فهمي هويدي

لمصر لا للسيسى


نشر فى :
الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 11:45 م
| آخر تحديث :
الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 11:45 م

من عناوين جريدة الأهرام أمس (١٦/٥) ما يلى: الرئيس يطمئن من وزيرى الكهرباء والتموين على الاستعدادات لرمضان ــ التعليم والصحة والفساد أولويات السيسى ــ السيسى يؤكد أهمية ضمان وصول السلع بأسعار مناسبة لجميع المواطنين ــ والسيسى يوافق على تسوية مشكلات الفلاحين المنتفعين من الإصلاح الزراعى ــ ٨٩.٨٪ راضون عن أداء السيسى (فى أحدث استطلاع للرأى العام) ــ السيسى يقرر مد العمل بمعبر رفح اليوم وغدا ــ نقطة تقدم: حصاد عام فى حكم الرئيس السيسى.

فى اليوم ذاته نشرت جريدة «المصرى اليوم» رسالة فى الزاوية اليومية التى تحمل عنوان «وجدتها»، قال فيها صاحبها ما نصه: من يشبه السيسى بعبدالناصر فإنه فى الحقيقة يظلم الرئيس السيسى كثيرا. فالسيسى بشكل عام رجل يتسم بالعقلانية الشديدة والصوت المنخفض الذى ينم عن شخص يفكر بأكثر مما يتكلم، وهو يتناول قضية التحرر الوطنى واستقلال القرار بكل هدوء وحنكة سياسية وواقعية، مع تجريد للذات من ادعاءات البطولة الزائفة. أما عبدالناصر، ومن أجل تضخيم ذاته والتباهى بزعامته، فقد تناول القضية بكل عنجهية وصوت عال وشتائم، وبمراهقة سياسية واضحة واستخفاف غريب بمصلحة وطنه وشعبه..إلخ.

عناوين الأهرام هى التى تقلقنا، فى حين ان الرسالة التى نشرتها المصرى اليوم تعبر عن وجهة نظر شخصية وجدتها الجريدة جديرة بالنشر، ولا اعرف ما إذا كانت سترحب بنشر وجهة النظر الأخرى التى قد يرى فيها البعض ان المقارنة تظلم عبدالناصر وليس السيسى!

ذكرنى ما وقعت عليه صباح أمس بما قرأناه فى تاريخ الفراعنة، حين كان الفرعون الذى يتبوأ منصبه فيمحو تاريخ سلفه المدون على المسلات، لكى يلغى ما سبقه ويبدأ التاريخ به وحده. وكنت قد سمعت رأيا فى الموضوع من الدكتور عبدالعزيز كامل أستاذ الجغرافيا السياسية الذى شغل منصب وزير الأوقاف يوما ما خلاصته ان الأهرامات الثلاثة التى نطالعها الآن تعد رمزا لفردية الحاكم فى مصر التى تنفر من فكرة التواصل مع من سبقه أو نهج الفريق الذى يحتمل وجود آخرين إلى جواره، ذلك ان كل فرعون رفض أن يدفن إلى جوار سابقه، وأراد ان يبنى لنفسه هرمه الخاص الذى يميزه عن غيره. إذ حين يقدم بحسبانه «الملك الإله صانع المطر وحارس النماء» فإن مقامه الرفيع يقتضى ألا يكون له شريك، ويتعين دفنه فى هرم خاص به. وللدكتور جمال حمدان فى مؤلفه الكبير «شخصية مصر» تأصيل وتحليل لشخصية الفرعون ومركزيته الشديدة فى التاريخ المصرى، وفيه ربط بين طغيان الفرعون ومركزية الإدارة وبين طبيعة المجتمعات الفيضية، التى تعتمد فى مياهها على الفيضان الذى يغذى شبكات الرى التى يتحكم فيها الفرعون، ولان ذلك يمكنه من ان يحبس المياه أو يطلقها، فقد اعتبر آنذاك واهبا للحياة والموت.

مما يروى فى هذا الصدد نقلا عن رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق رفيق الحريرى انه التقى الرئيس الأسبق حسنى مبارك أثناء زيارة قام بها للقاهرة. وفى ختام الزيارة أراد ان يعبر عن تقديره وإعجابه بوزير الخارجية المصرى آنذاك السيد عمرو موسى فقال له ان أداء الرجل يشرف مصر والعرب. حينذاك استوقفه مبارك على باب غرفة الاستقبال وقال له: إذا تصورت أن عمرو موسى يتحرك بغير توجيه منى فأنت مخطئ. فى إشارة إلى أن الرجل لم يسترح لان الحريرى امتدح عمرو موسى حيث كان يفضل ان ينفرد هو بالمديح دون أحد من مساعديه.

من خبرة العمل فى الصحافة طوال نصف قرن أزعم أن وسائل الإعلام بالمديح والتلميع والأضواء والإلحاح اليومى يمكن ان تفسد أى مسئول حتى إذا كان من أولياء الله الصالحين. وأعرف ان من الرؤساء من كان يستشيط غضبا إذا لم تبرز اخباره وصوره فى الصحف كل صباح بعدما اعتاد على ذلك. وأعرف ان الأهرام فى سنوات مجده عاقب أحد رؤساء الوزراء ذات مرة بمجرد حجب اسمه عدة أيام، حتى استشاط الرجل غضبا وكاد يموت حسرة وكمدا.

حتى إذا كان تكثيف الأضواء على الرئيس فى حزمة الأخبار المنشورة مجرد مصادفة، فإن الرسالة التى يتلقاها القارئ من خلالها، ان لا شىء يتحرك فى البلد إلا بموافقة السيسى أو توجيه منه. ذلك انه بقدراته الخارقة أحاط فى يوم واحد بملفات الكهرباء والتموين والتعليم والصحة ومشكلات فلاحى الإصلاح الزراعى وقرر مد العمل بمعبر رفح ليومين آخرين. وهذه الرسالة ليست استثنائية لانها تعبر عن توجه ملحوظ فى الخطاب السياسى والإعلامى سابق على مناسبة مرور عام على انتخاب السيسى رئيسا. ذلك ان ثمة سيلا من التحليلات والبرامج التليفزيونية التى ما برحت تلح على ان مصر ولدت من جديد وأن مصيرها بات معلقا به، وان البلد بغيره ينتظره مصير أسود. إذ سيخرج من التاريخ وربما من الجغرافيا أيضا.

لا أحمل الرئيس السيسى بالمسئولية عن ذلك. لكننى لا أبرئ البطانة وإدارات التوجيه المعنوى. ولا اعرف رأيه فى ذلك الاسلوب، لكننى أعرف انه يستطيع ان يوقفه إذا أراد، مثلما أوقف بعض مظاهر النفاق الأخرى. اعرف أيضا انه بشر، يسرى عليه ما يسرى على بقية خلق الله من سمات القوة والضعف. إننا نحلم بمصر دولة المؤسسات وليس بمصر السيسى.. وإذا فعلها فإنه سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وبغير حاجة إلى تهليل الإعلام أو تدليسه.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: معارك مصر بين الأوهام والحقائق

الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر فى ترتيب الأولويات بين معارك النظام ومعركة المجتمع، لكى نتجاوز أوهام الأزمة إلى ملامسة حقائق الواقع.

(١)
سأل الإعلامى الشاب ضيفه: هل انت مدرك لحجم المؤامرة على مصر؟.. لم يتح لنا ان نستمع إلى إجابة السؤال، لأن الحلقة التى تابعنا بعض عناوينها فى حملة الترويج لها لم تبث تليفزيونيا. لكن سؤال المؤامرة ليس جديدا، لأن الإشارة إليها تكررت مرات عديدة خلال الأشهر الماضية من خلال معلومات ظلت المصادر السيادية مصدرها الوحيد. ومن يتابع أخبار الصحف المصرية خلال العام الأخير لابد أن تثير انتباهه الملاحظة. إذ قرأنا كثيرا عن تآمر أجهزة مخابرات الدول الغربية مع بعض الدول العربية وتركيا لإسقاط النظام المصرى تارة، ولحرق مصر فى قول آخر. وفى بعض الأحيان فإن المختلف مع النظام المصرى أصبح يصنف على الفور جزءا من المؤامرة أو منتسبا إلى الطابور الخامس. وهى التهمة التى لاحقت الدكتور محمد البرادعى ووائل غنيم ونشطاء ثورة ٢٥ يناير وحركة ٦ أبريل، إضافة إلى المنظمات الحقوقية وممثلى الإخوان الذين أصبحوا فصيلا ثابتا فى كل مؤامرة.
أفرق بين التجاذبات والصراعات الحاصلة بين المحاور المختلفة فى العالم العربى، وبين المؤامرات التى تدبرها أجهزة مخابرات الدول الكبرى، وتشارك فيها دول أخرى متجاوزة بها تناقضاتها مثل تركيا وإسرائيل. التجاذبات الأولى لا تسرنا لا ريب وتحزننا بكل تأكيد، لكنها صارت إحدى سمات الصراعات العربية العربية التى تصاعدت مؤشراتها فى ظل انهيار النظام العربى، وبعدما فقدت الدول العربية الكبرى عافيتها وهيبتها والبوصلة الهادية لها. إلى غير ذلك من الأجواء التى فتحت الباب واسعا لتدخلات اللاعبين الجدد الذين حاولوا لعب الأدوار وتبؤ صدارة المشهد.
وإذ أزعم أن قدرات أولئك اللاعبين الجدد وممارساتهم أقل من ان توصف بأنها مؤامرات ــ (ربما كانت كلمة مشاغبات أدق وأصوب) ــ فإن الكلام عن «حجم» المؤامرات يشير ضمنا إلى دور للدول الكبرى التى ما برحت تسريبات الأجهزة السيادية المصرية تشير إليها فى حديثها عن اجتماعات لأجهزة استخباراتها فى إحدى القواعد العسكرية بألمانيا أو فى بعض العواصم الأوروبية الأخرى.
أسلم ابتداء بأن الدول الغربية ليست منزهة عن التآمر، لكنها تلجأ إليه حين تدرك أن الطرف الآخر يعارض مصالحها أو يهددها. ولا أظن أن ممارسات أو سياسة النظام المصرى يمكن ان تصنف تحت أى من العنوانين. وكل التباينات أو الخلافات بين مصر الآن وبين أية عاصمة غربية، بما فيها واشنطن ــ لم تمس جوهر العلاقات أو المصالح. من ثم فالتآمر غير وارد ومفتعل. لذلك أزعم أن المؤامرة الغربية فى حقيقتها ليست سوى شائعة أطلقتها المؤسسة الأمنية وروجت لها أبواقها، للإيحاء بأن النظام القائم له قامته ومشروعه الذى يتحدى به الغرب ويهدد مصالحه. وهو ما يدفع عواصمه للتآمر عليه والسعى لإسقاطه. وهدفها من ذلك هو استنفار الرأى العام المصرى وحثه على الالتفاف حول النظام بدعوى حمايته من تلك المؤامرات.

(٢)
إذا صح ذلك التحليل، فإنه يستدعى على الفور السؤال التالى: ماذا عن دعم بعض الجهات الغربية وواشنطن بوجه أخص لجماعة الإخوان؟
هذا السؤال أجاب عليه آلان جريش خبير الشئون العربية المخضرم ورئيس تحرير مجلة «لوموند دبلوماتيك» السابق، وكنت قد سمعت رأيه فى لقاء سابق معه، لكنه فصَل فيه خلال حوار أجراه معه الزميل محمود القيعى ونشره موقع «رأى اليوم» فى ٩ يونيو الحالى. وقد عرض وجهة نظره فى النقاط التالية:
الأصل أن الدول الغربية مع مصالحها بالدرجة الأولى. وهى مع الديمقراطية ومستعدة للترحيب بها فى العالم العربى إذا جاءت بأى طرف يحافظ على تلك المصالح ويخدمها. وإلا فلتذهب الديمقراطية إلى الجحيم. أستثنى من ذلك الدول الإسكندنافية التى لا تزال أكثر تشددا فى الدفاع عن الديمقراطية.
< فى الوقت الراهن الذى تزايد فيه نفوذ التنظيمات الإسلامية المتطرفة مثل داعش، فإن الدول الغربية أصبحت مستعدة لمساندة الأنظمة الديكتاتورية ودعمها، كما انها تفضلها على الإسلاميين خصوصا أن الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام) متجذرة فى المجتمعات الغربية.
< الغرب يتعامل مع مصر من باب القبول بالأمر الواقع، ذلك أن سياسات الدول لا تقوم على المبادئ وحدها. وفى الحالة الأمريكية خصوصا وعلى عكس الشائع فى الإعلام المصرى، فالترحيب أكبر والعلاقات أقوى مع النظام المصرى بأكثر مما كانت عليه فى ظل حكم الرئيسين أنور السادات وحسنى مبارك. ذلك ان هناك تحالفا حقيقيا بين مصر وإسرائيل. والدور المصرى فى سيناء يمثل تأمينا لإسرائيل ترحب به وتؤيدها فى ذلك الدول الغربية وواشنطن.
< فكرة الحرب على الإرهاب طرحها نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل فى السبعينيات، وكان يستهدف بها منظمة التحرير الفلسطينية. لكنها اتخذت بعدا جديدا بعد احتلال الأمريكيين للعراق فى عام ٢٠٠٣. وإحدى مشكلات الفكرة انها مفتوحة وبلا حدود، وهى أقرب إلى إعلان الحرب على شبح الإرهاب الذى لم يعد له أى معنى سياسى فضلا عن أنه أصبح مدخلا لقتل آلاف المدنيين الأبرياء.
< القول بأن الإعلام الأوروبى منحاز إلى الإخوان كلام فارغ. وهو ما أبلغت به المسئولين المصريين، ردا على تساؤلاتهم، والحقيقة أن ١٠٠٪ من الإعلام الأوروبى ضد الإخوان، كما ان النسبة ذاتها تنتقد الرئيس السيسى. أما الدول الأوروبية فمواقفها متناقضة. ذلك انها تحت ضغط الخوف من الإسلاميين أصبحت أقرب إلى تأييد الديكتاتوريات العربية.
< رغم أن الدول الغربية تتعامل مع مصر انطلاقا من التسليم بالأمر الواقع، إلا أن مواقفها متفاوتة إزاء طريقة التعامل مع الإخوان، وهذا التفاوت ظهر أيضا فى سياسة حلفائها مثل السعودية والإمارات، ولا يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل دور الإخوان فى الحياة السياسية، فلن تحل مشكلة سوريا إذا استبعد الإخوان، كما ان مشكلة اليمن لا حل لها دون حزب الإصلاح الذى يمثل الإخوان (وذلك حاصل فى ليبيا أيضا).

(٣)
ثمة التباس آخر يلفت النظر إليه الباحث الفرنسى أوليفيه روا صاحب الدراسات العديدة حول حركات الاحياء الإسلامى، (له عدة كتب ترجمت إلى العربية مثل الجهل المقدس ــ اخفاق الإسلام السياسى ــ نحو إسلام أوروبى... إلخ). ذلك انه نشر مقالة فى مجلة اسبرى (عدد ٣٠/٥/٢٠١٥) أشار فيها ضمن أمور أخرى إلى أهمية التفرقة بين الحركات الجهادية وبين الإسلام السياسى. معتبرا انهما ليستا شيئا واحدا، فالأولى ولدت من العولمة فى حين ان الثانية تمثل صياغات إسلامية حداثية ووطنية.
درس الرجل تجربة الإسلام السياسى فى أربع دول هى: مصر والهند وإيران وتركيا، وخلص إلى أن الجماعات الإسلامية الكبرى التى نشطت فى تلك الدول لم تتبن سياسة العنف والغلو الذى عبرت عنه تيارات التشدد الأخرى. وذكر أن عبدالله عزام الذى اعتبر أحد قادة الجهاد ضد السوفييت فى أفغانستان هو ابن الإسلام السياسى وأحد أبرز الداعين إليه. لكن الرجل قتل هناك فى ثمانينيات القرن الماضى لأنه عارض اتجاه العنف وكراهية الغرب الذى قاده أسامة بن لادن وجماعته.
فى رأيه أن الإمارات الإسلامية على شاكلة دولة «داعش» فى سوريا والعراق ليس بينها وبين الدولة الإسلامية التى يتطلع إليها دعاة الإسلام السياسى شبه أو صلة. فسمتها الأولى تتمثل فى افتقارها إلى أبنية دولة. وتقوم فى مناطق تغلب عليها القبائل، وتربطها صلة وثيقة بانحلال الأنظمة القبلية وتجددها فى باكتسان وأفغانستان واليمن وأفريقيا جنوب الصحراء، من ثم فهى من مظاهر العولمة العابرة للحدود والمتجاوزة للهويات. وهو ما يعنى أن حيزها الجغرافى الاستراتيجى لا يشبه من قريب أو بعيد حيز الحركات الإسلامية الوطنية، الذى تعد حركة حماس فى قطاع غزة من نماذجها.
فى تحليله لا يدافع الرجل عن الإسلام السياسى وإنما دعا إلى التمييز بينه وبين الحركات الجهادية التى تتوسل بالعنف فى تحقيق أهدافها. وفى رأيه ان طريق الإسلام السياسى قد ينتهى بالتفاعل مع الديمقراطية كما هو الحاصل فى تركيا وتونس، وقد ينتهى إلى الديكتاتورية التى اعتبر أنها متمثلة فى إيران.

(٤)
طوال السنتين الأخيرتين تقريبا، ظلت هذه المعارك الوهمية والمثيرة للغط ضمن العناوين الرئيسية للفضاء المصرى. وصارت الشاغل الرئيسى الذى من أجله استنفر وحشد الرأى العام، وعُبِئ المجتمع واستنزفت طاقاته. فى هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن الجهد التعبوى الكبير الذى بذل حوَل تلك العناوين إلى مسلَمات وثوابت لا تقبل المناقشة أو المراجعة. حتى بات الإقدام على مغامرة من ذلك القبيل مخاطرة كبرى تكلف صاحبها ثمنا باهظا ليس من جانب السلطة فحسب، وإنما أيضا من جانب بعض شرائح المجتمع التى دخلت فى السياسة بعد الثورة ولوث البث التليفزيونى التعبوى إدراكها. ومن المفارقات ان فرصة الباحث للتعرف على خرائط الواقع السياسى المصرى فى ظل تلك الأجواء أصبحت متاحة له من الخارج بأفضل منها فى داخل البلاد. والشهادتان اللتان أوردتهما للفرنسيين آلان جريش وأوليفيه روا تعبران عن ذلك التفاوت. ذلك انهما يقدمان قراءة مناقضة ومختلفة تماما لما يبدو أنه «مسلَمات» فى الخطابين السياسى والإعلامى بمصر.
اهتزت الصورة فى الآونة الأخيرة. ذلك ان انفجار قضية انهيار الخدمات الصحية فى المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية كان بمثابة جرس إنذار نبه إلى عمق مشكلة انهيار عموم الخدمات التى تقدمها الدولة فى مختلف المجالات. وأهمية هذا الجرس أنه بمثابة دعوة إلى الإفاقة، لفتت الانتباه إلى أن المعارك المشهرة عناوينها فى الفضاء السياسى هى معارك النظام بالدرجة الأولى، وان المجتمع له معاركه المختلفة، ولأن الأخيرة تتعلق بالصحة والتعليم والإسكان والتنمية الاقتصادية وغيرها، فهى ما ينبغى أن يحتل الأولوية وصدارة الاهتمام، الأمر الذى لا يتطلب إعادة النظر فى الأولويات فحسب، ولكنه يقتضى أيضا إعادة النظر فى وجهة التفكير ومحوره.
إن أخشى ما أخشاه فى ظل استمرار تهميش دور المجتمع وتغييب مؤسساته الفاعلة ان تستغرقنا وتستنزفنا ــ وتنهكنا ــ معارك النظام التى تشغل الناس بالأزمات الوهمية والافتراضية، بحيث تصرفنا عن الاهتمام بمشكلات المجتمع الحقيقية. ولا سبيل إلى تصحيح ذلك الوضع إلا بفتح الأبواب للاستماع إلى صوت المجتمع لأنه وحده التعبير الصادق عن الحقيقة. ولأن ذلك الصوت مغيب ومحبوس، فليتنا نرفع عاليا فى عام الرئاسة الثانى شعار: «لا صوت يعلو فوق صوت المجتمع».

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب : فى زمن الحبور الإسرائيلى

نشر فى : الإثنين 15 يونيو 2015 - 12:25 ص | آخر تحديث : الإثنين 15 يونيو 2015 - 12:25 ص

فى مؤتمر هرتسيليا السنوى كان العالم العربى حاضرا طول الوقت ومطمئنا للإسرائيليين على طول الخط. فالإشارات إليه كانت خليطا من الرثاء لحاله والتعاطف معه. إذ رغم أن المؤتمر يخصص فى العادة لمناقشة المخاطر التى تهدد أمن إسرائيل ومشروعها، إلا أن المتحدثين لم يعبروا عن أى قلق من جانب الدول العربية، ولكن ذلك القلق كان منصبا على مخططات «داعش» ومستقبلها فى سوريا والعراق. وكان لحماس وقطاع غزة منه نصيب اتسم بقدر غير قليل من الحذر. إذ كان ملاحظا مثلا أن رئيس المؤتمر البروفيسور رؤوفين رايخمان ركز فى حديثه على التهديدات الداخلية التى تواجه إسرائيل، مثل الفساد والاحتراب الداخلى وتنامى التشدد بين المنظمات الصهيونية المتطرفة على نحو يؤجج الصراع بين الأديان، إلى جانب مؤشرات المقاطعة الدولية لإسرائيل فى بعض الدوائر الغربية. أما الموضوع الفلسطينى وحتى الشأن الإيرانى، فقد احتلا مرتبة تالية فى الأهمية عنده.

وزير الحرب موشيه يعلون قال انه لا يرى فرصة للتوصل إلى سلام مستقر مع الفلسطينيين فى المستقبل المنظور. وإذ اعتبر ان التهديد التقليدى (المتمثل فى الصراع المسلح) تراجع قليلا فى الوقت الراهن، فإن الجهد الفلسطينى صار يتجه نحو نزع الشرعية عن إسرائيل فى المحافل الدولية، بما يوحى بالانتقال إلى طور الصراع السياسى. وقد اعتبر الاتفاق النووى المحتمل مع إيران أمرا سيئا لأنه لم يتطرق للترسانة الصاروخية التى تمتلكها والتى ذكر أنها تساند التنظيمات المسلحة فى المنطقة.

عاموس جلعاد، مدير الدائرة السياسية والأمنية فى وزارة الحرب، قال إن مصر تساعد إسرائيل فى مكافحة «الإرهاب» من خلال هدم الأنفاق التى استخدمت لأهداف «معادية». وذكر أن الرئيس عبدالفتاح السيسى حقق معجزة بإنقاذ مصر من الإخوان المسلمين، مضيفا أن حماس أصبحت معزولة الآن فى قطاع غزة، وللدور المصرى الفضل فى ذلك. ذلك أن الرئيس السيسى يحاربها فى غزة ويتصدى لداعش فى سيناء، إلى جانب أن التزامه بمعاهدة السلام يعد ثروة استراتيجية لإسرائيل.

فى حديثه عن سوريا، قال إن الدولة لم تعد قائمة. وبإمكان الرئيس بشار الأسد ان يعتصم بقصره إلا أنه لم يعد له صلة حقيقية ببلده. كما لم يعد لدولة العراق وجود فى الوقت الراهن، بعدما تم تفكيكها وأصبح ٩٠٪ من أراضيها خاضعة لسيطرة تنظيم داعش. عن دول الخليج قال إنها قد تعتبر عدوة لإسرائيل، لكنها ليست عدوا فى حقيقة الأمر، لأنهم هناك مشغولون بأعداء آخرين (يقصد إيران). وفى حين وصف الوضع فى الأردن بأنه مستقر، وأنه بعد معاهدة السلام (وادى عربة) صار بمثابة العمق الاستراتيجى لإسرائيل فى الشرق، فإنه ذكر أن الجبهة الشرقية لم تعد تمثل لإسرائيل الخطر التقليدى الذى كانت تشكله فى السابق. ذلك أن وحدة العراق ذهبت أدراج الرياح، بحيث تفككت الدولة ولم تعد خطرا يهدد إسرائيل. خصوصا بعدما أصبحت منطقة نفوذ إيرانية. وفى حديثه عن غرب العراق قال إنه بعدما سيطر الأكراد على شماله، وخضعت الحكومة المركزية للنفوذ الإيرانى، فإن ذلك دفع أهل السنة الذين أصابهم اليأس إلى احتضان تنظيم داعش والانحياز إليه. أما الجيش السورى الذى كان قبيل ثلاث سنوات يعد أكبر تهديد لإسرائيل، فقد أصبح فى حالة تفكك متواصل، كما فقد عناصر قوته وتماسكه. وفى إشارته إلى وصول تنظيم داعش والقاعدة لهضبة الجولان، قال إن القتال بينهما يحول دون استهداف إسرائيل فى المرحلة الحالية. وقد اعتبر أن خطر حزب الله تراجع بعدما استدرجت قواته إلى سوريا وتشتتت هناك، من ثم فلم يعد هناك خطر يهدد إسرائيل من الجبهة الشرقية سوى إيران وطموحاتها الإقليمية.

مما خلص إليه الرجل أن خريطة الشرق الأوسط شهدت تفككا فى الدول التى تحررت من الاستعمار، فيما ترسخت واستقرت الدول التى تحكمها أنظمة ملكية. وهو ما يدعو إسرائيل إلى تحسين علاقاتها مع أنظمة تلك الدول الأخيرة وتطويرها.

نمرود شيفر، رئيس شعبة التخطيط فى الجيش الصهيونى، رحب بالتعاون بين مصر وحركة حماس لمواجهة الجماعات السلفية فى سيناء. وقال إن شراكة المصالح يمكن أن تؤدى إلى توثيق العلاقة بين الطرفين. ذلك أن إسرائيل لم تعد تخشى عواقب مثل ذلك التعاون لأسباب عدة، بينها أن العلاقة العسكرية مع مصر قوية. وأيا كان المدى الذى ذهب إليه ذلك التعاون فإنه لن يشكل تهديدا لإسرائيل. لأن مصر الحالية تعد شريكا ممتازا وغير عادى لإسرائيل. وموقف نظامها من حماس محسوم وحربه الأساسية عليها لا هوادة فيها، لكونها فرعا من الإخوان المسلمين.

الرئيس الإسرائيلى رؤوفين ريفلين حذر من التهديدات الداخلية الكبيرة المحدقة بإسرائيل إذ اعتبر أنها أصبحت منقسمة إلى أربع قبائل. فلم يعد مجتمعها مكونا من أغلبية صهيونية متماسكة وواضحة، وإنما ظهرت إلى جانب تلك الكتلة ثلاث أقليات تتمثل فيما يلى: يهدد متدينون وطنيون (ليبراليون) ويهود متدينون أصوليون وعرب. وقال إن ثمة خطرا يهدد بانهيار المجتمع الصهيونى بسبب انقسام السكان وتوزيعهم على القبائل الأربع، معتبرا أن ذلك يعد خيارا سيئا لإسرائيل ليست مهيأة لاستقباله.

ملحوظة: التقرير أعده معهد هرتسيليا متعدد المجالات، وقد تولى ترجمته مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية بتاريخ ١٠/٦/٢٠١٥.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب: عن الاختفاء القسرى

نشر فى : الأحد 14 يونيو 2015 - 12:00 ص | آخر تحديث : الأحد 14 يونيو 2015 - 12:00 ص

أشد على يد كل من كتب سطرا أو رفع صوتا رفض به التهجير القسرى واستهجنه. إلا أننى لا أجد تفسيرا مقنعا لسكوت أولئك الوطنيين الشرفاء على تفاقم ظاهرة الاختفاء القسرى. أتحدث عن الأزمة التى حدثت فى قرية كفر درويش بمحافظة المنيا، بعدما تسببت رعونة أحد أبناء القرية من الأقباط المقيمين بالخارج فى إطلاق شرارة فتنة طائفية بالقرية. إذ أساء إلى نبى الإسلام على موقعه الإلكترونى. فأثار ذلك غضب المسلمين على أسرة وأهل صاحبنا هذا. وتطور الغضب إلى اشتباك ومحاولة إحراق بيت أسرته، ولإنقاذ الموقف فإن الجهات المعنية تفاهمت مع ممثلى الطرفين على تهجير ٥ أسر قبطية ضمت ١٨ فردا إلى مكان آمن حتى تهدأ الأمور. وهو ما أحدث صداه السريع فى أوساط الكنيسة والطبقة السياسية ووسائل الإعلام. إذ قوبل الإجراء بهجوم وانتقاد شديدين. فصدرت التعليمات بإعادة المهجرين إلى دورهم مع تحمل الدولة مسئولية تأمينهم. ولم ينته الأمر عند ذلك الحد، لأن الحوار لايزال مستمرا حول كيفية ضمان عدم تكرار الأزمة سواء بمنع احتمال حدوثها، أو تشديد معاقبة المتسببين فيها. وهو أمر محمود لا ريب.

شاءت المقادير أن يثار الموضوع خلال الأيام الأولى من شهر يونيو الحالى، فى الوقت الذى تعالت فيه مؤشراتالاختفاء القسرى. إذ تصادف أن اختفى فى اليوم الأول من الشهر ثلاثة أشخاص فى حى المعادى هم إسراء الطويل وعمر محمد على وصهيب سعد. إذ منذ خرجوا لتناول العشاء فى مساء ذلك اليوم، فإنهم لم يعودوا إلى بيوتهم. كانت إسراء البالغة من العمر ٢٢ عاما تعمل بالتصوير وأصيبت برصاصة أثناء أدائها لعملها فى تغطية إحدى التظاهرات فأقعدتها حتى أصبحت بحاجة إلى رعاية وعون. لذلك فإن اختفاءها مع زملائها أثار قدرا مشهودا من التعاطف والتضامن فى أوساط الحقوقيين والنشطاء. وأطلق هؤلاء حملة لاتزال تتردد أصداؤها فى مواقع التواصل الاجتماعى تكرر السؤال كل يوم: أين إسراء الطويل؟

اختفاء الثلاثة كان حلقة فى مسلسل تتابعت حلقاته فى مصر بشكل مقلق ومثير خلال الشهرين الأخيرين، حتى أن المجلس القومى لحقوق الإنسان تلقى بلاغات باختفاء ١٦٣ شخصا خلال الشهرين الماضيين (أبريل ومايو). كما وجدنا أن موقع «الحرية للجدعان» عمم نص برقية على الانترنت، ودعا ذوى المختطفين إلى إرسالها إلى النائب العام بمجرد وقوع الاختفاء. وطالبت البرقية الأهالى باتخاذ الإجراءات القانونية للتحقيق فى مصير المختطف، قبل تلفيق أى تهمة له.

فهمت من بعض الحقوقيين أن بعض الأسر تتكتم أمر اختطاف أحد أبنائها، وتحجم عن إبلاغهم بذلك حتى لا تتعرض للاضطهاد من جانب الأجهزة الأمنية. فى حين أن آخرين يؤثرون الصمت حفاظا على السمعة وخشية الفضيحة فى محيطهم الاجتماعى. ومما قاله أولئك الحقوقيون أن هناك أناسا مختطفون منذ سنين ولا يعرف أهلوهم ما إذا كانوا أحياء أو أمواتا. إلا أن سيل البلاغات انهمر حين شن النشطاء حملة لإعلان أسماء المعتقلين المجهولين. فى هذا السياق قرأت بيانا على الانترنت لزوجة باسم حنان بدر الدين قالت فيه إن زوجها خالد عز الدين اختفى يوم ٢٧ يوليو عام ٢٠١٣ ولم تره إلى الآن، لكنها تسمع من آخرين تنقله بين عدة سجون. وبعد مضى ٦٨٨ يوما فإنها لا تعرف تهمته أو مصيره.

اللافت للنظر فى هذا الصدد أن الصحف القومية والمستقلة حفلت بالتعليقات التى هاجمت التهجير القسرى. فى حين أن الاختفاء القسرى ظلت أخباره مسكوتا عليها، ويتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعى. حتى بدا كأن المنظمات الحقوقية المستقلة وحدها التى باتت معنية به. (صحيفة ديلى ميل البريطانية تطرقت إلى الموضوع فى عدد ١٠/٦). أما المثقفون والسياسيون الذين يظهرون فى وسائل الإعلام فقد تجاهلوه لحسابات وأسباب سياسية على الأرجح. رغم أن أغلب الذين تم اختطافهم خلال الشهرين الأخيرين لم يكونوا من الإخوان، وكانوا من شباب ثورة يناير ونشطاء حركة ٦ أبريل.

يستغرب المرء ذلك التجاهل الذى يجرح الموقف الأخلاقى والإنسانى للنخبة. ذلك أن التهجير القسرى إذا كان جريمة فالاختفاء القسرى جريمة مضاعفة، على الأقل فإن المهجر يظل فى محيط أسرته وتحت رعاية الدولة أو المجتمع المحيط الذى يؤمنه. فضلا عن أنه يعلم أن هجرته لأجل محدود.
أما فى حالة الاختفاء القسرى فحياة المختطف تظل فى خطر ومصيره مجهول ومعنوياته تصبح فى الحضيض، ناهيك عن تدمير أسرته ومستقبله. من ثم فهو أحوج إلى التضامن الذى يحفظ له الحد الأدنى من الإنسانية الذى يمكن أهله من التعرف على مجرد وجوده على قيد الحياة.

قرأت نصا جيدا حول الموضوع نشره موقع «المصرى اليوم» ــ لم تنشره الجريدة ــ يوم الخميس ١١/٦، تحدث فيه صاحبه الزميل محمد أبوالغيط عن قصة إسراء الطويل وأورد نماذج لحالات أخرى مماثلة، مشيرا إلى أن مجلس حقوق الإنسان (الحكومى) تلقى ٥٥ شكوى من الاختفاء القسرى خلال أيام معدودة. وقد ختمه الكاتب الواعد بقوله إننا وصلنا إلى مرحلة لم نعد نريد فيها تغيير العالم، وتوقفنا عن الحلم بتغيير مصر. فقط نريد أن نحتفظ بأصدقائنا أحياء أولا وخارج السجن لو أمكن ثانيا. ثم أضاف قائلا كنا نحسب أننا وصلنا للقاع حتى انفتح تحتنا لنهوى لقاع أدنى.

لمصلحة من إشاعة هذا الشعور بالإحباط واليأس فى نهاية العام الرئاسى الأول؟ وإذا كان ذلك ما زرعناه خلال تلك الفترة فكيف نتوقع الحصاد فى العام الثانى؟ وهل هذا يخدم الاستقرار والسلم الأهلى أم أنه يغذى العنف ويؤججه؟ وحين تتجاهل عناصر النخبة حوادث الاختفاء القسرى، ألا يشكك ذلك فى نزاهتها ويجرِّح موقفها الأخلاقى ويطعن فى شرعيتها؟

القسم: 
المصدر: 

لقطة فى فيلم قديم


نشر فى :
الجمعة 12 يونيو 2015 - 11:15 م
| آخر تحديث :
الجمعة 12 يونيو 2015 - 11:15 م

حين احتفى البعض فى مصر بالحكم بالسجن ١٥ عاما على الضابط، الذى اتهم بقتل المحامية شيماء الصباغ. فإن شابة فى مقتبل العمر علقت على تغريداتهم قائلة «تذكروا أن ذلك حكم محكمة أول درجة، لكن البراءة تنتظره فى نهاية المطاف». ما لفت نظرى لم يكن الحجة التى وردت فى التعقيب وإنما صدورها عن فتاة يقل عمرها عن عشرين عاما. ذلك أن الأمر أصبح واضحا والفكرة شائعة بأن ضباط الشرطة لا يحاسبون ولا يسألون عما يفعلون بالنشطاء السياسيين بوجه أخص. يؤيد ذلك ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعى بخصوص الشاب الكفيف الذى اشتبك مع ضابط شرطة حين استوقفه وهو يعبر أحد الشوارع وقال له إن بوسعه أن ينهى حياته برصاصة واحدة يطلقها. وقد ذكر الشاب أنه احتمل إهانات الضابط لأنه مقتنع أن بوسعه قتله وأن قتله لا ديَّة له.

هذا الاقتناع لم يكن مجرد تخمين أو تصور لسيناريو افتراضى، لأن شواهد الواقع تؤيده حينا بعد حين. ولم يعد مستغربا أن تدرك الأجيال الجديدة أن الحكم بسجن ضابط الشرطة إذا كان لابد منه فهو مؤقت ويراد به امتصاص الغضب واسترضاء الرأى العام. لكن براءته حتمية فى النهاية. وبعد تبرئة الضابط الذى حكم عليه بالسجن ١٥ عاما بعد إدانته فى تعذيب وقتل الشاب سيد بلال الذى اتهم فى قضية كنيسة القديسين (عام ٢٠١١) وكذلك تبرئة زميله الذى أدين فى قتل ٣٨ شخصا الذين كانوا فى عربة ترحيلات سجن أبوزعبل. وكذلك تبرئة جميع الضباط الذين اتهموا فى أكثر من ٤٠ قضية قتل أثناء ثورة يناير، بعد كل ذلك ليس مستغربا ألا تؤخذ الإدانة على محمل الجد من جانب أى شخص له عقل وذاكرة. وليس بعيدا عن أذهاننا الحكم النهائى الذى صدر أخيرا ببراءة وزير داخلية مبارك وأعوانه الستة، الذين قادوا جهاز الشرطة أثناء ثورة يناير، حين قتل نحو ألف شخص ذهبت دماؤهم هدرا. ولا أملّ من التذكير فى هذا الصدد بما أورده تقرير لجنة تقصى حقائق أحداث الثورة التى رأسها المستشار عادل قورة، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، الذى تحدث صراحة عن ضلوع الشرطة وقياداتها فى عملية القتل (التقرير تم إخفاؤه ولكن له خلاصة وافية من ٤٢ صفحة أعدتها اللجنة ووزعتها على الصحف آنذاك وهى موجودة على الإنترنت). وأضيف إلى ما سبق ما أثبتته نيابة الثورة بخصوص وجود ٤٣٣ قناصا بوزارة الداخلية أطلقوا النار على المتظاهرين، فى حين نفى المسئولون بالوزارة وجود قناصة من الأساس. (جريدة الوطن نشرت تقريرا مفصلا عن الموضوع ـ موجود على الإنترنت أيضا ـ نشر فى ٣/٥/٢٠١٣).

الحقيقة الجوهرية التى يتجاهلها كثيرون أن تعذيب النشطاء أو إطلاق الرصاص عليهم لا يتم بمبادرة من الضباط، ولكنه يتم بتوجيه وتصريح من قيادات الداخلية، التى قد لا تدعو إلى القتل ولكنها تتسامح له إذا وقع وتقبل به باعتباره احتمالا واردا، لذلك فمن الطبيعى أن تتضافر الجهود لتغطية وتأمين الضباط الذين ينفذون التعليمات.

وإذا علمنا أن الجهاز الأمنى له أساليبه فى السيطرة وضبط مسار جميع مراحل التعامل مع القضية منذ فتح التحقيق حتى الحكم النهائى، وهو ما أثبتته التجربة، فلا غرابة فى أن يظل شعار «البراءة للجميع» مرفوعا طول الوقت، بحيث لا يدان ضابط فى كل الأحداث التى تعاقبت خلال السنوات الأربع الأخيرة. حيث لا يعقل أن يكلف الضباط بمهام أيا كانت طبيعتها ثم يسمح بمعاقبتهم إذا قاموا بتنفيذها على الوجه المطلوب، أو حتى أخطأوا وذهبوا بعيدا فى التنفيذ.

من هذه الزاوية فإن الحكم بسجن الضابط الذى أدين فى قتل المحامية شيماء الصباغ لا ينبغى أن يستقبل بحسبانه عقابا له وانتصافا لها أو أخذا بحقها. لكنه بمثابة لقطة فى الفيلم الذى ينتهى بتبرئته وعودته معززا مكرما إلى أسرته ووظيفته وقبيلته التى تحميه. وكلها أسابيع أو أشهر معدودة، يهدأ فيها الغضب وتشحب الذاكرة وينسى الناس شيماء الصباغ كما نسوا سيد بلال وقبله خالد سعيد وغيرهما وغيرهما. لكى تحل النهاية السعيدة ويسدل الستار على القصة.

لكى تصبح الصورة أكثر وضوحا، أعيد التذكير بأن القضية ليست أن ضابطا أطلق رصاصة طائشة أو عذب متهما فقتله عن غير عمد أو حتى مع سبق الإصرار والترصد. لكنها فى السياسة التى أرادت له أن يؤدى هذا الدور. وحتى إذا اعتبر الضابط فاعلا ومنفذا، إلا أن وراءه من دبَّر وكلفه بأداء ذلك الدور. من ثم فلا أمل فى عدل أو إنصاف ما لم تتغير السياسات ويصبح القانون سيفا مسلطا على رقاب الجميع. وهو ما يعنى أننا بصدد مشكلة كبيرة تتجاوز الضابط ورؤساءه، وتقف على تماس مباشر مع السياسة وخطوطها والموقع الحقيقى للدستور وقدرة المجتمع على الدفاع عنهما ذودا عن حق المواطنين فى الحياة، فضلا عن حقهم فى الكرامة.

الشواهد التى بين أيدينا تدل على أن هذا الذى أدعو إليه يبدو أملا بعيد المنال، لذلك فلست آمل فى تغير بشىء مما ينبغى أن يتغير فى الأجل المنظور، لأن غاية مرادى فى الوقت الراهن أن نفهم القضية على نحو صحيح، بحيث ندرك أن الفيلم ليس جديدا، ولكنه مجرد استنساخ لأفلام أخرى مماثلة شاهدناها خلال السنوات الأخيرة تغير فيها الأبطال حقا، لكن القصة ظلت واحدة.

إن الفيلم هو ما ينبغى أن يتغير، وليس أشخاصه أو إخراجه.

القسم: 
المصدر: 

أصداء لحظة الحقيقة


نشر فى :
الأربعاء 10 يونيو 2015 - 9:10 م
| آخر تحديث :
الأربعاء 10 يونيو 2015 - 9:10 م

صادمة ومفجعة الصور التى نشرت عن أوضاع المستشفيات المصرية. ذلك أن كثيرين منا لم يخطر على بالهم أن يكون الواقع بائسا ومزريا إلى تلك الدرجة التى صعقتنا. وكان رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب أولنا، حين قام بزيارة لاثنين من المراكز الطبية فى القاهرة، ولم يصدق ما رأته عيناه من إهمال وتدهور. حتى طلب من وزير الصحة أن ينقل مكتبه إلى أحدهما (معهد القلب) وأن يدير وزارته من هناك. وحين ارتطم الرجل بالحقيقة وذاع الخبر فإن الأطباء لم يقصروا فى دق الأجراس ولفت الأنظار إلى الحالة الكارثية التى وصلت إليها الأوضاع فى المستشفيات والوحدات الصحية الحكومية. وقادت نقابة الأطباء حملة دق الأجراس، التى شارك فيها ١٤٠ ألف طبيب حتى أمس. وهو ما أتاح لنا أن نرى بأعيننا الأبنية المتهالكة والأسرة المحطمة ودورات المياه التى تأفف منها الحيوانات. والكلاب الضالة والقطط والمعيز والحشرات التى ترتع فى أروقة المستشفيات.. إلى غير ذلك من مظاهر اللامعقول التى تعشش فى أبنية ذلك المرفق المهم والخطير. كأنما شاءت المقادير أن تكشف الحملة عن الآثار المباشرة التى خلفتها سنوات الفساد والإهمال والظلم، التى اعتنت فيها السلطة بالمنتجعات والمشروعات العملاقة واحتمت بشرائح الأثرياء والمستثمرين أصحاب الصوت العالى والثروات الكبيرة. ومن ثم نسيت الملايين الذين لا صوت لهم ويكافحون لكى يوفروا لقمة العيش لعيالهم.
الصدفة وحدها فتحت أعيننا على الكارثة. إذ لولا الزيارة المفاجئة التى قام بها وزير الإسكان لمعهد القلب لما انفضح الأمر. وإذ يقدر المرء الجهد الكبير الذى يبذله المهندس إبراهيم محلب فى محاولته تحريك المياه الراكدة ومحاربة التراخى والإهمال، فإننا لابد أن نقرر بأن الرجل يقوم بعمل يفترض أن ينهض به غيره. وأن رئيس الوزراء إذا كان مضطرا لأن يذهب بنفسه لتحريك عجلة العمل فى مختلف المجالات بالكفاءة المرجوة. فإن ذلك يعنى أن ثمة فشلا ذريعا من جانب أجهزة الإدارة والرقابة. ناهيك عن أن تلك مهمة مستحيلة. وحتى إذا كانت ممكنة فهو ليس مطالبا بها، حيث يفترض أن يقوم بدور المايسترو أو المدير الذى يقود فريق الوزراء الذى يرأسه. أما أن يطوف بنفسه على المستشفيات والمجمعات والطرق والكبارى، فمعنى ذلك أنه لن يدير، وسيغرق فى بحر التفاصيل. مع افتراض أنه امتلك طاقة خارقة مكنته من ذلك.
أتابع الجهد الذى يبذله الرجل بخليط من مشاعر التقدير والإشفاق والقلق، الأمر الذى يدفعنى إلى تسجيل الملاحظات والأسئلة التالية:
* إن الصور الكارثية التى طالعناها إذا كانت قد سجلت المدى الذى بلغه تدهور الخدمات الطبية فى المدن المصرية الكبرى وعواصم المحافظات. فإنها لابد أن تثير قلقنا الشديد على مستوى الخدمات فى القرى والنجوع البعيدة التى لا يمر بها الوزراء والكبراء ولا تصل إليها وسائل الإعلام إلا إذا حلت بها كارثة.
* إن مشكلات القطاع الصحى لن تحل بنقل الوزير مكتبه إلى أحد المراكز الطبية، وإنما تحل من خلال فتح الملف وتحديد عُقده ونواقصه بالتعاون مع النقابة المنتخبة من الأطباء. إذ إلى جانب مشكلات الأبنية والتجهيزات فإن أوضاع الأطباء وهيئات التمريض تحتاج إلى معالجة شاملة. فلا يعقل مثلا أن يزيد الراتب الشهرى لأمين الشرطة على راتب الطبيب. ولا يعقل أن يتقاضى الطبيب ثلاثين جنيها كبدل عدوى فى حين يمنح القاضى ثلاثة آلاف جنيه بدل علاج.
* إننى أخشى أن نتعامل مع ما جرى باعتباره فرقعة تنسى بمضى الوقت، أو تحصر الاهتمام بالمستشفيات الحكومية وحدها، وننسى أن تدهور أوضاعها هو أحد أوجه تدهور الخدمات كلها. ولو أن رئيس الوزراء زار أى مدرسة فى الصعيد أو الدلتا مثلا فإنه سيخرج بانطباع مماثل لما اكتشفه حين زار معهد القلب.
* إن التدهور الحاصل فى جميع مجالات الخدمات إذا كان قد نشأ فى غياب الرقابة التى يفترض أن تمارسها أجهزة الإدارة. فإننا لا نستطيع أن نعفى أجهزة الحكم المحلى والرقابة الشعبية من المشاركة فى المسئولية عنه. إذ حين تراخت أجهزة الإدارة وغابت الرقابة الشعبية أو فسدت فلم يكن مستغربا أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه فى الصحة والتعليم والإسكان وغيرها من الخدمات التى تجبى الضرائب أساسها لتوفيرها للناس بما يحفظ إنسانيتهم وكرامتهم.
* إن لحظة الحقيقة التى كشفت عنها زيارة رئيس الوزراء إذا أخذت على محمل الجد، فينبغى أن تمثل نقطة تحول فى النظر إلى الأولويات وتوجيه الموارد. وطالما أنه ليس لدينا برلمان يحاسب ويراقب وتعتمد من جانبه السياسات والخطط، فليتنا نشكل غرفة عمليات تتبنى رؤية واضحة للتعامل مع قطاع الخدمات. فتتولى تقصى حقائق مجالاته المختلفة والتعرف على الاحتياجات اللازمة للنهوض بها لتوجيه الموارد وإعادة النظر فى أوجه إنفاقها، بدلا من تبديدها فى مهرجانات دعائية ومشروعات عملاقة ندخل بها سباق الوجاهة الذى نحن فى غنى عنه.
أحيانا يخطر لى أن الخدمات التى تقدم إلى عموم الخلق فى كل مجتمع هى المعيار الحقيقى لقيمة الإنسان فى ذلك المجتمع. وأحزننى أن أستخدم ذلك المعيار وأطبقه على الصورة المزرية التى رأيناها فى المستشفيات.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: بطاقة صفراء لا حمراء

نشر فى : الأربعاء 10 يونيو 2015 - 12:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 10 يونيو 2015 - 12:15 ص

على الصفحة الأولى نشر الأهرام أمس (الثلاثاء ٩/٦) الخبر التالى: بعد فشل حزب العدالة والتنمية فى الاحتفاظ بأغلبيته فى البرلمان، لقن الشعب التركى درسا قاسيا لرئيسه رجب طيب أردوغان خلال الانتخابات البرلمانية. فى نفس العدد، على صفحات الرأى، وقعت على تعليقين لاثنين من زملائنا المحترمين، كان أحدهما تحت عنوان «أردوغان يخسر الجلد والسقط»، وفى مستهله ذكر الزميل ما يلى: قوضت الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة المستقبل السياسى للرئيس رجب طيب أردوغان. أما التعليق الثانى فكان تحت عنوان «الهزيمة الثانية للعثمانية»، وقد استهل زميلنا نصه بالعبارة التالية: بعد أن أطاحت ثورة ٣٠ يونيو العظمى بفكرة إحياء العثمانية والمشروع الإمبراطورى لرجب طيب أردوغان وحزب التنمية والعدالة (الفرع التركى لجماعة الإخوان الإرهابية).. تلقى ذلك المشروع الأخرق هزيمته الثانية فى الانتخابات...إلخ.

هذه الصورة لم تنفرد بها الجريدة الرصينة، لأنها عبرت عن المزاج العام فى الإعلام المصرى، وهى تنقل إلى القارئ انطباعين متأثرين بالأجواء السياسية المخيمة على علاقات البلدين، أحدهما ان حزب العدالة هزم ولم يحتفظ بأغلبيته فى البرلمان حسب نص الأهرام. الثانى أن أردوغان انتهى وان النتائج قوضت مستقبله السياسى بعدما أطاحت ثورة ٣٠ يونيو «العظمى» بحلمه الامبراطورى. بما يعنى ان الأتراك رفعوا فى وجهه «البطاقة الحمراء» إذ استخدمنا لغة النقاد الرياضيين، وطردوه من الملعب. (أحد الإعلاميين قال فى برنامجه التليفزيونى ان الأقدار لقنت الرجل درسا وعاقبته لأنه خاصم النظام المصرى).

أثارت الصورة عندى ملاحظتين، إحداهما تتعلق بالمعلومات والثانية تنصب على التحليل والتعليق. إذ ليس صحيحا الخبر الذى ذكر أن الحزب فقد أغلبيته فى البرلمان، لانه لا يزال محتفظا بالأغلبية، حيث فاز بـ ٢٥٨ مقعدا من بين ٥٥٠ مقعدا للمجلس. لكنه فقد الأغلبية المطلقة التى تسمح له بالانفراد بتشكيل الحكومة، ولذلك تعين عليه ان يشرك غيره من الأحزاب فى تشكيلها، لأول مرة منذ عام ٢٠٠٢، بكلام آخر فإن حزب العدالة والتنمية لايزال الأول الذى يحظى بتأييد أغلبية الشعب التركى. والأصوات التى خسرها الحزب لم تذهب إلى منافسيه المتحالفين تاريخيا مع العسكر والشرطة (حزب الشعب اليمينى وحزب الحركة القومية المتعصب للطورانية والأقرب إلى اليسار)، إذ حصل الحزبان على نفس الأعداد التى صوتت لهما فى مرات سابقة، لكنها ذهبت أساسا إلى الحزب الكردى (الشعوب الديمقراطى) الذى سمح له بالمشاركة فى الانتخابات لأول مرة فى التاريخ التركى، وكان من الطبيعى أن يحصد أصوات الأكراد (عددهم أكثر من ١٥ مليونا) خصوصا أنهم ينتظرون تلك اللحظة ويحلمون بها منذ تأسست الجمهورية فى عشرينيات القرن الماضى.

فى تحليل النتائج تبرز أمام الباحث المعالم التالية:

إن الانتخابات تمت بنزاهة وحرية لا يستطيع أحد أن يشكك فيهما. الأمر الذى يعنى أن الحرص كان شديدا على الاحتكام إلى قواعد وقيم الممارسة الديمقراطية. كما يعنى أن الكلام الذى روجته بعض المنابر التى تحدثت عن الديكتاتورية والتلاعب والتزوير كان من قبيل الكيد والتشويه المتعمد.

< إن قطاعات من الشعب التركى عارضت مشروع أردوغان الذى أراد به التحول إلى النظام الرئاسى. كما انها انتقدت بعض ممارسات حكومته، بالتالى فإنها أعرضت عن تأييد حزب العدالة والتنمية وصوتت لغيره. وربما كان أفضل تعبير عن تلك الحالة ما قاله رئيس الوزراء الدكتور أحمد داود أوغلو حين وصف الرسالة التى تلقاها حزبه من خلال النتائج تعبير عن رغبة الأغلبية فى استمرار حزب العدالة فى قيادة المسيرة مع إجراء بعض التعديلات على المسار. وهو ما يمكن اعتباره إشهارا للبطاقة الصفراء وليس الحمراء التى سبقت الإشارة إليها.

< إن العامل الحاسم فى تراجع نسبة التصويت لحزب العدالة كان دخول الحزب الكردى إلى الساحة، بدليل أن أغلب المقاعد التى فقدها حزب العدالة بالمقارنة بانتخابات عام ٢٠١١ (٦٩ مقعدا) ذهبت إلى الحزب الكردى الذى فاز بـ٨٠ مقعدا).

< إن تركيا مقبلة على مرحلة من عدم الاستقرار بسبب العقبات التى تعترض تشكيل الائتلاف الحكومى. وطبقا للدستور أمام رئيس الوزراء ٤٥ يوما لانجاز المهمة. والحزب الكردى هو المرشح الأقرب للمشاركة فى الائتلاف. وإذا فشلت العملية فإن إجراء انتخابات مبكرة سيكون الحل الأخير.

< إن حزب الرئيس أردوغان إذا كان قد خسر أغلبيته المطلقة بسبب دخول الحزب الكردى على الخط. فإنه سيدخل التاريخ من باب آخر، إذ يحسب له أنه أول من فتح باب التسوية التاريخية مع الأكراد ومن ثم منحهم فرصة مسبوقة تاريخية للمشاركة فى الحياة السياسية التى حرموا منها طويلا.
إن أهم ما ينبغى أن يعنينا فى المشهد ان الديمقراطية والشعب التركى هما الفائزان الحقيقيان فى الانتخابات. وحين تفوز الديمقراطية وتستقر قيمها فينبغى أن نهدأ بالا ونطمئن وألا نستسلم لشعورنا بالحزن والغيرة والحسد.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: الحريات العامة قضية العام الجديد

إذا اختلفنا حول تقييم العام المنقضى من ولاية الرئيس السيسى فليتنا نتفق على أن نضع قضية الحريات العامة على رأس أولويات العام الجديد.

(١)
حين اعتدى ضابط شرطة «فارسكور» بحذائه على محامى النقض فإن الحادث كان صادما لا ريب، لكنك إذا دققت فى سياقه فستدرك أنه ليس مفاجئا تماما. وإذا ذهبت إلى أبعد وتحريت ملابساته وخلفياته فى الإطار العام، فقد تجد وجاهة فى اعتبار الحادث عنوانا لمرحلة مصرية جديرة بالرصد والإثبات. ذلك أننا إذا اعتبرنا أن الضابط رفيع الرتبة ممثلا لسلطة الجهاز الأمنى، وان المحامى المجنى عليه رمز لرجل القانون، فسنجد أن الحادث كان فى حقيقة الأمر تعبيرا رمزيا للمدى الذى وصلت إليه العلاقة بين الطرفين. ذلك أن الممارسات التى شهدناها خلال العام الأخير بوجه أخص كشفت عن ان الشرطة باتت تتصرف باعتبارها سلطة فوق القانون. حيث لم تحاسب على كل ما اقترفته من تعذيب أو قتل أو قنص. ولديها من الحيل والنفوذ ما يمكنها من الإفلات من أى عقاب. وهو ما أقنعنا بأن التصرف الذى لجأ إليه ضابط الشرطة هو نتاج ثقافة شائعة تعتبر أن ذلك الاسلوب هو الأصل فى علاقة الشرطة بالمواطن العادى الذى قد يعد ضربه بالحذاء من قبيل التسخين الذى يسبق تأديبه وإعطاءه ما يستحق. وقد شاء حظ ضابط فارسكور أن المواطن الذى وقع بين يديه هذه المرة كان محاميا كبيرا كتبت له الحياة (آخرون قتلوا بسبب التعذيب ولم يمكنوا من الدفاع عن أنفسهم)، ثم إن الأمر أثار غضب زملائه المحامين. واستنفر النقابة والنقيب، الذى لم يتردد فى إدانة ما جرى واعتباره عودة إلى أساليب الدولة البوليسية قبل يناير ٢٠١١.
حادث الاعتداء على محامى فارسكور مجرد صفحة فى سجل حافل بالانتهاكات متعددة المظاهر التى سجلتها تقارير المنظمات الحقوقية، وأحدث تلك المظاهر تمثلت فى حملة الاختفاء القسرى الذى جرى التوسع فيه خلال الأسابيع الأخيرة. إذ فجر الحادث الأزمة مع المحامين، فإن ذلك تزامن مع أزمة أخرى للداخلية مع أساتذة الجامعات الذين استفزتهم انتهاكات الشرطة لحرمها والضغوط التى يتعرضون لها وأحدثها اشتراط موافقة الأمن على المشاركة فى المهام العلمية بالخارج. ثمة أزمة ثالثة مع المنظمات الحقوقية التى جرى التنكيل بأعضائها فمنعوا من السفر واحتجزوا فى المطارات وجرى التحقيق مع إحداها لأنها تجرأت واقترحت مشروعا لمنع التعذيب. ذلك غير الأزمة مع نقابة الصحفيين جراء اعتقال ٦٢ من أعضائها لأول مرة فى تاريخ النقابة. ثم هناك أزمة الداخلية مع نشطاء ٦ أبريل وغيرهم من شباب ثورة يناير الذين اعترضوا على قانون التظاهر أو المحاكم العسكرية. ولا ننسى فى هذا السياق التدخلات والضغوط الأمنية على مقدمى البرامج التليفزيونية، الأمر الذى أدى إلى وقف بعض البرامج (باسم يوسف، مريم ماجد ويسرى فودة مثلا)، وانتهى باستقالة مدير قناة «أون تى فى» ألبرت شفيق... إلخ.

(٢)
صحيح أن الأجهزة الأمنية هى الطرف الظاهر فى الأزمات والممارسات سابقة الذكر، إلا أننا نخطئ إذا اكتفينا بتوجيه الانتقاد أو الاتهام لتلك الأجهزة أو وزارة الداخلية وحدها، لأن الاخيرين إذا كانوا هم الفاعلون، إلا أنهم ينفذون سياسة دولة فى حقيقة الأمر. لذلك أزعم أن الملف الأمنى ينبغى أن يوضع على رأس قائمة الملفات التى ينبغى أن تفتح فى سياق عملية التقييم المثارة الآن لخبرة العام الأول من حكم الرئيس السيسى، الذى حلف اليمين الدستورية وتسلم منصبه رسميا فى الثامن من شهر يونيو عام ٢٠١٤.
لقد اعتذر الرئيس فى حديثه أمس الأول بمناسبة بدء العام الثانى لولايته عن إساءات الشرطة، ووجه حديثه إلى المصريين عامة وإلى المحامين بوجه أخص، لأسباب مفهومة. وذلك موقف نبيل من الناحية الأخلاقية، لكنه ليس كافيا ولا شافيا من الناحية السياسية والعملية، ذلك ان تصرف ضابط شرطة فارسكور والانتهاكات أو الإساءات التى تصدر عن الشرطة بحق المواطنين ليست أخطاء فردية، ولكنها تنفيذ ردىء لسياسة الدولة، حوله إلى ثقافة سائدة فى قطاع كامل يحتاج إلى إعادة نظر فى السياسات التى يهتدى بها ويكلف بتنفيذها، وفى الأساليب التى يستخدمها. وذلك كله لا يعالج بالاعتذار الذى قد يهدئ النفوس ويرطب الأجواء، ولكنه لا يقوم العوج ولا يعالج الداء.
إننا ينبغى أن نحترم الاعتذار ونحتفى به، لكن من حقنا ان نقول إنه حين ألغيت السياسة وجرى التعويل على الأمن فى كل ملفات الشأن الداخلى، فإن تغول الأجهزة الأمنية يصبح شيئا طبيعيا وإطلاق يدها فى تقرير مصائر البشر دون حساب يغدو أمرا متوقعا ومفهوما.
لقد أصدرت رئاسة الجمهورية تقريرا عن انجازات الرئيس السيسى فى عامه الأول. وكانت الملاحظة الأساسية على التقرير أنه ركز على الاقتصاد وتجاهل السياسة. وما ذكره كان صحيحا وان عبر عن الطموحات بأكثر مما وصف الواقع، لكن ما سكت عنه أو تجاهله له دلالاته التى تؤيد ما أدعيه. وهى الملاحظة التى لا تخطئها عين الباحث. وأحدث شهادة فى هذا الصدد وقعت عليها فيما كتبه الدكتور عمرو الشوبكى أمس (٨/٦) فى جريدة «المصرى اليوم» حيث ذكر أن «غياب الرؤية السياسية والتجاهل التام للواقع السياسى الذى تعيشه البلاد مشكلة رئيسية فى التقرير الرئاسى».
لقد قرأنا أن الرئيس افتتح فى مناسبة بداية عامه الجديد ٣٩ مشروعا جديدا بتكلفة ٥ مليارات و٨٨٤ مليون جنيه، لكننا لم نقف على أى ملمح مضىء فى الأفق السياسى يطمئننا إلى أننا نتوقع انفراجا فى العام الجديد. بالتالى فإننا لم نجد أملا فى طى صفحة القوانين الظالمة وانتهاكات حقوق الإنسان ويوقف ملاحظة منظمات حقوق الإنسان، والتوسع فى المحاكمات العسكرية. انتهاء بإيجاد مخرج لمشكلة وجود أكثر من ٤٢ ألف مواطن فى السجون والمعتقلات منذ أكثر من عامين تقريبا.

(٣)
قبل أى استطراد فى الموضوع ينبغى أن نتفق على ان إجراء عملية التقييم بعد مضى عام واحد على استلام السلطة لا يخلو من تعجل وتعسف، خصوصا فى بلد كبير مثل مصر له مشاكله العديدة على مختلف الأصعدة. مع ذلك فبوسعنا أن نسترشد بالمؤشرات والمقدمات التى برزت خلال العام المنقضى. ذلك اننا لا نستطيع ان نزعم ان العام المقبل سيكون منفصلا أو مقطوع الصلة بالعام الذى سبقه. كما اننا لن نبالغ إذا قلنا إن ما تم زرعه خلال العام المنقضى سنجنى بعض حصاده على الأقل فى العام الجديد.
سنضيع أو نغرق إذا دخلنا فى التفاصيل. وربما أفادنا فى هذا الصدد ان نسترشد بالتفريق بين السياسة التى تمثل الخطوط أو المحاور الأساسية والإدارة التى تتولاها الأجهزة التنفيذية. وأزعم فى هذا الصدد ان جهدا كبيرا يبذل فى الإدارة يتمثل فى الأداء النشط للحكومة تبذله الحكومة أو فيما تنهض به القوات المسلحة فى العديد من المجالات. وذلك شق ليس لى فيه كلام، ناهيك عن صعوبة الإحاطة بتفاصيله. ولكنى معنى بتوجهات السياسة التى تعبر عن الرؤية الاستراتيجية للنظام القائم. فى هذا الصدد بوسع المرء أن يسجل النقاط التالية:
١ــ إن مصر لم تخرج تماما من عباءة نظام مبارك السابق على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ الذى تمت تبرئة كل رجاله، وكأن أحدا منهم لم يخطئ بحق الشعب وان الذين قاموا بالثورة هم المخطئون. فالسياسة الخارجية التى تجنب الباحثون التطرق إليها لم تطرأ عليها تغير سوى فى الدرجة فقط.
فالعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ظلت كما هى والعلاقات مع إسرائيل فى أفضل أحوالها، فى حين أن العلاقة مع حماس والمقاومة الفلسطينية انتقلت من سيئ إلى أسوأ. أما السياسة الداخلية فبدورها لم تتغير فى إطارها العام. وشهادات الدكاترة إبراهيم العيسوى ومحمود عبدالفضيل وإبراهيم عوض ومصطفى كامل السيد وأحمد عبدربه وغيرهم من أساتذة الاقتصاد والعلوم صريحة وحاسمة فى هذا الصدد.
٢ــ إن فكرة العدالة الانتقالية التى هى بمثابة الجسر الذى يضمن الانتقال من نظام استبدادى إلى نظام آخر ديمقراطى جرى ابتذالها وإجهاضها، لأن الانتقال لم يتم ولم يعد مرغوبا فيه. ذلك ان تلك العدالة المنشودة كما يعرفها أهل الاختصاص ترتكز على عناصر أربعة هى: الكشف عن الحقيقة ومحاسبة مرتكبيها ــ تعويض الضحايا وجبر أضرارهم ــ إرساء مصالحة وطنية بين الدولة والمواطنين ــ القيام بإصلاحات سياسية وقانونية لإرساء دولة الحق والقانون، ولمنع حدوث أى انتهاكات لحقوق الإنسان. لكن كل الذى فعلناه أننا أنشأنا وزارة للعدالة الانتقالية عصفت بكل ذلك، ودخلت فى نفق الإصلاحات التشريعية ولم تخرج منه.
٣ــ افتقد النظام القائم إلى وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية. وإذ ظل الغموض يكتنف هاتين الدائرتين، فإن الغموض ذاته ظل مخيما على آلية صنع القرار السياسى. وفى حين لم تتضح وجهة النظام على الصعيدين السياسى والاقتصادى، فإن أحدا لم يعرف من وكيف يصدر القرار السياسى ولا ما هى طبيعة الورش المحيطة بالرئيس. الأمر الذى أبقى على الرئيس السيسى وحده فى صدارة المشهد، وحمله ربما بأوزار غيره.
٤ــ حين تصدرت لافتة «الإرهاب» رأس عناوين السنة الماضية وجند الخطاب التعبوى كل منابره لأجل ذلك، فإن ذلك عبر عن وجود مشكلة حقيقية لا ريب، لكن تلك المشكلة لا تصلح لأن تكون مشروعا سياسيا. ومع استمرار حلقات العنف وعدم وجود أفق لحل المشكلة، فإن المجتمع أصبح يدور فى حلقة مفرغة لا نهاية لها. وإزاء انسداد الأفق السياسى فإن الأمل فى الاستقرار ومن ثم دوران عجلة النشاط الاقتصادى أصبح أمرا بعيد المنال.
٥ــ الحديث عن التراجع الكبير فى مجال الحريات العامة أصبح قاسما مشتركا فى التعليقات التى حاولت تقييم خبرة السنة الماضية. وللأسف فإن ذلك استصحب تراجعا مماثلا فى الثقة بالقضاء المصرى الذى كان ضحية قوانين جائرة وتحريات ملفقة ورطته فيما شوه صورته على نحو يتعذر إصلاحه فى الأجل المنظور.

(٤)
للأسف فإنه فى ظل الاحتقان والاستقطاب المخيمين على المجتمع المصرى فإن فرصة إجراء تقييم موضوعى ونزيه لتجربة السنة الماضية ليست متاحة، ليس فقط بسبب العصبية التى يتسم بها أغلب المتحاورين، ولكن أيضا بسبب الترهيب والتخويف الذى يتعرض له أصحاب الرأى الآخر. والرسائل والإنذارات التى توجه عبر المتحدثين المنسوبين إلى النظام أو من خلال التقارير التى تسرب عن ترتيبات ومخططات الأجهزة الأمنية، ذلك كله يدفع كثيرين إلى الصمت إيثارا للسلامة. وإذا صح ذلك التحليل فإنه يعنى أن مشكلة الحريات العامة وضماناتها هى التحدى الأكبر الذى علينا أن نواجهه فى العام الجديد. وإذا كان الحقوقيون يجمعون على أن العام المنصرم هو الأسوأ فى الانتهاكات التى عرفتها مصر خلال العقدين الأخيرين على الأقل، فإن ذلك يلقى على عاتق كل الوطنيين فى مصر مسئولية الاحتشاد لوقف ذلك التدهور، الذى أزعم أنه الإشارة الأهم إلى تفريغ ثورة يناير ٢٠١١ من مضمونها، والعلامة الأبرز على عودة النظام القديم.. وكأنك يا أبوزيد ما غزيت.

القسم: 
المصدر: 

فهمي هويدي يكتب: خطأ ثانٍ بحاجة للإصلاح

نشر فى : الأحد 7 يونيو 2015 - 11:50 م | آخر تحديث : الأحد 7 يونيو 2015 - 11:50 م

هذا خبر سار ومحزن فى ذات الوقت. إذ لابد أن يسرنا قرار محكمة استئناف القاهرة بإلغاء الحكم الذى صدر فى أواخر فبراير الماضى باعتبار حماس تنظيما إرهابيا. إلا أن ذلك السرور لا يخفى حزنا دفينا إزاء المدى الذى وصلنا إليه فى تقييم أهم حركة مقاومة فى العالم العربى الآن، بحيث صرنا نسأل هل هى إرهابية أم لا؟!. ولست أشك فى أنها مجرد مصادفة. أن يعلن قرار المحكمة المصرية يوم السادس من يونيو، بذكراه الموجعة والمخزية، حين نلقى الحلم العربى الطعنة النجلاء التى أسفرت عن هزيمة ١٩٦٧ والزلزال الذى ترددت أصداؤه فى كل أنحاء العالم العربى.

لا أعرف إلى أى مدى يمكن أن يؤثر حكم «البراءة» الصادر فى علاقة القاهرة بحركة حماس، لكننى على يقين من أن القرار طوى صفحة أساءت كثيرا إلى مصر وشوهت صورتها بغير مبرر، فأضرت بالسياسة وسحبت الكثير من رصيد القضاء. إذ وجدت إحدى محاكمه يوما ما مسوغا لاعتبار حماس تنظيما إرهابيا فى حين أحجمت محكمة أخرى عن أن تفعلها بالنسبة لإسرائيل، وحكمت بعدم الاختصاص بالموضوع.

حفاوتنا بتصحيح الخطأ الذى وقعت فيه محكمة الدرجة الأولى، لا تعنى أن انفراجا حدث فى علاقة القاهرة بحماس، لأن أثر القرار إلى جانب أنه محا أثر خدش شوه وجه مصر فإنه طوى صفحة واحدة فى سجل شائك صار مسكونا بالعديد من الحساسيات والعقد. ذلك أن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن ظروفا عدة عكرت مسار العلاقة بين القاهرة وحماس بحيث لم تتدهور تلك العلاقة ووصلت إلى حد القطيعة فحسب، وإنما أصبح البعض مستعدا لتقبل خيار قيام مصر بعمل عسكرى ضد حماس فى غزة. وليس ذلك مجرد استنتاج لأن ملعوماتى أن سفير إحدى الدول الكبرى لدى القاهرة وجه سؤالا

حول إمكانية وقوع ذلك الاحتمال، وأنه تلقى ردا خلاصته أن ذلك لم يعد مستبعدا.
لقد صار معلوما للكافة أن إسقاط حكم الإخوان فى مصر كان بداية تدهور العلاقات مع حماس، وأن بعض العمليات الإرهابية النوعية التى حدثت فى سيناء وفى بعض المدن امصرية، اتسمت بدرجة عالية من الكفاءة أقنعت الجهات الأمنية بأن يدا خارجية أسهمت فيها. وفى هذا السياق جرت الإشارة إلى دور الأنفاق وخبرات كتائب القسام الجناح العسكرى لحماس. هذه التوترات التى حدثت فى البداية كانت بمثابة هدية ثمينة للأجهزة الأمنية المصرية التى أشارت إليها أصابع الاتهام فى المسئولية عن قتل وقنص شباب ثورة يناير ٢٠١١، إلى جانب بعض مظاهر الفوضى التى سادت آنذاك (فتح السجون مثلا). ذلك أن تلك الأجهزة سارعت إلى إلقاء التهمة على عناصر حماس، ليس فقط لأن الأجواء السياسية كانت مواتية لذلك، ولكن لكى تغسل الشرطة أيديها من دماء شباب الثورة التى سالت، حدث ذلك رغم أن لجنة تقصى حقائق تلك المرحلة لم تشر إلى أى دور لحماس فيما جرى، ورغم ان القيادات العسكرية التى كانت قائمة على الأمر فى سيناء قررت أنها لم تشهد أى تحرك غير عادى من جانب حماس عبر الأنفاق فى تلك الفترة. وهو ما أيدته الاستخبارات الإسرائيلية الراصدة لما يجرى على الحدود. ولم يعد سرا أن جهودا أخرى موازية بذلت للدس والوقيعة بين القاهرة وحماس. وهذه الجهود أسهمت فيها عناصر مخابرات السلطة فى رام الله، التى لم تتجاوز خصومتها للحركة ولم تنس لها انفرادها بالسلطة والقرار فى القطاع منذ عام ٢٠٠٧.

فى الملف كلام كثير أكدته الأجهزة الأمنية المصرية ونفته حماس، وفى الأجواء المحتقنة الراهنة أصبح من الصعب تحرى الحقيقة فى وقائعه. لكن الذى دفع الثمن وكان ضحية لذلك التجاذب هو شعب القطاع الذى قارب المليونى نسمة وعانى من حصار بالغ القسوة جراء إغلاق معبر رفح، المنفذ الوحيد للفلسطينيين الذى لا يمر بإسرائيل. وإذا كانت إسرائيل قد أسعدها تدمير الأنفاق التى كانت تمر منها الاحتياجات المعيشية لسكان القطاع، لأن البضائع الإسرائيلية صارت البديل الوحيد الذى احتكر أسواقه، إلا أن مصالح فلسطينيى القطاع أصيبت بالشلل، سواء كانوا دارسين أو مرضى أو عاملين بالخارج.

خنق القطاع على ذلك النحو عطل الإعمار ودمر حياة الناس وسرّب اليأس إلى صفوف المرضى وأصحاب المصالح، الأمر الذى أشاع حالة من الإحباط والتمرد فتحت الأبواب لتنامى ظاهرة التطرف الذى مثلته عناصر السلفية الجهادية وأنصار داعش. وهى المشكلة التى تعانى منها حماس الآن، خصوصا بعدما دخلت فى صدام مسلح مع تلك العناصر تكرر أكثر من مرة هذا العام. ومن المفارقات ان إسرائيل المخاصمة لحماس لاحظت تنامى إقبال الشباب على السلفية الجهادية. وصارت تتخوف من أن ينتهى الأمر بحدوث انفجار فى القطاع يكون لصالح تلك الجماعات. وهو احتمال لا أظنه غائبا عن الأجهزة المصرية.

إغلاق معبر رفح وضعنا أمام مفارقة محزنة تبنت فيها السياسة موقفا مناقضا للثوابت. ذلك أن السياسة أدت إلى إذلال وتدمير حياة مليونى مواطن فى فلسطين فى حين أن الدفاع عن فلسطين والفلسطينيين من الثوابت المستقرة فى مصر. لقد صحح القضاء خطأ اعتبار حماس منظمة إرهابية، وبقى أن تصحح السياسة خطأ إغلاق معبر رفح لحصار الفلسطينيين فتلك ليست إهانة لهم فقط، لكنها إهانة للثوابت المصرية أيضا.

القسم: 
المصدر: 

فهمى هويدى يكتب: من دروس رحلة ألمانيا

نشر فى : الأحد 7 يونيو 2015 - 1:25 ص | آخر تحديث : الأحد 7 يونيو 2015 - 1:29 ص

لقاءات الوفد الشعبى الذى أرسل إلى ألمانيا تحولت إلى عبء على زيارة الرئيس السيسى أساء إليها بأكثر مما أفاد أو نفع. على الأقل فذلك ما يخرج به المرء من متابعة التسجيلات التى تداولتها مواقع التواصل الاجتماعى، خلال اليومين الماضيين. ذلك أنها فضحت الفرق الشاسع بين الكلام المتزن الذى صدر عن السيسى فى مؤتمره الصحفى وبين التهريج والعبث الذى صدر عن أعضاء الوفد فى بعض اللقاءات التى تمت خارج البرنامج الرسمى للزيارة. وهو ما دعانى إلى القول بأن بعض ما قاله هؤلاء قد يتم تسريبه يوما ما ضمن البرنامج الذى تبثه الدولة العميقة لتشويه بعض الشخصيات العامة واغتيالها معنويا.

لا أعرف ما إذا كانت الجهات المعنية فى السلطة قد قامت بتقييم الزيارة أم لا. وإن كنت أتمنى ذلك. علما بأنها سترتكب خطأ جسيما إذا ما اكتفت فى ذلك بما تنشره وسائل الإعلام المصرية من تهليل ومدائح. وإشادة بتفوق الرئيس السيسى فى التصويب على المرمى الألمانى، وتحقيقه لأهداف يعجز عنها أشهر لاعبى الكرة فى العالم، من ميسى إلى رونالدو. وهو تشبيه أعتذر عن إيراده وأسارع إلى إعلان البراءة منه، لكننى اضطررت لاستخدامه لأنه ورد على لسان أحد الإعلاميين المصريين وأعلن على الملأ أثناء تغطيته للزيارة. وقد اعتبرته نموذجا يجسد المستوى الهابط الذى ظهر به البعض أثناء الزفة.

الخلاصة التى خرجت بها من متابعة أصداء الزيارة فى وسائل الإعلام الألمانية أنها ربما كانت أفضل كثيرا وأنجح لو أنها تمت بدون الوفد الشعبى الذى لم يمثلنا وأساء إلى صورة الرئيس السيسى ونظامه. ومن ثم تحول إلى خصم من الرصيد وليس إضافة إليه. وبالمناسبة فإن الأصداء التى نقلتها وسائل الإعلام المصرية كان بعضها مبتسرا وغير دقيق. ولم يخل البعض الآخر من تلاعب فى الترجمة أريد به تجميل الصورة ونقلها على غير حقيقتها. والتفاصيل كثيرة فى هذا الصدد، إلا أننى أزعم بأن ثمة ملاحظات أخرى جديرة بالتسجيل فى مقدمتها ما يلى:

* إن الذين رتبوا الزيارة بدا وكأنهم لا يعرفون شيئا عن المجتمع والشعب فى ألمانيا. بحيث لم يفرقوا بين زيارة لبرلين وبين زيارة لبورسعيد أو أسيوط. ذلك أن المواعيد هناك لها قدسيتها والخطاب السياسى له أدواته التى ليس من بينها استخدام الزفة وتسويق النجوم. أما المؤتمرات الصحفية فهى لا تعرف التصفيق والتهليل الذى فضح الصحفيين المصريين وكشف عن تبعية أكثرهم للأجهزة الأمنية.

* إن البلد هناك مفتوح، وهناك من يؤيد مصر ومن ينتقدها. من ثم فالمؤيدون ليسوا عملاء لها، وناقدو سياساتها ليسوا أعداء ولا مستأجرين من الإخوان. وفكرة الفسطاطين التى شاعت فى مصر، واعتبرت كل معارض للنظام إما عميل أو إخوانى (والثانية أخطر بالمناسبة) إذا استخدمت عندنا للترهيب والتخويف فإنها لا تصلح فى ألمانيا. وإذا كان البعض يبتلعها على مضض فى مصر، فإنهم فى ألمانيا يحولونها إلى مادة للتندر ودليل على هشاشة الموقف المصرى وضعفه.

* إن سمعة حقوق الإنسان فى مصر باتت من الصعب الدفاع عنها فى العالم الخارجى. ومن المحزن أن الثقة فى استقلال القضاء المصرى اهتزت كثيرا بسبب الإعدامات التى طالت المئات وأحكام السجن المؤبد التى عاقبت أعدادا لا حصر لها من البشر، وإطالة أمد الحبس الاحتياطى لآجال غير معلومة، ذلك كله كان ولايزال مصدر إساءة بالغة للنظام القائم. والذين ينتقدون انتهاكات حقوق الإنسان وينددون باعتقال أكثر من ٤٠ ألف مواطن ويتابعون شهادات التعذيب التى يصدرها الحقوقيون المصريون فضلا عن المنظمات الدولية. هؤلاء جميعا يدافعون عن قيم ويستمدون شرعيتهم من التزامهم بتلك القيم. ونحن نحتفى بكلامهم إذا انتقدوا غيرنا ونبرزه ونهلل له إذا انتقدوا المخالفين لنا (تركيا وقطر مثلا) إلا أننا نسارع إلى الطعن فى نزاهتهم واتهامهم بأنهم مخترقون من الإخوان إذا ما وجهوا إلينا انتقادا من أى نوع.

* إن المجتمعات الديمقراطية إذا قبلت فكرة انتقاد الدكتور محمد مرسى أو توجيه أى اتهام إليه، فإنها مازالت غير مستعدة لابتلاع مسألة الحكم بإعدامه التى يهلل لها الإعلام المصرى. فالرجل فى نظر الطبقة السياسية يظل أول رئيس منتخب ديمقراطيا فى التاريخ المصرى، وهو ما أيده الرئيس السيسى أخيرا. وإدراكه ذاك دفعه حين سئل فى الموضوع إلى القول بأنه لكل حادث حديث. وفهم من كلامه أن الإعدام لن يتم فى نهاية الأمر.

* من بين الدروس المهمة التى ينبغى أن نستخلصها أيضا أن إصلاح البيت من الداخل هو أفضل وسيلة للدفاع عنه فى الخارج، وأن الكلام الجيد الذى تحدث به الرئيس السيسى فى المؤتمر الصحفى عن سيادة القانون والحقوق والحريات سيؤخذ على محمل الجد حقا. وسيكون محل ترحيب من سامعيه الأجانب إذا كان معبرا عن واقع يعيشه المصريون وليس على حلم يراود البعض أو مطالب يلاحق بسببها النشطاء ويتعرضون للاتهام والقمع.

 

القسم: 
المصدر: