الحرمين قد تحفظ بشكل واضح على أحاديث القرشية من منطلق أنها من أحاديث الآحاد التى لا تفيد اليقين، وقد عبر عن رأيه هذا فى كتابه (غياث الأمم فى التياث الظلم) قائلا:

«وقد نقل الرواة عن النبى – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : (الأئمة من قريش) وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث فى حكم المستفيض المقطوع بثبوته; من حيث أن الأمة تلقته بالقبول. وهذا مسلك لا أوثره فإن نقلة هذا الحديث معدودون، لا يبلغون مبلغ عدد التواتر».

والذى يوضح الحق فى ذلك أننا لا نجد فى أنفسنا ثلج الصدور; واليقين المبتوت، كما لا نجد ذلك فى سائر أخبار الآحاد، إذ لا يقتضى هذا الحديث العلم باشتراط النسب فى الإمامة».

دعك من نصوص الأحاديث، ودعك من الإجماع، وتعال معى لنعيد القراءة فى الروايات التى نقلت لنا تفاصيل ما حدث فى السقيفة، فربما وجدنا فيها ما يشفى الصدور ويطمئن العقول.

لو فتحنا صفحات (تاريخ الأمم والملوك) للطبرى وهو من أقدم المراجع التى نقلت لنا مشهد السقيفة وبشكل دقيق وتفصيلى، لاكتشفنا بسهولة أن هذا المؤرخ الثقة الكبير قد روى خبر السقيفة بطرق متعددة خالية كلها من ذكر الاحتجاج بالخبر المروى «الأئمة من قريش».. وأن ما يمكن فهمه بشكل قاطع مما جاء فى تاريخ الطبرى أن ما قيل فى هذا الشأن هو مجرد رأى وتقدير سياسى للصديق أبى بكر وليس حديثًا رواه عن رسول الله (ص).

ومما جاء فى الطبرى أن أبا بكر تحدث عن المهاجرين ذاكرا أنهم: «أول من عبد الله فى الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياء وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم».

ثم أثنى على الأنصار قائلا: «وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم فى الدين ولا سابقتهم العظيمة فى الإسلام رضيكم الله أنصارًا لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة ولا نقضى دونكم الأمور».

وفى موضع آخر فى تاريخ الطبرى أن أبا بكر قال: أما بعد يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلا إلا وأنتم له أهل وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش وهم أوسط العرب دارا ونسبا.

ووفقا لهذه الروايات فإننا نلحظ أن أبا بكر قد أثبت قدراته الدبلوماسية الرفيعة فأقر للأنصار بدورهم الفعال فى الحركة الإسلامية، واعترف بفضلهم، ثم بدأ بعد ذلك بكل سلاسة يعرض عليهم رؤيته السياسية وتقديره للموقف وقراءته للمشهد التى لخصها فى تلك الحقيقة التى غابت عنهم، وهى أن العرب لا يمكن أن تقبل تولية أمر بهذه الأهمية إلا لرجل من قريش، وقد انطوى هذا التنبيه على التحذير من خطر ضياع الإنجازات التى حققتها الحركة الإسلامية فى حال ما إذا آلت مقاليد الأمور إلى رجل غير قرشى.. وهكذا استطاع أبو بكر أن بثبت قدرته على التعامل مع النفوس وإقناع العقول ففى الرواية التى يرويها الإمام أحمد فى مسنده، أن أبا بكر لم يترك شيئًا من القرآن أُنزل فى الأنصار ولا ذكره رسول الله من شأنهم إلا ذكره.. وقد أقنعهم إلى حد كبير بأن «العرب لا تدين إلا لهذا الحى من قريش»..

وتكتمل الصورة وتزداد قربا ووضوحا حين نتأمل جيدا كلمات عمر عن بيعة أبى بكر أن مبايعة أبى بكر كانت فلتة «أى أمرًا لا يتكرر»، ومعنى هذا كما أفهمه أنه لم يكن هناك تمهيد سابق له بمؤامرة بين عائشة وأبيها أو مؤامرة بين رجال ثلاثة أعانتهم عائشة على ما تآمروا فيه.. كما أنه لم يتم استنادا إلى مرجعية نصية، لا بنص قرآنى أو نبوى، وإلا لسلم به جميع من حضر اجتماع السقيفة، ومن ثم فلست مقتنعا بتلك الرواية التى جاءت ضمن روايات الطبرى للسقيفة من أن أبا بكر قال لسعد بن عباده «ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم قال فقال سعد صدقت فنحن الوزراء وأنتم الأمراء».. والواقع لا يصدق هذه الرواية، فالأشهر أن سعد بن عبادة لم يقبل بما حدث فى السقيفة ولم يبايع أبا بكر.

ولو انتقلنا إلى رواية ابن قتيبة فى (الإمامة والسياسة) لوجدنا أن أبا بكر وقف فى الناس قائلا: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الإسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا فيه تبع، ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة.

إن الروايتين معا -رواية الطبرى وابن قتيبة- تؤكدان أن ما طرحه أبو بكر بشأن (قرشية الخليفة) هو مجرد رأى سياسى يفهم فى وقته وزمانه، وليس نصا دينيا ملزما لكل زمان ومكان، وأن الرأى يعكس حقيقة موازين القوى وثقل قريش فى المجتمع العربى فى ذلك الوقت وأن عبارات (الأئمة من قريش) و(الناس تبع لقريش) و (أن العرب لا تدين إلا لهذا الحى من قريش) ما هى إلا استنتاجات و رؤى سياسية قائمة على قراءة وتحليل الواقع القبلى العربى فى هذا الزمان.

 

 

 

القسم: 

الخليفة من قريش أم تركيا؟

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

 كيف شكك ابن حجر فى حدوث الإجماع على أحاديث القرشية؟

 ما هو الحل إذا كانت قريش قد انتهت من الدنيا بأجمعها؟

 

فى كتابه المهم ومؤلفه الأشهر (الأحكام السلطانية) عدد أبو الحسن الماوردى الشروط الواجب توافرها مجتمعة فيمن يتولى منصب الخلافة، وجعلها سبعة شروط هى على الترتيب: العدالة، العلم المؤدى إلى الاجتهاد فى النوازل والأحكام، سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان، سلامة الأعضاء من نقصٍ يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوضِ، الرأى المُفضِى إلى سياسة الرعية وتدبير المصالِح، الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش، لورود النص فيه وانعقاد الإجماعِ عليه.

ما يهمنا فقط فى تلك السطور هو التوقف أما الشرط السابع المتعلق بالنسب والذى بناءً عليه يتحتم أن يكون الخليفة من قريش، وهو الشرط الذى أكدته أكثر المراجع الخاصة بالسياسة الشرعية وفقه الأحكام السلطانية، فمثلا هناك أبو يعلى الفراء الفقيه الحنبلى فى مؤلفه الذى يحمل نفس الاسم (الأحكام السلطانية) يحدد شروط الخلافة فى أربعة، أولها أن يكون قرشيا من الصميم، ونقل عن الإمام أحمد قوله «لا يكون من غير قريش خليفة».

وفى ظنى أن مناقشة هذا الشرط، تجعلنا نتوقف أمام ما ذكره الماوردى من ورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه.

والحقيقة فيما يتصل بحقيقة الإجماع على شرط القرشية، إن الكلام بهذا الشكل المطلق ليس دقيقا ولا صحيحا إلا إذا وضعنا فى الاعتبار أنه إجماع منحصر فى الدائرة السلفية التى جعلت من نفسها مرادفا لمصطلح (أهل السنة والجماعة).. فهناك اتجاه آخر أخذ به الخوارج وكثير من المعتزلة، ومؤدى هذا الاتجاه أن الخلافة محتملة وممكنة لأى شخص مسلم، ولو لم يمكن قرشيا، وحجتهم فى ذلك الحديث النبوى الشهير «اسمعوا وأطيعوا ولَوْ وُلِّى عليكم عبد حبشى»، مما يدل فى نظرهم على أنّ الإمام يمكن أن يكون غير قرشى.. بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فهذا ضرار بن عمرو الغطفانى وهو من فقهاء المعتزلة يرى أنه يجب أن يفضَّل الزنجى على القرشى إذا كان كلاهما فى درجة واحدة من الأهلية، لأن الزنجى يكون من السهل عزله إذا خرج عن واجباته كخليفة.

وهذا رأى له منطقه وله وجاهته وينطوى على تقدير سياسى ذكى وسليم.

أما بالنسبة لما ذكره الماوردى وغيره من الفقهاء حول وردود النص على قرشية الخليفة، فإن المقصود بشكل واضح هو ما جاء على لسان الصديق أبى بكر فى حوارات ومناقشات سقيفة بنى ساعدة التى دارت بين المهاجرين والأنصار حول المرشح المحتمل لمنصب (الخلافة) وذكره الماوردى على هذا النحو فى استدلاله على وجوب على هذا الشرط: لأن أبا بكر الصديق رضى الله عنه احتج يوم السقيفة على الأنصار فى دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبى صلى الله عليه وسلم {الأئمة من قريش} فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا منا أمير ومنكم أمير تسليما لروايته وتصديقا لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء.

ويلاحظ أن الحديث بلفظه هذا (الأئمة من قريش) ليس له وجود فى البخارى ولا مسلم، وإنما قد ورد بمعناه أو بما هو قريب من معناه فى الصحيحين وكتب الحديث الأخرى.

ففى مسند الإمام أحمد: أن أبا بكر وعمر لما ذهبا إلى سقيفة بنى ساعدة حين اجتمع الأنصار لاختيار خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تكلَّم أبو بكر ولم يترك شيئًا أنزل فى الأنصار وذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من شأنهم إلا ذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا لسلكت وادى الأنصار. ولقد علمت يا سعد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فَبَرُّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء.

ولعل الرواية الأقوى فى ذلك المعنى ما رواه البخارى ومسلم فى (صحيحيهما) عن أبى هريرة أن رسول الله (ص) قال: الناس تبع لقريش فى هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم.

وفى شرحه لهذا الحديث يقول النووى: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع فى زمن الصحابة... ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين.

وإذا كان النووى يرى أن من يعترض على ذلك الإجماع أو يناقشه يكون من أهل البدع، فإننا نرى الحافظ ابن حجر فى شرحه لصحيح البخارى يبدى شكلا ما من الاعتراض على هذا الإجماع بقوله: (قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: (إن أدركنى أجلى وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل... الحديث). ومعاذ بن جبل أنصارى لا نسب له فى قريش فيحتمل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًا، أو تغير اجتهاد عمر فى ذلك والله أعلم.

أيا كان الأمر ، فأحاديث القرشية وفقا لما قررته المنظومة السلفية لابد وأن تثير كثيرا من التساؤلات القلقة التى لا يجب إخفاؤها تقية وخوفا من الاتهام بالخروج على الإجماع والانخراط فى صفوف أهل البدع والأهواء.

أول التساؤلات: لماذا لم يرد حديث واحد من الأحاديث التى تقرر أو توحى بأحقية قريش بولاية الأمر موضوعا فى سياقه الذى يبين لنا السبب الذى جعل النبى (ص) ينطق به؟

باختصار ما هى الظروف الموضوعية والملابسات التاريخية التى جعلت النبى (ص) يفصل فى هذا الأمر وكأن هناك صراعا خفيا أو معلنا بين المهاجرين والأنصار على السلطة، فى حين أن كافة المراجع تحدثنا عن المؤاخاة بين الفريقين وما تجلى فيها من الإيثار والسماحة وإنكار الذات؟

ثانيا : كيف يعقل أن يكون النبى (ص) قد قال حديثا فى أمر مهم كهذا وهو أمر الخلافة، ولا يعلمه إلا نفر قليل من المسلمين، بينما تجهله جماعة كبيرة مثل الأنصار، هل معنى ذلك أنه كانت هناك مشكلة فى البلاغ من النبى أو عنه؟

وثالثا: إذا سلمنا بصدور هذه الأحاديث عن النبى (ص)، فمعنى ذلك أن المسألة أصبحت مسألة (نص) ، وهذا يعنى إطلاقية الحكم الوارد فيه، أى تجرده من خصوصية الزمان والمكان، بحيث تظل القرشية إلى الأبد شرطا يتحتم توافره فى المرشح المحتمل للخلافة التى من المقرر لها أن تحكم العالم أو جزءا كبيرا منه على الأقل، فما هو الرأى إذا كانت قريش قد انتهت من الدنيا واختفت بأجمعها وظهرت عصبيات أقوى منها وأعز؟ هل معنى ذلك أن الواقع يكذب الحديث؟

 

القسم: 

كيف كانت العلاقة بين الإمام الشافعي والسيدة نفيسة؟

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

كثيرون يذهبون لزيارة ضريحها المشهور الواقع بمحافظة القاهرة وفى الشارع المسمى باسمها، لكن للأسف قليلون من يعرفون من هى تلك السيدة الجليلة صاحبة هذا المشهد..

إنها نفيسة ابنة الإمام حسن الأنور بن زيد الأبلج بن سيدنا الحسن بن على.. اعتنى أبوها بتربيتها منذ صغرها وحين ولى إمرة المدينة كان يأخذ بيدها إلى قبر النبى (ص) ويقول: يا سيدى أنا راض عن ابنتك نفسية فارض عنها.

وأقبلت السيدة نفيسة على العلم بكل ما فيها من طاقة فقد حفظت القرآن الكريم وهى دون الثامنة من عمرها وأتقنت القراءة والكتابة وتفقهت فى دينها حتى أصبحت حجة وأستاذة وصارت تُلقب بـ«نفيسة العلم» نظرا لإحاطتها بأسرار التشريع.

وحين بلغت سن الزواج زوجها أبوها من ابن عمها إسحاق الملقب بالمؤتمن بن جعفر الصادق وبعد أن عاشت مع زوجها بالمدينة استمرت فى تلقى العلم والتزود منه وكان الإمام مالك أستاذها وقرأت عليه الموطأ وغيره من الكتب.

وبعد ذلك انتقلت هى وزوجها إلى مصر وما أن ذاع خبر قدومها حتى خرج الناس يستقبلونها عند العريش فى فرح وسرور لم يسبق له مثيل.

وفى مصر كان لها مجلس علم يتردد عليه طلاب العلم ليستمعوا إلى  حديثها ويسألوا فيما استعصى عليهم إجابته أو تفسير ما عجزوا عن فهمه والتقت السيدة نفيسة فى مصر بكثير من الأعلام من بينهم أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث.

وحدث ذات يوم أن انقطع بشر بن الحارث عن زيارتها وهو الحريص على مجلس علمها، فلما سألت عنه وعلمت بمرضه ذهبت لتعوده فى داره،‏ وهناك التقت الإمام أحمد بن حنبل الذى سأل صاحب الدار عن شخصية السيدة، فلما علم بها أحسن تحيتها وطلب من بشر مستبشرا أن يسألها الدعاء لهما فلم تخيب رجاءهما لتدعو قائلة‏:‏ اللهم إن بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النار فأجرهما يا أرحم الراحمين‏.

وممن حضر مجلسها الإمام الشافعى الذى لم يكد يصل من بغداد إلى مصر حتى سأل عن دارها واستأذن فى زيارتها فأذنت له ورحبت به وأعجبت بعقله وورعه.

وأخذ الشافعى عنها الحديث النبوى وسمع منها ما لم يكن قد وصل إليه من أحاديث شريفة مما أتاح له بعدا أكبر فى مجال الفقه والاجتهاد.

وكان الشافعى إذا أقعده المرض عن زيارتها أرسل بعض أصحابه إليها يسألها الدعاء فتدعو له بالشفاء.

وفى المرض الأخير الذى توفى فيه أرسل إليها كعادته فقالت لمن جاءها: أحسن الله لقاءه ومتعه بالنظر إلى وجهه الكريم.. فعلم الشافعى أنها النهاية.

ولما توفى رضى الله عنه حملت جنازته إلى بيت السيدة نفيسة فصلت عليه وقالت: رحم الله الشافعى إنه كان يحسن الوضوء ويبدو أنها كانت تعنى أن الوضوء أصل العبادة.

ومن ثم كان الرجل صالحا حسن العبادة.

ومن المفارقات الظريفة، أنه عندما رحلت كريمة الدارين كتب على باب مقامها الطاهر قول الإمام‏ الشافعى:‏

يا أهل بيت رسول الله حبكمُ                                   فرض من الله فى القرآن أنزله

يكفيكموا من عظيم القدر أنكمُ

من لم يصل عليكم لا صلاة له

وقد حفرت السيدة نفيسة قبرها بنفسها فى البيت الذى تسكن فيه والذى أصبح ذلك مسجدها العامر المشرق، وكانت تنزل فيه وتقرأ القرآن الكريم حتى ختمته مئتى مرة وفى رواية أخرى أكثر من ألف مرة.

وروى أنها فى مرضها الأخير، وأثناء المعاناة وشدة الألم، دخل عليها الأطباء وأشاروا عليها بالإفطار كى تستطيع الصمود والمقاومة، إلا أنها رفضت وأنشدت هذه الأبيات:

اصرفوا عنّى طبيبى                               ودعونى وحبيبي

زاد بى شوقى إليه                                 وغرامى فى لهيب

طاب هتكى فى هواه                               بين واشٍ ورقيب

لا أبالى بفوات                                      حيث قد صار نصيبى

ليس من لام بعذل                                 عنه فيه بمصيب 

وجفونى بنحيبى                               جسدى راضٍ بسقمى

ويوم وفاتها كانت صائمة فظلت تقرأ القرآن كعادتها ويقال أنها بدأت فى تلاوة سورة الأنعام وحين بلغت قوله تعالى «لهم دار السلام عند وهو وليهم بما كانوا يعملون»

فاضت روحها الطاهرة وعادت إلى بارئها وكان ذلك علامة حسن الختام. وتوفيت فى الثالثة والستين، أى  مثل عمر جدها المصطفى عليه الصلاة والسلام حين حان وقت الرحيل ليلحق بالرفيق الأعلى.

و فى خططه التى تحمل عنوان (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار)  يقول المقريزى: وقبر السيدة نفيسة رضى الله عنها أحد المواضع المعروفة بإجابة الدعاء بمصر، وهى أربعة مواضع: سجن نبى الله يوسف الصدّيق عليه السلام، ومسجد موسى صلوات الله عليه، ومشهد السيدة نفيسة رضى الله عنها، والمخدع الذى على يسار المصلّى فى قِبلة مسجد الأقدام بالقَرافة.

 

القسم: 

مع اقتراب الاحتفال بذكرى مولده نسأل: هل السلفيون يكرهون السيد البدوى؟

 

من النسخة الورقية لجريدة اليوم الجديد 

 

 هل كان السيد البدوى جاسوسا فاطيميا؟

 كيف كانت العلاقة بين البدوى والظاهر بيبرس؟

 

تحتفظ الذاكرة الشعبية الإسلامية بأسماء العشرات بل المئات من أئمة وأقطاب التصوف، الذين تركوا أثارا ولمسات فوق جبهة الحياة.

لكن فى ظنى لم يحظ واحد من هؤلاء الأئمة والأقطاب بمثل ما حظى به السيد أحمد البدوى من عداء من جانب أبناء التيار السلفى، ليس فى مصر وحدها، بل فى كل البلاد التى بها تواجد لهذا التيار .

كلام السلفيين عن السيد البدوى لا يحتاج إلى أى جهد أو فائض من ذكاء ليكتشف المرء كم الحقد والكراهية، وغياب التعقل والموضوعية فى إلصاق كل نقائص وسفاهات وانحطاطات الدنيا بهذا الرجل الذى رحل عن الدنيا منذ أكثر من ثمانية قرون .

وقد يكون مفيدا هنا أن نذكر أن السلفيين فى منهجهم المعادى للتصوف والمتصوفة، يسلكون مسلكين فى هجومهم العنيف وحملاتهم التشويهية ضد التصوف، المسلك الأول الطعن فى النظرية ذاتها، بمعنى التشكيك فى أصول التصوف ومبادئه وعلومه بدعوى أن أصوله غير إسلامية وإنما هو بدعة لقيطة لعبت فيها أصابع هندوكية ويهودية ومسيحية .

أما المسلك الثانى فهو توجيه سهام التشهير المباشرة إلى أئمة الصوفية وأقطاب الأولياء بالقدح فى عقيدتهم وسلوكياتهم والتشكيك فى حقيقة انتمائهم إلى أهل السنة والجماعة .

والمتابع لكلام الدعاة السلفيين، مثل الشيخ محمد الزغبى وأبى إسحاق الحوينى وعبد الرحمن عبد الخالق يجد أن محور هجومهم على السيد البدوى يدور فى (الطعن فى نسبه – كان جاسوسا شيعيا إسماعيليا باطنيا - وأنه لم يصل لله ركعة – ولا يعرف إن كان ذكرا أم أنثى).

وبالنسبة للطعن فى نسب السيد البدوى، فيكفى أن نؤكد أن كثيرا من المؤرخين وعلماء الأنساب مثل المقريزى والإمام السيوطى والزبيدى قد اتفقوا على ربط سلسلة نسبه بالإمام على بن أبى طالب  .

وأما عن اتهام السيد البدوى بأنه كان جاسوسا فاطميا، فهو مخالف بالكلية لما عرف عن الرجل من تمسكه بعقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه كان شافعى المذهب.

ويعزز ما سبق، تلك العلاقة الوثيقة بين السيد البدوى والظاهر بيبرس، وقد عبر الدكتور عبد الحليم محمود عن المحبة التى يكنها بيبرس للبدوى قائلا: «كان -بيبرس- يزوره متبركا به ويقبل قدميه»، والظاهر بيبرس معروف ببغضه للشيعة وبحربه الدائمة عليهم ومطاردته لهم .

ثم يفند فضيلته فى نفس المصدر (السيد أحمد البدوى) أكذوبة الجاسوسية التى حاول البعض إلصاقها بالقطب الصوفى الكبير فيقول: أولا حياة السيد البدوى فى نفسها خلصت لله، لقد كان يصوم نهاره، وكان إذا جن الليل قامه فى قراءة القرآن، وكان منصرفا بكيانه كله إلى الهداية إلى الله.. وإنسان هذه حالته لا يتأتى له أن يكون جاسوسا فاطميا .

وثانيا من المعروف أن الدول أيا كانت شديدة الحساسية لكل ما تشتم فيه رائحة العمل على زوالها، وما كان يعجز الدولة الأيوبية أن تلقى بالسيد فى غيابة جب أو فى أعماق سجن، بل ما كان يعجزها إعدامه أو إخراجه من البلاد لو شمت فيه ولو من بعد رائحة الجاسوسية للفاطميين. وإن الدولة التى قضت على الفاطميين برغم دهائهم وقوتهم وجيشهم فى البر والبحر، ما كانت لتعجز أمام رجل !

وثالثا لم يلاحظ شخص ما من المحيطين بالسيد أنه ذكر الفاطميين أو دعا إليهم، أو تحدث عن أيامهم أو ذكرهم على أى وضع من الأوضاع.

أما دعوى أن الرجل لم يصل لله ركعة، بل إن الشيخ الزغبى يضيف «وأن المرة الوحيدة التى نزل فيها للمسجد ودخل المصلاة، بال فيها!»، فتبدو فى غاية الغرابة، إذ كيف يجمع أهل العصر الذى عاش فيه البدوى على صلاحه وتقواه وهو تارك للصلاة بالكلية، وكيف لعاقل أن يصدق أن المرة الوحيدة التى نزل فيها البدوى للمسجد قد نزل ليبول فيه مستهينا ومستخفا بمشاعر من حوله! كيف يصدر ذلك الفعل الهمجى عن الرجل الذى كان يقول لمريده وتلميذه :

» يا عبد المتعال: طريقتنا هذه مبنية على الكتاب والسنة والصدق والصفاء وحسن الوفاء وحمل الأذى وحفظ العهود» .. وهل يمكن الجمع بين ذلك الفعل الأحمق وبين اتهامه السابق بالجاسوسية الذى يتطلب أول ما يتطلب أكبر قدر من المكر والخبث والخداع ومداراة مشاعر العامة؟

ثم أى جاسوس هذا الذى يعمل لوجه الله دون ثمن يكافئ خدمته؟! فالمعروف أن السيد البدوى لم يترك شيئا يورث عنه سوى عباءته وقميصه وعمامته ومسبحته، بل كان يوصى مريده ويقول له :

يا عبد المتعال: إياك وحب الدنيا فإنها تفسد العمل الصالح كما يفسد الخل العسل .

 

القسم: 

الخلافة.. مجرد نظام وليست من أصول الإسلام

المقال- حاتم صادق يكتب:

 

هل الخلافة من العقائد الأساسية فى الإسلام؟ ما رأى ابن خلدون فى الخلافة؟ هل الخلافة من أولويات الإصلاح فى مجتمعاتنا الحالية؟


وحدهم إخواننا الشيعة هم الذين جعلوا نظام الحكم والإمامة «الخلافة» والدولة والسلطة من العقائد والأصول، أما جميع تيارات الفكر الإسلامى السنى ومعها الخوارج والمعتزلة فقد اتفق هؤلاء جميعًا على أن الحكم والدولة والسياسة من الفقهيات والفروع وليست من العقائد والأصول.


فها هو حجة الإسلام أبو حامد الغزالى مجدد المئة الخامسة يقول: «إن نظرية الإمامة ليست من المهمات، وليست من فن المعقولات فيها بل من الفقهيات، والنظريات قسمان: قسم يتعلق بأصول القواعد، وقسم يتعلق بالفروع، وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله وبرسله واليوم الآخر، وما عداها فروع، والخطأ فى أصل الإمامة وتعيينها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجب شيئًا من التكفير» [فصل التفرقة بين الإسلام الزندقة].


ومن قبل الغزالى نجد إمام الحرمين الجوينى يقول: «إن الكلام فى الإمامة ليس من أصول الاعتقاد».


وفى معرض رده على من قالوا بأن «الإمامة من أركان الإسلام» يقول ابن تيمية المرجع السلفى العتيد فى كتابه «منهاج السنة»: «الإمامة ليست من أركان الإسلام الخمسة، أو من أركان الإيمان الستة (وهى الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر) أو من أركان الإحسان التى هى أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».


وفى مقدمته يقرر العلامة ابن خلدون أن القول بأن الإمامة من أركان الدين وأصوله هو الذى أوقع الشيعة فى الخطأ الذى وقعوا فيه لأنها سلطه بشرية، يقيمها الناس رعاية لمصالحهم العامة وهى من اختصاصهم. ولعل الرجل كان سابقًا عصره حيث يشير إلى ما يعرف بيننا اليوم بأن «الأمة هى مصدر السلطات».


وحول هذا المبدأ الذى نحن بصدده «وهو أن السياسة من الفروع» يقول الدكتور يوسف القرضاوى فى كتابه «السياسة الشرعية»: «ونحن نسلم بهذا من غير شك، ولكن هذا لا يعنى التهوين من هذا الأمر، لأن الإسلام ليس عقائد فحسب، بل هو عقيدة وعمل».


وهكذا نستطيع أن نقول بكل اطمئنان وأريحية ومن خلال قراءتنا لكثير مما كتب حول السياسة الشرعية فى الإسلام:
إن القضية محسومة ومقطوع بها والإجماع شبه منعقد فى تراثنا وفكرنا الإسلامى على أن السياسة من الفروع وليست من الأصول.


وقد تثار هنا شبهة بسبب تناول مبحث «الإمامة» فى كتب علم الكلام والأصول ما يقود البعض إلى اعتبارها من الأصول والعقائد، والحق أن ما حدث من تناول هذا المبحث فى كتب علم الكلام كان مجرد مجاراة للشيعة، فالشيعة هم رواد التأليف فى «الإمامة»، وهم –تماشيًا مع تصورهم لها– قد وضعوا مباحثها فى كتب الأصول، فلما جاءت المعتزلة وكل فرق أهل السنة للرد على الشيعة فى هذا الشأن تمثلوا صنيعهم وسايروه بوضع هذا المبحث فى كتب الأصول.


وعلى هذا فلا حجة هنا لمن يريد الزعم بوجود سلطة دينية فى الإسلام تأسيسًا على إيراد العلماء والفقهاء الأوائل لهذا المبحث «الإمامة» على صفحات كتب علم الكلام والأصول.


طبيعة الخلافة ووجوبها
الخلافة ببساطة شديدة كما فى الفكر الإسلامى، وكما هو شائع على لسان المسلمين، هى «الرئاسة العامة فى أمور الدين والدنيا نيابة عن النبى صلى الله عليه وسلم»


وقد جاء فى الباب الأول من كتاب الأحكام السلطانية لـ«الماوردى» أن «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة فى حراسة الدين وسياسة الدنيا».


وعن حكمها يضيف الماوردى: «وعقدها لمن يقوم بها فى الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم».


وغير الماوردى يقول الإمام ابن حزم فى «الفصل فى الملل والنحل»:
«اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة ما عدا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم». ويضيف ابن حزم: «وقول هذه الفرقة -النجدات- ساقط يكفى فى الرد عليه إجماع كل من ذكرنا على بطلانه».


وحول التساؤل عن كيفية وجوب «الإمامة» يقول الماوردى: «واختُلف فى وجوبها، هل وجبت بالعقل أو بالشرع؟ فقالت طائفة وجبت بالعقل لما فى طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم فى التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجًا مُضَاعين».


ثم يضيف: وقالت طائفة أخرى بل وجبت بالشرع دون العقل لأن الإمام يقوم بأمور شرعية، وجاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه فى الدين «يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم» ففرض علينا طاعة أولى الأمر فينا وهم الأئمة المتآمرون علينا.
إذن نحن تقريبًا أمام حالة من الإجماع على «وجوب الإمامة» يقابلها حالة من الانقسام على «أساس هذا الوجوب».


فهناك اتجاه يقوده أهل السنة يرى أن سنة وجوب «الإمامة أو الخلافة» هو الشرع والإجماع، وهناك اتجاه آخر غالب أنصاره من المعتزلة يرى أن سند الوجوب هو العقل.


ونحن لا نجادل ولا نختلف فى مسألة وجوب «الإمامة أو السلطة السياسية» لأنها أولا وقبل أى شىء ضرورة من ضرورات الاجتماع الإنسانى لتحقيق مصالح المواطنين وتنظيم أمورهم فى جميع مناحى الحياة، أما ما نختلف حوله وفيه فهو الادعاء بأن الشكل الشرعى والثابت لتلك السلطة هو نظام «الخلافة» الذى عرفته الأمة الإسلامية بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم.


ومن ثمَّ فنحن نختلف قطعًا مع هؤلاء الذين يزعمون أن أولى الأولويات فى واقعنا السياسى الحالى هو «إحياء الخلافة الإسلامية بشكلها القديم» ويقدمون ذلك للعوام على أنه «الحل السحرى» أو كلمة السر التى بها نتجاوز جميع مشكلاتنا الحضارية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية …إلخ.


والحق الصريح أن هذا بتبسيط مخل وتسطيح ساذج وتزييف للحقائق لا يشفع له حسن النوايا، وذلك لسبين:
أولًا: أنه ليس لدينا أمر قرآنى صريح أو حديث نبوى يأمر بقطع ووضوح بأن يسمى القائم على شؤون الدولة بـ«الخليفة» حيث إن من يطلق عليه اسمًا غير هذا يكون مخالفًا للكتاب أو السنة الصحيحة، وهذا سنفصله فى ما بعد.


ثانيًا: أن الكارثة الكبرى فى الموضوع هى الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين ما هو نظام وإبداع بشرى وحضارى وبين ما هو دين ووحى وعقيدة، فيا للأسف الشديد! هناك قطاعات عريضة من شباب التيار الإسلامى الحديث فى مصر لا تميز بين «النظام» و«المرجعية والمقاصد» التى يقوم النظام لتحقيقها فالنظام –أى نظام– هو جميع الآليات والمؤسسات والتراتيب الإدارية والوسائل التى تقيمها وتتبناها أى جماعة أو حزب لتحقيق مقاصد المرجعية الدينية أو الفلسفية أو السياسية التى تؤمن بها وتريد وضعها موضع الممارسة والتطبيق فى عالم الحياة.

 

ولأن هذه بدهية يتفق عليها كل عقلاء الدنيا، فقد مارسها المسلمون الأوائل إبّان إقامة نظامهم السياسى الذى أبدعوه -وهو الخلافة- لتفعيل المرجعية الإسلامية فى السياسة والاجتماع.


وعلى هذا، فالخلافة هى مجرد نظام له آلياته ومؤسساته وتراتيبه الإدارية، وليست دينًا أو وحيًا أو وضعًا إلهيًّا ثابتًا مثله كمثل العقيدة والشريعة والقيم والأخلاق.


وفى هذه الرؤية يكون النظام «مدنيًّا» قابلًا للنمو والتطور وفى ظله يحق للمسلمين –بل يجب عليهم– أن يتفاعلوا مع الحضارات الإنسانية الأخرى ليفيدوا ويستفيدوا من تجارب الأمم والشعوب، دون افتئات على المرجعية ودون المساس بما هو وحى إلهى مقدس.
نكمل غدًا مع «الخلافة المذكورة فى القرآن ليست هى النظام السياسى، واستحالة تطبيقها فى الوقت الراهن».

القسم: