فاطمة ناعوت

رسالة من ذوى الإعاقة إلى الرئيس السيسى

حذفتُ من معجمى كلماتٍ ركيكة، مثل: «معوّق - ذو احتياجات خاصة»، أولاً لأن كل إنسان فوق الكوكب، له احتياجات خاصة. وثانياً لأنهم بقدرات أقل، يفعلون ما لا يفعله ذوو الأبدان الفتية العفية.. لهذا أسميهم: «الاستثنائيين».

رغم ما سبق، اخترتُ أن أضع فى عنوان مقالى تلك الكلمة المرفوضة الصادمة: «ذوو إعاقة»، لأننى بالفعل أرومُ الصدمةَ؛ علّ فيها شفاءً لصُنّاع القرار الذين هم «مُعاقون»، لسبب ما، عن حل مشكلة أبناء مصر ممن اختبرتهم الحياةُ بعِلّة جسدية ما.

وهذا ليس مقالى الأول عن أولئك الأحبّة. بل كتبتُ كثيراً دون طائل؛ كان آخرَها مقالٌ عنوانه: «مَن قتل آينشتين؟»، هنا، بجريدة «الوطن» بتاريخ ٢٧ فبراير ٢٠١٤، وكان تعليقاً على مقال كتبه أحدُ الاستثنائيين عنوانه: «لستُ معوّقاً، بل أعيش فى مجتمع يُعوّق»، وعدّلتُ شطرَ عنوانه إلى: «بل أعيشُ فى مجتمع معوَّق معوِّق». وتحدثتُ يومها عن ثورةٍ تلوَ ثورةٍ قامتا ضد الفساد والمحسوبية والعنصرية والبلاهة، وما زلنا فى انتظار الثورة الحقيقية التى تحارب الجهل والتخلّف وسوء معاملة أولئك النبلاء.

اليومَ أنشر رسالةً كتبها الاستثنائىُّ «إبرام تواضروس» على صفحته للرئيس عبدالفتاح السيسى، قال فيها:

«نشكرك يا ريّس على مجهودك الذى تبذله فى تنمية البلد ونلمسه على أرض الواقع من مشاريع تجعلنا نتوقع مستقبلاً رائعاً لمصرنا الحبيبة.‬ ونطلب من سيادتكم الاهتمام بنا كذوى إعاقة، لأننا ليست لنا وسيلة مواصلات مناسبة فى كافة محافظات الجمهورية. ولا يوجد سكن مناسب، ‫ولا عمل مناسب‬، ‫ولا علاج لمعظمنا من ذوى الدخل المحدود. نجد عُسراً فى التحرك بالمواصلات العامة للمصالح الحكومية لتنظيم شئوننا، ولا فى حياتنا اليومية العادية‬. ‫نحن نثق فى سيادتكم ونرجو مقابلة سيادتكم أو مقابلة السيد رئيس الوزراء للعمل على حل تلك التحديات التى تمثل جزءاً من حقوقنا.‬

السيد الرئيس، أعجبتنى خطوتك الرائعة باعتذارك لجموع المحامين عن التصرف الفردى المسىء، الذى صدر من أحد ضباط الشرطة ضد أحد المحامين الأسبوع الماضى، بقولك: «أنا بقول للمحامين كلهم حقكم عليا، وأنا بأعتذر لكم».

الحقيقة يا سيادة الرئيس، أن مجهوداتكم الجبارة وعملكم الملموس فى بلدنا الجميل مصر، جعلتنى، إلى جانب هذا الاعتذار الكريم، أتأكد أنك أهلٌ لمنصبك الخطير. لهذا نأمل أن تشعر بمعاناة شريحة ضخمة من شعبك؛ الذى بالحقّ أحبك بكل صدق. أعنى شريحة ذوى الإعاقة، تلك الشريحة النبيلة التى أنتمى إليها. فهل فكرت أن تعتذر لشباب عاش حياة مهينة وقضى عمره يبحث عن أمل وعن عمل مناسب؟ شباب يعانى الأمرّين لمجرد أن يخرج من منزله حتى يعيش ويُنتج مثل بقية البشر، مع ظرفه الصعب؟ لا مواصلات مناسبة لنا، ولا منحدرات للكراسى المتحركة، ونجد المشقة القصوى لارتقاء سلالم المصالح الحكومية حتى نصل إلى المسئولين، أولئك الذين لا يحلّون مشاكلنا اليومية المُرّة، بل لا يشعرون حتى بوجودنا، وبالطبع ولا بمعاناتنا.

هل نطمع من سيادتكم فى اعتذار عملى، بتوفير وسائل مواصلات تناسب إعاقاتنا، وتوفير وحدات سكنية خاصة مناسبة لذوى الإعاقة، هل نطمح فى أن توفر لنا الدولةُ الأدوية والأجهزة التعويضية التى نحتاج إليها؟

هل تشعر بنا وبمعاناتنا يا سيادة الرئيس؟ أتمنى.

إبرام تواضروس، مواطن مصرى من بين عشرة ملايين من ذوى الإعاقة

مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

فاطمة ناعوت يكتب: دخول العائلة المقدسة مصر.. عيداً قوميّاً

جلسنا يومَ ١ يونيو فى بهو كنيسة «المغارة»، مصر القديمة، لنحتفل بيوم تاريخى عالمى مشهود، حدث قبل ألفى عام. اليوم الذى دخلت فيه مصرَ السيدةُ العذراءُ، مريمُ المُطهّرة، حاملةً على يديها طفلّها عيسى المسيح، عليه السلام، هرباً من هيرودس الرومانى، ملك فلسطين آنذاك. مكثت العائلة المقدسة فى مصر أعواماً ثلاثة، باركت كل شبر فيها من رفح إلى أسيوط. ولأنه يومٌ عالمىّ، فقد حضر سفيرُ إيطاليا بالقاهرة، مصطحباً «أوركسترا سيمفونى» من أربعة عازفين إيطاليين، وصوليست أوبرالية ساحرة الصوت، لإحياء هذا العيد التاريخى المهم.

أىُّ أرضٍ سوى أرض مصر الطيبة استقبلت ذاك الوليد الجليل، وأمَّه أطهر نساء العالمين، والقديس يوسف النجار، هرباً من الشرير قاتل الأطفال؟ حماه اللهُ ليكبر ويغدو رسولَ السلام للإنسانية كافة، «يجول يصنع خيراً»، بعدما طوّبه اللُه بالسلام عليه: «يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً». أرضنا الطيبة كانت لتلك العائلة «رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ». جالت فيها سيدةُ الفضيلة فتفجّرت تحت قدميها عيونُ الماء، وشقشقت بكل بقعة وطأتها زهورُ البيلسان، فامتلأت أرضُنا بخصب لا يبور، وإن بارت الأرضُ.

طافت العائلةُ المطوّبة من شرق مصر إلى غربها إلى جنوبها ثم عادت من حيث أتت. دخلوا مصرَ من «رفح»، بعد رحلة ألف ميل من فلسطين، ثم «العريش». ومنها إلى «فرما»، فى سيناء. بعدها دخلوا «تل بسطا» (جوار الزقازيق الراهنة)، وكانت تسمى وقتئذ «مدينة الآلهة». جلسوا هناك تحت شجرة، وظمأ الطفلُ، ولم تجد العذراءُ ماءً، فحزنت. فأمسك يوسف النجار بقضيب من الحديد وضرب جوار الشجرة فانفجرت بئرُ ماء. واستأنفوا الرحلة إلى «مسطرد» ثم «بلبيس» ثم شمالاً نحو «سمنّود» ثم غرباً نحو «البُرّلس» ثم «سخا». ثم عبروا ضفة النيل الغربية نحو الشرق ونزلوا فى «وادى النطرون». ثم دخلوا منطقة «عين شمس». وما زالت هناك شجرةٌ عتيقة اسمها «شجرة مريم» بالمطرية حيث تفجّرت هناك بئر روت السيدة العذراء وأسرتها. ثم ارتحلت الأسرة إلى «الفسطاط» وهى المنطقة المعروفة باسم «بابليون» بمصر القديمة حيث اختبأوا فى مغارة محلّها الآن كنيسة «أبوسرجة»/ المغارة، التى نقفُ الآن فى رحابها.

بعدها دخلوا «المعادى» ومكثوا فى البقعة التى تحتلها الآن كنيسة «السيدة العذراء». ثم ارتحلوا جنوباً نحو الصعيد ومكثوا برهة فى قرية «البهنسا». ثم جنوباً نحو «سمالوط» ومنها عبروا النيل شرقاً إلى «جبل الطير». ومجدداً من شرق النيل إلى غربه حيث بلدة «الأشمونيين»، ثم جنوباً حيث «ديروط»، ثم «القوصية»، ثم غرباً حتى قرية «مير». وأخيراً «دير المحرّق»، أهم محطّات الرحلة المقدسة، حيث مكثوا بها ستة أشهر، ثم محطتّهم الأخيرة فى «جبل درنكة» بأسيوط حيث سكنوا مغارة قديمة. لتبدأ بعدها رحلة العودة إلى أرض فلسطين الطيبة.

هل يجوز بعد هذا التاريخ الذى سطرته مصرُ فى قلبها للسيد المسيح وأمه البتول، أن يكون لبلد آخر عروةٌ وثقى ورباطٌ أزلى أبدى يربط الأقباطَ بأرضهم مصر، التى سمّاها أجدادنا الفراعنة «ها كا بتاح»، أى «منزل روح الإله بتاح»، ومنها اشتقت كلمة «قَبَط»، ثم «إيجبت»؟!

بمناسبة تهجير أسر مسيحية فى تزامن مع هذا العيد، أطالب المسئولين بأن يجعلوا هذا اليوم الطيب عيداً جماهيريّاً يحتفل به الشعب المصرى كافة، كما أطالب وزارة السياحة بتنظيم رحلات سياحية تقتفى أثر تلك الرحلة المقدسة، فيكون لها مردٌّ هائل يُنعش حركة السياحة الراكدة، والأهمُّ، ينعش المعرفة المنعدمة بتاريخ أرض طيبة العريقة؟

مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

خالد منتصر.. أهلاً بك فى وكر الأشرار

وأخيراً، انضمّ إلينا الدكتور خالد منتصر فى وكر الأشرار: «أعداء الله وأعداء الإسلام»، كما يزعم خصومُنا، الذين نراهم بدورنا أعداءَ الحق والعلم والجمال والفكر والعدل، وبالتالى هم أعداء الله، لأن الله هو العلم والحق والعدل والجمال. يشوّهون صورة الله فى أذهان الناس حين ينسبون إليه ما يناقض صفاته العلوية وأسماءه الحسنى.

وكرُ الأشرار اليوم يضمُّنى إلى جوار إبراهيم عيسى وإسلام بحيرى وسيد القمنى وغيرنا من رجال الدين الذين حباهم الله بعقول مستنيرة تنفرُ من شعوذات وعنصريات وشهوات مريضة أقحمها المرتزقة تجار الدين على النصوص المقدسة ليغنموا مآرب رخيصة من سلطان وشهوات واغتصاب طفلات واستنزاف أموال بسطاء العقل. كما ضمَّ هذا الوكر بالأمس القريب رجال فكر وازنين أشرقوا فى القرن الماضى مثل طه حسين ومحمد عبده ونصر حامد أبوزيد وفرج فودة وغيرهم ممن دفعوا فاتورة عقولهم النيّرة، باهظة فادحة. كما ضمّ الوكر ذاته بالأمس البعيد رموزاً إسلامية فارقة ومتصوفة هيهات أن نعوضها مثل ابن رشد وأبى بكر الرازى وابن الهيثم والخوارزمى والفارابى وابن سينا والسهروردى والحلاج وابن عربى وابن المقفع والكندى والجعد بن الدرهم وغيرهم، وجميعهم كُفِّروا وأُهينوا وفيهم مَن قُتل ومَن أُحرِق حياً ومَن قُطِّعت يداه وقدماه من خلاف ومَن سُجن ومَن ضُرب بالسياط ومَن ضُرب على رأسه بكتبه حتى فقد البصر. وقبل هؤلاء وأولئك، فى قديم الزمان، ضمَّ وكرُ الأشرار فلاسفةً وعلماء مثل سقراط، وجاليليو وديكارت وغيرهم؛ تناولوا السُّم بأيديهم ووقفوا على المقاصل وأخفوا اكتشافاتهم الذكية وكتبهم خوفاً من هجمة رعاع يمسكون سيوفاً ويحتمون بضجيجهم.

سيُحاكم الطبيب خالد منتصر بتهمة ازدراء الإسلام! وما مسوِّغات اتهامه؟ أنه قال إن الدين «غير مُعوَّق ولا يحتاج إلى عكاز يتوكأ عليه شأن الكسيح». وأما خصومه فيرون أن الدين الإسلامى ربما غير مُقنع بذاته وغير مُشبع بذاته وغير سوىٍّ بذاته فيحتاج، من ثمّ، إلى مُكسبات طعم لكى يستسيغه الناس، ويحتاج إلى عصا يتوكأ عليها ليمشى؛ لأنه كسيح!

قال منتصر إننا كمسلمين نصوم شهر رمضان لأننا مأمورون بالصيام وفقط، وليس لفوائد طبية. وهذا حق. ونعلم منذ طفولتنا أن فلسفة الصيام هى الشقّ على النفس بترويضها وإخضاعها حتى لا يتسلط علينا الجسد بنوازعه وشهواته؛ بهذا نجعل أرواحنا أقوى من أجسادنا، فنسوسها ونقمعها، بدلاً من أن تقودنا إلى منازعها العمياء. وكذلك لكى نشعر بوجع فقير يتضوّر جوعاً، فترقُّ مشاعرنا ونتعلم الرحمة والإشفاق على المعوزين والفقراء.

لكن هناك من يودُّ إيهام الناس بأن أمر الله ليس كافياً لنا لنصوم، فيعتسف زاعماً أن الصوم لصحة الجسد. وماذا عن مريض الكلى الذى يحتاج لشرب كميات كبيرة ومنتظمة من الماء يومياً؟ هنا يتجلى فساد منطقهم. فالطب بخاصة، والعلم بعامة، متغيران، يخضعان للتبدل والتحول مع كل اكتشاف جديد، بينما الدين ثابتٌ. فكيف نرهن الثابت بالمتحول؟ هذا تقزيمٌ للدين وتحقير لشأنه وإنزاله من مرتبة القداسة إلى مرتبة التجربة المعملية، والصواب والخطأ.

وما جريرة إسلام بحيرى التى يُحاكم جرّاءها اليوم بتهمة ازدراء الإسلام؟ لأنه يرى أن كلام الله ورسالته لنا كامنةٌ كاملةٌ فى كتابه: القرآن الكريم، وفقط. وما عدا هذا من أقوال البشر مما يخالف كتاب الله، لا يُعوّل عليه. فيما خصومه يرون أن القرآن ناقص غيرُ كاف لهداية البشر، فيحتاج، من ثمّ، إلى أقوال بشر قد يتقولون على الله ورسوله ما لم يقولاه إما لفقر فى إدراكهم أو لمآرب فى نفوسهم.

وما جريرتى أنا التى أُحاكَم جرّاءها اليوم بتهمة ازدراء الدين، أيضاً؟ أننى قلتُ إن الله يحب أن نكون رحماء بالبشر والطير والحيوان، لأنها جميعاً صنعته، فإن أحببناه أحببنا ما صنع. ولأننى قلت إن من ملأ حب الله قلبه، كامل قلبه، مستحيل أن يحمل ضغينة لمخلوق، مهما كان مذهبه الفكرى والعَقَدى. وأن نترفق بالذبيحة لحظة نحرها ولا نتلذذ بتعذيبها كما نشهد فى مواسم الأضاحى. بينما يرى خصومى أن الله يأمرنا بإذلال الأقليات لأننا نحتمى بأكثريتنا ونصبو لمرحلة «التمكين» التى بعدها يحق لنا جزُّ الرقاب وتفجير الرؤوس، كما يأمرنا بتعذيب الحيوان أثناء نحره، بينما الأوْلى أن نخجل منها وهى تجود بروحها لكى نأكل ونشبع ونهنأ!

الله تعالى منحنا منحة هائلة اسمها «العقل»، وهو «جوهرة الترقى» التى جعلتنا أرقى من سائر خلقه من طير وعواجم. لهذا يرى خصومنا، على مدار التاريخ، أننا من الأشرار، لأنهم يكرهون العقل والفكر، وكأن الله لم يقل لنا: تفكّروا، تدبّروا، تعقّلوا. وكأنه لم يقل لنبيّه فى صدر كتابه: «اقرأ».

مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

انتحارُ الأديب

نعلمُ أن الأدبَ يخترقُ حدودَ الثقافات والدول والقلوب.. متحررًا من جوازات السفر. نعلمُ أن الشعراءَ عابرون جغرافيات وأزمنة وألسنًا وأعراقًا وعقائد وقوميات. نعلمُ أن القصيدة والرواية وقطعة الموسيقى، متى كُتبتْ، تصبحُ من فورها كائنًا مستقلاً حُرًّا لا ينتمى لصاحبه إلا بشهادة الميلاد، ثم يحلّق بجناحيه الطليقين كطائر مهاجر لا يستقرُّ على أرض، ولا تستأنسه شجرةٌ، ولا يجتذبه عُشٌّ، ولا يلتقطه ميناءٌ، بل يجوبُ الأرضَ شرقًا وغربًا ليصبح ابنًا شرعيًّا لكل من يناوشه، أو يقرؤه أو يُنصتُ إلى وجيب قلبه، ثم يتمُّ تعميدُه فى كلّ لغة يُترجَم إليها ترجمةً رفيعة. نعلم أن هذا الكوكب المترامى ليس إلا قطرةً فى لجّة الكون الفسيح. وأن هذا العالم المتناحر الذى يأكله لهيبُ المعارك وجحيمُ العنصريات ونيرانُ التباغض وويلُ التنازعات وبارودُ الطائفيات، لا يوحّده إلا الأدبُ والتشكيل والأوبرا والباليه وصوتُ الموسيقى.

أخبار متعلقة

«بيت الحياة»

«مآسٍ إنسانية»

سما المصري وزيرة ثقافة

دولة «غزة» الكبرى

نعلمُ أن الثقافةَ تُصلِحُ ما تفسده السياسةُ. وأن الأدباءَ والشعراء يرأبون الصدوع التى يحفرها الساسةُ بين الشعوب والقوميات والأعراق. نعلم أن الفنون والآداب هى الجسور الوحيدة بين الفرقاء. وأنها حائط الصدّ الأخير قبل الانهيار وتراكم الأطلال وتكسّر النصال على النصال. ولكنْ.

نعم، هناك دائمًا تلك التعسة: و«لكنْ». رغم صِحّة كلِّ ما سبق، لكن هناك خطوطًا حمراء. تقفُ حين تُمسُّ كرامةُ الأوطان.

نعلمُ أن الأديبَ حىٌّ أبدًا، لا يموت. لأن موته الجسدى حدثٌ عابر لا يُعوَّلُ عليه، لكن خلودَ ما كتب، عبر الأزمنة والجغرافيات، هو الثابتُ الذى يُعوَّل عليه. ولكنْ.

ثمة «لكن» أخرى هنا. الأديبُ حقًّا لا يموت، لكنْ بوسعه أن ينتحر! متى ينتحرُ الأديب؟ حين يُضحّى بتاريخه وباسمه من أجل حفنة من المال مغمسة بدنس النَيْل من الكرامة ومن شرف الوطن.

فى المهرجانات الأدبية العالمية التى نُدعى إليها، نتأكد أولا أن لا شعراء مشاركين من إسرائيل، وإلا رفضنا الدعوة. لأننا كمثقفين نرفض التطبيعَ مع إسرائيل وإن أقرّته حكوماتُنا. كذلك قطر، أضّرت مؤخرًا بمصر وبالعروبة أكثر مما فعلت إسرائيل، لأنها خانت ميثاق العروبة، بينما إسرائيل دولةُ عداء صريحٍ، ليس بيننا وبينها إلا ميثاقُ الدم، فتسقط عنها جريرةُ الخيانة التى يجرُّها ذيلُ قطر، حين سخّرت جزيرتها ودولاراتها لكسر مصر ودعم أمريكا والإخوان. وللأسف هناك ٢٠٠ مصرى، ممن نطلق عليهم أدباء، أغرتهم الدنانيرُ، فهرعوا هذا العام وراء جائزة أدبية أطلقتها قطر، واضحٌ للعميان أنها سياسية لإخضاع أنف مصر، التى للأسف لا تستطيعُ تكريمَ أدبائها ماديًّا.

دُعيتُ لمعرض الكتاب بالدوحة هذا العام، ووضعوا اسمى ضمن برنامج الفعاليات، رغم أننى لم أستجب للدعوة. فما كان منهم، لحفظ ماء الوجه، إلا أن زعموا كذبًا أنهم ألغوا دعوتى، رغم تصريح وزير الثقافة القطرى أننى لم أقبل دعوتهم. تلك قطر التى يتهافت عليها المتهافتون، ونسوا أنها لم تحفظ جمائل مصر عليها، على مدى عقود.

القسم: 

فاطمة ناعوت يكتب: حكاية حنّا وعبدالسلام

حين يلتقى داعشىٌّ مسيحياً يذبحه بدم بارد، ثم يركل رأسه فى البحر، بعدما يُلبسه حُلّة الإعدام حمراءَ قانيةً بلون الدم، ثم يخرُّ لله ساجداً، شكراً وقُرباناً. وحين يلتقى إنسانٌ مسلمٌ إنساناً مسيحياً يصافحُه، ثم يفكران معاً كيف يفيدان الإنسانية، ثم ينظران معاً إلى السماء، يحتسبان عند الله ما قدّمت يداهما البيضاوان إلى بنى الإنسان.

ما الفارقُ بين الحالتين؟ الأولى تُغيِّمُ على العقل والقلب سحابةٌ من انعدام المنطق والبغضاء والاستقواء بنصلٍ تافه من الحديد فى قبضة أحدهما، مستغلاً غياب القانون والعدالة، وأما الثانية فالعقلُ والقلبُ يقظان حُرّان طليقان نقيان، زاخران بمحبة الله واحترام قيم الإنسانية والعدالة والتحضر والقانون.

تعبنا من سرد وقائع من الحال الأولى المقززة، وتهفو نفوسُنا إلى سماع قصّة من قصص الحالة الثانية الراقية. إليكم إحداها.

ذُهنى حنّا، وطارق عبدالسلام، مصريان قررا أن يقدّما نموذجاً متحضّراً يُحتذَى. وعلامَ التقيا؟ على أرقى ما يجمعُ إنساناً بإنسان. على الكتاب. وأين التقيا؟ فى مهد الثقافة والتنوير الأول والأعرق فى العالم. عروس البحار وقِبلة الفلاسفة والفنانين والزعماء والغُزاة. تلك الآسرة الجميلة التى أغرت الإسكندر الأكبر بسحرها وفتنتها فدخلها ومنحها اسمه: الإسكندرية.

التقيا، يحمل كلٌّ منهما حُلماً طيباً. والتقى الحُلمان. فكانت المصافحة، وكان المشروعُ المحترم. أما الحلمُ، فهو نشر الثقافة العربية إلى شتّى بقاع الأرض. وأما المشروعُ، فمنحاه اسمَ: «كتاب»، وهى شركة مساهمة تعمل على تحويل الإصدارات العربية الورقية إلى نسخ إلكترونية قيمة يقتنيها المصريون والعرب المقيمون خارج أوطانهم لظروف العمل أو الدراسة أو الهجرة، أو غيرها، ممن يتوقون إلى تغذية قلوبهم وعقولهم بشرايين فكرية وثقافية تربطهم بأوطانهم التى تعيش داخل أرواحهم بعدما غادروها ولم تغادرهم، لكنهم يجدون صعوبة فى الحصول على إصدارات كُتّاب أوطانهم ورقيةً من مكتبات المهجر، فيقتنونها إلكترونيةً عبر الأثير من موقع دار http: //k-tab.net الذى تعاقد مع الكتّاب ودور النشر لتوزيع أعمالهم فى كل دول العالم، ويضم حتى الآن ما يربو على الأربعة آلاف عنوان، سوف تزيد مع نهاية هذا العام عشرة آلاف عنوان أخرى، ما بين الإبداع والفلسفة والسياسة والاجتماع والفكر والعلوم والآداب والنقد والتشكيل والتاريخ وغيرها من فروع المعارف وعصارات العقول الإنسانية المصرية والعربية، سوف تُضخُّ فى مكتبات جامعات أمريكا وأوروبا، ليعرف العالمُ أجمع أننا أهلُ علم ومعرفة، لا أهل إرهاب وتخريب وفوضى.

اجتمع المصريان القبطيان، المسلم والمسيحى، على عشق الوطن وهوى الكتاب ومحبة المعرفة والتّوق إلى نشرها، فكان قرارٌ بالتعاون وتقديم صورة متحضرة لأبناء أولى حضارات الأرض، أرض طيبة، مصر الطيبة التى لا نعرف قيمتها كما يليق بها وبتاريخها العريق الضارب فى عمق فجر الضمير الإنسانى.

لم يفكّر أحدُ الصديقين فى انتماء صاحبه العَقَدى، لأن العقيدة شأنُ الله وحده وعنده يجتمع الفرقاءُ، إنما فكّر كلاهما فى المشتركات الكثيرة التى تجمعهما. الإنسانيةُ: المظلّة الشاسعة التى تضمُّ تحت رحابها ستة مليارات إنسان، العروبة: المظلة المترامية التى تضمُّ تحت جناحيها نصف مليون مواطن عربى، الوطن: المظلة الواسعة التى تضمُّ تحت رحابها تسعين مليون مواطن مصرى، الثقافة: المظلة التى نتمنى أن تترامى أطرافُها لتضمَّ تحت رحابها كل البشر، الكتاب: المظلمة التى تتآكل، بكل أسف، ونرجو أن يعود لمجده الآفل ليضمَّ بين دفتيه الحزينتين كل مَن فرَّ منهما إلى عالم التغييب والشعوذة والإرهاب والضلال.

العنصريةُ تمزّقُ نسيجَ الإنسانية وتُثقل الأوطان بالترهُّل والبلادة، والثقافةُ والفنون والآدابُ والمعرفة تعلو بالإنسانية وترسم على السماء ابتسامة الرضا.

شكراً لكلِّ من نبذ قوقعة التشرنق الطائفى العنصرى، وانفتح من كُوّته الضيقة على رحاب الإنسانية، لنثبت للسماء أننا أهلٌ لثقة الله فينا حين خلقنا لنكون بشراً صالحين.

مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

«بَسّ» اللى فيها كل العِبر

أتذكّرُ أن أولَّ مقال لى بجريدة «اليوم السابع»، يوم ميلاد عددها الأول فى الثلاثاء ١٤ أكتوبر ٢٠٠٨، كان عنوانه «مسيحى بسّ طيب»، تكلمتُ فيه عن مفردة «بسّ» فى الدارجة المصرية، التى تحلُّ محلَّ «لكنْ الاستدراكية» فى الفُصحى، وهى الحرف الذى يقع بين نقيضين، ويُفيد الاستدراك. أى أن نهاية الجملة تستدرك المعنى الذى وصل المستمعَ مع بداية الجملة، ويعكسُه. كأن نقول: «عجوزٌ، لكنْ جميلة»، «فقيرٌ، لكن كريم»، إذ إنّ تقدّم العمر ربما لا يتفق مع الجمال، والكرم كيف له أن يأتى من فقير مُعوِز! لهذا تُفجّر دائمًا تلك المفردة الساحرة «لكنْ»، عنصرَ الدهشة والاستغراب لدى السامع. ومثلها مفردة «بَسّ» فى العامية المصرية. «مسيحى بس طيب!!» ياللهول!، «طبيب مسيحى، بس شاطر!!»، وغيرها من الجمل البلهاء التى تحتشد بها حكاوى مجالسنا الخاصة، نحن المسلمين، حين نطمئن أن لا مسيحيًّا يُجالسُنا. ولستُ أدرى، ربما حملتْ مجالسُ المسيحيين مثل تلك السخافات أيضًا: «مسلم بس محترم!!» لكنّ الشاهدَ أن صوتنا هو الأعلى فى مصر، لأننا نحتمى بأكثريتنا، ولا نُعوّل كثيرًا على الدستور الذى يساوى بين المواطنين «على الورق فقط»، ولا نعبأ كثيرًا بالقانون الذى لا نحترمه إلا فى الغرب، الذى يحمينا حين نكون أقليةً، فننالُ حقوقنا كاملة.

أخبار متعلقة

الذى يمكن تعلمه من إسبانيا

الأهلى وعودة الروح

حفل تنصيب البشير

رحيل عبدالله نصار

هذه الـ«بس» ممنوعة فى ورق الدساتير، لكن العالم المُتحضّر نجح فى محوها من عقول المواطنين بتراكم أجيال تحترم الدستور والقانون، لكنها معشّشة فى أدمغتنا العربية، ولا يُجدى معها دستورٌ ولا قانون.

لدينا العشراتُ من تلك الـ«بس» السخيفة: «ستّ بس جدعة!» هل الجدعنة للذكور فقط؟ «صعيدى بس بيفهم!»، ياللسماجة!، «سمرا بس جميلة»، «مش محجبة بس محترمة!»، وغيرها من بلاهات وعته.

تلك إشكاليةُ العقلية العربية الثنائية الضحلة التى تُقسّم العالم إلى: غنى- فقير، جميل- قبيح، أبيض- أسود، رجل- امرأة، مؤمن- كافر، معى- ضدى، ابن باشا- ابن بوّاب.... الخ. وبرغم هذه الـ«بس» المعششة فى الأذهان، إلا أن هذه الأذهان ذاتها قد أشعلت الدنيا ضجيجًا ولعنًا وسُبابًا وتنكيلاً بوزير العدل الذى تساءل: «كيف لنجل عامل النظافة أن يغدو قاضيًا؟!» أولئك الضاجّون اللاعنون السبابون، لم يغضبوا ولا ضجّ ضجيجُهم حين أُعلن بصفاقة أن العظيمة «تهانى الجبالى» ستكون آخر مستشارة امرأة فى تاريخ المحكمة الدستورية العليا. ولا علا صخبُهم حينما مرّت العقودُ إثر العقود ولم يتقلّد مصريٌّ مسيحىٌّ منصبًا سياديًّا فى الدولة!

يردُ بخاطرى الآن مثلٌ إنجليزى يقول: «نلوم المجتمعَ، وننسى أننا نحن المجتمعُ». يا مجتمعَ «بسّ»، لُمْ نفسَك، فأنتَ ظالمُكَ الأول.

القسم: 

«ميكى» يجيدُ العربية

اِفتحْ أى عدد من مجلة «ميكى»، وحاول أن تجد فى حوار «بطوط» أو «عم دهب» أو «الجدة بطّة» أو ميكى وميمى وبندق وزيزى وحتى أطفال البط الصغار.. أى غلطة نحوية أو صرفية أو إملائية. وسأمنحُك ألف جنيه مصرى مقابل كلّ هفوة نحوية أو هِنة صرفية أو همزة زائدة أو مفقودة أو فى غير موضعها. يحدث هذا فى مقابل العثرات اللغوية الكثيرة التى تقع فيها الجرائد والمجلات المصرية، الحكومية والمستقلة، والكتب والمطبوعات والمنشورات. ولا تسلم من هذا حتى كتب الإبداع من شعر ونثر. هذا فضلاً عن الإعلانات التليفزيونية وإعلانات الشوارع والمحال التجارية التى تتبارى فيما بينها لإهانة اللغة العربية الجميلة. فتجد يافطة تقول: «اشترى واحدة تحصل على الثانية مجاناً»، فإن حدث وأخبرت المسئول أن يحذف حرف الياء لتُصبح: «اشترِ»، سخر منك ورماك بالجهل.

لكن المحزن حقّاً أن تكون فى سيارتك، وتدير مؤشر الراديو حتى تقف على «إذاعة القرآن الكريم»، لتسمع مذيعاً يقول بثقة: «أحاديثٌ قدسية». فتتعجب كيف لم يتعلم هذا الرجل أن الكلمة على وزن «مفاعيل» ممنوعة من الصرف ولا يجوز تنوينُها. ألم يتعلم فى المرحلة الإعدادية درس «الممنوع من الصرف»؟ ألم يمر عليه باب «ما لا يُصرف» فى «ألفية ابن مالك» قوله: «الصرفُ تنوينٌ أتى مُبيّناً معنى به يكون الاسمُ أمكنَ»؟ ليعرف أن كلمة «أحاديثُ» مستحيلٌ أن تُقرأ «أحاديثٌ»؟ ما كان أسهل أن يتبع القاعدة الذهبية «سَكّنْ، تسلمْ»، لكنها شهوة التشكيل والتنضيد دون علم! وما كان أسهل أن يُضيف «ال» العهدة، ليهرب من المأزق فتكون «الأحاديثُ القدسية»! ألم يسمع المشرفون على القناة، أو على البرنامج تتر الحلقة لينتبهوا إلى الخطأ اليومى المتكرر، وينبّهوا المذيع ويعدّلوا أسلوب نطقه؟ أسئلة كثيرة دون إجابات تدور برأسى كلما سمعت هذا البرنامج، لا أملك إجاباتها. لكن سؤالاً واحداً أعرف إجابته: «هل صادف وقرأ ذاك المذيعُ مجلة ميكى وهو صغير»؟ الإجابة القاطعة: «لا». لأنه لو فعل لانضبط لسانُه العربى وما كان نوّن وصرف ما لا يُنوّن ولا يُصرف.

أتساءل، هل تشرف شركة «والت ديزنى» الأمريكية على سلامة اللغة العربية فى مطبوعتها المصرية التى ظهرت فى مصر عام ١٩٥٩ على يد «دار الهلال» المصرية، مثلما تُشرف على جودة الطباعة؟ ذاك أن مجلة ميكى المصرية لم تتوقف عن الصدور طوال نصف قرن ونيّف، إلا عاماً واحداً فقط هو ٢٠٠٣، حينما اعترضت شركة «والت ديزنى» على رداءة الطباعة، وفسخت العقد. ثم عادت للصدور العام التالى على النحو الذى يُرضى الشركة الأمريكية ويليق باسمها العريق الأشهر، ويليق بالقارئ المصرى. فهل تُرى تتابع الشركة العالمية سلامة اللغة العربية على ألسن شخصيات الكاريكاتير أيضاً؟ ربما. لكن الحتمى أن القائمين على هذا العمل المحترم، قومٌ محترمون، يحترمون القارئ وإن كان طفلاً، ويحترمون اللغة العربية التى احترمها المبدعون الكبار واحترمها القرآن الكريم.

هل أطالب وزارات التعليم المصرية بوضع مجلة ميكى فى المناهج الابتدائية؟ أو على الأقل بتوفير نسخ منها فى مكتبات المدارس وتعويد الأطفال على قراءتها، لينضبط لسانهم العربى؟ شكراً لكل القائمين على هذا العمل العريق المحترم: مجلة ميكى.

مقالات أخرى للكاتب

القسم: 
المصدر: 

المايسترو صالح سليم

قبل ثلاثة عشر عامًا، احتشد مئاتُ الآلاف لتشييع جناز رجل استثنائى، لم يشأ حظّى أن ألتقيه، إنما التقيتُ قطعًا أثيرة من نفسه؛ زوجته الجميلة، فكان كأننى التقيتُه.

أخبار متعلقة

لماذا لا يكون متحفاً لفنون المسرح والسينما والموسيقى؟

كأن غزة ينقصها «داعش»

مقترح لخطاب دعوى رشيد (2-3)

الخولى والغيطانى

مرّت ذكراه، ٦ مايو، مرورًا عابرًا، كأنما لم يترك بصماتِه قويًة فى تاريخ مصر الرياضيّ والفنيّ والاجتماعيّ! تذكّره محبوه، واندهشوا لصمت الدولة، وإعلامها عن تذكّر رجل منح عمرَه وفكرَه لوطنه وناديه، الأهلى، فجعله دُرّةَ عقد نوادى كرة القدم العربية والأفريقية. وكونى لا أفهم فى هذه الرياضة، فإن ما يعنينى هو الشقّ الثقافى والإنسانى فى هذا الرجل، الذى صنع أدبياتٍ وأخلاقياتٍ للاعب والإدارى، توارثه بعضُ مَن تلوه، وساروا على دربه الرفيع، ليصبحوا بدورهم علاماتٍ مشرقةً فى تاريخ مصر، مثل الفارس محمود الخطيب.

عرفَه، مَن لا يفهمون كرة القدم مثلى، من الدراما السينمائية القليلة، والمحترمة، التى كان بطلَها الوسيمَ الذى خطف قلوبَ الصبايا ومثّل فارس أحلامهن ونموذج الرجل فى أدبياتهن. وعرفتُه أنا عبر ما قرأته من تاريخه النيّر، ثم عرفته شخصيًّا من خلال زوجته، صديقتى الجميلة، زينب عمر لطفى، التى أزورُها فى بيتهما بالزمالك، فأرى أثرَه فى كل ركن، وأتأمل وسامتَه فى ألبومات الصور وفى عينى زوجته التى لم تنسه أبدًا، رغم السنوات، وتذوّقتُ صَنعة يديه من صحن مُقبّلات شهيّ ابتكره المايسترو مكوّن من الزيتون والجزر والكرافس وزيت الزيتون، تُحرّص زوجتُه الآن على تقديمه لضيوفها مع كل الوجبات الشهية التى يتقنها الشابُّ الطيب «أيمن حبشي» الذى يعاون السيدة الجميلة على الحياة. وأدينُ بلقب «المايسترو» إلى أحد عشّاقه، الشابّ الجميل «فادى عزمي»، الذى تذكره على صفحته، ونبّه الناسَ لموعد ذكراه.

«زوزّا» هى الفاتنة التى حملت اسم المايسترو صالح سليم. رفيقة دربه وحاضنة أفراحه وأحزانه، وأمُّ طفليه، خالد وهشام، اللذين صارا شابين يحملان ملامحه ووسامته وأخلاقه، مثلما يحملان عِبئًا ثقيلاً يخافان عليه كما يخافُ المرءُ على كنز تنوء بحمله خزائن الوجود: تاريخه المشرّف الخالد.

كتبتُ فيها قصيدة: «عروس النيل»، سجلتُ فيها لحظة لقائهما الأول وكيف اختارها دون فاتنات الصبايا بعدما سرقتْ قلبه.

الجميلاتُ/ يقفنَ على أطرافِ أصابعِهنّ/ من وراء سورِ الحديقةِ/ كى يختلسنَ النظرَ إلى الوسيمْ/ الذى يُذيبُ قلوبَ البناتِ/ فيما يدخّنُ الغليونْ./ تخطو بنتٌ/ نحيلةٌ/ تتعثّر/ فى خَفَرِها/ وجدائلِها الطويلة/ وفستانِها القصير/ تخطفُ قلبَه/ فيلكزُها،/ ترمقُه بنظرةٍ غضوبٍ/ وتمضي/ بعدما تدسُّ قلبَه العَصِيَّ/ فى خِبائِها./ سيطيرُ الفتى إلى السماءْ/ بعدما يتركُ فى شُرفتِها عصفورين/ يتعلّمان الشدوَ/ فتقفُ على ضفّة النهرِ تناديه/ كما نادتْ إيزيسُ أوزوريسَ/ وقبلما تسمع وجيبَه/ آتيًا من عمقِ الماءْ/ تُلقى على صفحةِ «حابي»/ زهرةً حمراءَ/ وتهمسُ: لا تخفنَ يا بناتِ مصرَ/ أنا آخرُ عروسِ نيلٍ/ وهذى وردتي

قربانًا أقدِّمُها/ للنحيل الآسِرِ/ ذى الأنفِ القيصريّ/ الذى أشعل الشموعَ السوداءَ/ لكى ينيرَ/ قلبَ الفتاةِ الخائفْ.

القسم: 

«سلماوى» يكرر درسَه الصعب

فى مايو ٢٠١٠، كتبتُ فى هذا المكان مقالا عنوانه: درس سلماوى الصعب، حول الدرس الذى أعطاه الأديب الكبير محمد سلماوى لكل قيادى يجلس على كرسى لا يريدُ أن يبرحه. كان ذلك حين قرر ترك مصبه كرئيس تحرير جريدة الأهرام إبدو، الناطقة بالفرنسية، ليسلّم الراية لغيره، فى نفس يوم وصوله لسن التقاعد القانونية. ورفض مُناشدات المحررين ورئيس مجلس إدارة الأهرام لمدّ فترة رئاسته، شأن ما يفعل رؤساء التحرير عادة. بل رفض انتظار انعقاد لجنة لاستصدار قرار التقاعد، قائلا إنه ينفذ القانون بنفسه فورًا، ولا ينتظر تطبيقه الروتينى. فماذا لو عرفنا أن تلك الجريدة ابنتُه الشرعية، وهو مَن أنشأها عام ١٩٩٤، لأدركنا صعوبة قراره وعمق درسه؟ كان ذلك قبل ثورة يناير. فكان تنحيه استشرافًا لثورة تُطيح بالمتأبدين فوق مقاعدهم حتى الرمق الأخير. ليت الرئيس مبارك التقط الدرس، وطبّقه، لكان جنّبنا أهوالًا وويلا! لكنه الدرسُ الصعب، لا يأتيه إلا المتعففون ذوو العزم. فالتنحّى الطوعى عن القيادة ليس من أدبيات العرب. من الحاكم، إلى أدنى السلّم الوظيفى.

أخبار متعلقة

«سلماوى» لها!

درسُ «سلماوى» الصعب

فى برديات محمد سلماوى العشر.. رسائلُ للحاكم والمحكوم من التراث الفرعونى

لم يكتف سلماوى بدرسه ذاك، بل أعطى مؤخرًا درسين آخرين أشدَّ عسرًا من درسه الأول. تنحّى عن رئاسة تحرير جريدة «المصرى اليوم» قائلا إن مهمته اكتملت، وسلّم الراية لغيره. ثم فعل الشىء نفسه، ورفض استمراره فى رئاسة اتحاد كتّاب مصر، واتحاد الكتاب العرب، والأفروآسيويين، ليترك الساحات تلك لسواه. قال إن من حق اتحاد كتاب مصر أن يتمتع بقيادة جديدة. رغم أنه ظل يفوز بالتزكية فى الانتخابات الدورية على مدار عشر سنوات، استطاع خلالها إعادة مصر لرئاسة اتحاد الكتاب العرب، بعدما أوقفت بعد اتفاقية كامب ديڤيد، مثلما أعاد إحياء اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا، وجعل مقره الدائم فى القاهرة. هنا درس لثقافة فرعون الذى تعود أن يموت فوق كرسيه، رافضًا تداول السلطة وضخ دماء جديدة فى الشرايين المتكلسة.

وأفخرُ بانتمائى لاتحاد كتاب مصر فى عهد سلماوى الذى كان أول نقابة تخرج فى تظاهرة تطالب مبارك بالتنحى، بعد ساعات قليلة من اشتعال ثورة يناير ٢٠١١، مثلما كان أول نقابة تسحب الثقة من مرسى أثناء وجوده فى السلطة.

قرر سلماوى التخلى عن كافة التزاماته الإدارية والتنفيذية ليتفرغ لمشروعه الأدبى الغنى الذى بدأه فى بداية السبعينيات الماضية منذ تخرجه فى كلية الآداب وحصوله على دبلوما فى مسرح شكسبير من جامعة أكسفورد بإنجلترا. لهذا اختاره نجيب محفوظ ليسافر إلى السويد مع ابنتيه ليتسلم عنه جائزة نوبل للآداب ١٩٨٨، وهو بعد شابٌّ صغير.

دروس عسرة يقدمها سلماوى، بأن الكأسَ يجب ألا تُحتسَى حتى نهايتها. درسٌ فى ترويض غريزة »السُّلطة»، انتصارًا للجمال والتحضّر. يدرك سلماوى أن المبدعَ لا يحتاج سلطانًا مؤسسيًَّا، ولا منصبًا لامعًا. المبدع الحقُّ مؤسسةٌ كاملةٌ، أعلى قيمةً من أعلى المناصب. المبدعُ لا يتهافتُ على منصب، بل يفرّ منه إبداعه. المبدعُ لا يسعى، بل يُسعَى إليه.

القسم: 

والله وبكّيت فاطنة يا عبدُ الرُحمن

مشيت يا خال؟ مين بعدك يتغزّل فى مصر؟ مين بعدك هايقولى: والله وبكّيت فاطنة يا عبدالرحمن!

أخبار متعلقة

علامَ تحاكمون فاطمة ناعوت؟

فى الثمانينيات الماضية دعت اللجنةُ الثقافية بكلية الهندسة جامعة عين شمس عبدالرحمن الأبنودى استجابةً للطلاب. كنتُ فى أولى عمارة، ولا أنسى ابتسامته الرائقة ونحن نقاطعه ليعيد ونردد معه «جوابات حراجى القط» التى نحفظها عن ظهر قلب. كان ذلك فى مدرج «فلسطين» المهيب الذى يحتلُّ مكانًا بارزًا فى واجهة المبنى العريق.

بعد برهة طلب سماع «المواهب الشابة» من طلاب الكلية. وشى بى زملاء أشرار ممن يعرفون محاولاتى الشعرية ودفعونى دفعًا لألقى قصيدة فى حضرة الأبنودى. وكان أعسر الامتحانات. بعد بعض تردد ألقيتُ ما ألقيت. وحين تقدمتُ لمصافحته أتعثّرُ فى خجلى، احتضننى قائلاً بلكنته الجنوبية الحلوة: «انتى شاعرة يا بِتّ، اوعاكى تسيبى الشِّعر!». وكانت شهادةً كبرى أمام ألف طالب، أخذتُها على محمل التشجيع من شاعر كبير لصبية تجرّبُ الشعر، ولم أنشر حرفًا إلا بعد هذه الواقعة بعقدين كاملين. لكنّ كلمته ظلّت تميمتى السرية. أُخرجها فى خُلوتى لأتقوّى كلما انهزمت، وأستحضرُها فوق طاولتى كلما راودنى الشعرُ وحاولت الفرار منه؛ كعادة الشعراء.

قبل سنوات، كان الأبنودى يُلقى قصيدة «يامنة»، وحرصتُ على اقتناص مقعد فى الصف الأول، فى مواجهة الشاعر، وكان إلقاؤه كالعادة ساحرًا، وملامحه تقول الشعرَ مع صوته، وكانت القصيدة ماسّة حارقةً، فبكيتُ حين قال: «ولسه يامنة هاتعيش وهاتلبس/ لمّا جايب لى قطيفة وكستور؟/ كنت اديتهومنى فلوس/ اشترى للركبة دهان/ آ..با..ى ما مجلّع قوى يا عبد الرحمان/ طب ده أنا ليّا ستّ سنين مزروعة فى ظهر الباب/ لم طلّوا علينا أحبة ولا أغراب./ خليهم/ ينفعوا/ أعملهم أكفان.!/ كرمش وشى؟/ فاكر يامنة وفاكر الوش؟/ إوعى تصدقها الدنيا../ غش ف غش!/ مش كنت جميلة يا واد؟/ مش كنت وكنت/ وجَدَعَة تخاف منى الرجال؟/ لكن فين شفتونى؟/ كنتوا عيال!/ هاتيجى العيد الجاى؟/ واذا جيت/ هاتجينى لجاى؟/ وهاتشرب مع يامنة الشاى؟/ هاجى يا عمة وجيت/ لا لقيت يامنة ولا البيت!». بكيتُ. فما كان إلا وانتزع منديلاً ورقيًّا وابتسم قائلاً: (والله يا عبدُ الرُحمان بكّيت «فاطنة» الحلوة!). وها أنت اليوم تُبكينى مجددًا يا عبدالرحمن!

عقدانِ بين هذين الحدثين الفاعلين فى حياتى. وبين العقدين مئاتٌ من قراءة الأبنودى وكثير من دموع تغسل الروح كما التطهّر الأرسطى. أيها الجميل يا مخبى فى عينيك السحراوى تملى حاجات، ارقدْ فى سلام؛ ولا تنسنا!

القسم: