حمدي قنديل

حمدي قنديل


Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80

Notice: Undefined offset: 1 in /home/almogaz/public_html/custom_feeds/almasryfeeds/hamdi_kadil.php on line 80
حمدي قنديل
http://www.youm7.com/
arالمصرى اليوم - رأي - مقالات حمدي قنديلخطوة أولى وفرصة أخيرة
حمدي قنديل
إلاّ الدم.. إلاّ الدم
حمدي قنديل
شهادة لتبرئة الذمة
حمدي قنديل
سياسة المصاطب
حمدي قنديل
لا هو حوار ولا هو وطني
حمدي قنديل
سفينة بلا ربان
حمدي قنديل
الحريق في مصر كلها
حمدي قنديل
الأزمة ليست في الحوار
حمدي قنديل
دستور بير السلّم
حمدي قنديل
ورطة كبرى
حمدي قنديل

القسم: 

خطوة أولى وفرصة أخيرة

لا فائدة الآن من اجترار تفاصيل ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية، لا فائدة.. تعرفون أن كلاً منا سيحكم على الوقائع وعلى الآراء وفقا لانتمائه السياسى أولا وربما أخيرا.. الحكم فى مذبحة بورسعيد آخر مثال.. المعارضون يعتبرونه مخدراً مؤقتاً، حكماً مسيساً صادراً عن قضاء خاضع للضغوط، والإخوان يعتبرونه حكما عادلا، ويشيدون بالقضاء الذى داسوه من قبل بالنعال.. استقلال القضاء فى قاموس الجانبين يحتاج إلى قاموس، وكذلك الحال بالنسبة لتطهير الشرطة، وبالنسبة لموضوعية الإعلام، وبالنسبة لكل أهداف الثورة بلا استثناء.. لا فائدة إذن من اجترار تفاصيل ما حدث، حتى لو أردنا استخلاص العبر.. الحق أنه لا وقت لاجترار تفاصيل ما حدث.. المصائب تداهم الوطن، والزمام على وشك أن يفلت إن لم يكن قد أفلت فعلا والكل لاهون.

غضب بعضنا أو طرب، المسؤولية الأولى فى عنق الرئيس حتى لو كانت المؤشرات لما نحن فيه اليوم قد لاحت منذ اللحظة الأولى بعد رحيل مبارك، عندما انفرط عقد القيادات الشابة للثورة وحكم البلد ثلة من العسكر تخبطوا فى إدارتها مع حكومات مرتعشة الأيدى مفتقدة الرؤية، وتفرغت قوى الإسلام السياسى للقفز على السلطة، وتنازعت القوى المدنية فلم تعد قادرة على تقديم البديل..

توهم البعض أن الفترة الانتقالية يمكن أن تنتهى بالانتخابات الرئاسية حتى لو كانت قد حسمت بالكاد لرئيس قادم من المجهول ينتمى إلى جماعة غامضة بالنسبة لكثير من المصريين.. وظن فريق منا، وكنت واحدا من هؤلاء، أن هذا الرجل الذى جاء إلى كرسى الحكم بالصدفة قد يتدثر بغطاء القوى الوطنية جمعاء ليتمكن من الإمساك بالزمام ويقود البلد لتحقيق أهداف ثورة ظل يتشدق بشعاراتها طوال حملته الانتخابية.

الكرسى كان أكبر كثيرا من الرئيس، وإرث الماضى كان أعتى، وآفاق المستقبل كلها تنذر بعواصف لا تبقى ولا تذر.. احتمى الرئيس من هذا كله بعشيرته التى انزاحت أستارها فإذا بها لا تمتلك خبرة ولا مشروعا لمصر.. وانكشف هو الآخر.. رجل متواضع الإمكانات، محدود الحلم، يمتلك نصف موهبة فى الخطابة تليق بإمام مسجد، أقصى ما كان يمكن أن يصل إليه بالأقدمية وحدها هو كرسى عمادة كلية العلوم فى إحدى جامعات الأقاليم.

يعلم الله أنى لا أقصد الإساءة، بل أستطيع أن أقول إنه رجل طيب بسيط يمكن أن تكون لديه نية مخلصة.. لكن، ما باليد حيلة.. وسط أبهة السلطة المفاجئة ومشكلات الحكم المتلاطمة من كل جانب، هُيئ له أن الملاذ هو حضن الجماعة، فما كان منها إلاّ أن أغرقته بمستشارين قرويين ربما يصلحون لقيادة مجالس بلدية لكنهم لا يعرفون الكثير عن حكم بلد عريق كبير، دعك من أن همهم الأول كان الاستيلاء على مفاصل الدولة وأنهم لا يكادون يعرفون شيئا عن العالم وما يجتاحه من تيارات أو يواجهه من تعقيدات..

الحاصل أننا أصبحنا فيما نحن فيه اليوم.. عمت الفوضى، وسقط من قتلى الإهمال والتخبط والجبروت فى ستة أشهر ما يزيد على من سقطوا خلال سنوات من حكم مبارك، وساد الإحباط، وكادت الثورة تضيع.. وبدا لنا جلياً فى الأيام الأخيرة أن الدولة غائبة سوى من براثن الشرطة الفاجرة، وأن رئيس الحكومة يدير شؤون الرعية باللاسلكى من دافوس.. أما رئيس الجمهورية ذاته فهو يحتمى بالأسوار والحرس، وعندما يطل علينا فهو يطل برسالة بائسة على «تويتر» أو بصورة باردة صامتة وهو يترأس أول اجتماع لما يسمى «مجلس الدفاع الوطنى»، يصدر بيانا مضللا قاصرا، أدنى من الطموحات، لا يؤذن سوى باستمرار الصدام.

المعارضة ليست فى حال أفضل كثيرا.. ربما يهيأ لها أن الجماهير الغاضبة التى انتفضت بالملايين فى الميادين قد تحركت بهذا الزخم لتلبية ندائها، لكن هذه الجماهير خرجت فى واقع الأمر، ليس فقط احتجاجا على ما وصل إليه حالها من بلاء فى ظل حكم الإخوان، ولكن أيضا لأنها تفتقد بديلا يحقق طموحات ضاعت وأملا فقد لتحقيق ما نادت به فى 25 يناير.

المعارضة مترددة بين أن تضم إلى صفوفها كل الغاضبين على الحكم أو أن تنقى صفوفها ممن يشتبه فى ولائهم لعهد الاستبداد والفساد، ومترددة بين دخول الانتخابات أو مقاطعتها، ومترددة بين اللجوء إلى الشارع أو اللجوء للصناديق.. وحتى عندما حسمت أمرها أمس الأول ونادت بحكومة إنقاذ وطنى لم تكن صارمة فى إنذارها ولكنها أرخت الحبل للحكام أسبوعا حتى تحشد لهم مظاهرة احتجاج أخرى يوم الجمعة المقبل.

سواء كنا نقف على هذا الجانب أو ذاك من الطيف السياسى، ربما علينا جميعا أن نعترف أولا بأننا لا نزال فى مرحلة أخرى من الفترة الانتقالية، وأن الطريق الوحيد إلى الاستقرار يبدأ بالكلمة التى مللنا من مضغها فى كل الأفواه: التوافق.. قد لا يعنى التوافق لكثيرين المعنى نفسه، ولكن مهما كانت ترجمتنا له فهو فى النهاية المشاركة فى الحكم.. ليس بالضرورة المشاركة فى الحكومة ولكنه بالقـطع مشـاركة بالمشورة ومشاركة بصيغة ما فى القرار، مهما كانت هذه الصيغة.

اقتراحى أن يمد الرئيس يده من وراء حظيرة الجماعة إلى كل القوى على الساحة، وأن ينتدب ممثلا مستقلا له مكانته للتفاهم مع المعارضين على قيام حوار.. أعرف أننا سئمنا من أى «حوار» بعد أن انتهك الحكم كل حوار سبق أن أفقده معناه.. لكن لا بديل.. نحن نحتاج بالفعل إلى حوار حقيقى ملزم – أكرر: ملزم - يهدف إلى قيام لجان عمل تهدف إلى (1) تعديل الدستور. (2) إقرار برنامج اقتصادى يحقق أهداف الثورة للعدالة الاجتماعية. (3) خطة نهائية للقصاص للشهداء. (4) برنامج لتطهير الداخلية. (5) مشروع قانون لاستقلال القضاء. (6) قيام المجلس الوطنى للإعلام.. على أن يصدر الرئيس على الفور قرارين، أحدهما بحل مجلس الشورى، والآخر بتعيين نائب عام يرشحه المجلس الأعلى للقضاء.

أنا لا أميل كثيرا إلى ما يسمى «حكومة الإنقاذ الوطنى» التى دعا إليها كثيرون، والتى يمكن أن تكون ساحة لصراع آخر لا محالة.. الأهم أن نتفق جميعا على برنامج عمل، وندع الرئيس يتحمل مسؤوليته التنفيذية لتحقيقه.

نعم، هذا الاقتراح ليس بجديد.. كثيرون آخرون ربما يكونون قد اقترحوا مثله أو بعضاً منه أو يزيد، وكثيرون لن يرضوا عنه خاصة بين الشباب النقى الغاضب.. لكننى أزعم أنه المخرج الوحيد.. وليس لدىَّ من شك أن تنفيذه يتوقف على مدى صدق نوايا الرئيس.. الخطوة الأولى اليوم ننتظرها منه.. ننتظرها خلال ساعات لا أيام يحترق فيها البلد.. وهى ليست خطوة أولى فقط، وإنما أيضا فرصة أخيرة.

القسم: 

إلاّ الدم.. إلاّ الدم

إذا كان هناك من خطر على مصر فى الأسبوع القادم فظنى أن الواقعة لن تقع يوم 25، وإنما فى 26 يناير.. الأصح أن أقول إن أحدا لا يستطيع الآن أن يتنبأ بما يمكن أن يحدث ومتى يمكن أن يحدث بعد أن أفلت الزمام من الجميع سلطة ومعارضة.. فيما يتعلق بالمعارضة أو على وجه أدق جبهة الإنقاذ الوطنى، التى تحمّلها السلطة من الآن المسؤولية عن الأحداث المحتملة فى الاحتفالات بذكرى الثورة، سوف نجد وفقا للتصريحات المنشورة للجبهة فى وسائل الإعلام أنها تزداد شراسة فى الهجوم على النظام ومع ذلك هى لا تطالب بإسقاطه.. ربما يكون واحد من فروعها فى الأقاليم قد طالب بذلك مرة ولكن قادة الإنقاذ أكدوا فى أكثر من مناسبة أن هذا ليس هدفهم.. هدفهم هو استمرار الثورة.

المشكلة الآن أن معظم زعماء المعارضة لم تعد لهم كلمة آمرة ناهية على الشباب المعارضين.. الشباب كما هو متوقع أكثر اندفاعا ونقاء، ثم إنهم هم الذين سددوا الجانب الأكبر من فاتورة شهداء الثورة وما تلاها من أحداث فى ماسبيرو والبالون ومجلس الوزراء ومحمد محمود والعباسية وغيرها.. وهم يرون، عن حق، أن بعض قادتهم الكبار قد شاخوا أو انفصلوا عن الشارع وربما تلوثوا أيضا بألاعيب السياسة.. لذلك كانت كل مظاهر الاحتجاج من مليونيات واعتصامات فى الأسابيع الأخيرة بمبادرة من تجمعات الشباب، وكانت خطوات القيادات تلهث للحاق بهم.

بعد مرور عامين الآن على الثورة وجد الشباب أن كل أحلامهم سُرقت، وأن أهداف الثورة فى الحرية والعيش والكرامة لم يتحقق منها شىء، بل إن أحوال البلد قد تدهورت جميعا تحت قيادة جماعة كانوا قد تسامحوا معها، وعصر منهم الليمون من عصر وانتخب مرسى، لكن مرسى وعشيرته اعتلوا الثورة التى كانوا قد تبرأوا منها أو غابوا عنها فى أيام اشتعالها الأولى.. زاد من وجعهم أن قادة عهد الفساد والاستبداد - خاصة من قتل الثوار - أفلت من العقاب، بل إن السلطة الآن تنادى بالتصالح معهم، ويشك كثيرون فى أن هذا التصالح سيمتد ليغطى القتلة.

ذلك ما دفع شباب الثورة إلى الاعتقاد بأن الحكم، وليس المعارضة، هو المسؤول عما يمكن أن تتطور إليه الأحداث.. المؤكد أنهم، شأنهم شأن بقية المصريين، غاضبون من فشل الرئيس وحكومته فى السيطرة على الكوارث التى أصبحت مرتبطة بحياة المصريين اليومية من حوادث قطارات إلى انهيار عمارات، وغاضبون من غلاء الأسعار وانهيار الخدمات فى مجالى الصحة والتعليم وغيرهما، وغاضبون من محاولات الإخوان الدائبة للسيطرة على مفاصل ومقدرات البلد، لكن ذلك كله يتضاءل - ونحن على مرمى أيام من الذكرى الثانية للثورة - أمام دماء رفاقهم التى سفكت دون ثمن، خاصة أنهم يلاحظون أن الحكم يقايض على هذه الدماء أو يشجع على المقايضة.

كل المجازر التى حدثت بعد الثورة كانت فاجرة، إلاّ أن مجزرة بورسعيد كان لها وقعها الخاص.. كان القتل فيها أكثر إيلاما لأنه كان قتلا بالجملة.. وعندما شكلت لجان تقصى الحقائق زادت من الغموض الذى كان يتوجب عليها إجلاؤه، وأثارت علامات استفهام وتعجب جديدة.. ولم تفلح جلسات المحاكمة فى طمأنة أهالى الشهداء بعد أن نقلت جلساتها بعيداً عن أعينهم فى القاهرة.. وتفاقم الأمر عندما بذل الرياضيون، وعلى رأسهم وزارة الرياضة، محاولات مستميتة لإعادة دورى كرة القدم إلى ما كان عليه وكأن شيئا لم يكن.. فى ظل هذه الأجواء المريبة أطلق الألتراس صيحتهم «الشعب يريد القصاص»، بل إنهم نادوا صراحة بأنهم سيأخذون ثأرهم بيدهم إن لم تصدر المحكمة حكما رادعا يوم 26 يناير، وتردد فى جنبات ميدان التحرير يوم الجمعة الماضى شعارهم «الموت قادم لكل من دبر وقتل وخان».

دوىّ هذه الصيحة بين ألوف الشباب المحبط الذى تجمع فى الميدان استعدادا للاحتفال بذكرى الثورة لابد أنه يثير القلق.. يعرف الكل أن الألتراس يصعب كبح جماحهم، كما أن المعتصمين فى الميدان الذين يزداد عددهم يوما بعد آخر لا يقلون حدة.. من هنا التخوف من يوم 26.. تخوف من الدماء.. من حق أى فصيل أن يتظاهر، وأن يرفع من الشعارات ما يشاء.. بل إننى أتفق حتى مع هؤلاء منهم الذين يريدون إسقاط النظام.. رأيى معروف: نظام مرسى كارثة على مصر.. لكنى أطالب بإسقاطه بالأصول، بالصندوق حتى لو لم يكن الصندوق هو الوسيلة الديمقراطية المثلى.. الديمقراطية فى جوهرها هى تداول السلطة.. وحتى إذا ما كان مرسى قد اعتلى كرسى الرئاسة 6 أشهر أو أقل أو أكثر فمن حق أى قوة سياسية أن تطالب بانتخابات مبكرة إذا ما رأت أن الحكم قد أجرم فى حق مصر وأن لديها من الشعبية ما يمكّـنها من الفوز بثقة الناخبين، ولديها من البرامج ما ينهض بالبلد من كبوته العاثرة.. يسقط النظام، لا بأس، مهما كان لإسقاطه من تكلفة.. لكن التكلفة يجب ألا ترقى لإسقاط الدولة.. يجب أن تتم دون إراقة دماء.

التحذير يجب ألا يوجه للمعارضين وحدهم.. الحكام الذين انتخبناهم لتحمل المسؤولية عليهم أن يبرهنوا لنا بمؤشرات جدية أن لديهم نية حقيقية خالصة للبدء فى إصلاح أخطائهم والتخلص من تركة أسلافهم، حتى لو لم يكن قد تبقى على ذكرى الثورة سوى أيام معدودة.. ولابد للموالين للحكم هم الآخرين أن يعوا أن سجلهم حافل بإثارة المتاعب بل مخضب أيضا بالدماء، وأنهم بذلك يمثلون خطرا مؤكدا يوم الجمعة القادم، سواء احتكوا بالمتظاهرين فى ميادين التحرير، أو اختاروا مدينة الإنتاج الإعلامى دون غيرها للاحتفال بـ25 يناير، أو ابتدعوا حماقة أخرى.

لكنه من السذاجة بمكان أن يقتصر حذرنا على ما يمكن أن يحدث إذا أفلت الزمام من القوى السياسية.. الأرجح أن هناك كوابح وقنوات اتصال معروفة مع هذه القوى قد تفيد فى السيطرة على الموقف عندئذ.. لكن، ماذا لو فجرت الجماعات المتشددة الوضع فى سيناء على نحو غير قابل لمواجهة حاسمة؟.. وماذا لو تدخلت أصابع خارجية والمنطقة كلها أصبحت مطمحا للطامعين فيها، الناقمين على ثوراتها؟.. بل ماذا تحضّـر ليوم 25 قوى الفساد والاستبداد التى لم تعد قابعة فى الجحور وبدأت تطل على المشهد بصفاقة وتربص من كل جانب؟

فى الأسابيع الماضية، يذكر بالفضل لثلة من رموز الوطن، شيوخه وشبابه، يتقدمهم الدكاترة سمير عليش وكمال الهلباوى وعبدالخالق فاروق، أنهم بادروا بالتحذير من سفك الدم وإسقاط الدولة فى ذكرى الثورة، وسعوا فى الأيام الأخيرة للاتصال بكل الفاعلين فى الشارع السياسى، معارضين ومؤيدين، حتى نتفادى الكارثة.. كان لى حظ المشاركة فى جانب من الاجتماعات وإن كنت أعترف بأننى لم أقم بجهد يذكر، لكننى أشهد أن البلد لا يزال فيه من يحرص على كيانه رغم الألسنة السليطة المعادية ببغائية للنخبة. لم يعد غريبا الآن، بل ربما هو المنطق بعينه، أن يطالب الشباب جيلنا بالاعتزال بعد أن فشل،

إن لم يكن قد تسبب فى ضياع الثورة طوال العامين الماضيين، وأن نترك زمامها لقيادة جيل جديد مسلح بالمعرفة والعزيمة والطهر.. هذا حقهم بل واجبهم.. لكن من حق جيلى وواجبه أن ينبه: امضوا فى طريقكم كما تشاؤون.. نحن نثق فى إخلاصكم للثورة وفى قدرتكم على استمرارها.. نادوا بإسقاط النظام لو أردتم، لكن بالله عليكم احذروا من إسقاط الدولة.. أسقطوا مرسى لو استطعتم، لكن لا تدعوا بلدكم ينهار.. لا تسمحوا بالفوضى.. كل ما هو سلمى مباح، إلاّ الدم .. إلاّ الدم.

القسم: 

شهادة لتبرئة الذمة

والدى كان أزهرياً، ثم التحق بكلية دار العلوم قبل أن يسلك مهنة التعليم، أما والدتى فلم تكن متحجبة.. أذكر أنها كانت دائما أنيقة وكأنها عارضة أزياء، فى حين أن والدها، جدى، كان معمما منذ دخل المدرسة حتى أصبح عضواً فى المحكمة العليا الشرعية.. تربيت فى بيت «يعرف ربنا»، يعمر المساجد ويعمّر فى الأرض ويعامل الناس بالحسنى..

عندما كنت طالباً بالثانوية فى طنطا كان بطلى الأسطورى هو لطفى فطيم.. كان فى الثلاثينيات من عمره، وكان جارا لنا، لفت نظرى بزيارات «البوليس السياسى» المتكررة له، واختفائه لأيام أو شهور بين حين وآخر.. عندما زرته فى بيته لأول مرة همس لى بأنه شيوعى وأعطانى محاضرة موجزة، تذكرت منها عبارتين براقتين، «العدالة الاجتماعية» و«المساواة بين البشر».. لما قلت لأبى ما سمعت قال إن ذلك كله فى الإسلام، وطلب منى أن أستعد فى عصر اليوم التالى ليصطحبنى إلى جمعية «الشبان المسلمين».. سألته: الشبان أم الإخوان؟.. أذكر ما قال.. «لا، الإخوان شداد شوية»..

 ربما كان يعنى متشددين، أو ميالين للعنف، خاصة أن الأنباء كانت تتواتر عندئذ عن مقتل النقراشى، رئيس الوزراء، واللواء سليم زكى، حكمدار العاصمة، على أيديهم.. كان رائد أسرتى فى «الشبان المسلمين» هو العزيز المرحوم إبراهيم مصطفى الذى دربنى على تنس الطاولة وزادنى علما بالدين.. كان ينظم لنا معسكرات كشفية فى صحراء حلوان كل عدة أشهر، ويأخذنا إلى أفلام مختارة فى دور السينما بالقـاهرة، أظـن أن أولها كان فيلم «ذهب مع الريح»..

أثناء دراستى الجامعية بالقاهرة قمت بتمثيل دور كوميدى تافه على مسرح كلية طب قصر العينى، ولعبت الهوكى والتحقت بالحرس الوطنى أثناء عدوان 56 وكتبت للصحافة.. كان أبى فى صيف كل عام يحجز لى تذكرة على سطح الباخرة إلى أوروبا ويعطينى 50 جنيهاً إسترلينى ويطلب منى ألّا أعود قبل شهر.. اعتدت السفر مع اثنين من الأصدقاء، زرت معهما معظم بلدان أوروبا، وفى سنة 1955 سافرت إلى سويسرا مع 40 من طلبة وطالبات الجامعات بدعوة من «جمعية التسلح الخلقى العالمية» وهى جماعة ثبت فيما بعد أنها مشبوهة وأغلق مكتبها فى القاهرة.. اكتشفنا زيف ما يلقنونه لنا، وتحققنا، بعد نقاش مطول فيما بيننا، ربما لأول مرة، أن كل قيم الأخلاق موجودة فى الإسلام.. كتبت مع ثلاثة من الزملاء، بينهم المرحوم مأمون أبوشوشة، مسرحية عن إسلام عمر بن الخطاب، ترجمها إلى الإنجليزية زميل مسيحى، وقمت فيها بدور عمر رضى الله عنه.. لاأزال أذكر اللحظة التى رفعت فيها السيف على شقيقتى فاطمة لما علمت بأنها دخلت الإسلام فضاع الكلام تماماً من ذاكرتى..

مرت السنوات والتحقت بالتليفزيون.. كنت ولاأزال مؤمنا بزعامة عبدالناصر.. فى 1965 اكتشفت مؤامرة الإخوان المسلمين الشهيرة عليه التى أعدم فيها من أعدم، ودخل السجون مئات.. روى لى المشير عامر فى بيته بالحلمية التفاصيل، وفى السجن الحربى قمت بإجراء أحاديث مع المعتقلين، أذيع عدد منها فى التليفزيون.. راجت فى بعض مؤلفات الإخوان بعدئذ أكذوبة أنى كنت أطلب من ضباط السجن أن يبدلوا المعتقلين الذين كنت أستجوبهم بآخرين حتى أحصل على اعترافات صريحة..

مرت سنوات أخرى، ذهب معها عنفوان الشباب، وفى لحظة حساب مع النفس، أيقنت أنى ارتكبت خطأ مهنياً وأخلاقياً باستجواب معتقلين قيدت حريتهم فاعتذرت علنًا وقَبِل الإخوان اعتذارى بامتنان.. كنت قد التقيت عدداً منهم فى الثمانينيات والتسعينيات، واقتربت منهم أكثر وأكثر عندما انضممت إلى حركة المعارضة.. أذكر أنى كنت أحضر دائماً مناسبات خروج أقطابهم من السجن مثل د. عبدالمنعم أبوالفتوح ود. جمال حشمت ود. عصام العريان.. وفى برنامج «قلم رصاص» الذى كنت أقدمه من تليفزيون دبى، حاورت عدداً من زعمائهم، بينهم الأستاذ مهدى عاكف، والدكتور محمد حبيب الذى استضفته فى الإمارات، قبل خروجه على الجماعة..

غادرت دبى فى 2009 لأقيم نهائياً فى القاهرة، حيث شاركت فى تأسيس «الجمعية الوطنية للتغيير» بعد وصول الدكتور البرادعى فى 2010.. وقتها التحق بنا الإخوان الذين انتدبوا لنا الدكتور العريان ربما بسبب قدرته البارعة على المناكفة، والدكتور البلتاجى الذى ميزته ابتسامته البلاستيكية الشهيرة.. أشهد أن الإخوان وقتها جمعوا أكثر من 700 ألف توقيع لمطالب التغيير السبعة وفتحوا مقار نوابهم فى المحافظات لمؤتمرات الجمعية.. مع ذلك فقد كانت مشاركتهم دائما بالقطّاعى، يحضرون وقت الحاجة ويختفون عند اللزوم ويتبنون ما يروق لهم من قرارات.. الشرخ الأكبر كان عندما قرروا منفردين خوض انتخابات مجلس الشعب السابقة للثورة، التى كانت الجمعية قد قررت مقاطعتها حتى لا تضفى شرعية زائفة على إرادة الشعب.. فى لقاء مع المرشد وفريق من أعضاء مكتب الإرشاد، حاولت مع د. عبدالجليل مصطفى ود. حسن نافعة أن نثنيهم عن المشاركة دون طائل..

مرة أخرى، خرج الإخوان على الإجماع القومى يوم 25 يناير مكتفين بإيفاد البلتاجى إلى التجمهر أمام دار القضاء العالى، وما إن التحقوا بالثورة عصر يوم 28 حتى ذهبوا للتفاوض سرا مع عمر سليمان، وتوج اتفاقهم مع العسكر باستفتاء 19 مارس الذى شق صفوف الثوار.. فى حين كان الكل مشغولاً بدفع الثورة خطوة هنا أو خطوة هناك، كانوا هم يستعدون لاقتناص مجلس الشعب الذى كانوا قد وعدوا بأنهم لن يترشحوا على أكثر من 30% من مقاعده، وعندما استولوا عليه بدأوا فى ترويج شعار «البرلمان لا الميدان»، ميدان التحرير.. غابوا بعدئذ عن الميدان فى مواجهاته مع حكم العسكر فى محمد محمود ومجلس الوزراء وما بعدهما، ثم عادوا يخطبون وده قبيل انتخابات الرئاسة التى كانوا قد أعلنوا أن الجماعة لن تخوضها..

انتخبت حمدين صباحى فى الجولة الأولى وقاطعت الجولة الثانية فى الوقت الذى انشغلت فيه كل القوى المدنية بطرح «وثيقة عهد» على «مرسى» و«شفيق» لضمان قيام دولة مدنية إذا ما فاز أحدهما، لكنهما قابلا الوثيقة بالصمت.. فى الساعات الأخيرة قبل إعلان النتيجة تصاعدت المخاوف من تفضيل العسكر لـ«شفيق»، فذهبت مع عدد من رموز العمل الوطنى وشباب الثورة البارزين إلى لقاء مرسى فى فندق «فيرمونت» الذى عرف به الاتفاق الذى أبرمناه معه لإقامة دولة ديمقراطية حديثة فى حال نجاحه..

 أعلن مرسى بنفسه وأعلنا معه تفاصيل الاتفاق على الشعب: المواطنة، الحريات، الشفافية، دولة القانون، مشاركة كل القوى وتمثيلها فى الرئاسة بنواب من الشباب والنساء والأقباط.. يومها، تحالفنا مع الإخوان المسلمين فى «الجبهة الوطنية لحماية الثورة»..

 ولكن مرسى، الرئيس، نكث بمعظم ما ورد فى عهد مرسى المرشح، وانساق وراء الجماعة، وتغافل عن تمكينها من مفاصل الدولة، وسكت على اعتدائها على المتظاهرين فى التحرير يوم 12 أكتوبر الماضى، واعتدائها على المعتصمين فى الاتحادية فى 5 ديسمبر..

منذ أن شكلت وزارة قنديل على نحو مخالف لبنود إعلان «فيرمونت»، أحسسنا فى الجبهة بالخديعة، وأعلنّا احتجاجنا فى مؤتمر بساقية الصاوى.. بدأ الحكم بعد ذلك يتخبط فى قراراته، ويفشل فى مواجهة الأزمات واحدة بعد أخرى، فى حين ظلت الاتصالات مع الرئاسة فى معظم الأوقات فى اتجاه واحد، حتى وصلنا إلى النهاية المحتمة: تعليق الجبهة، قبل فضائح التأسيسية والدستور والإعلانات الدستورية.. استبقت هذا النهاية الدرامية بنعى الشراكة إلى الرئيس، واعتذرت للناس الذين خدعتهم بوقوفى مع مرسى بعد أن عصرت كل الليمون المتاح..

ما أريد أن أقوله فى النهاية هو أننى واحد من ملايين المسلمين فى مصر، شأنى شأنهم، لا أنتظر من الإخوان أو أحد من شركائهم أن يعلمنى دينى السمح الحق الجميل الذى تعلقت به فى غدوى ورواحى.. ولا أحد يستطيع أن يزايد علىّ بعد أن خطوت على الدوام الخطوة الأولى تجاه الجماعة ومنحتها ثقتى حتى بعد أن تنكرت مرات للعهود..

 هذا يكفى.. هذه الجماعة ليس لها عهد.. هى جماعة مراوغة، مناورة، لا تبتغى سوى صالحها.. الكلام عن صالح مصر مجرد أكاذيب.. هو تغطية لمؤامرة على مصر، نشهد تفاصيلها الآن ساعة بساعة، بخطوطها الممتدة إلى أمريكا الملتبسة مع إسرائيل.. وهى، قبل هذا وذاك، لا تملك شيئاً لتقدمه إلى مصر، لا المال ولا الخبرة ولا الدراية بشؤون الحكم.. هى جماعة خطرة على مصر وخطرة على الثورة بأهدافها السياسية وتوجهاتها الاقتصادية اليمينية، وبقاؤها فى سدة الحكم لعنة سوف تنتهى بكارثة.. هذه شهادتى أبرئ بها ذمتى..

القسم: 

سياسة المصاطب

صلتى بالفريق ضاحى خلفان، قائد شرطة دبى وبعبع الإخوان فى الخليج، ترجع إلى سنوات مضت.. لاأزال أذكر له إلى الآن أنه عندما أُوقف برنامجى «قلم رصاص» فى تليفزيون دبى فى نهاية عام 2008، أقام لى حفل تكريم فى القيادة العامة للشرطة وقدم لى شهادة تقدير تفيض بثناء غامر.

لم يبلغنى أى مسؤول من أولئك الذين أكاد أعرفهم جميعا فى دبى بالسبب المباشر فى إيقاف البرنامج عندئذ، ولكنى أعلم أن عددا من قادة الدول العربية، بينها مصر، كانوا يحتجون من وقت لآخر على بعض ما يقال فى البرنامج، وقد اطلعت بنفسى على مذكرات حول هذا الأمر مقدمة من الخارجية الإماراتية إلى سلطات دبى.. لم يمنع هذا كله من أن تستمر الصلة طيبة بينى وبين المسؤولين هناك بعد أن غادرت الإمارات، بل إننى زرتها فى زيارات خاصة مرتين أو ثلاثاً.

فى عام 2010، قبل الثورة بشهور قليلة، دعتنى إدارة MBC فى دبى لحفل تطوير موقع قناة «العربية» الإلكترونى، لكننى أُبلغت فى اليوم السابق للاحتفال بأن صدور تأشيرة الدخول قد تعذر.. قبلها بأيام كنت قد علمت من بعض الأصدقاء، وبينهم الدكتور محمد أبوالغار، أن هناك قائمة للمعارضين البارزين لـ«مبارك» أُبلغت لأجهزة الأمن فى معظم دول الخليج وأن اتفاقاً تم للتضييق عليهم.. بادرت بالاتصال بكبار القوم الذين أعرفهم فى الإمارات، فإذا بالسفير فى القاهرة يتصل بى فى المساء ويطلب منى إحضار جواز السفر وتفتح السفارة لتمنحنى التأشيرة. فى اليوم التالى لوصولى استقبلنى الشيخ محمد بن راشد رئيس وزراء الإمارات حاكم دبى، وطيب خاطرى بكلمات رقيقة.. مع ذلك فقد كانت هناك شواهد عديدة، معلنة وخافية، على أنه رغم أن مصر لها مكانة خاصة فى الإمارات من أيام الشيخ زايد إلاّ أن «مبارك» بالذات له حظوة كبيرة لدى المسؤولين هناك.

بعد الثورة أبلغ المسؤولون الإماراتيون المجلس العسكرى فى مصر، مباشرة وعن طريق وسطاء، أنهم يتمنون عليه أن يجد صيغة ما للإفراج عن «مبارك» مقابل استرداد ما حصل عليه من أموال الدولة، ووعدوا صراحة بتقديم مساعدات مالية إلى مصر مقابل هذه الصفقة.. تعثرت الاستجابة للطلب، خاصة بعد صدور الحكم على «مبارك» بالسجن.. بعدها تولى الدكتور مرسى الحكم إثر انتخابات يبدو أن نتائجها فاجأت أهل الخليج بأكثر مما فاجأت المصريين أنفسهم.. وما إن مضت أيام قليلة حتى أدهشنا الفريق خلفان بسيل من تغريداته على «تويتر» شن فيها هجوما ضاريا على الإخوان.

يعرف الفريق قبل غيره تجربة الإمارات مع الإخوان، وهى تجربة ترجع إلى الثمانينيات من القرن الماضى عندما لجأ مئات من الإخوان المسلمين إلى العمل فى الإمارات هربا من قمع «مبارك».. ولا يستطيع أحد أن يجزم تماما ما إذا كانوا قد استهدفوا العمل فى وزارتى التعليم والأوقاف بالذات لنشر دعوتهم بين الطلاب ومرتادى المساجد أم أن التحاقهم بهاتين الوزارتين كان من قبيل الصدفة أو بسبب وجود عناصر إخوانية فى مناصب قيادية فى الوزارتين.. مع مرور السنوات زادت الهواجس والوساوس لدى سلطات الأمن من اتصالات الإخوان المصريين بمواطنى الإمارات، وبدأت حملة لطردهم من الوظائف الحكومية ومطاردتهم فى بعض الجمعيات الأهلية، خاصة فى جمعية «الدعوة والإصلاح» التى تخفوا وراء لافتتها.. وسادت فى الإمارات قناعة فى منتصف التسعينيات بأن هذه الحملة قد نجحت، وأن البلاد استراحت من الهم الإخوانى.

صُدم كثير من المصريين عندما كتب الفريق خلفان أولى تغريداته، ثم اشتعل غضبهم، وأنا واحد منهم، عندما قال إن «الرئيس المصرى سيأتى حبواً إلى الخليج ولن نستقبله بالسجادة الحمراء».. الحق أن الفريق تجاوز كثيرا فى هذا التعبير على نحو غير مقبول.. ورغم أن حاكم دبى أوفد أحد مستشاريه ثم مدير إعلامه «الذى يعتبر بمثابة وزير إعلام الإمارة» للقاء الرئيس والاعتذار له لتصفية ما فى النفوس إلاّ أن هرب الفريق شفيق إلى دبى جدد الأزمة.

مرة أخرى ذهبت إلى دبى بعد لجوء «شفيق» إليها بأسابيع بدعوة من مدير الإعلام وقتئذ الأستاذ أحمد الشيخ.. حدثته فى الأمر، وقلت إن تصريحات «شفيق» المتكررة من دبى سوف تؤدى إلى أزمة أكبر فى العلاقات.. أقسمَ أن «شفيق» لم يأت بترتيب مسبق، وأنه دخل بتأشيرة زيارة عادية، وأنه لا يمكن منعه كزائر من الحديث إلى وسائل الإعلام، أما إذا طلب اللجوء السياسى فسوف يُمنع إذا ما ووفق على لجوئه من التصريحات السياسية التى قد تفسد العلاقة بين البلدين.. واستشهد بحالة «الصحاف» وزير الإعلام العراقى السابق الذى وصل إلى الإمارات بعد الغزو الأمريكى، وظل يدلى بأحاديث إعلامية عدة أسابيع حتى حصل على اللجوء السياسى، ومنذ ذلك الحين لم يدل بتصريح واحد.. أبلغنى «الشيخ» أنه يظن فى كل الأحوال أن مشكلة الفريق شفيق ستنتهى قريبا، وأنه رغم أنه لا يملك معلومات محددة إلاّ أنه يعتقد أن «شفيق» سيلجأ فى النهاية إلى لندن، وبذلك يفتح الباب أمام تنقية الأجواء.

فجأة، اعتقل فى الأسبوع الماضى فى الإمارات 11 مواطنا مصريا اتهموا بانتمائهم للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين وبأنهم تلقوا تعليمات من المرشد العام فى مصر بتحريض مواطنين إماراتيين على «البيعة لغير ولى الأمر» وتشكيل تنظيم إخوانى فى البلاد.. حاولت السفارة المصرية فى أبوظبى الاتصال بالمتهمين، ولكنها خلافا لكل الأعراف لم تستطع لقاءهم أو تكليف محامين للدفاع عنهم.. وعلى أى حال فقد كان الأمر – على ما يبدو فى رأى «الجماعة» فى المقطم - أكبر من أن تتولاه سفارة.. الأمر يتعلق بعشيرة الرئيس شخصيا.. فى تجاهل مشين لوزارة الخارجية ـ وإن كان قد أصبح مألوفا ـ تحركت العشيرة.. أوفد الرئيس مساعده للعلاقات الخارجية، د. عصام الحداد، فى مهمة إلى الإمارات لتسوية الأزمة، وأوفد معه مدير المخابرات العامة (يلاحظ من البيان الذى أصدرته الرئاسة أن اسم الحداد يسبق اسم مدير المخابرات)..

الحداد شخصية تكاد تكون مجهولة للمعنيين بالشأن العام فى مصر.. صحيح أنه كان مسؤول العلاقات الخارجية بحزب الحرية والعدالة، وأحد القيادات الإخوانية المقربة من خيرت الشاطر، لكن سجله لا ينم عن أى مقومات تؤهله لتولى منصبه المهم فى الرئاسة.. هو مجرد طبيب تحاليل حصل على دكتوراه من بريطانيا.. لكن ما دامت العشيرة هى التى تحكم فلا بأس أن يكون مساعدا للرئيس إن لم يكن أهم مساعديه.. ولا بأس أن يصدر بيانا كذلك الذى أصدره باللغة الإنجليزية قبل أسابيع قليلة يهاجم فيه المحكمة الدستورية ولا تلومه الرئاسة على ذلك بل تدافع عنه.. ولا بأس أيضا أن يوفد إلى الإمارات لتسوية الأزمة مادامت الأزمة متعلقة بالعشيرة.

لا اعتراض على أى حال على قيامه مع آخرين بهذه المهمة.. بل إنه ما دام هناك مصريون محتجزون فى دولة ما فعلى مصر ـ حكومة ومنظمات أهلية ـ أن تبذل كل جهد للإفراج عنهم.. لكن الفضيحة التى تناثرت أخبارها عند عودة الحداد إلى مصر بعد 24 ساعة هى ما نشرته صحف إماراتية من أنه تجاهل 356 مصريا فى سجون الإمارات بتهم مختلفة ولم يتناول فى مهمته سوى الـ11 إخوانيا الذين أصرت الإمارات على أن أمرهم متروك للقضاء.

يمكن أن يقال إن هذا الخبر قد تم تسريبه عمدا حتى يثير المصريين ضد الحكم وضد الإخوان، ومع ذلك فقد أكده لى مصريون يقيمون فى الإمارات أثق فى اتزانهم وموضوعيتهم.. الاهتمام ببضعة سجناء لمجرد أنهم ينتمون للجماعة وإهمال مئات غيرهم فى الإمارات وغيرها سُبة فى جبين الحكم.. ربما الأهم من ذلك أن تُنحَّى وزارة الخارجية جانبا، وهى التى ظلت على الدوام قلعة وطنية عتيدة، فى حين يتولى الأمر بعض الهواة وتدار السياسة الخارجية بطريقة «المصاطب».. الحكم لا يفلح عندما يتولاه ذوو القربى لا أصحاب الكفاءة.

القسم: 

حمدي قنديل يكتب: لا هو حوار ولا هو وطني

الحوار الذى دعا إليه الرئيس باسم «الحوار الوطنى» لا هو حوار ولا هو وطنى.. هو مجرد خدعة «علشان الصورة تطلع حلوة»، أو علشان «الشورى» تطلع حلوة كما قال كاتبنا الراحل جلال عامر.. كل هم الرئيس الآن هو الصورة، صورته وهو يجلس مع المعارضين.. ظنه أن هذه الصورة ستخفف الاحتقان فى الداخل وتمهد عندئذ للاستقرار، وأنها ستخفف الضغوط القادمة من الخارج تطالبه بانتهاج سياسة ديمقراطية.. تلك هى نوايا الرئيس، وذلك ما فعله بالضبط عندما دعا أقطاب المعارضة للحوار فى بداية نوفمبر.. اجتمع بهم واحدا واحدا ولم تنته هذه الاجتماعات إلى شىء لأنه كان يضمر وقتها إصدار إعلانه الدستورى الجائر.

بعد أن أصدر فى 21 نوفمبر هذا الإعلان الذى مهد لسلق الدستور فى الجمعية التأسيسية وقوبل برفض شعبى واسع، لم يكن هناك مفر من الدعوة إلى «حوار وطنى» ثان.. رفضت المعارضة وقتها الظهور فى الصورة الكاذبة، فاقتصر «الحوار» على العشيرة والمريدين، وانتهى على النحو الذى انتواه الرئيس باستبدال الإعلان بإعلان آخر فتح الباب أمام إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور.

أجرى الاستفتاء الذى صدّق على الدستور بنسبة رفض مفاجئة، فما كان من الرئيس إلاّ أن لجأ إلى نفس الحيلة، الدعوة إلى «الحوار الوطنى» الثالث، حتى يكتمل الديكور الديمقراطى، وينعقد مجلس الشورى بتركيبته الجديدة القديمة، العشيرة والمريدين، ويصدر ما شاء من قوانين.

تخطئ المعارضة إن شاركت فى الحوار هذه المرة بلا شروط واضحة بعد أن لدغت من الجحر نفسه من قبل، المسرحية هى هى ذاتها «علشان الصورة تطلع حلوة»، فى حين أن الواقع هذه المرة شديد المرارة.. يكفى تقرير البنك المركزى الذى صدر بعد ساعات من خطاب الرئيس ينذر بأن الاحتياطى النقدى أصبح عند الحد الأدنى الحرج لسداد الديون وتلبية احتياجات المواطنين من السلع المستوردة، وتصريح وزير التعاون الدولى فى اليوم ذاته بأن «معدلات الفقر والبطالة زادت إلى حد كبير».. الضغوط الاقتصادية هذه قبل أى شىء آخر هى التى أملت على الرئيس أن يوجه الدعوة إلى حواره الوطنى الثالث خلال شهرين اثنين.. لو كانت المعارضة تواجه خصما شريفا لكان عليها فى هذه الظروف العصيبة أن تمد يدها له لإنقاذ البلاد من الضياع.. لكن الكل يعلم أن هدف الرئيس هو الصورة الديمقراطية والواقع الاستبدادى.. نجلس معا ونتناقش فيما تريدون، لكنى أنفذ ما أريد.

انتبه الرئيس فى اللحظة الاخيرة إلى أن دعوته إلى «الحوار» لا تستقيم فى الوقت الذى يحقق فيه النائب العام مع أقطاب المعارضة بتهمة قلب نظام الحكم، وربما أيضا بتهمة أخرى مستوحاة من أفلام الإثارة الأمريكية التى يبدو أن الرئيس أدمن على مشاهدتها، فحواها أن المعارضة تتآمر لتهريب الرئيس إلى قطر.. فى الليلة السابقة لخطاب الرئيس فى الشورى ضغط الرئيس على الزر، أو على الأصح ضغط المقطم على الزر، فإذا بالمحامى الذى قدم البلاغ يسحب بلاغه، وإذا بمعظم ببغاوات الجماعة يصابون بالخرس، فى حين انطلق بعضهم يردد أسطوانات مناقضة تشيد بالمعارضين وبالالتحام الوطنى، مستخدمة تعبيرات الرئيس الركيكة التى تتغنى بالحب والأحضان.

مرة أخرى هذه خدعة غير محبوكة شأنها شأن سابقاتها.. تهمة قلب نظام الحكم لم يوجهها المحامى وحده.. الأخطر أن أول من وجهها هو الرئيس ذاته فى خطابه فى الاتحادية دون أن يقدم الدليل حتى الآن.. على الرئيس أن يسحب أولا هذا الاتهام فى خطاب موجه إلى الشعب.. لكن هذا لا يكفى لتبديد الشكوك فى الحوار.. عليه أيضا أن يحدثنا - ما دام هو الذى سيرعى هذا الحوار كما قال - عن تصوره لجدول أعماله، وما إذا كان سيتضمن آلية للتشاور فى اتخاذ القرارات المصيرية.. على الرئيس أيضا أن يكشف للأمة كلها لا عن نواياه وإنما عن الخطوات العملية التى يقترحها لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتأكيد مبدأ المواطنة وتمكين المرأة واستقلال القضاء وكفالة الحريات، خاصة حرية الصحافة والإعلام.. عندئذ فقط يمكن للمعارضة أن تقبل الحوار وتجلس إلى الرئيس.

حديث الرئيس عن حوار وطنى جديد أشعل سوق المبادرات.. هناك الآن فى الشارع السياسى أكثر من مبادرة، يلفت النظر بينها اثنتان، مبادرة طارق الزمر ومبادرة عمرو موسى.. أهمية مبادرة الزمر لا تأتى فقط من كونها قادمة من الجماعة الإسلامية، ولكن من أنها تحدد جدول أعمال مقترحاً للحوار، يشمل بنودا عديدة من بينها العنف السياسى والعدالة الاجتماعية والسياسة الاقتصادية واستقلال القضاء، أما مبادرة موسى فهى تطرح اقتراحات عملية منها تشكيل حكومة طوارئ ائتلافية برئاسة الرئيس لمدة عام، تتوقف خلاله الإضرابات ويعاد تشغيل المصانع المتوقفة، ولا تصدر فيه قرارات سيادية إلاّ بموافقة الحكومة، وتؤجل الانتخابات النيابية 6 أشهر على الأقل، وتعلن على الفور تهدئة سياسية مع جبهة الإنقاذ الوطنى.

تعدد المبادرات سلاح ذو حدين، إذ إنه قد يفتح بابا أمام الحوار بالفعل وقد يفضى إلى انقسام داخل التيار الإسلامى أو انقسام داخل صفوف المعارضة.. جبهة الإنقاذ تناقش الآن مبادرة موسى، وربما تحسن صنعا إذا ما احتفظت بها حتى لو كانت متفقة معها.. كى يكون هناك أمل فى أن تنجح المبادرة، ويجب عندئذ أن تأتى إما من جهة مستقلة وسطية وهذا ما يتعذر فى جو الاستقطاب الذى تشك فيه كل الأطراف فى مثل هذه الجهة، وإما أن تأتى من الرئاسة ذاتها.. الرئاسة هى التى بيدها السلطة وهى صاحبة المسؤولية الأولى.. أما أن تبادر الجبهة بعرض مقترحاتها فقد يفهم ذلك خطأ بين جماهير المعارضين، وقد يفهم خطأ فى دوائر السلطة.

الشراكة فى الحكم كانت على وجه التحديد السبب فى رفض جماعة الإخوان لمبادرة موسى بقيام حكومة ائتلافية، رغم أن البعض كان يأمل قبول الإخوان مشاركة الاخرين فى تحمل عبء الحكم الثقيل.. لكنهم ما داموا يرفضون فلتحمل الجماعة إذن العبء الذى زاد ثقلا بتخبطها فى الشهور الستة الأخيرة.. ليشكلوا حكومتهم صريحة، وليثبتوا للشعب أنهم جديرون بالحكم، قادرون وحدهم على مواجهة التحديات الجسام.. أما إذا وقع المستحيل وبادر الرئيس نفسه بعرض المشاركة فالواجب على المعارضة عندئذ ألا تهرب من مسؤوليتها.. عليها أن تقبل الحوار شريطة أن تكون الأهداف وآليات العمل واضحة، معلنة بشفافية تامة أمام الشعب.

عندما يتطرق بنا الحديث إلى الشفافية وإلى مصارحة الشعب لا أملك إلاّ أن أتذكر يوم 22 يونيو الماضى، بعد أن انتهت الانتخابات الرئاسية وقبل أن تعلن النتيجة، عندما وقف عدد من الرموز الوطنية إلى جانب الدكتور مرسى فى «فيرمونت» وهو يعاهد الشعب - إذا ما تولى الرئاسة - على إقامة دولة ديمقراطية مدنية حديثة، ويعدد العهود التى سيـفى بهـا لقيام هذه الدولة.. أتذكر وأتحسر.. ولا تغيب عن بالى الحكمة التى تجاهلتها مرة ودفعت الثمن: «الإخوان ليس لهم عهد».

القسم: 

حمدي قنديل يكتب: سفينة بلا ربان

أخيرا، تم تمرير الدستور رغم الدم ورغم الرفض.. ليس مهماً أن نتجادل حول ما تعنيه نسبة الموافقة والممانعة، ولا حتى أن نعدد المخالفات التى وقعت فى الاستفتاء.. بعضهم قال إن تدليسا ناعما قد وقع، والبعض أكد أنه تزوير بالغ الخشونة.. كل هذا ليس مهما الآن.. المهم أن الدستور أصبح حقيقة.. يقال إن الرئيس وعشيرته راضون الآن.. ولكن، مهلا.. الأهوال تنتظرهم ابتداء من صباح الغد، إن لم يكن من هذه الساعة..

(1) أول الأهوال هو جمع شمل الأمة التى فرقها حكم التيار الدينى والاستقطاب الذى أحدثه خاصة فى الأسابيع الأخيرة.. الانقسام لم يعد خلافا سياسيا تقليديا.. تأزم الموقف حتى أصبح عداء لا يحسم إلا بقاتل وقتيل.. السلطة تتهم المعارضة بالتآمر لقلب نظام الحكم وإسقاط الرئيس، وتطلق أبواقها بأسلط الألسنة لوصم المعارضين بالخيانة، مقابل علب من جبن «النستو» أحيانا.. وبعض أقطاب المعارضة يطالبون بانتخابات رئاسية جديدة، وبعض آخر يعلنون عدم اعترافهم بالدستور، وغالبية منهم ترى أن الرئيس فقد شرعيته الأخلاقية.. يظن مرسى أن الانقسام يمكن أن يداوى بما يسمى «الحوار الوطنى» بين القوى السياسية.. لكن الحوار فشل رغم التستر وراء بعض الأقنعة المنسوبة إلى الثورة، ورغم الرشاوى بكراسى مجلس الشورى، ورغم محاولات نائب الرئيس المستقيل البائسة التى أجهزت على ما تبقى له من مكانة.. الآن لا يوجد رجل فى القصر له من الثقل ما يمكّـنه من الوساطة.. وعرض إجراء الحوار مع المرشد سقط فى اللحظة التى طرح فيها.. والرئاسة تخشى تدخل الفريق السيسى الذى حذر من أن «الانقسامات تهدد السلام الاجتماعى»، وذلك حتى لا ينكشف قصورها أو يفتح الباب أمام القوات المسلحة لتطل على المشهد الداخلى، أو ربما لتهبط عليه بأقدامها الثقيلة.. زاد من تعقيد العلاقة تصريحات المرشد الأخيرة التى قيل إنها أغضبت الجيش والبلاغ الذى قدم ضده إلى النيابة العسكرية.. طريق الحوار مسدود إذن، خاصة أن قوى المعارضة ترى فيه سكة الندامة..

(2) التحدى الثانى أمام الرئيس هو أن الانقسام ليس بين فصيلين سياسيين.. هناك جدار فاصل الآن يمزق اللحمة الوطنية إلى معسكرين، معسكر يريدها دولة دينية، وآخر مؤمن بالدولة المدنية.. صبت الجمعية التأسيسية للدستور الزيت على النار بتشكيلها الأعور ووصفة سلق الدستور ونصوص الدستور ذاته.. بعض الفرقاء يرون فى الدستور مفتاحا لدولة الخلافة، وآخرون يرونه إيذانا بالفوضى.. هذا الأسبوع دعا زعيم السلفية الجهادية إلى تقسيم مصر إلى محافظات تطبق الشريعة وأخرى تطبق الدستور، أما الحركة الجهادية المصرية فى أوروبا فلم تقنع بذلك ولكنها رأت فى بيان أصدرته أن مصر كلها سقطت «وحان الوقت لاستخدام القوة ضد العلمانيين الكفار».. صاحب ذلك استعراض عضلات لبعض القوى الإسلامية ينذر بالخطر، من مليونية باسم «الدفاع عن العلماء والمساجد» حولت مسجد القائد إبراهيم لساحة حرب، إلى الدعوة لمليونية أمام نقابة المهن التمثيلية شعارها «لا لقذارة الفن».. وهناك حرائق متبادلة لـ17 مقراً لحزب الحرية والعدالة ومقرات لحزب الوفد، إلى جانب تهديدات للصحف وقوائم سوداء للإعلاميين، وسط حرب ضروس بين المعسكرين الدينى والمدنى أشعل نارها هجوم لإخوان على المعتصمين فى الاتحادية وسقوط 10 ضحايا من الجانبين..

(3) يطرح هذا التحدى تحدياً آخر على الرئيس وعشيرته، هو كيف يواجه الإخوان المسلمون هذا العنف الذى أصبح منهاج حياة لدى بعض الجماعات السلفية وخاصة فرقة أبوإسماعيل التى لم تكتف بفتنة القائد إبراهيم فى الإسكندرية، ولكنها ذهبت إلى حد حصار محكمة فى مدينة نصر أكثر من 12 ساعة حتى ينتهى تحقيق النيابة مع أحد عناصرها ويتم «تحريره».. هل تنتصر الجماعة لدولة القانون أم تصمت خشية أن يتهمها المتشددون بالميوعة والتخاذل فى تطبيق الشريعة، وينهار بذلك التحالف بينها وبين السلفيين الذى ستخوض به انتخابات البرلمان.. ثم إن الجماعة، والدولة أيضا، ستواجه عددا آخر من المعارك الفرعية فى التصدى للسلفيين، فى مقدمتها مثلا تحديد رسالة المساجد.. هل ننأى بالمسجد عن أن يقحم فى الصراع السياسى، كما تدعو وزارة الأوقاف، على الأقل فى العلن، أم تخضع الدولة لمقـولة الشيخ المحـلاوى «من يدّعى أن لا سياسة فى المسجد جاهل بالإسلام»؟..

(4) تشكل الجماعات الجهادية تحديا آخر للأمن القومى وللرئيس بالطبع، خاصة بعد أن تغلغلت فى سيناء التى وصف الاتحاد الأوروبى الوضع فيها بأنه أصبح هشا للغاية.. يزيد من خطورة هذه الجماعات كشف اتصالات وتقاطعات بين تنظيمات الخارج الجهادية وتنظيمات الداخل، فتحت الطريق لتسريب عناصر مصرية إلى ليبيا ومالى وكذلك إلى سوريا، حيث قتل فى الأسبوع الماضى الجهادى حذيفة عبد الباسط على يد قوات الأسد فى إدلب، وأقامت إحدى الجماعات عزاء له فى مسقط رأسه فى مصر.. ربما الأخطر من ذلك أن هناك أسلحة حديثة فى أيد عديدة، غالبيتها مهربة من ليبيا، تثير شكوكا حول وجود ميليشيات عسكرية على الساحة (تسمى تأدبا تنظيمات تستخدم العنف) رغم نفى رئيس الوزراء لذلك..

(5) لا تقف التحديات أمام الرئيس عند هذا الحد.. هناك جدار فاصل آخر بين المسيحيين وقطاع عريض من المسلمين.. هذه فتنة حقيقية أذكت نيرانها تصريحات أقطاب فى الإخوان المسلمين، مثل البلتاجى الذى قال إن 60% من المتظاهرين فى الاتحادية مسيحيون، وزايد عليه الشاطر فزعم أنهم 80%، وتصريحات لأقطاب آخرين حرَّضوا على الكنيسة بحجة أنها ضد الدستور.. يضاعف من حدة الأجواء أيضا ما تكرر من روايات عن منع مسيحيين من الإدلاء بأصواتهم فى الاستفتاء.. وفى مقابل ذلك كله نجد صمتا مطبقا من الرئاسة، يزيد من غموضه أن الكنيسة تلاحظ أن الرئيس لم يقم بزيارتها رغم انتخاب بطريرك جديد..

(6) أما تحدى الانهيار الاقتصادى فلا يخفى على أحد.. احتياطى النقد الأجنبى ينزف بنحو 500 مليون دولار كل شهر.. العجز الكلى فى الموازنة يصل إلى 200 مليار جنيه.. تراجع الاستثمارات الأجنبية مستمر.. ترنح الجنيه أمام الدولار يتواصل.. زيادة الأسعار المطردة للسلع والكهرباء والمياه لا تتوقف.. قانون الضرائب الجديد سينفذ لا محالة بعد أن تأجل إلى ما بعد الاستفتاء.. أزمة هائلة فى الوقود متوقعة.. تأجيل البنك الدولى لمباحثات القرض.. إعلان أوروبا أن مساعداتها مرتبطة بالديمقراطية.. مطالبات فى الكونجرس الأمريكى بقطع أو بخفض المعونة لمصر.. رفض المحكمة السويسرية إطلاع مصر على ملف أموال مبارك بسبب اضطراب مؤسسات الدولة.. مشروع الصكوك الإسلامية يتعثر تحت ضغوط حزب الحرية والعدالة.. ثم ضياع موسم السياحة الشتوى وضياع 300 مليون دولار كل أسبوع معه بسبب الفوضى التى عمت البلد.. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ربما يتفاقم إذا تقدم فاروق العقدة محافظ البنك المركزى باستقالته..

(7) استقالة العقدة لابد أن تذكّر الرئيس أيضا باستقالة النائب العام، وباستقالة المستشار البلشى، أمين عام اللجنة العليا للانتخابات، وباستقالات أخرى فى عقر داره، كان آخرها استقالة نائب الرئيس التى سبقتها استقالة واحد من مساعديه (الدكتور سمير مرقس) وخمسة من مستشاريه بسبب التخبط فى إدارة الدولة..

(8) مهزلة النائب العام مجرد حلقة فى سلسلة الصراع بين السلطة والقضاء.. يتصدر هذه الأزمة صراع شرير غبى مع المحكمة الدستورية تجلى فى حصار جمَّد أعمالها، وفى اتهامات صريحة لها بالتآمر نشرت فى بيان صادر عن أحد مساعدى الرئيس وردّت المحكمة عليه ببيان أشد لهجة، ثم فى اتجاه 60 محكمة دستورية عليا فى العالم لتعليق عملها تضامنا مع المحكمة المصرية.. هناك أيضا الصراع مع نوادى القضاة التى رفض معظمها المشاركة فى الاستفتاء وقررت تعليق أعمال المحاكم فيما أصبح يعرف بـ «انتفاضة القضاة».. وهناك أخيرا تعليق العمل فى النيابات واعتصام أعضائها الذى تقرر أن يبدأ أمس الأحد أمام مكتب النائب العام احتجاجا على رجوعه عن الاستقالة..

(9) لكن هناك فى ساحة القضاء تحديا آخر ينتظر الرئيس هو الطعون فى عدة محاكمات حساسة.. الأسبوع الماضى انتهت بحكم ببراءة الضابط المتهم بقتل سيد بلال وحكم آخر بإعادة المحاكمة فى قضية الشهيد خالد سعيد، وهذا الأسبوع يبدأ بنظر محكمة النقض فى طعن مبارك والعادلى فى الحكم الصادر فى قضيتهما مع قيادات الشرطة.. نعم، لا يجب أن يتدخل الرئيس أو غيره فى أحكام القضاء، ولكن الرئيس تعهد للشعب بإعادة محاكمات قتلة شهداء الثورة، فى حين أن عديداً من الفقهاء الدستوريين يقولون إن الشريعة والدستور والاتفاقيات الدولية تمنع المحاكمة على جرم واحد مرتين..

(10) التحدى العاشر ـــ وإن لم يكن الأخير ـــ وربما هو الصداع المزمن فى رأس الرئيس: الإعلام، وهو ملف ضلت الرئاسة طريقها فيه، كلما أوغلت الخطو غطست فى مستنقع..

فى هذا اليوم الذى لابد وأن الرئيس يحتفى فيه بانتصاره فى الاستفتاء، ليس من اللائق أن نفسد عليه عرسه بالتذكير بالتحديات التى تنتظره اليوم فى الخارج أيضا، وآخرها المؤامرة الكوميدية التى اتهم فيها قيادى مغمور فى الإخوان المسلمين أقطاب المعارضة بأنهم ضالعون فى مؤامرة مع دولة الإمارات لاختطاف الرئيس وتهريبه إلى قطر.. يكفى الرئيس تحديات الداخل، التى لن يقوى على مجابهتها لا هو ولا جماعته.. خبرته لا تتيح له التصدى لهذه المهام العظام، وجماعته انكشفت فى الشهور الستة الماضية.. أوهمتنا بأن لديها برنامجا سمته «النهضة» وبأن لديها كفاءات لتنفيذه، وبأن لديها مصادر تمويل «تجلب الخير لمصر»، لكن الأيام كشفت أن أهم ما تملكه هو اللسان والعضلات..

كنا نود أن يكون اليوم خاتمة لرحلة طويلة فى مجاهل القلق والتخبط والإحباط وفاتحة لآفاق الاستقرار والطمأنينة، لكننى أصارحكم بكل أسف، مصر تبحر وسط موج متلاطم فى سفينة بلا ربان..

القسم: 

الحريق في مصر كلها

سواء كنت قد قلت «لا» أو قلت «نعم»، أمس الأول أو كنت قد قاطعت، فسوف يسقط هذا الدستور مهما كانت نتيجة الاستفتاء عليه.. لن يكون الدستور باطلاً لأن الجمعية التأسيسية التى وضعته غير شرعية، ولن يكون باطلاً لأنه تم سلقه فى ليلة، ولن يكون باطلاً لأنه لا يعبر عن ثورة 25 يناير، ولن يكون باطلاً بسبب ما فيه من مواد تصادر الحريات وتهضم حقوق الفقراء وتكرس سلطان الحاكم وتنتقم من القضاء وتفتح الباب أمام التأويلات، ولن يكون باطلاً بسبب المخالفات التى ارتكبت فى الاستفتاء وقاربت حد التزوير السافر، ولن يكون باطلاً لأن النتيجة كانت «لا» أو كانت متقاربة بين «لا» و«نعم».. الدستور سيسقط لأنه كتب بالدماء، ولأنه لن يحقق الاستقرار، ولأن الاستفتاء عليه أجرى والأمة منقسمة إلى فسطاطين: فسطاط الفاشية الدينية الظلامية، وفسطاط الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.

انقسمت الأمة فى اليوم الذى انتخب فيه مرسى رئيساً بعد معركة انتخابية ضارية مع أحمد شفيق.. لم يفز مرسى بأصوات الإسلاميين.. بين الـ25 مليوناً الذين شاركوا فى التصويت لم يتعد عدد هؤلاء الخمسة ملايين وسبعمائة ألف صوت التى حصل عليها فى الجولة الأولى.. أنصار مرسى إذن لا يزيدون على 23% من مجموع الناخبين.. حكم مرسى باسم هؤلاء واعتماداً عليهم لا كرئيس لكل المصريين.. منذ اليوم الأول لحكمه بدأ فى أخونة مفاصل الدولة وزرع أركان القصر الرئاسى بمندوبى المرشد.. صحيح أنه أحاط نفسه بنخبة من المستشارين يمثلون بعضاً من القوى السياسية الأخرى، لكنهم كانوا مجرد واجهة جاذبة لعدسات التصوير.. خدعنا مرسى أيضا بضم بعض رموز تيار استقلال القضاء إلى فريقه، كان الجوكر بينهم هو المستشار الغريانى الذى ولّاه على الجمعية التأسيسية للدستور والمجلس الوطنى لحقوق الإنسان لينفذ له ما يريد.. الاثنان الآخران، الأخوان مكى، كانا مجرد تابعين يعترضان فى الصحف ويركعان فى الكواليس.

خدعة مرسى الكبرى كانت فى «اتفاق فيرمونت»، الذى تعاهد فيه مع عدد من الرموز الوطنية القومية والاشتراكية والمستقلة قبل أن يتولى الرئاسة بأيام ليحقق مطالب الأمة جمعاء.. نكث مرسى العهد.. لم يعين نواباً له يمثلون الشباب والأقباط والمرأة.. لم يشكل وزارة ائتلافية تمثل مختلف القوى السياسية.. لم يضع على رأس الوزارة شخصية وطنية مستقلة.. تعهد بالشفافية، لكن ميراث الجماعة المحظورة دفعه إلى السراديب.. وكان وعده بدولة مدنية ديمقراطية حديثة تحترم حقوق المواطنة وتضمن الحريات مجرد سراب.

حرية الإعلام كانت أولى ضحايا عهده.. أخضع أجهزة الإعلام الرسمى لوزير من جماعته، كتم أصوات المعارضين.. بدّل رؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية بصحفيين يدينون له بالولاء.. أغلق صحفاً وقنوات تليفزيونية بقرارات إدارية.. قدم إعلاميين للمحاكمة بتهمة إهانته والمساس بهيبته.. عين مجلساً أعلى للصحافة يقوده أتباعه.. سمح مشروع دستوره بحبس الصحفيين بعد أن كان دستور 71 يحظر ذلك.. كانت الطامة الكبرى عندما قرر حلفاؤه حصار مدينة الإنتاج الإعلامى التى قرروا تعديل اسمها إلى مدينة الإنتاج الإسلامى.

هذه ليست قائمة بأخطاء «مرسى»، وإلّا لكنا ذكّرناه أول ما ذكّرناه بمخططه الماكر لاختطاف الثورة وتكريس حكم الفرد، وذكّرناه أيضا بأنه لم يثأر لدماء الشهداء، وذكّرناه بسيناء التى تحولت فى عهده إلى قاعدة للأصوليين، وذكّـرناه بعلاقاته الملتبسة بالأمريكيين والإسرائيليين، وذكّرناه بفشل برنامج المائة يوم، وذكّرناه ببرنامج حكومته الاقتصادى الذى يعتمد على القروض ويعادى الفقراء، وذكّرناه باعتدائه على استقلال القضاء وانتقام مشروع دستوره من المحكمة الدستورية.. وذكّرناه وذكّرناه.

فشل «مرسى» الأكبر أنه لم يستطع أن يوحد الأمة التى كلّف بقيادتها.. فى الشهر الماضى فقط كانت الأجواء مواتية تماماً.. عندما خرجت الخلافات داخل الجمعية التأسيسية إلى السطح، بادر بعقد الاجتماعات مع الفرقاء السياسيين.. استمع، لكنه بدلا من أن يتخذ قرارا يجمع به الشمل فاجأ الجميع بإعلان دستورى يضع به كل السلطات فى يده.. كان القرار بداية الكارثة.. استثار الشارع الثورى، وأمد خصومه المتربصين به بذخيرة كافية لخدش شرعيته، وأطلق شرارة المظاهرات والاعتصامات التى أصابت البلاد بالشلل.. أول أخطائه عندئذ كان الخطاب الذى ألقاه فى العشيرة التى التفت حوله عند قصر الاتحادية.. بعدها بأيام تجمع المعارضون حول القصر، وفى اليوم التالى وقعت الواقعة التى ألهبت المشاعر.. شنت جماعة الإخوان المسلمين هجوماً على اعتصام المعارضة السلمى، وسقط ضحايا من الجانبين.. ألقى مرسى بعدها خطاباً بالغ الانحياز، اتهم فيه المعارضة بالعمالة والانخراط فى مؤامرة دولية على الحكم، وأعلن أن بعض المأجورين ألقى القبض عليهم وأنهم اعترفوا، لكن المفاجأة كانت إفراج النيابة عن كل المحتجزين.

لم يكن الخطير فى الخطاب هو تزوير الاتهام.. الخطير أن الخطاب فتح الباب واسعاً أمام عشيرة الرئيس لإطلاق تهديدات بساعة الصفر وتقديم ألوف الشهداء واستهداف الأقباط وكنيستهم، بزعم أنهم كانوا عماد المظاهرات المعادية.. أيقظ هذا الهراء الفتنة بين عنصرى الأمة.. فى هذا الجو المحموم، تضاعف الاستقطاب الحاد بسبب طرح مشروع الدستور للاستفتاء بعد اجتماع خادع لما سمى «الحوار الوطنى»، اقتصر على مريدى الرئيس.. ثم زاد الوضع توتراً بعد صدور قرارات مرتبكة من الرئاسة، لعل أغباها قرار زيادة الأسعار والضرائب الذى تم التراجع عنه بعد ساعات.

بدا التخبط فى القمة واضحاً عندما دعا وزير الدفاع جميع الأطراف السياسية للاجتماع فى ضيافته.. وبعد سلسلة من تصريحات التأكيد والنفى سحبت القوات المسلحة الدعوة، بحجة أن رد الفعل لم يكن على النحو المرجو.. الحقيقة أن خلافاً دبَّ بين وزارة الدفاع والرئاسة، التى ساورتها الشكوك فى أن القوات المسلحة سحبت من تحتها البساط وتصدت هى للحوار الوطنى بعد فشل الحوار الرسمى الذى رعاه الرئيس.. سواء كان الأمر على هذا النحو أو ذاك فقد أجرى الاستفتاء.. ورغم أن نتائجه الأولية بدأت فى الظهور فى الوقت الذى يكتب فيه هذا المقال، فإن النتائج مهما كانت ليست على هذا القدر من الأهمية.. الأهم أن الاستفتاء عمَّق من الفالق الذى يقول الأستاذ هيكل إنه شق الأمة.. مصر أصبحت ضحية صراع حاسم على الهوية.. مصر أصبحت مصرين: مصر الإسلامية، ومصر المدنية.

«مرسى» ليس مؤهلاً لرأب هذا الصدع، لأن قامته ليست على مستوى المسؤولية، لأنه ينتمى إلى فريق ويعادى الآخر، وكلما زاد الصراع احتداما لاذ بحضن العشيرة.. بعد الاستفتاء سيلتهب الصراع أكثر فأكثر سواء كانت النتيجة بـ«لا» أو بـ«نعم».. سينادى كثيرون بأنه لا يمكن لبلد أن يؤسس لدولة الثورة سوى بتوافقٍ بين الفصائل التى قامت بها، لكن «مرسى» سيستلهم الوحى من المقطم ويبدأ فى المناورة.. الأرجح أنه سيعد، مرة أخرى، بحكومة ائتلاف وطنى، ثم ينكث مرة أخرى بالعهد ويكتفى بإجراء تعديل وزارى محدود.

عندما تسد كل السبل أمام الصراع الدائر وتفشل كل الأطراف فى مد الجسور وتبدأ تباشير الاقتتال فى الظهور، سيتطلع كثيرون ممن هتفوا على مدى 18 شهراً بسقوط حكم العسكر إلى عبدالفتاح السيسى، رجل الجيش القوى، أن يحكم العسكر مصر مرة أخرى فلن يعنى هذا إلاّ أن مصر تعود مرة أخرى إلى ما دون درجة الصفر، لكنه فى غياب قيادة فاعلة يثق بها الجميع فبإمكان «السيسى» أن يلقى طوق النجاة إذا ما وجه دعوة جادة هذه المرة للجميع والرئيس فى مقدمتهم حتى يتداولوا فى كيفية تفادى الحريق.

أمس الأول، شبت نيران الفوضى فى حزب الوفد، وقبلها فى مقار الحرية والعدالة.. ولكن، انتبهوا، الحريق الآن يوشك أن يشتعل فى مصر كلها.

القسم: 

الأزمة ليست في الحوار

عندما أعلن فى التليفزيون قبيل منتصف الليل أن الحوار الوطنى الذى دعا له الرئيس شارف على الانتهاء، وأن نتائجه ستعلن فى مؤتمر صحفى بعد قليل، تذكر عديد من المشاهدين الليلة التى أنهت فيها الجمعية التأسيسية أعمالها بعد 19 ساعة متواصلة تم فيها سلق مشروع الدستور.. بدأ المؤتمر، وارتص الأعضاء على المنصة يتأهبون للظهور فى الصورة، ولكن غالبية مشاهدى التليفزيون، حتى أولئك المعنيون منهم بالشأن العام، لم يستطيعوا أن يتعرفوا على معظم الوجوه رغم أن التركيبة كانت مألوفة للكثيرين.. قليل من الرموز المستقلة التى يحظى بعضها بثقة ما فى الشارع المصرى، وحفنة من أساتذة القانون، وعدد مختار بعناية من ممثلى الأحزاب الكرتونية، وأحد الأقباط حتى وإن لم يكن يمثل الكنيسة، وبعض الأراجوزات الذين يجيدون اللعب على كل الحبال، بالإضافة إلى كبار موظفى الرئاسة ومعاونى الرئيس الذين ورطوه فى إصدار إعلانه «الدستورى».

أعترف بأن قرارات الحوار كانت مفاجئة لى تماما.. لم أكن أتوقع هذه النتائج، ولا أن تصدر فى هذا الموعد.. كان ظنى أن هناك عوامل ضاغطة لا يمكن تجاهلها.. هناك البيان الذى أصدرته القوات المسلحة، وهو فى حقيقة الأمر إنذار بالتدخل.. وهناك ضغوط خارجية تطلب من كل الأطراف، والرئيس بالذات، أن تتحاور.. وهناك أيضا الوضع الاقتصادى بالغ السوء الذى يحتاج إلى التقاط الأنفاس.. كنت أظن أن كل هذه العوامل ستدفع الرئيس إلى أن يلعق جراحه ويبحث عن مخرج معقول يصون هيبة الرئاسة، وستدفع المعارضين أيضا إلى البحث عن مخرج كريم لهم، وإلاّ فإنهم سيتحملون نتائج ما يمكن أن يؤدى إليه الفشل من فوضى.

توقعت أن يعلن عن مد الحوار يومين أو ثلاثة، وأن تطلق بعض بالونات الاختبار وتجرى اتصالات ببعض المعارضين، وربما يقترح المشاركون فى الحوار بعض المبادرات حتى ولو كانت محدودة بشأن الإعلان الدستورى أو بشأن مشروع الدستور أو بشأن الاستفتاء عليه.. ولكن كنت فى كل الأحوال موقناً بأن المشاركين سيصلون فى النهاية إلى صيغة ما، ليست مقبولة تماما وليست مرفوضة تماما، يحار بشأنها المعارضون.. وعندما يدرك المعارضون أن هذه الصيغة يمكن أن تشق صفوفهم سيعلنون المشاركة فى الحوار، أملاً فى الوصول إلى صيغة أفضل.. كنت أتوقع أن الحوار بعد ذلك سينتهى إلى حلول وسط ليس أمام الأطراف جميعا سوى القبول بها، وأن النتائج ستسوّق على أنها نجاح للحوار وانتصار للديمقراطية.

لم يحدث شىء من هذا كله.. انتهت المسرحية، التى لم يفهم معظمنا مشهدها الختامى بدقة، إلى أن هناك إعلانا دستوريا ألغى وهناك إعلانا دستوريا صدر، وأن مشروع الدستور باق على حاله وأن الاستفتاء لن يتزحزح عن موعده.. المؤكد أن كثيرين من الشباب الذين كانوا معتصمين خارج قصر الاتحادية فى الوقت الذى جرى فيه الحوار داخل القصر اعتبروا أن الحوار قد فشل.. لم ينتظر هؤلاء قرارا من جبهة الإنقاذ الوطنى التى تمثل معظم أطياف المعارضة ليعلن عليهم رفض نتائج الحوار.

صحيح أن هذه الجبهة هى التى تضم أبرز الشخصيات القيادية، ولكنها مع ذلك ليست هى التى توجه الدفـة.. زمام الجماهير أفلت ولم يعد بمستطاع أحد الإمساك به.. هذه هى الحقيقة الساطعة التى أبرزتها الأيام الأخيرة.. الجماهير هى التى تتخذ قرارها وتوجه جموعها وتفرض أحلامها، وهى غير راضية عن الحوار بعد أن سال الدم وأغمضت الدولة عينيها عن الجناة الذين مارسوا عنفا وقاموا بتعذيب وحشى لم تعرفه مصر من قبل.

لم يكن أحد يتوقع أن الحوار سوف ينجح وذلك لسبب آخر، أن الحـكم بين الأطراف المتنازعة فيه، الرئيس منحاز إلى واحد من طرفيه، لم يدرك حتى الآن أنه رئيس لكل المصريين.. فى اليوم التالى لإعلانه الدستورى وجه الرئيس خطابه إلى عشيرته التى تجمعت حوله فى الاتحادية، وفى خطابه الأخير يوم الخميس الماضى اكتفى بإدانة معارضيه الذين تظاهروا حول قصره يوم الثلاثاء فى مظاهرة سلمية لم تحدث فيها خسائر سوى إصابة أحد سائقى سيارات الرئاسة، ودفع عن عشيرته تهمة الهجوم على معارضيه يوم الأربعاء وألصقها بمأجورين ينتسبون للمعارضة.

فشل الحوار كان مؤكدا لسبب ثالث، أن الرئيس أراد قبل الحوار بيومين أن يوجهه وجهة خاطئة.. فى حين كان معروفا للكل أن المعارضين يطالبون بإلغاء الإعلان «الدستورى»، ورفض مشروع الدستور، وتأجيل الاستفتاء عليه، خرج نائب الرئيس بتصريح أعلن فيه أن الرئيس حدد للحوار جدول أعمال لا علاقة له بذلك كله، يتناول ثلاثة موضوعات مختلفة تماما هى تحديد الأعضاء المعينين فى مجلس الشورى «رشوة مقنعة للمعارضة»، وقانون الانتخابات، ومستقبل البلاد بعد الاستفتاء فى حال ما إذا كان قرار الشعب بلا أو بنعم.. سمّوا هذا «استهبالا»، سموه تضليلا، سموه ما شئتم.

علامات فشل الحوار كانت بادية من مراوغات الرئاسة التى حاولت أن توهمنا بأنها هى التى تقدم التنازلات فى حين يتمترس المعارضون خلف لاءاتهم.. مرة أخرى تحدث المستشار محمود مكى «الذى فقدناه كقاض ولم نكسبه كنائب للرئيس» فقال إن الرئيس على استعداد لتأجيل الاستفتاء، ولكنه يضع شرطا أن يقدم له المعارضون ضمانة حتى لا يتم الطعن بعد ذلك على قرار التأجيل بدعوى مخالفته للإعلان «الدستورى».. وفى اليوم ذاته، أى ليلة انعقاد الحوار، نجده يعلن عن بشارة كبرى، هى أن الرئيس سيقدم عربونا لحسن النية، هو تأجيل الاستفتاء فى الخارج من 8 إلى 12 ديسمبر، أربعة أيام بلياليها، فإذا بنا نكتشف بعد ذلك، على لسان رئيس اللجنة العليا للانتخابات، أن التأجيل جاء اضطرارا «بناء على طلب وزارة الخارجية لاستكمال استعداداتها»، خاصة أن أكثر من مائتين من الدبلوماسيين المصريين فى الخارج أعلنوا امتناعهم عن الإشراف على إجراء الاستفتاء.

الحوار لم يكن من المقدر له أن ينجح أبدا، لأن الرئيس فى واقع الأمر كان يريد أن يفرض شروطه، ولا ينوى أن يتزحزح قيد أنملة عن موقفه، كما صرح رئيس ديوانه.. هو لا يريد الاستماع إلى أحد خارج عشيرته، ولو كان يطلب مشورة غير منحازة لكان قد طلبها من مساعديه أو مستشاريه الذين استقالوا، لكنه لم يستشر أحداً منهم فى أمر ولا حتى أطلع نائبه على قراره بإصدار إعلانه «الدستورى».. الحوار لم يكن لينجح لأن الرئيس يعتقد فى قرارة نفسه أن حصار الجماهير للقصر الجمهورى ليس ممارسة ديمقراطية ولكنه خدش لكرامته «والحق أن بعضا من الهتافات التى نادى بها المتظاهرون وبعضا من الشعارات التى كتبوها على سور قصر الرئاسة حادت كثيرا عن الأصول المرعية».. ولن ينسى الرئيس لوقت طويل، كما أظن، أنه خرج هاربا ذات ليلة من باب القصر الخلفى، أو أنه اضطر أن يصلى الجمعة مع حرسه وحدهم فى دار الحرس الجمهورى.

كان من المستحيل للحوار أن ينجح لأنه جرى فى ظل حملة لترويع المعارضة وإرهابها.. الرئيس يكرر مرات الحديث عن مؤامرة لا يقدم دليلا عليها سوى حديث مرسل عن «اجتماعات متوالية تمثل خطورة هائلة على استقرار الوطن وأمنه تجرى فى مكتب أحد المتهمين فى موقعة الجمل حصل على براءة مؤخرا».. وزير الإعلام يعلن أنه يمتلك وثائق وأدلة تؤكد أن مصر تتعرض لمؤامرة شرسة.. خيرت الشاطر يصرح بأنه رصد لقاءات بين أطراف داخلية وخارجية لإسقاط الرئيس وأن لديه معلومات من كواليس الفضائيات وتسجيلات تليفونية «بالمخالفة للقانون طبعا» عن المخطط.

كلام متناثر هنا وهناك عن اغتيالات واعتقالات لشخصيات المعارضة البارزة يزكيه تهديد مبطن من وزير العدل الذى يقول إنه كان بإمكان الرئيس إعلان الطوارئ واعتقال المعارضين إلاّ أنه لم يفعل.. مرشد الإخوان يصرح فى مؤتمر صحفى بأن القوى السياسية تمارس الفساد والاستبداد والإجرام وأن الاحتجاجات فى الشارع «باطل تجب مقاومته».

البلتاجى يعلن أن هناك من ينفق الملايين لإشاعة الفوضى.. دعوات للشهادة فى سبيل الشرعية على ألسنة عدد من مشايخ السلفية وأقطاب الإخوان، يقول أحدهم: «مستعدون للتضحية بملايين الشهداء».. تهديد لأبوإسماعيل بإعداد قائمة سوداء لسياسيين وإعلاميين لاتخاذ إجراءات ضدهم.. حصار لمدينة الإنتاج الإعلامى واعتصام لتطهير الإعلام، ومحاولة لاختطاف الفقيه الدستورى الكبير إبراهيم درويش وهو فى المدينة، ومنع حمدين صباحى من الظهور فى برنامج تليفزيونى وسط حملة شرسة لإسكات صوت الإعلاميين.

مع كل ذلك فربما اعتبر البعض، خاصة أزلام الرئيس بين أولئك الذين جلسوا حول مائدة الاتحادية، أن الحوار قد نجح فعلا، أو أنه نجح بالقدر الممكن فى الظروف القائمة، وأنه رغم كل شىء سوف ينزع فتيل الانفجار وأن الأوضاع سوف تهدأ.. لكن هذا مجرد وهم.. الحوار أسفر عن تمرير مشروع دستور مرفوض شعبيا، رغم كل وعود الرئيس السابقة فإن المشروع لن يطرح للاستفتاء إلاّ بعد التوافق.. الحوار عمّـق من الشرخ فى الصفوف وزاد الأمة انقساما.. لكن المشكلة لا تكمن فقط فى الإعلان الدستورى ولا فى الجمعية التأسيسية ولا فى الدستور ولا فى الاستفتاء. المشكلة أكبر من ذلك بكثير.. المشكلة أننا تحققنا جميعا أن مصر انقسمت فعلا إلى فسطاطين: فسطاط من يتحدثون باسم الإسلام، وفسطاط المؤمنين بدولة ديمقراطية مدنية.. وطالما أن الفاشيين الجدد يعتبرون أنهم وحدهم قوى الحق، وحدهم القادرون على الحشد بالميليشيات، وأن غيرهم كارهون للإسلام، وغيرهم فى منزلة أدنى، فلن ينجح حوار بين الجانبين، بل لن يقوم الحوار أصلا.. ذلك هو الخطب الجلل الذى تواجهه الأمة، والذى يستحيل علاجه بالسياسة الحالية التى يتبعها الرئيس.

القسم: 

حمدي قنديل يكتب: دستور بير السلّم

لست أدرى من الذى أشاع أن كل مادة من مواد الدستور تمت مناقشتها فى 300 ساعة، لكنه حتى لو كان ذلك صحيحا بالفعل، فإن أحدا ممن تابعوا على شاشة التليفزيون جلسة الجمعية التأسيسية لإقرار مشروع الدستور لم يقتنع بذلك.. ورغم أن معظم المواد، حتى الحساسة منها، تم تمريرها بأغلبية تكاد تكون ساحقة، فإن ذلك لم يكن بسبب اتفاق الأعضاء فى أغلب الحالات، وإنما بسبب الأوامر..

 كانت الغرفة السرية فى الجمعية قد أبلغت الأعضاء بأنهم فى سباق مع الزمن، وأن الدستور يجب أن ينتهى وضعه قبل يوم السبت، مهما كلف الأمر، حتى يسلم إلى الرئيس فيقرر طرحه على الاستفتاء استباقا لحكم المحكمة الدستورية.

الرئيس يمقت هذه المحكمة رغم أنه أدى أمامها اليمين، ويتهمها، دون دليل، بأنها قررت سلفاً أن تحل الجمعية التأسيسية ومعها مجلس الشورى فى جلسة أمس الأحد.. وبسبب توقع الرئيس هذا الحكم بادر بإصدار إعلانه الدستورى فى 22 نوفمبر ليحصّن الجمعية والمجلس من قرار الحل، ويحصّن الدستور أيضا إذا ما صدر قبل جلسة المحكمة.. التحايل على أحكام القضاء الذى لا يدع الرئيس فرصة دون الإشادة به هو السبب الأول والأخير الذى دفع التأسيسية إلى إصدار الدستور فى 19 ساعة، بأى ثمن..

 ظلت الجمعية منعقدة من الثانية بعد ظهر الخميس حتى السابعة من صباح الجمعة، ورئيسها يلاحقها بمادة تلو الأخرى، ليستخلص منها الموافقة بالسرعة الواجبة، فإذا ما تنمّر بعض الأعضاء وأبدوا اعتراضا، كما حدث مع المادة 139 الخاصة بتشكيل الحكومة، أبلغهم بأن «عدد المعترضين كبير كده»، وهكذا يعيد التصويت فلا يعارض المادة سوى 4 أعضاء فقط.

«الغريانى» قضى عمره كله فى محراب القضاء حتى وصل إلى قمته، ورغم أنه كان أحد أقطاب حركة استقلال القضاء، فإنه كثيرا ما يقول إنه ليست له خبرة بالسياسة.. وهو رجل دمث ناعم فى جلساته الخاصة، لكنه لا يطيق رأياً آخر، ولا يسمح لخيط واحد بأن يفلت من يده.. بدا ذلك بوضوح عندما عنّـف نقيب الصحفيين أكثر من مرة، ورفض أن ينص الدستور على عدم جواز حبس الصحفيين فى قضايا النشر..

 لا مجال لفتح باب النقاش إذن حول الصحافة، لأن «الغريانى» لا يحب الإعلاميين، ومعظم أعضاء جمعيته يعتبرونهم سحرة فرعون.. لكن «الغريانى» يحب شيخ الأزهر، ولذلك فهو يفتح باب الأخذ والرد حول مادة العزل السياسى ويداور ويناور نصف ساعة كاملة لينجو شيخ الأزهر وحده من العزل.. كانت الحيلة مفضوحة تماما حتى بالنسبة لأولئك الذين يحترمون الشيخ الجليل، ومع ذلك تم فى النهاية تمرير المادة 232 التى ستثير كثيرا من اللغط، وربما المنازعات القانونية لسنوات قادمة.

وصف عديدون فى الجلسة الختامية هذه المادة بأنها «انتقامية»، لكن كل الأعضاء كانوا يختزنون ثأرهم لمادة كانت قد أضيفت فى اللحظة الأخيرة، هى 235، وهى التى أطاحوا فيها بثمانية من أعضاء المحكمة الدستورية الـ19.. كان وقت الجلسة عندئذ قد قارب من نهايته، ورغم أن الإنهاك كان قد بلغ من الكل مبلغه، فإن القاعة كانت قد انتعشت قبل ذلك بقليل عندما دخل القاعة دون استئذان رجل وصفه «الغريانى» بأنه مواطن، أخذ يوزع تفاحاً على الأعضاء.. قال بعض الجالسين إلى جوارى أمام شاشة التليفزيون إنهم كانوا يتوقعون أن يوزع الرجل مانجو وليس تفاحاً، وضحكنا عندما قال آخرون: بل يوزع ليمونا.. لكن الضحك خرج باهتا وهو ممزوج بكثير من المرارة.

مصدر المرارة ما فى الدستور من ألغام، لعل أخطرها هو الإبقاء على القوات المسلحة دولة داخل الدولة، بعيدة عن عيون المتطفلين، وهو ما تجلى فى المادة 197 الخاصة بمجلس الدفاع الوطنى.. لكن آخرين يرون أن الخطورة تكمن فى المادة 198 الخاصة بالقضاء العسكرى، وهى مادة لم يعرضها «الغريانى» على لجنة الصياغة، تعتبر القضاء العسكرى جهة قضائية مستقلة، رغم أنه يخضع لسلطة تنفيذية، ويسمح بمحاكمة المدنيين أمامه «فى الجرائم التى تضر بالقوات المسلحة»، وهى صياغة مبهمة تبقى الباب مفتوحا أمام تكرار ما عايشناه منذ قيام الثورة.

غير أن هناك فخاخا أخرى فى الدستور.. منها المادة الشهيرة رقم 10 التى تقول إن «الدولة والمجتمع» تحرص على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية وعلى تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها، وبذلك تفتح المادة الباب أمام تنظيمات أهلية مثل «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» للتدخل باسم حماية القيم الأخلاقية.. وهناك المادة 60 التى تلزم الجامعات بـ«تدريس القيم والأخلاق»..

هناك المادة 10، وهى الوحيدة فى الدستور التى تشير إلى المرأة فتربط وضعها بالمنزل والأسرة.. وهناك أيضا المادة 73 التى تجيز السخرة بالنص على إمكان أن يكون العمل جبرا بمقتضى القانون.. وهناك المادة 53 التى تحد من حرية الحركة النقابية بالنص على ألا «تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة مهنية واحدة».. وهناك المادة 208 التى تجيز للمفوضة العليا للانتخابات الإشراف على انتخابات النقابات وبذلك تقيد حريتها..

وهناك المادة 48 الحاشدة بعبارات غامضة تفتح الباب واسعا أمام البطش بحرية الصحافة، خاصة إذا ما قارناها بدستور 71، فى حين لا نجد فى الدستور مادة واحدة تنص على أن وسائل الإعلام التى تملكها الدولة مستقلة عن السلطة التنفيذية.

كنا فى اللجنة الاستشارية الفنية نعارض وجود المادة 216 التى تنص على قيام هيئة وطنية للصحافة والإعلام، تشرف على إدارة المؤسسات الصحفية والإعلامية المملوكة للدولة.. كان هدفنا التخفيف من وطأة الأجهزة البيروقراطية.. واعترضنا كذلك على إقامة هيئة عليا لشؤون الوقف «المادة 212»، باعتبار أن هناك ثلاث هيئات مستقلة منفصلة للوقف «قبطية وأزهرية وهيئة الأوقاف المصرية» يصعب إخضاعها لسلطة واحدة..

واعترضنا على قيام هيئة عليا لحفظ التراث «المادة 213»، حيث تعنى جهات عديدة بهذه المهمة.. الآن ينص الدستور على قيام هذه الهيئات جميعا دون داع، وقبلها وبعدها ينص الدستور على بقاء مجلس للشورى يكلف الدولة مليارات الجنيهات لإعالة أقطاب أحزاب الأغلبية فى حين لا يقوم بمسؤولية ملحوظة ولا تعيره الدولة أو المواطنون انتباهاً.. وفى المقابل، نجد أن مشروع الدستور يتجاهل إقامة مجلس للسياحة، بل يتجاهل ذكر السياحة بكلمة، فى حين أنها تعتبر المورد العاجل الأهم للدخل الذى لا يكلف الخزانة العامة شيئا «لدينا الآثار والطقس المعتدل والشواطئ الممتدة».. ويغيب عن الدستور أيضا عدة مفاهيم، لعل فى مقدمتها سيادة القانون الدولى والقانون الوطنى، الأمر الذى يشكك فى التزام البلاد بمعاهدات حقوق الإنسان الدولية.

لسنا على أى حال فى مقام دراسة مشروع الدستور كاملا وتفصيل ما فيه من ثغرات، وهى ثغرات لن يضللنا «الغريانى» بتغطيتها تحت ستار أن هذه «مادة مستحدثة» وتلك «هدية للشعب» وأخرى «لم ترد فى دستور من قبل»..

 ولعل الجهات التى كانت قد أعلنت أنها ستقوم بوضع مشاريع موازية للدستور تبادر الآن بوضع ملاحظاتها أمام الأمة حتى يتهيأ المواطنون الذين باغتتهم دعوة الرئيس للاستفتاء بعد أسبوعين فقط لتحديد موقفهم منه. المشكلة الآن لم تعد فى الدستور وحده ولا فى الجمعية التأسيسية التى وضعته..

 القضاء أقر ببطلان تشكيل الجمعية الأولى، والرئيس مرسى اعترف فى بيان الفيرمونت بقصور تشكيلها الثانى.. الجمعية فى كل الأحوال باطلة باطلة.. وإجراءات اجتماعها الأخير ليست قانونية.. وهى لا يمكن أن تكون شرعية فى غياب جميع القوى السياسية المعارضة، ولا يمكن أن تكون شرعية فى غياب واحد من عنصرى الأمة.. وقد أعلن الأنبا بولا أن الكنيسة لم تفوض أحداً فى التصويت عنها عندما ادعى أحد الأعضاء من حزب إسلامى أنه ممثل الكنيسة.

بالتالى، مشروع الدستور الذى صدر عن هذه الجمعية دستور باطل، دستور تم اختطافه.. دستور بير السلم، الذى وضع بليلٍ، شأنه شأن كل منتجات بير السلم، مخالف للقوانين، لم يحصل على ترخيص، أُنتج دون رقابة، دون علامة تجارية مسجلة، منتج ضار لا يهدف أصحابه من ورائه سوى الكسب السريع.. الكسب المرجو هنا هو ألا يضطر الرئيس إلى سحب إعلانه الدستورى الاستبدادى..

 وافقوا على الدستور تنته صلاحية الإعلان عندما تنتخبون مجلس الشعب، هذا ما يريدون.. فى مثل هذا الجو الذى يسوده الاستقطاب والانقسام والتربص يصرون على تمرير الدستور، ويصرون على طرحه للاستفتاء دون أن يتيحوا للشعب فرصة كافية لمناقشته كما وعدوا، ودون أن ينص قانون الاستفتاء على أن تكون الموافقة بنسبة لا تقل عن الثلثين.

نعلم مقدما ما سوف يحدث.. سوف يتكرر مشهد استفتاء 19 مارس 2011.. سوف يصور تيار الإسلام السياسى الرافضين الدستور - إذا ترفق بهم - على أنهم رافضون الشريعة، إن لم ينعتهم بأنهم ملحدون كفرة.. بدأ الهجمة بالفعل الدكتور عصام العريان، وقال إن الذين سيقولون «نعم» للاستفتاء هم أهل اليمين، وهم خيار الناس فى الدنيا ومثواهم الجنة فى الآخرة.. لكن العشيرة لن تكتفى بذلك..

 ستوزع الزيت والسكر، وتهيمن على منابر المساجد، ولن تكتفى بالترغيب وإنما ستمارس الترهيب أيضا بكل ما تملكه من أدوات السلطة.. لكن هذه الألاعيب إذا كانت قد استخدمت بنجاح فى الماضى، فإنها ستفقد صلاحيتها فى المستقبل.. لم نعد نثق بالرئيس ولا بدعوته المضللة لفتح حوار وطنى بعد أن خدعنا فى 22 يونيو بوعود تملص منها والتف حولها بعد ذلك فى تأسـيسية بير السلم، وإعلان بير السلم، ودستور بير السلم واستفتاء بير السلم.

القسم: