عبدالعظيم درويش

أحزاب أتلفها «الهوى»..!

بمقاله المعنون «أحزاب تائهة»، الذى نشره جارى فى صفحة «نافذة رأى» بجريدة «الوطن» يوم السبت الماضى، أنعش صديقى الكاتب الصحفى حازم منير ذاكرتى لأنتبه أن هناك 104 أحزاب سياسية، لكن للأسف أتلف «الهوى» معظمها، وليس «الهواء»..!

و«الهوى» هنا هو «هوى وعشق» المقاعد القيادية، أو على الأقل الصفوف الأولى منها، إذ إن هذه الأحزاب قد أوصدت أبوابها على قياداتها، ليتفرغوا لإدارة صراعاتهم على هذه المواقع، دون أن ينتبهوا إلى الشارع ليلتحموا بمواطنيه، حتى أصبحت هذه الأحزاب أشبه «بقطع الفلين» على سطح الحياة السياسية دون أن تلامس قاعها..!

فهل من المنطق أن يمضى ما يقرب من ‏43 ‏عاماً منذ أن فُرضت علينا التعددية الحزبية بقرار رئاسى فى سبعينات القرن الماضى، وتظل هذه الكيانات دون أى فاعلية تُذكر سوى بعض اللافتات الصمّاء فى مواسم الانتخابات العامة، كما لو كانت هذه الأحزاب تطالب المواطنين «برد الجميل» الذى لم تقدمه لهم..! فيما خاصم المواطنون الانخراط فى عضويتها اقتناعاً بعدم جدواها فى إحداث الحراك السياسى المطلوب فى المجتمع..! ‏

جميعنا يعلم أن أسباباً كثيرة حالت دون انخراط المواطنين فى عضوية الأحزاب السياسية حتى بعد يناير 2011، وفى مقدمتها إيمان المواطن بأن هذه الأحزاب إنما جاءت مجرد ديكور لتجميل واجهة الحكم أمام الغرب، بينما اعتبرها المواطن مجرد وسيلة لظهور البعض أملاً فى التقرب للقصر الجمهورى، ظناً ‏من جانبهم دوام ما كان يجرى خلال العقود الماضية!‏

الصديق حازم منير حاول إيجاد مبرر لحالة الفراغ السياسى، إذ قال: «كنت، وما زلت، من المؤمنين بأن ضعف الحياة الحزبية وتراجع دور الأحزاب ليس مبرراً لمهاجمتها واتهامها وحدها بالمسئولية عن الفراغ الحاصل فى المشهد السياسى، كما أن لحظات تاريخية معينة فرضت على الأحزاب التخلى عن دور جوهرى من أدوارها لدعم الدولة الوطنية فى مواجهة أخطار محيطة بها، فسجلت بذلك موقفاً وطنياً محترماً». وهو هنا يتجاوز عن السبب الحقيقى الذى أدى إلى هذا الغياب، ألا وهو «الجفاف الجماهيرى»، بعد أن حادت التعددية الحزبية عن طريقها وأصبحت مجرد صراعات محمومة على مصالح ونفوذ، وفى أحيان كثيرة «المقار».. ‏ وبعدت كل البعد عن المواطن، وفشلت فى أن تجذبه إليها.

وأبرز دليل على عدم قناعة المواطن بمدى مصداقية الأحزاب فى التعبير عن آماله وآلامه وطموحاته أن حجم العضوية فى ‏21‏ حزباً فى سنوات الثمانينات وحتى العام 2011 لم يتجاوز بضع مئات الآلاف من المواطنين، فيما لم تتجاوز العضوية بالحزب الحاكم وقتها (الوطنى) مليوناً و‏900‏ ألف مواطن فقط، إذ إن «تركة النفور» التى ورثها المواطن قد حالت دون إقدامه على عضوية الحزب، باعتباره امتداداً للتنظيم الواحد بعد إبدال لافتته، بدءاً من الاتحاد القومى، ثم الاشتراكى، فحزب مصر، ثم الحزب الوطنى. ورغم العضوية المتواضعة، كان يحلو لقيادييه التشدق دائماً بأنه الحزب صاحب الأغلبية المطلقة والمعبر عن جماهير المواطنين وراعيهم الأول والأخير‏، وهو فى الواقع لم يكن سوى تجمع لأصحاب المصالح لتيسير مصالحهم دون النظر إلى إثراء الحياة السياسية أو رعاية مصالح المواطنين!!

وللحق، ففيما يتعلق بأحزاب الأقلية فإن محاولات التضييق التى كانت تمارسها عليها الأجهزة الأمنية بلا أى معنى جاءت كما تشتهى هذه الأحزاب، إذ وجدتها فرصة لتبرير غيابها عن الشارع وتقصيرها فى الوصول إلى المواطن‏!!

وإلى جانب هذه الممارسات الأمنية فإن لجنة الأحزاب السياسية -الموكل إليها قانوناً وقتها الترخيص للأحزاب السياسية- قصرت هذا الترخيص على أحزاب «ممسوخة»، بينما كانت تحظر على القوى السياسية الحقيقية الانتظام فى حزب رسمى، وهو ما أدى إلى زيادة اقتناع المواطن بأن هذه الأحزاب مجرد شكل لـ«الديكور الديمقراطى»، إن صح التعبير، فانصرف عنها‏. إضافة إلى أن بعضاً من هذه الكيانات التى كانت أحزاباً قد تحولت إلى مؤسسات وإقطاعيات عائلية صرفة، بعد أن هبطت الزعامة السياسية بصورة فجائية على الزوجة والأبناء بل والأحفاد فى كثير من الأحيان، فأصبحوا فجأة قيادات وكوادر حزبية!!

وحتى العام 2005 فرض التقييد الأمنى على الأحزاب المضىّ فى اتجاه واحد فى الشارع السياسى‏: من لجنة الأحزاب إلى المحكمة‏.. من حزب واحد إلى عدة أحزاب.‏. ومن رئيس أو قيادة إلى رؤساء وقيادات‏.. ومن حوار إلى نزاع‏.. ومن الصفحات السياسية بالصحف إلى صفحات الحوادث بها‏!!

لم ينجح أى حزب فى أن يحيد عن الطريق المرسوم له، إذ إن بداية عمله كانت محددة من جانب السادات وقتها، الذى كانت قراراته الشفوية المعلنة توزع القيادات على مختلف الأحزاب: هذا للمعارضة الدينية، وذاك ليمين الوسط، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الداخلية للأحزاب، فمن حزب العمل فى ثمانينات القرن الماضى، إلى الوفد فى نهاية ‏2005‏، مروراً بأحزاب مصر الفتاة والأحرار والعدالة الاجتماعية والشعب الديمقراطى والناصرى والغد‏، ‏كان الاتجاه نحو التفكيك أو الانشطار هو الاتجاه الإجبارى لها.. إذ كان مصيرها يتحدد على أساس مدى قرب أو بعد رؤساء هذه الأحزاب أو المتنازعين على رئاستها من أصحاب الكلمة فى الحزب الحاكم‏.. وكأن هذه الانشقاقات كان يجب أن تُدمغ بخاتم الحزب الوطنى، خصماً من حصيلة التعددية السياسية،‏ وهو ما أدى إلى اختفاء عدد منها!!‏

عدد غير كبير من هذه الأحزاب نجح فى تجاوز الأزمة، واكتفى بالانشطار أو خروج قوى رئيسية منها لتشكيل حزب جديد، وهو ما حدث بالنسبة للناصرى والغد، فيما ابتلعت دوامة الخلاف بقيتها، وتلاشت بقاياها، وسقطت من ذاكرة المواطن الذى أصبح يجد صعوبة بالغة فى إحصاء ‏7 أو 6‏ أحزاب على الأكثر من بين نحو ‏20‏ حزباً كانت لجنة الأحزاب رخصت لها العمل الرسمى‏!‏ وهو ذات المصير الذى انتظر الوفد فى ذات العام بسبب محاولات قياداته الاستئثار بالسلطة، إلا أن الوفديين رفضوا ذلك، وتحول إلى صراع على مقر الحزب وقتها‏!!

لكل هذه الأسباب أعلن المواطنون «كفرهم» بجدوى المشاركة، فاختار أغلبيتهم الوقوف متفرجاً أو مقاطعاً لأى أنشطة حزبية،‏ وشكلوا فيما بينهم -وبدون اتفاق- ما اصطلح على تسميته «حزب الكنبة»، حتى تخلى أعضاؤه عن سلبيتهم حينما شعروا بالخطر الذى يحيط بوطننا وقت أن اختطفه الإخوان الإرهابيون، فخرجوا فى ثورة يونيو!!

وإذا كانت الممارسات الأمنية الباطشة وتدخلات الحزب الحاكم قد اختفت تماماً الآن، فهل ستشارك الأحزاب فى سد الفراغ الحاصل فى المشهد السياسى؟! لا أظن..!

فى النهاية يبقى السؤال‏: هل حقاً نرغب فى حوار تعددى‏.. فى مشاركة شعبية تحترم مختلف وجهات النظر‏.. فى صياغة قرار يترجم رأى الأغلبية ويحترم ما تراه الأقلية‏‏؟‏!‏ إذا كانت الإجابة نعم فإن الواجب يحتم استثمار ما جرى فى ثورة 30 يونيو وبناء مصداقية حقيقية للكيانات الحزبية، بشرط أن تتخلى قياداتها عن «هواها وولعها بالمناصب».. ولك يا أحلى اسم فى الوجود ولمواطنيك كل السلامة.

القسم: 
المصدر: 

عندما أعادتنا «آلة الزمن» 100 عام..!

لم يكن يوم الأحد الماضى يوماً عادياً -سواء فى صباحه أو مسائه- تسقطه نتيجة الحائط من بين أوراقها دون أى مجهود، بل كان أشبه بـ«آلة الزمن» أعادتنا 100 عام بالتمام والكمال، وتحديداً إلى عام 1919 وقت أن وُلد شعار «يحيا الهلال مع الصليب» ليعبر عن تلك الروح التى تسود مصر منذ قديم الأزل، ففى هذا الوقت اعتلى «الشيخ حسن القاياتى والأب سرجيوس» معاً منبر الجامع الأزهر، فى سابقة هى الأولى فى تفردها خلال ثورة 1919 ليعلن، متحدياً الإنجليز قائلاً قوله المأثور «إذا كان الاستقلال موقوفاً على الاتحاد، وكان الأقباط فى مصر حائلاً دون ذلك، فإنى مستعد لأن أضع يدى فى يد إخوانى المسلمين للقضاء على الأقباط لتبقى مصر أمة متحدة مجتمعة الكلمة» ليُنفَى الاثنان «سرجيوس والقاياتى» بعدها إلى رفح لمدة 80 يوماً..!! لم تكن مقولة سرجيوس غريبة عن مواطنى مصر، إذ أعاد البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية -وقت أن أحرق الإخوان الإرهابيون عدداً من الكنائس المصرية- صياغة تلك المقولة بشكل آخر وإن كان يحمل ذات معنى التضحية من أجل مصر «وطن بغير كنائس أفضل من كنائس بلا وطن».

يوم الأحد صباحاً اختلطت «العمائم» -سواء «الحمراء التى يحيطها شريط أبيض أو تلك كاحلة السواد»، وتعانق الهلال مع الصليب، واختلطت فيه الابتهالات مع الترانيم - وقت أن شارك البابا تواضروس - ومعه قساوسة وكهنة الكنائس - لأول مرة فى افتتاح «مسجد الفتاح العليم» بالعاصمة الإدارية، ليلقى كلمة من داخله أثناء افتتاحه وبجواره فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر ليُرفع الأذان وتقرع أجراس «كنيسة ميلاد المسيح».. وفى المساء شارك الطرفان فى افتتاح كنيسة «ميلاد المسيح» التى تُعانق مسجد «الفتاح العليم» فى ذات الموقع، وهما ثمرة وفاء من جانب الرئيس السيسى لمبادرته قبل نحو عامين.

فى احتفالى افتتاح المسجد والكنيسة شدد السيسى على ما يربط المواطن المسلم بأخيه المسيحى «لن نسمح لأحد بأن يؤثر على علاقة الأقباط بالمسلمين، إحنا هنفضل طول عمرنا واحد، وبيننا شجرة محبة غرسناها مع بعض».. وفيما قال البابا تواضروس: «إن الكنيسة تقف شامخة بجانب المسجد الجديد، فى صمود ورمز يتصديان لكل محاولات العبث واستقرار الوطن»، بينما أوضح الإمام الأكبر الطيب «أن الإسلام ضامن شرعاً لكنائس المسيحيين ومعابد اليهود وإذا كان الشرع يكلف المسلمين بحماية المساجد، فالشريعة الإسلامية تكلف المسلمين أيضاً بحماية الكنائس»، ولم يكن السيسى مبالغاً عندما اعتبر أن مشاركة المسلم والمسيحى فى افتتاح بيتى الله سبحانه وتعالى رسالة سلام ومحبة كبيرة من مصر للمصريين والمنطقة والعالم أجمع، و«بفضل الله بنقدم نموذج للمحبة والسلام بيننا وستخرج المحبة والسلام لتعم العالم كله»..! إذ سرعان ما تجاوب معها البابا فرانسيس بابا الفاتيكان واعتبرها «حدث تاريخى يستحق التحية والتقدير للرئيس وللحكومة المصرية نظراً لهذا المزج الرائع»، هكذا أثبتت مصر أنها لا تفرق بين من يحمل فى يده «مسبحة» ومن يرسم على ساعده «صليباً».. من يسجد لله سبحانه وتعالى 5 مرات يومياً ومن يرسم على صدره بيمينه صليب عيسى عليه السلام.. مصر المحبة والتعايش السلمى بين مواطنيها.. مصر التى تطبق مدنية الدولة وحقوق المواطنة قبل أن يتضمنهما بنود الدستور.. مصر التى ستظل «تعيش فينا ولا نعيش فيها» كما قال قداسة البابا شنودة نيّح الله روحه، وهكذا كنا وهكذا سنستمر..!

أبداً لن تتحقق أوهام «أثرياء الدم» من جماعة الإخوان وفروعها من الإرهابيين بأن بإمكانهم أن يصبح الوطن كله «مصلوباً» وأن يتحول مواطنوه جميعاً إلى «معتقلين» داخل جدران الخوف على مستقبل وطن سعت أياديهم المحمومة كثيراً إلى محاولة تشويه ملامحه التى ارتسمت فى وجداننا عبر عشرات بل مئات السنين.. أبداً لن يشكل أبناؤه ميليشيات تواجه بعضها بعضاً من خلف متاريس الكراهية والحقد أو الثأر.. فنحن أبعد من أن ننزلق فى هاوية الفتنة الطائفية بل إننا سنصبّ جام غضبنا على جماعات العنف، وسنطلق رصاصات القصاص على من اختار أن يواجه إرادة شعب واحد.. إذ إن «قابيل وهابيل» كانا فصلاً فى تاريخ مضى ولن يعود، ولن يجد أحد من «شيوخ الفتنة» أى «غراب» ليلقن أحداً كيف يدارى «سوءة أخيه»..!!

عندما ارتفع الأذان من فوق مئذنة «مسجد الفتاح العليم» ودُقت أجراس «كنيسة مولد المسيح» يوم الأحد الماضى لم تكن إيذاناً باحتفال مصر بمسلميها ومسيحييها بافتتاح أكبر مسجد وكنيسة فى أفريقيا بجميع دولها، بقدر ما حملت تجديداً للمحبة والسلام والتسامح بين أبناء وطن واحد اعتاد ألا يفرق بين من يسجد لله فى صلاته أو من يشعل شمعة أمام تمثال مريم البتول العذراء.

فى كل يوم عندما يرتفع الأذان من فوق المآذن وتدق أجراس الكنائس صباح الأحد ليدعو للصلاة يؤكد مسلمو الوطن ومسيحيوه أنهم شعب واحد تربى وتعايش على أرض الوطن على فطرة الله وأوامره، سبحانه وتعالى، التى تدعو البشر جميعاً للتعايش السلمى بينهم إذ إن الجميع -عدا قلة حاقدة- يعلم أن الله هو الرب الواحد الذى بعث الأنبياء جميعهم برسالة واحدة تحمل نفس القيم الإنسانية.. فـ«دين الله واحد فى جميع الأمم» .. وعندما تتقاطع أصوات المساجد مع بعضها بـ«الأذان».. وتتردد رنات الكنائس يبدأ الجميع فى التوجه إلى الله سبحانه وتعالى كل وفق ما تفرضه عليه تعاليم دينه دون أن تلفت نظر الآخر..!

قبل يوم السبت الماضى تجمع العمال والمهندسون «مسلمين ومسيحيين» ليرفعوا «الصليب المعدنى» الضخم لأول مرة فوق مبنى كنيسة «ميلاد المسيح» بعد أن كانوا قد تجمعوا لبناء مسجد «الفتاح العليم» فى نفس الموقع..! وقبل هذه الأيام ومنذ عشرات السنين جدد الشاعر أحمد شوقى تبجيل الإسلام للسيد المسيح وأمه البتول مريم بقصيدة جاء مطلعها: «وُلِدَ الرفقُ يَوْمَ مولدِ عيسى والمروءاتُ والهدى والحياء»، ليختمها، بقوله: «إنما ينكرُ الدياناتِ قومٌ هم بما ينكرونه أشقياءُ» هكذا كانت مصر وستظل رغم أنف الحاقدين.

وإذا كان القرآن كتاب الله العزيز يقول: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِى عَزِيزٌ» صدق الله العظيم، فإن الإنجيل يضم فى آياته رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية التى تنص على: فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولمواطنيك مسلمين ومسيحيين السلامة دائماً.

القسم: 
المصدر: 

2 مليون و600 ألف «قاتل مأجور» بالشوارع..!

كلمات العنوان التى تعلو هذه السطور «صادمة» لكل من يقرأها غير أنها حقيقة واقعة، فهم بالفعل طلقاء أحرار فى جميع أنحاء مصر، سواء فى قراها أو عزبها أو حتى الشوارع الرئيسية والميادين المحظور عليهم الاقتراب منها.. يمارسون «البلطجة» على نحو 24 مليون مواطن على الأقل يومياً دون أن يلاحقهم أحد، بعد أن كنا على وشك السيطرة عليهم وتجنب شرورهم..!

فى قرار مفاجئ وجه رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولى، المحافظين خلال اجتماعه بهم بمقر وزارة التنمية المحلية قبل نحو شهر ونصف الشهر، بوقف إصدار تراخيص جديدة لـ«التوك توك» لفترة مؤقتة حتى يتسنى الحد من الظواهر السلبية التى نتجت عن الانتشار غير المنضبط له، مع التوجيه بالتعامل الحاسم مع أى تجاوزات يقوم بها أصحابها أو قائدوها بما فى ذلك مصادرة التكاتك المخالفة..!

الغريب أن هذا القرار يأتى مناقضاً تماماً لسابق السماح لأصحابه باستيراده من الخارج أو تصنيعه ببعض الورش بالداخل على مرأى ومسمع من الجميع، ليصبح بذلك «التوك توك» آلة قتل متحركة، بعد أن فرض نفسه على أنظمة المرور التى هى أصلاً فى غير حاجة للمزيد من العشوائية التى تربك الحركة، إذ إن المراكب الشراعية هى الوسيلة الوحيدة غير المسموح لها «التنطع» بكامل الحرية فى الشوارع والميادين الرئيسية حتى فى وسط المدينة التى خضعت مجبرة لـ«إمبراطورية التوك توك»..!

«قتل.. سرقة.. اختطاف.. اغتصاب» جرائم اعتدنا سماعها نتيجة «التساهل» مع قائدى هذه المركبة، الذين لا يتعدى عمر بعضهم 15 عاماً فى كثير من الأحيان، بعد أن استقطب «التوك توك» أطفالاً للعمل فى هذه الوسيلة والحصول على أموال ينفقونها -بشكل غير منضبط نظراً لحداثة سنهم- وتذهب معظمها إلى شراء أنواع عدة من المخدرات، ما فاقم من ظاهرة الإدمان بين هؤلاء الأطفال، إضافة إلى استسهال شباب المهن الحرفية -التى أصبحت تعانى من الندرة فى تخصصاتهم- العمل على الـ«التوك توك» وانصرافهم عن فرص العمل الجادة التى تحقق التنمية وتبنى الوطن، أملاً فى الحصول على نحو 150 جنيهاً يومياً فى المتوسط مقابل عدة ساعات وراء عجلة قيادة هذا «التوك توك»..!

هذا على الجانب الأمنى وهو الشق المهم فى قرار وقف الترخيص، الذى يتعلق بتحقيق أمن المواطن على حياته وحياة أبنائه وماله، أما بالنسبة للشق الاقتصادى -وهو بالتأكيد أقل أهمية من أمن المواطن على الرغم من أهميته أيضاً- فإن عدم ترخيص التوك توك يهدر ملياراً و150 مليون جنيه قيمة رسوم الترخيص إضافة إلى مليار و650 مليون جنيه سنوياً قيمة المخالفات المرورية الضائعة ضد أصحاب التكاتك المخالفين..!

انفلات أمنى وأخلاقى واجتماعى كلها نتيجة طبيعية لتجوال «التوك توك» بكامل حريته فى كل المواقع دون التأكد من شخصية سائقه أو مالكه، وبخاصة أنه لا يحمل لوحة معدنية بأرقامه صادرة من المرور.. بينما بلغت حالات «الخطف والاغتصاب والتحرش والبلطجة» ذروتها فى المناطق النائية بالمدن إلى جانب الريف، خاصة فى القرى والعزب التى تقدر بـ4726 قرية و26757 كفراً ونجعاً وعزبة من خلال التوك توك، فضلاً على استخدامه أيضاً فى الترويج للمخدرات والسطو والسرقة والأعمال المنافية للآداب، لأن أعداداً كبيرة من سائقيه مسجلون خطر ولم يسلم من خطورتهم أحد بمن فيهم ضباط الشرطة أنفسهم..!.. إضافة إلى المشادات اليومية العديدة بين قائدى السيارات وسائقى التوك توك على أولوية المرور أو نتيجة الرعونة فى قيادته..!

قرار رئيس مجلس الوزراء بوقف ترخيص «التوك توك» أهدر جهوداً سابقة فى محاولة السيطرة عليه وتجنب مخاطره وشروره الصارخة، إذ كان اللواء محمود شعراوى، وزير التنمية المحلية، قد أصدر -قبل فترة- كتاباً دورياً للمحافظات بشأن تذليل معوقات تراخيص مركبات «التوك توك»، وتحديد خطوط سير لها، وذلك فى إطار حرص الدولة على تسهيل جميع الإجراءات المطلوبة لترخيص هذه المركبات..!

وتضمن الكتاب الدورى، ضرورة موافاة الوزارة بإجمالى عدد مركبات «التوك توك» على مستوى المحافظة وعدد المركبات التى تم ترخيصها حتى تاريخ إرسال الرد، وأسباب التأخير فى استخراج التراخيص لباقى المركبات.

كما طالب وزير التنمية المحلية المحافظات بتحديد خطوط سير هذه المركبات لتكون فى المناطق غير المخططة وبين القرى وبعضها البعض فقط لا غير، مشيراً إلى ضرورة عدم سيره فى المناطق الحضرية المخططة أو الطرق الرئيسية أو الطرق السريعة أو بين المدن وبعضها البعض، داعياً المحافظات لموافاة الوزارة بتقرير نصف شهرى يتضمن إجمالى ما تم إنجازه فى هذا الشأن.. وللملاحظة فإن 27 محافظاً أصبحوا مكتوفى الأيدى حالياً بسبب قرار رئيس مجلس الوزراء، بينما تتجول هذه المركبات بكل حرية حتى بالقرب من مكاتب الأغلبية العظمى من المحافظين ومن العواصم فى المحافظات بدون أى ردع!!

ما يحدث من جرائم من جانب سائقى التوك توك يحتم -على الأقل- تنفيذ اقتراح الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة المحلية وخبير استشارى البلديات الدولية، باستكمال منظومة أخذ عينات الكشف عن المخدرات بعد نجاحها على سائقى الميكروباصات وسيارات النقل الثقيل، للتأكد من انضباط المراكب بصفة عامة، خاصة سائقى «التوك توك» فى المناطق العشوائية التى تمثل مناطق خصبة لارتكاب الجرائم..!

واقعياً أصبحت هذه المركبات التى يبلغ عددها الملايين، واقعاً مريراً يعانى منه المجتمع، وكانت هناك توصيات للجنة الدفاع بالبرلمان بشأن تقنينها ووضع اشتراطات لترخيصها ومنع استيراد قطع غيارها أو تجميعها داخل مصر، خاصة بعدما أوجدت فئة من المستفيدين من وراء انتشارها نتيجة أن بعض رجال الأعمال فتحوا خطوط إنتاج داخل مصر، وهناك شركات ومستوردون بالمحافظات، وأصبح ثمن بيع المركبة منها نحو 40 ألف جنيه، بينما سعرها الحقيقى لا يتجاوز 15 ألف جنيه، ومن الطبيعى أن أصحاب المصالح يتجاوزون عن خطورتها، الأمر الذى يتطلب وقفة جادة من الدولة والحكومة، نظراً لخطورتها على الأمن القومى، غير أن كل ذلك لا يمنع من وجود شباب ملتزمين يتكسبون رزقهم من قيادة هذه المركبات..!

سيادة رئيس الوزراء أعتقد أن أمن المواطن قضية محورية فى ملف اهتماماتك، ولذا فلا بد أن تراجع قرارك بوقف ترخيص «التوك توك» والسماح بمنح المركبات الموجودة حالياً ترخيصاً لمدة 5 سنوات لا تجدد بعدها، خاصة أن عمره الافتراضى لا يتجاوز 3 سنوات، وبالتالى فإن منع استيراد قطع غياره، سيؤدى بالتالى إلى إلغاء هذه المركبة تدريجياً.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولأبنائك السلامة دائماً..!

القسم: 
المصدر: 

قصة الأمس.. واليوم.. وربما غداً..!

فى بلاد بعيدة‏ عنا تماماً.. ومنذ آلاف السنين‏.. وجد آلاف المزارعين أنفسهم يعيشون فى «وادٍ ضيق» لا تزيد مساحته على 7% من مجمل مساحة أراضيهم.. يحدهم بحر من الشمال يفصلهم عن شعوب أخرى يعيشون فى ظلام دامس.. ويحدهم من الشرق بحر آخر يحول بينهم وبين رمال صحراء جرداء لا زرع ولا ماء فيها، بينما تمتلئ أرضهم بالعديد من البحيرات، فزرعوا‏.. وحصدوا‏.. وأحالوا‏ «واديهم» ‏إلى سلة لتقديم الغذاء للعالم‏.. وقدموا نموذجاً لحضارة أبهرت العالم ولا تزال‏.. وأناروا أراضى جيرانهم الشماليين بعلوم عدة وتفوقوا فى الطب والفلسفة والزراعة وأصبح واديهم منارة للعالم.. غير أن كل ما كان يؤرقهم أن «أبواب‏ واديهم»‏ كانت مفتوحة على مصراعيها أمام الغرباء من كل جنس ولون، مثل أبواب دور السينما فى العصر الحديث تفتح لمن يمسك بيده‏ «تذكرة‏ للدخول»..!

مئات السنوات تمر وهم فى سلام.. راضون تماماً عن حالهم، غير أن الحال لم يبق على ما كان عليه، إذ أفاقوا فجأة واكتشفوا أن كل من كان يأتيهم من الخارج مجرد مغامرين «غزاة» تتملكهم أطماع غير محدودة فى واديهم فتواكبوا عليه لينهبوا منه كل خيراته.. غير أن الشىء الغريب أنهم عشقوا كل هؤلاء «الغزاة»، والأغرب أنهم صنعوا لهم تماثيل باستثناء سفاح البشرية «هولاكو»، ويبدو أنهم كرهوه باعتباره الوحيد الذى فشل فى احتلال واديهم‏!

تمر الأيام ويتغير كل شىء‏.. أقنعوا أنفسهم بأنهم يسكنون وادياً مؤهلاً للتصنيع، فتوقفوا عن الزراعة وألقوا بالسلة بعيداً.. وتولى أمرهم مستبدون وسخروهم للعمل فى خدمتهم فانحدر بهم الحال إلى الأسوأ، فبدأوا يسألون الأجانب عن‏ مجرد «لقمة عيش‏».. ‏غير أنهم حافظوا على إعجابهم بأنفسهم الذى يصل إلى درجة‏ «‏التقديس‏» ولكل من يتولى أمرهم دون أن يكون لهم أى يد فى اختياره‏..!!

فجأة رفض هؤلاء المزارعون ما وصل بهم الحال، فخرج بعض من أبنائهم فى ثورة واختاروا من بينهم أول زعيم من بنى جلدتهم.. وعلى مدى سنوات لم تطل طويلاً حاول «الزعيم» إصلاح كل ما أفسده الغزاة وتحسين أوضاع أهله من السكان، غير أن «أهل الثقة» التفوا حوله ما أدى فى النهاية إلى تعرضهم لـ«نكسة».. سرعان ما أفاق منها الزعيم وحاول جاهداً مواجهة آثارها هذه إلا أن القدر لم يمهله طويلاً لإصلاح كل شىء فرحل فجأة مساء يوم من أيام القرن الماضى.

وتقلب الزعماء على الحكم واكتشف المزارعون أن من بينهم من «ورث الحكم» ونجح فى خداعهم وأحالهم إلى مجرد رعايا ليس لهم أى حقوق، وأن كل الخيرات كانت تذهب إلى «إله» والمحيطين بقصره، ووجد المزارعون أنفسهم مرة أخرى يسددون حياتهم ثمناً لـ«فاتورة الفساد» الذى ساد على مدى عقود ثلاثة.. وأُهمل كل شىء وانتشرت «رائحة شواء» أجسادهم فى قطارات وتناثرت أشلاؤهم تحت عجلاتها وغرق المئات فى «عبارات الموت» وتحولت أجساد شبابهم بسبب «سماسرة الموت» إلى ولائم لأسماك البحار خلال محاولتهم الهجرة للخارج.. وتحولت «خلايا أجساد» مئات الآلاف منهم سنوياً إلى «خبيثة»، ورفعت «كُلى» الملايين منهم «الراية البيضاء» أمام «الفشل»، وداوم فيروس «سى» نهش أكبادهم بسبب التلوث والمبيدات المسرطنة دون أن يتحرك من «ورث» الحكم.

واستمر سكان الوادى فى غفلتهم وعاشوا «أحلاماً» وتفاخروا بأنهم أصحاب حضارة لا مثيل لها، واكتفوا بترديد شعارات‏ «الريادة‏.. القدوة‏.. القدرة‏.. والتفرد» وغيرها من التعبيرات التى‏ «تدغدغ‏» مشاعرهم وتغذى «روح‏ الغرور‏» فيهم، ولم لا فهم أصحاب أول حضارة عرفها التاريخ.. ؟! وتوقفوا عن كل شىء ليصدموا فى النهاية بحقائق يدركها العالم كله عدا هم، كما لو كانوا «أزواجاً‏ ‏آخر من يعلم‏» !!غير أنهم اكتشفوا فجأة وبعد فوات الأوان أنها كانت‏ «أوهاماً‏».. ‏!!

وذات صباح خرج الملايين ليعلنوا رفضهم لما جرى لهم، وأزاحوا من أمامهم ذلك الذى أحالهم إلى مجرد «فاتورة لفساده وأهله».. غير أنه للأسف نجحت «عصابة من القتلة» فى خداعهم بأنهم «يحملون الخير لهم» بعد أن اختبأوا وراء لحية وأمسكوا بأيديهم مسبحة وأوهموا البسطاء أنهم يحملون توكيلاً إلهياً، وأن «الجنة» هى نهاية المطاف الموعود لمن يتبعهم ولكنهم كانوا فى الحقيقة يضمرون لهم كل شر.. وحاولت هذه العصابة إحداث انقلاب فى طبيعة سكان الوادى.. ولم يكتفوا بكل ذلك بل تآمروا عليهم مع الغرباء ليحكموا قبضتهم على هذا الوادى..!

لم تمض سوى أيام لم تتجاوز أوراقها عاماً واحداً إلا واكتشف مواطنو الوادى أى خدعة وقعوا فيها، فخرج الملايين منهم ثائرين على هؤلاء المخادعين وركلوهم خارج مقارهم وأبدلوا قصورهم إلى زنازين فى السجون.. وناشد المواطنون «قائداً» من بينهم ليتولى قيادتهم وعاهدوه بالعمل معه يداً بيد لإعادة إصلاح ما أصابهم من خراب فى بلادهم.. وبدأ القائد بنفسه ليقدم لمواطنيه القدوة فى العمل والإنجاز، إلا أن «عصابة المخادعين» لم تستسلم، على الرغم من بقايا زعمائها فى السجون فى انتظار القصاص.. وبدأوا فى تخريب كل شىء وإطلاق الشائعات لإحداث البلبلة والانشقاق، مستغلين حزمة من الإجراءات الاقتصادية غير الجماهيرية أقرها القائد لتحقيق الإصلاح.. ودفعوا بالعديد من الإرهابيين إلى الوادى للانتقام..!

لم تكتف قيادات العصابة الإرهابية بهذه المؤامرة، بل أخذت تسعى -بالتعاون مع قياداتها الهاربة بالخارج- لتوفير «الدعم اللوجيستى» للإنفاق على الأنشطة والعمليات الإرهابية التى ينفذها عناصر الحراك المسلح لهم وأذرعها الذين دفعتهم إلى الداخل.. وتوالت ملايين الجنيهات لشراء الأسلحة وإعداد متفجرات لتفجير دور العبادة «مسجد أو كنيسة» لإسقاط ضحايا من المدنيين المسالمين، بمن فيهم النساء والأطفال..!

لم يأبه القائد بكل ذلك وأدار معهم حرباً شاملة لم تشغله فى يوم من الأيام عن هدفه بتحقيق الإصلاح وراهن بجماهيريته الكاسحة، وكان يمكن له أن يوفر كل هذه الجهود ويحاول «نفاق جماهيره» بتخفيض الأسعار، ووقتها كان شعب الوادى سيخرج ليل نهار للهتاف بحياته، غير أن ذلك كان سيؤدى إلى محو الوادى وسكانه من خريطة العالم، ولن تقوم لهم قامة مرة أخرى.. ونجح القائد وأعاد الأمن لسكانه مرة أخرى واستمر فى البناء وما يزال وتحمل انتقادات عديدة وجهها له أصحاب المصالح..!!

كانت هذه هى قصة الأمس واليوم، غير أن شعب الوادى لا يزال ينتظر الغد الذى سيُنفذ فيه القصاص العادل من قيادات هذه العصابة، لينهى أحزان أسر فقدت عائلها واستشهد أبناؤها وترملت زوجات وتيتم أبناء من أجل أن تحصد أجيال مقبلة نتاج جهود مضنية من الإصلاح.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولأجيالك المقبلة السلامة دائماً.

القسم: 
المصدر: 

رانيا و«حفل بلاى بوى».. وسام و«تقنين الدعارة»!

لم تكن سوى أيام قليلة بعد أن أفاق الرأى العام من تلك «الصدمة» التى تلقاها من «مهرجان اللانجيرى» -الذى اصطلح البعض على تسميته «مهرجان الجونة السينمائى الثانى»- حتى تلقى صدمتين أخريين هدمتا كل القيم الأخلاقية ومنظومة التقاليد التى ظل المجتمع متمسكاً بها طوال تاريخه بعد أن اختلط الأمر على الممثلة «رانيا يوسف» وتصورت أنها مدعوة إلى حفل تنظمه مجلة «بلاى بوى» الأمريكية الشهيرة، وليس «مهرجان القاهرة السينمائى»، وهو ما مثل الصدمة الأولى.

أما الصدمة الثانية التى أحالت كل القيم الأخلاقية إلى مجرد «أشلاء» فقد فوجئ مشاهدو التليفزيون بمطالبة وسام نوح «مدير المركز المصرى للقانون» الدولة بـ«تقنين الدعارة»..!

فى بداية الأمر لم تجد رانيا يوسف و«أخواتها» أى مبرر لتلك الضجة التى أثارها الرأى العام بسبب ما سمته «فستاناً»، إذ لمحت إلى رضائها التام عن مظهرها بمقارنتها بمظهر إحدى شهيرات هوليوود «ليدى جاجا».. بينما قال مصمم الفستان ويُدعى سوشا: «ينبغى علينا أن نتطور فى قرارة أنفسنا كما فعلت لبنان»..!

وأعلن «سوشا» -الذى كان يتحدث فى مداخلة تليفونية فى برنامج «صباح الورد»- رفضه لحملة الهجوم على الممثلة بسبب ارتدائها الفستان، موضحاً «نفسى الناس تتطور، وأى فنانة تطلع على السجادة الحمراء هى عارفة بتعمل إيه».

وأعرب عن رضائه التام عن «فستان» الممثلة: «الصحفيون والجميع يتحدثون عنها»، وللغرابة رأى المصمم أن الممثلة «عملت الصح بارتدائها الفستان بالمهرجان، شابوه رانيا يوسف والله».

على النقيض من اندهاش رانيا يوسف ولا مبالاة «سوشا» وقبعته التى رفعها تقديراً لمظهر الممثلة، خرجت نقابة المهن التمثيلية ببيان لم تُقصر بدايته على واقعة «رانيا» وحدها بل جمعت معها بعض الممثلات: «إن المظهر الذى بدت عليه بعض ضيفات المهرجان لا يتوافق مع تقاليد المجتمع وقيمه وطبائعه الأخلاقية، الأمر الذى أساء لدور المهرجان والنقابة المسئولة عن سلوك أعضائها» على حد تعبير البيان.

وفى صياغة تستهدف تهدئة الرأى العام قالت النقابة فى بيانها: «إننا نهيب بالفنانين إدراك مسئوليتهم العامة تجاه جماهير تقدر فنهم، ولذلك سوف تقوم النقابة بالتنسيق مع الإدارة العليا للمهرجانات واتحاد النقابات الفنية بالتحقيق مع من تراه قد تجاوز فى حق المجتمع، وسيلقى الجزاء المناسب، حتى تضمن عدم تكرار ذلك».

ومع تطور الأحداث لم تجد الممثلة «رانيا» سوى التراجع عن «عنتريتها» بتحدى تقاليد المجتمع وقيمه الأخلاقية خاصة بعد تحديد جلسة لمحاكمتها يوم 12 يناير المقبل، إلا أن أصحاب البلاغات قد تنازلوا عنها، وحاولت أن تجد مبرراً لما جرى «المشكلة كانت فى خامة الفستان لأنه كان مطرزاً، ومع الحركة أزاح التطريز البطانة.. وأنا لست صغيرة أو طائشة كى أضيع مجهود السنين واسمى الذى بنيته على مدار 25 عاماً من العمل، بظهورى بشكل غير لائق».

أما على جانب كارثة «تقنين الدعارة» فقد قالت صاحبتها، خلال حلقة بأحد برامج «التوك شو» مخصصة للحديث عن طرح «فياجرا السيدات» بالأسواق المصرية، «إن نسبة الدعارة فى مصر عالية للغاية، ويجب على الدولة تقنينها»..!

وعللت مديرة المركز مطالبتها هذه -التى تتناقض مع الدين ومنظومة الأخلاق- بأن هذا التقنين سيؤدى إلى اكتشاف مرضى الإيدز وسرعة علاجهم..! ولم تكتف مدير المركز المصرى للقانون بذلك بل إنها أبدت أسفها لرفض دور النشر العديدة نشر كتاب «الدعارة بين التقنين والتجريم» الذى ألفته.. وهو ما جعل منها هدفاً للعديد من البلاغات ضدها لمحاكمتها على نشر الفسق والفجور!

وإذا كان مهرجان «الجونة» قد أثمر واقعتين أثارتا جدلاً غاضباً بين أوساط المواطنين بظهور الإعلامية ياسمين عز، بفستان «مكشوف الصدر»، خلال إجرائها حواراً مع اللواء خالد فودة محافظ جنوب سيناء على هامش الاحتفال بذكرى انتصارات أكتوبر.. إضافة إلى خروج إحدى الفتيات من سقف إحدى السيارات بملابس مثيرة لترقص فوق سطح السيارة التى يمتلكها «صديق لها» دون أن تأبه لنظرات المارة وقائدى السيارات فى الطريق العام، فماذا سيفعله مظهر الممثلة «رانيا» ومطالبة مدير المركز القانونى، فى الفتيات ضعيفات النفوس..؟!

على كل حال فإنه يبدو أننا نتعرض كل فترة لمشاهد أو دعوات شاذة تخاصم كل القيم المجتمعية، فمنذ ما يقرب من 4 سنوات خرج علينا رئيس رابطة تجار السجائر بالقاهرة والجيزة باقتراح يتصادم مع القانون عندما طالب المهندس إبراهيم محلب الذى كان يشغل وقتها منصب رئيس مجلس الوزراء بـ«تقنين زراعة وتعاطى وتجارة الحشيش» وفرض ضرائب عليه ووضع ضوابط لتداوله لتعزيز إيرادات الدولة وسد عجز الموازنة!.

وفى محاولة لـ«إغراء» الحكومة بالإقدام على هذه الخطوة قال رئيس الرابطة إن حجم تجارة الحشيش يقدر بنحو 42 مليار جنيه سنوياً، بالإضافة إلى مليار جنيه تنفقه الدولة لمكافحتها لكنها تفشل بنسبة 85%، حيث إن ما يتم ضبطه لا يتجاوز 15% مما يدخل السوق أو ما ينتج محلياً!

وعلى غرار الرائعة الراحلة «هند رستم» فى أفلامها القديمة إغراء بطل الفيلم بالكشف عن ساقيها بعد أن تدّعى أنها قد «اِلْتوَت»، قال رئيس الرابطة إنه بتقنين زراعة وتجارة وتعاطى الحشيش يُمكن للدولة جمع 4.2 مليار جنيه بحساب قيمة ضريبة تبلغ 10% على أن يجرى زيادتها تدريجياً على مدار 10 سنوات لتصل إلى 50% وفق ضوابط استراتيجية بعيدة المدى فضلاً عن توفير المليار جنيه التى تتحملها الدولة لمكافحة هذه التجارة.

وإمعاناً فى زيادة إغراء «الزبون» قال رئيس الرابطة إن مدخنى الحشيش فى مصر يمثلون نصف الشعب، إذ تتراوح أعدادهم بين 40 و45 مليون مواطن بخلاف العرب والأجانب الموجودين فى مصر «وقتها».. وهو ما ينبئ بزيادة الإنتاج وبالتالى حصيلة الضرائب!

فى النهاية لا أجد ما أقوله سوى أن هناك حديثاً عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، غير أن هذه التصرفات الشاذة التى تعرضنا لها خلال أيام الأسبوع الماضى قد أعادت صياغة هذا الحديث إلى: «إن لم تستحِ.. فتعرَّ وقل ما شئت» وأستغفر الله العظيم.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولمواطنيك الله.

القسم: 
المصدر: 

نحن نزرع القنابل الموقوتة..!

منذ النصف الثانى من خمسينات القرن الماضى وحتى الآن، وحكوماتنا المتعاقبة فى حيرة من أمرها لإيجاد وسيلة عملية للسيطرة على زيادة أعداد السكان أو بالأصح «الانفجار السكانى» الذى أوصل تعدادنا إلى أكثر من 104 ملايين مواطن -«قبل أن تنتهى من قراءة السطور التالية»- إذ سيضاف إلى هذا التعداد عدد من المواليد الجدد خلال وقت قراءتك لها..! باعتبار أن كل 15 ثانية تعلن «صرخات مولود» أن وافداً جديداً قد قدُم إلى الحياة ليشكل رقماً ضمن 2٫5 مليون طفل يولد سنوياً، ليقارب هذا الرقم من تعداد «دولة كاملة»..!

من «حسنين ومحمدين».. وشعار تحديد النسل وبعده «تنظيمه» بعد أن أثار الأول حفيظة العقل الجمعى للمواطنين وقتها.. وبين إضافة تعبير «والسكان» إلى اختصاصات وزارة الصحة.. واعتبار أن هذه القضية تمثل أمناً قومياً لمصر.. فشلت كل جهود الحكومات المتتالية طوال هذه السنوات وحتى الآن فى تحجيم المخاطر التى نواجهها بسبب ارتفاع معدلات زيادة المواليد، التى تعادل مخاطر الإرهاب وربما تفوقها بعد أن تحولت إلى «غول» يلتهم كل جهود الدولة، وتنعكس تأثيراتها السلبية على مواردها وتشكل تهديداً مرعباً للجهود المبذولة لاستكمال برنامج الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى فى المرحلة المقبلة، وهو ما يمكن إعادتنا للمربع صفر، الأمر الذى دفع الرئيس السيسى إلى تكرار تحذيراته بأن الزيادة السكانية تمثل تحدياً كبيراً أمام الدولة المصرية، وإنه إذا استمر هذا الوضع لن يكون هناك أمل أو أى تحسن للواقع الذى نعيشه.

كثيرة هى تلك المخاطر التى تتفرع عن الزيادة السكانية ولعل أخطرها يتمثل فى أننا وبأيدينا نزرع «قنابل موقوتة» أسفل كبارى القاهرة الكبرى‏.. ‏وفى حدائقها العامة إن وجدت‏.. وفى مداخل عماراتها تحت الإنشاء‏.. ومخازن متاحفها التى تسمى محطات القطارات،‏ بعد أن فرضت ظروف ما كانت تسمى أسرهم على أكثر من 3 أو 4 ملايين طفل الإقامة الجبرية فى كل هذه المواقع، ليمثلوا بؤرة تهديد لمجتمع أصبح فى غير حاجة لمزيد من أسباب تهديده‏!!‏

قبل عدة سنوات خرج علينا المجلس القومى للطفولة والأمومة -وقتها- بدراسة فجرت الأزمة‏.. زلزلت كيان المجتمع‏.. صرخة انطلقت بأن هناك أكثر من مليونى طفل مشرد -وبالتأكيد فقد تضاعف هذا العدد الآن- يهيمون على وجوههم فى الشوارع ويعيش -إذا كان هذا التعبير يطابق الحالة التى يعانى منها- 60% ‏ منهم فى محافظات القاهرة الكبرى‏.. ‏ويبدو من ذلك الوقت أن المجلس قد اقتنع بأنه قد أدى دوره كاملاً بمجرد عقد مؤتمر صحفى أو ندوة لإعلان هذا الإحصاء واكتفى بتفجير تلك المأساة دون أن يتحرك بفاعلية لإعادتهم إلى المجتمع مرة أخرى، على الرغم من أن تلك الظاهرة كانت ملحوظة فى الشوارع وعند إشارات المرور لتفضح مأساة هؤلاء الأطفال الذين يعتبرون ضحايا إقدام البعض على إنجاب أطفال لا تستوعب إمكانياتهم الاقتصادية تربيتهم، فيدفعونهم إلى الشوارع ليمدوا أيديهم للعابرين فى الشوارع أو لقائدى السيارات فى إشارات المرور باعتبار أن ذلك أسهل الطرق للحصول على المال..! ‏

شظايا هذه المأساة ترتشق فى صدور العديد من الجهات‏.. ‏رجال أعمال اكتفوا بما يحققونه من أرباح دون أن يلتفتوا إلى حقيقة دورهم الاجتماعى فى مواجهة قضايا المجتمع‏.. ‏جمعيات ومؤسسات عدة ارتاحت لموضة تسميتها مؤسسات المجتمع المدنى واكتفت بصورة تنشر فى صفحات الاجتماعيات بالصحف لندوة أو اجتماع يضم سيدات أعمال وصفوة المجتمع‏..‏ كيانات حزبية غرقت فى مشاكل وراثة الزعماء واقتسام المناصب القيادية‏.. ‏جهاز قومى للشباب حصر اهتماماته على شريحة واحدة‏.. فقطاع الشباب لا يقتصر فقط على هؤلاء المنتظمين فى الجامعات والمعاهد العليا‏.. وقطاع الطلائع ليسوا هم فقط أطفال المدارس فكل هؤلاء لديهم الحد الأدنى من الحياة: أربعة جدران حتى وإن كانت آيلة للسقوط فى مبان أطلق عليها تجاوزاً مدارس‏.. ‏أو قاعات مكتظة بالآلاف من الطلاب سميت بمدرجات جامعية‏..‏ وأسرة وإن كان مفردات قاموس الحياة اليومية لأفرادها لا تعرف سوى كلمة المعاناة‏.

وإذا كان مجلس النواب قد بدأ فى التحرك لمواجهة الأزمة من خلال إعداد عدد من التشريعات التى تسهم فى خفض معدلات الزيادة السكانية غير أن هذه التشريعات يجب ألا تغفل صياغة عقوبات واضحة لمن يسمى نفسه «أباً» وهو يلقى بطفله فى الطريق‏، خاصة إننا كمجتمع نعاقب من يخالف إشارة للمرور بينما نقف مكتوفى الأيدى أمام من يلقى طفله فى الطريق العام؟‏!‏.. فأطفال الشوارع ظاهرة تستوجب علينا جميعاً البحث عن أسلوب جديد للتعامل معها بعيداً عن تخشيبة الأحداث فى أقسام الشرطة أو إصلاحية للأحداث تكاد تقترب من أن تكون مدرسة لتعليم فنون الإجرام حتى بعد أن أبدلت اسمها إلى دار التربية.!!

وإذا كانت بعض الأصوات يحلو لها التشدق بأن الزيادة السكانية التى نشكو من تفاقمها تمثل ثروة قومية إذا أحسن استخدامها ويشيرون إلى الصين، فإن الرد على ذلك أن ذلك التنين الأصفر ذاته قد اضطر خلال الفترة من عام 1978 وحتى عام 2015 إلى اتباع سياسة لحرمان الطفل الثانى من كافة الخدمات التى تقدمها الدولة من تعليم ورعاية صحية بل وحتى من كافة حقوقه السياسية سواء الترشح أو التصويت فى أى انتخابات..! فهل ننجح هذه المرة؟!

اعتباراً من الغد ولمدة يومين كاملين سيتوج العالم المصرى الدكتور جمال مصطفى السعيد، أستاذ الجراحة وجراحة الأورام بكلية طب قصر العينى، بأعلى تقدير علمى فى مجمل دول الاتحاد الأوروبى بإلقاء الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الدولى الثانى للأمراض السارية فى العالم الذى يعقد بالعاصمة الإسبانية «مدريد» ورئاسة جلسات المؤتمر فى يومه الثانى والأخير وتقييم الأبحاث العلمية التى ستقدم للمؤتمر لاختيار أفضلها والتوقيع على شهادات التقدير التى ستمنح للفائزين.. ليرتفع علم واسم أغلى اسم فى الوجود أمام دول الاتحاد الأوروبى.. ولك يا أحلى اسم فى الوجود ولأبنائك ولمستقبلك السلامة والازدهار.

القسم: 
المصدر: 

ذبح البراءة فى 60 ثانية..!

مثلما لم يستغرق سوى 60 ثانية فقط لتنفيذ «جريمته الشنعاء» -التى هزت المجتمع وذبحت كل القيم الأخلاقية وكل معانى الإنسانية وقتها قبل نحو العام والنصف وتحديداً فى بداية مارس من العام الماضى- لم تستغرق محكمة النقض فى جلستها -قبل نحو أسبوع- أكثر من هذه الثوانى لإعلان رفضها الطعن على حكم الإعدام الذى كانت قد أصدرته محكمة جنايات المنصورة بعد جريمته بنحو شهرين ليصبح الحكم واجب النفاذ غير قابل للطعن عليه ليتبقى فقط موعد تنفيذ الإعدام «قصاصاً عادلاً» لهذه الجريمة التى لم تكتسب فيها هذه البريئة وحدها لقب «الضحية» بل انعكست آثارها على مجمل أهلها ليصبح جميعهم «ضحايا» لـ«كائن» لا ينتمى للبشرية بأى شكل من الأشكال!.

فى جريمته البشعة لم يغتصب هذا الكائن «رضيعة» -لم يشفع لها رصيدها فى الحياة الذى لم يتجاوز العام وثمانية أشهر وقتها- بل اغتصب المجتمع كله.. فكل معانى الرحمة تبخرت من عقله -إن كان له عقل- ليتحول إلى شيطان آثم لينهى جريمته وليضيف عشرات السنوات على عمر ضحيته لتحيلها إلى سيدة تعانى الهزيمة والانكسار.. تخشى الحياة التى هزمتها حتى قبل أن تبدأها.. وكلما تقدم بها العمر ستجتر ذكريات أليمة بعد أن تعيش سنوات من الرعب يطاردها ذلك «الكابوس المرعب» الذى تعرضت له دون أى ذنب ارتكبته.

وقتها لم تدرك هذه البريئة حقيقة ما جرى لها ولكنها ودون أن تدرى ظلت أياماً طوالاً تعلن احتجاجها على ما جرى لها برفض تناول الطعام، بعد معاناتها من ارتفاع مستمر فى درجة حرارة جسدها الذى انتُهك رغم عدم اكتماله بما يغرى ضعاف النفوس على انتهاكه.. تدخل دائماً فى نوبات بكاء هيستيرى بمجرد أن يلمس جسدها أحد، متأثرة بما تعرضت له وكأنها تلعن تلك الظروف التى أوقعتها فى طريق ذلك السفاح، فالجريمة البشعة التى أقدم عليها ذلك «الكائن» ستبقى محفورة فى ذاكرة «جنا» مهما باعدت بينهما السنون والأيام!! بأى ذنب ذُبحت براءتها.. وشُقت قلوب كل من تجمعها معهم بيانات بطاقة الهوية..؟!.. وأى جريمة ارتكبتها حتى يكون مصيرها بين يدى «مخلوق أو كائن» لا يرقى أبداً لأن يكون إنساناً..؟!.. وأى انحراف فى سلوكها سمحت بها أيامها القليلة فى الدنيا جعلها «نهباً» لمن يتربص لـ«ضحاياه» حتى ولو كانوا مجرد «رضَّع» كى يتصيدهم بدم بارد بعد أن يتوهم بأن ما يفعله إنما هو يُعد جزاء عادلاً لمن اختارت «الانحراف» منهجاً لحياتها كما يصوره له عقله المريض..؟!

بين يدى من لا يخاف الله سبحانه وتعالى تحولت «جنا، رضيعة البامبرز» إلى فريسة نشب فيها أنيابه، وغرس مخالبه، واعتصر لحمها، ولم يرقّ قلبه -إن كان له قلب- لصراخها وأنّاتها، ولم تشفع لها براءة طفولتها فى أن يتركها دون أن يخنق تلك البراءة، ودون أن يئد الحلم‏ حتى قبل أن يبدأ وأن يغرس سكيناً فى قلوبنا ويبكينا جميعاً..!

وإذا كان أهالى «دملاش» وهى القرية التى تضمها خريطة محافظة الدقهلية والتى شهدت الجريمة البشعة، قد تجمعوا وقتها لإحراق منزل ذلك الجانى لولا تدخل الأمن وإقناعهم بضرورة الالتزام بالقانون بعد أن بدأت محاكمته بعد 4 أيام فقط من جريمته وقد بدأ بالفعل العد التنازلى لتُكتب النهاية لتلك الجريمة بـ«قصاص عادل» يتدلى به جسد «إبراهيم. م، 35 عاماً» من مشنقة الإعدام؛ جزاء على ما ارتكبه من جرم، ولتنتهى حياة ذلك الغول السفاح الذى تخفى فى صورة بشر -والبشر منه براء- والذى وجد ضالته فى «براءة تجسدت فى صورة رضيعة» ليرتوى من دمائها ودماء أهلها دون أن يرفق بحالها أو حالهم ودون أن يرشق أنيابه فى جسدها الصغير ولم يهتز له «رمش» بعد أن تجسد فى صورة «دفتر أحوال» ليضيف سطراً جديداً إلى سوابقه الإجرامية.

السطور السابقة جرى نشرها يوم 31 مارس من العام الماضى فى جريدة «الوطن» وقد أعدت نشرها بعد إجراء بعض التعديلات على بعض تفاصيلها احتجاجاً على ذبح كل القيم الأخلاقية والإنسانية ووأد الرحمة التى ابتلينا بها مؤخراً، خاصة أن ذات الجريمة قد تكررت مع طفلة أخرى بقرية أوسيم بالجيزة بعد أن نشب «غول» آخر مخالبه فى طفلة صغيرة لم يكتف باغتصابها فى مسجد هناك -نعم فى مسجد- بل وقتلها متوهماً أنه لن يُكتشف أمره غير أن محكمة جنوب الجيزة هذه المرة حددت جلسة 12 ديسمبر المقبل لإصدار حكمها النهائى فى ضوء الرأى الشرعى فى إعدامه بعد أن أحالت يوم الاثنين الماضى أوراقه إلى مفتى الديار المصرية.

قبل هاتين الجريمتين بسنوات قليلة اهتز الرأى العام بجريمة مماثلة راحت ضحيتها طفلة السنوات الخمس من عمرها.. «زينة» طفلة بورسعيد التى راحت ضحية لاثنين من «غير البشر» ألقياها من الدور الحادى عشر للعمارة التى كانت تسكن فيها مع أهلها بعد أن فشلا فى اغتصابها، لتسقط على الأرض وتسقط معها كل «قيم الرحمة والإنسانية» ليحكم عليهما فى النهاية بالسجن 15 عاماً باعتبارهما «حدثين» لم يصلا بعد إلى سن الرشد «21 سنة» أى أن القانون اعتبرهما غير مسئولين عن أفعالهما، وبالتالى أفلتا من حكم الإعدام أو المؤبد ليخرجا بعد سنوات قليلة -إذ إن سنة السجن لا تزيد على 9 أشهر- ليبحثا عن طفلة أخرى لتصبح ضحيتهما الثانية..!

ربما تثير هذه الجرائم انتباه مجلس النواب ليسارع بتعديل القانون وتغليظ العقوبة لتصل إلى الإعدام الفورى حال الاعتداء على طفل -سواء قتله الجانى أو تركه ليعانى آثار الاغتصاب وحده هو وأهله- من أجل حماية أطفالنا وأحفادنا جميعاً حتى لا تتكرر مأساة «رضيعة البامبرز أو ضحية المسجد أو زينة بورسعيد» وندخل فى نوبة بكاء وتعصرنا دوامة الألم ووقتها لن ينفع الندم أو «مصمصة شفاه جارة» بعد أن تدق صدرها بكفها إشفاقاً على حال أم انخلع قلبها من مكانه رعباً على ابن أو ابنة اختفى من أمام أعينها مجرد دقائق قليلة!‏

القسم: 
المصدر: 

شهيد «النداهة».. و«كبوة» جواد!

قبل نحو 10 أيام، وتحديداً مساء يوم الأربعاء 31 أكتوبر، ترجل الفارس عن حصانه فى «استراحة محارب» ستطول حتى يشاء الله السميع العليم.. غير أنه قبل هذا الموعد اختار أن يُخفت «أضواء الاستوديو» ليختفى عن الأنظار رويداً رويداً، تاركاً الساحة التى كان أحد فرسانها، ربما احتجاجاً، وربما رافعاً الراية البيضاء استسلاماً للمرض اللعين «الفشل الكلوى»، بعد أن قاومه طوال العامين الأخيرين اللذين ظل خلالهما أسيراً على سرير المرض 6 ساعات كاملة 3 مرات أسبوعياً فى جلسات الغسيل الكلوى التى كان يخضع لها فى أحد المستشفيات القريبة من موقع سكنه.

رحل رجل الكلمة الصادقة، التى كان يجسدها بصوته المميز، ويجعل كل من يستمع إليها كأنه يراها تتحرك أمامه وتتنازل طواعية عن جمودها الذى سجنها فى حروف مطبوعة اختارت طريقها -سواء من اليمين إلى اليسار أو العكس- على صفحات الصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية..!

فور أن أغمض الراحل حمدى قنديل عينيه للأبد، تسابق الكثيرون وهم يشرعون أقلامهم لـ«نعيه»، تكريماً لتاريخه الممتد منذ ستينات القرن الماضى لحظة استضافته فى منازل الملايين عبر ذلك الصندوق السحرى الذى كان يطل منه عليهم، مجاوراً زميله صلاح زكى -الذى سبقه إلى الرحيل بهدوء تام قبل سنوات طوال- من خلال البرنامج الشهير «أقوال الصحف» الذى كان ينتظره الملايين وقتها ليدركوا تفاصيل ما يدور حولهم، سواء فى مجتمعهم المحلى أو الإقليمى أو الدولى.. ولم لا، فقد كان للراحل نصيب وافر من اسمه «قنديل»..!

لم ينفرد قنديل بتسارع الأقلام لتكريمه بعد رحيله، فهى «عادة» لم نسقطها يوماً من ثقافتنا المتوارثة منذ عقود طويلة من الزمن، إذ اعتدنا هذا الأمر بمجرد رحيل أى من رموزنا، دون أن نفكر لحظة فى تكريمه وهو لا يزال حياً بيننا، كما لو كنا نخشى لومة لائم إذا ما أقدمنا على ذلك الأمر.. وبالتالى فلم يذكره أحد طوال حياته منذ أن توارى عن أعيننا قبل سنوات!

فى آخر برامجه الناجحة «قلم رصاص» اختار الراحل كلمات الشاعر الراحل أحمد مطر «جسَّ الطبيبُ خافقى وقالَ لى هلْ ها هُنا الألَمْ؟ قُلتُ له نعَمْ، فَشقَّ بالمِشرَطِ جيبَ معطَفى وأخرَجَ القَلَمْ»، مقدمة يبدأ بها برنامجه، ليصف تلك العلاقة التى جمعته بمهنة الصحافة، سواء المسموعة أو المرئية، وهى العلاقة التى أجبرته على أن يهجر «سماعة الطبيب» ليمسك بـ«القلم» يشخص به حال الوطن، فقد كان هذا الإعلامى المبدع رائداً لبرامج «التوك شو» الجادة التى تحول معظمها الآن إلى ما يشبه «سوق الجمعة» فى أى منطقة عشوائية، لا يسود فيها سوى الصراخ والاشتباك الذى يتحول إلى «الأيدى» فى كثير من الأحيان..!

ومثلما أن «لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة»، فقد كان اصطفاف حمدى قنديل ضمن اجتماع «فيرمونت الشهير» هو «الكبوة» التى أصابته ودفعت به إلى «عاصرى الليمون»، إذ جاء هذا الاجتماع مساء الخميس 21 يونيو 2012، لاحقاً على انتهاء مرحلة التصويت فى الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية بين «سفير جماعة الشياطين» محمد مرسى، والفريق أحمد شفيق «آخر رؤساء مجلس وزراء المخلوع»، وهو الاجتماع الذى جرى وصفه وقتها بـ«صفقة مع الشيطان»، وهى الصفقة التى كان يبحث البعض عن مكسب له فيها، غير أنه وللحق -وليس دفاعاً عن قنديل- أنه ربما كان قلقه من حدوث ردة على ما تحقق فى يناير 2011 -مهما كان الرأى فى حقيقتها- من جانب رموز المخلوع هو الذى دفعه للمشاركة فى هذا الاجتماع، وليس أبداً البحث عن دور أو مكسب كغيره..!

منذ أن كان طالباً فى الثانوية العامة بدأ رحلته مع القلم، وهى الرحلة التى أجبرته على ترك كلية الطب بعد أن انتظم فيها ثلاث سنوات كاملة، لتندهه «نداهة الصحافة» ليحترفها بعد تخرجه فى «قسمها» الذى تضمه كلية الآداب بجامعة القاهرة ليبدأ رحلته المهنية التى تقلّب خلالها فى عدد من الصحف والمجلات «مجلة آخر ساعة، ثم جريدة أخبار اليوم»، لينتهى به المطاف أمام كاميرات التليفزيون فى برامجه «أقوال الصحف، رئيس التحرير، قلم رصاص»، وهى البرامج التى استحوذت على اهتمام المواطنين واكتسبت شهرة واسعة وأيضاً خصومات عدة مع الأنظمة فى مختلف أنحاء الوطن العربى، وأجبرته على أن يطفئ أضواء برامجه مرات عديدة فى حياته التى امتدت 82 عاماً، قضى منها نحو 60 عاماً كاملة مع «حروف الصحافة والطباعة» التى تنقلت به من التليفزيون العربى وقتها، ثم إلى دبى، ليعود إلى القاهرة مرة أخرى بعد أن برئ من «مرض الصحافة» ليشتغل بالسياسة.. وهكذا كانت رحلة الفارس فى عالم الصحافة.. وإن كان رحل عنا بجسده، إلا أنه سيظل باقياً وسط عالمنا بذكراه وبتلاميذه العديدين فى مختلف مجالات الإعلام. رحم الله فارس الكلمة المقروءة والمنطوقة والمسموعة.. ولك السلامة دائماً ولمواطنيك يا أغلى اسم فى الوجود.

يبدو أنه أصبح من الضرورى على وزارة الداخلية مراجعة ترتيب أولويات مفهوم الأمن لدى بعض رجالها وضباطها، إذ إنه من غير المعقول أن يجد طفل لم يتعد عمره 6 سنوات نفسه مهدداً بالسجن 6 أشهر بسبب «مقاومته للسلطات الأمنية»..! وأكرر «مقاومته للسلطات الأمنية»..! كما لو كان أهله يُرضعونه «نابالم»، ويلفونه وهو رضيع بـ«بامبرز ناسف»..!

بداية القصة كانت -وفق ما نشرته صحيفة «الوطن»- عندما اتهم ضابط مباحث القوصية 29 شخصاً بمقاومة السلطات الأمنية، ومن بينهم الطفل محمد أبوالحسن صبرى بخيت، ويبلغ من العمر 6 سنوات.

ولأن أحداً من رجال المباحث لم يكلف نفسه إجراء تحريات للتأكد من هوية المتهمين، فلم يُعرض الطفل على قسم شرطة أو نيابة، ليثبت أنه طفل وليس إرهابياً، ليقدم فى النهاية للمحاكمة ضمن الـ29 متهماً، ويصدر الحكم عليه فى الأسبوع الماضى بوصفه «هارباً»، إذ إن القاضى أصدر حكمه وفق الأوراق والمستندات التى أمامه، وليس بينها بالطبع أى أوراق ثبوتية.

خالص التهنئة لضابط المباحث ورجال القسم الذين نجحوا فى تقديم «المتهم» للمحاكمة ليلقى عقوبته جزاء له على «مقاومته للسلطات الأمنية»..!

القسم: 
المصدر: 

تحويل المدخرات لـ«شيبسى»..!

حالة الارتفاع الجنونى فى الأسعار التى تسود الأسواق منذ فترة ليست بالقصيرة قد أربكت جميع المواطنين وأصبحت لا تطاق بعد أن تجاوزت كل الحدود المنطقية وباتت أسعار السلع والخدمات لا تعبر عن واقع قيمتها الحقيقية، ليصبح الغلاء وارتفاع الأسعار هو الموضوع الوحيد الذى ينجح دوماً فى اختراق الصمت الأبدى بين الأزواج.. والقضية المطروحة دائماً على الحوار سواء فى المقاهى الشعبية أو الكافيهات أو الفنادق..!

الجميع أصبحوا يشكون سواء هؤلاء الذين اعتادوا لظروف خارجة عن إرادتهم الالتفاف حول طبق لتصيد بقايا طعام عالقة بجدرانه الصدئة أو بجسمه البلاستيكى محترق الأطراف وكأنه تعرض لعملية تعذيب وحشية.. أو أولئك الذين ينتقون أصناف طعامهم من قوائم مكتوبة بحروف لاتينية‏ فى أى فندق.. ‏ غير أن شكوى الفئة الأولى قد وصلت حد الصراخ بينما جاءت شكوى أهل الصفوة بصورة عابرة ضمن أحاديث مسائية كدلالة فقط على أنهم لا يزالون ينتمون إلى المجتمع ‏!!

فى كل مناسبة وعند مواجهة أى موجة جديدة من الغلاء يحلو للمسئولين التأكيد على اعتزامهم تطبيق حزمة من الإجراءات للسيطرة على الأسعار والحيلولة دون انفلاتها إلا أن الواقع العملى يؤكد عكس ذلك‏ تماماً، ‏ بدرجة أصبحت معها تأكيدات هؤلاء المسئولين مادة يومية للصحف لا نصيب لها من الحقيقة فى ضوء إصرار الأسعار على اختراق كل الحواجز بلا أى منطق‏.. ‏ ولم يعد هناك أية سيطرة عليها‏.!!

ارتفاع سعر السلع وبخاصة الغذائية منها جاء ليكشف عن ثقافة بدأت تتأصل وتغرس أنيابها فى المجتمع وهى «ثقافة الانتهازية»، إذ سارع أباطرة السوق إلى رفع أسعار كل السلع لتطول حتى «البطاطس» التى كانت الملجأ الوحيد أمام الأسر الفقيرة لسد جوع الأبناء..!

وإذا كنا قد اعتدنا طوال عشرات السنين على دقات ساعة جامعة القاهرة التى تدق كل 15 دقيقة، فإنه يبدو أننا سنعتاد قريباً على أننا سنشهد ارتفاعاً فى الأسعار بذات المعدل: «زيادة جديدة كل ربع ساعة»، بعد أن دخلت الأسعار دائرة المنافسة معها..!! وعلى غرار ما اعتدناه من جانب الحكومة لطمأنة المواطنين فإن الدكتور حامد عبدالدايم، المتحدث باسم وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى، أكد أن أسعار البطاطس ستنخفض خلال شهر على الأكثر بعد نزول «العروة الجديدة» إلى السوق.. وهو أمر أستبعد حدوثه، فالأسعار لن تعود إلى سابق عهدها حتى وإن انخفضت بعض الشىء «فدخول الحمام ليس كالخروج منه» كما يقول المثل الشعبى..!

متحدث الزراعة رأى خلال مكالمته الهاتفية مع أحد البرامج التليفزيونية: «أن الارتفاع فى أسعار البطاطس أو أى محصول خضرى فى هذا الوقت من العام أمر طبيعى»، موضحاً أن الكمية المخزنة ليست كبيرة ولهذا قلّ العرض وارتفعت الأسعار، وفى لهجة آملاً منها طمأنة المواطنين قال عبدالدايم: «إن الوزارة بصدد التفتيش على الثلاجات للتأكد من عدم احتكار البطاطس»، ونفى أن يكون بعض التجار قد تسببوا فى ارتفاع أسعار البطاطس بسبب الممارسات الاحتكارية حتى لا يلقى أحد باللوم على الحكومة بسبب عدم تفعيل ما تمتلكه من قانون «منع الاحتكار» غير أنه عاد ليطمئن نفسه هذه المرة ليقول: «مفيش إنسان وطنى عنده ضمير يعمل هذا العمل»، وإذا كنا فى السابق قد اعتدنا على أنه فى كل مناسبة من المناسبات الدينية أو الأعياد أو فى موسم علاوات الموظفين أن ترتفع الأسعار بصورة يتعمد المسئولون تجميلها بوصفها مجرد تحريك للأسعار، إلا أن الواقع يؤكد أن الأسعار أصبحت لا تتحرك بل «تنطلق‏».. وهو ما يحدث بالفعل الآن على الرغم من أننا لا ننتظر أى مناسبات دينية فيما أن الحكومة صامتة لم تُلمّح إلى اعتزامها زيادة المرتبات أو منح أى علاوات للموظفين..!

غير أن السؤال: إذا كانت وزارة الزراعة ترى أن أسعار البطاطس فى هذا الوقت من العام أمر طبيعى فلماذا لا يتم تخزين كميات من هذا المحصول لتدفع به إلى الأسواق كل فترة -وأعتقد أنه غير قابل للفساد بسهولة- للسيطرة على الأسعار أو على الأقل تقصير فترة ارتفاع أسعاره إلى أقل فترة ممكنة وبخاصة أن «هذا الوقت من العام لم يجئ فجأة بل إنه أمر متكرر»؟.. وسؤال آخر: ما فائدة إنشاء «بورصات» للمحاصيل لتوفيرها وهى الإجراءات التى أعادت الحكومة تكرارها أكثر من مرة؟!

واقع الحال يدفعنا إلى ضرورة إيجاد وسائل حاسمة لمواجهة غول الغلاء الذى ينهش معظم المواطنين‏، ‏ وأن نهجر تلك التعبيرات التى اعتدنا أن نسمعها من مسئولى الحكومة «زيادة أسعار أى محصول خضرى أمر طبيعى فى مثل هذا التوقيت من العام»، وأن نتقدم بجرأة إلى إعادة التسعيرة الجبرية دون أن نخشى مزايدات البعض من أن ذلك يمثل عودة إلى الانغلاق وردة عن الاقتصاد الحر‏ وخنق حرية العرض والطلب، باعتبار أن السوق بات مفتوحاً، فأباطرة السوق عادة ما يجدون وسائل عدة للهروب من أى التزام فكل ما يهمهم هو تراكم ثرواتهم على حساب المواطنين..!

وإذا سلمنا مرغمين بمنطق واقع السوق وأن لأصحاب الأعمال الخاصة أسلوباً فى تجاوز أزمة الغلاء لأنفسهم فقط من خلال فرض ما يحلو لهم من أسعار لمنتجاتهم أو بضائعهم الأخرى فإن الأمر لا ينسحب على فئة الموظفين من أصحاب الدخل المحدد ولا أقول أصحاب الدخول المحدودة أو المنعدمة الذين لن يجدوا وسيلة لمواجهة ذلك سوى الاستغناء عن كل ما لا يستطيع المرتب شراءه‏.. غير أنه حتى هذا الحل سيصبح محدوداً أمام مطالب الحياة اليومية وإلا وجد المواطن نفسه مجبراً على العودة إلى عصر الكهوف، لأنه وقتها فقط لن يجد نفسه مطالباً بسداد أية فواتير للكهرباء أو التليفون أو حتى إيجار الكهف‏ ذاته!!

وفى ظل الظروف الاقتصادية التى نعانى منها سواء من ارتفاع أسعار السلع وانخفاض عائد المدخرات فى البنوك إن كانت هناك أى مدخرات ولأننا اعتدنا منذ السبعينات من القرن الماضى على ظاهرة اقتصادية كانت جديدة وقتها وهى ظاهرة «الدوْلرة» -أى تحويل المدخرات إلى الدولار ضماناً للحفاظ على قوتها الشرائية- فإنه يبدو أننا سنعايش فى القريب العاجل ظاهرة جديدة أخرى هى ظاهرة تحويل هذه المدخرات إلى «شيبسى» حفاظاً عليها أيضاً من انخفاض قيمتها..!

القسم: 
المصدر: 

«هنا نصلى معاً».. وفرصة وزارة السياحة الأخيرة..!

عندما ارتفع أذان صلاة الجمعة أمس هناك فى جنوب سيناء دقت أجراس كنيسة سانت كاترين ليتعانق الأذان مع رنات جرس الكنيسة ليعيدا مشهداً ليس غريباً أبداً على مصرنا التى اعتادت ذات السيناريو من مئات السنين، فأذان المسجد: «أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله».. وأجراس الكنيسة: «بسم الأب والابن والروح القدس إله واحد.. آمين»، وحدا الجميع منذ مئات السنين، وهم فى طريقهم إلى أى من المسجد أو الكنيسة دون أن يشغل بال أحدهم ما يفعله الطرف الآخر، فهذا يرفع يديه بالتكبير وذاك يرسم «صليب عيسى» ليبدآ صلاتهما، فالكل يعبد الله سبحانه وتعالى أملاً فى رضوانه وهو العلى العظيم.

فبمشاركة أكثر من 20 سفيراً ونحو 10 وزراء بعثت مصر أمس برسائل سلام ومحبة وأمان لكل العالم من خلال «ملتقى الأديان تحت شعار هنا نصلى معاً»، عبر أقدم دير فى العالم وثانى مزار دينى بعد الفاتيكان، إلى جانب المسجد الفاطمى اللذين يمثلان قطعة من «وادى طوى» أقدس المواقع لدى كافة الأديان السماوية، حيث تجلى الله سبحانه وتعالى على نبيه موسى عليه السلام ليلقنه الوصايا العشر «فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّى آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّى آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِى مِن شَاطِئِ الْوَادِى الأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ».. القصص: 29-30.

وجاء اختيار هذا الموقع لإقامة «ملتقى الأديان» اختياراً ذكياً للغاية، حيث يوجد الدير والمسجد والشجرة المباركة، فربما يعوض هذا الاختيار تلك الفرص التى توالت على مصر خلال الشهور الماضية لتنشيط حركة السياحة، وبخاصة الدينية، التى تبلورت فى زيارة بابا الفاتيكان للقاهرة ودامت نحو 26 ساعة وبعده لاعب الساحرة المستديرة «ليونيل ميسى» فى فبراير من العام الماضى، ويليه بعد شهر واحد الممثل العالمى «ويل سميث»، ثم مبادرة البابا «أيقونة العائلة المقدسة» لدعوة مسيحيى العالم -نحو 2مليار مسيحى- لزيارة مسار العائلة المقدسة.. وهى الفرص التى كانت تكفى واحدة منها لإنعاش حركة السياحة الدولية لمصر، والتى جرى تجميدها منذ سنوات بسبب حادثة الطائرة الروسية التى ما زلنا نعانى من آثارها حتى الآن، ونتعرض بسببها لحالة من المماطلة نتيجة تضاربنا فى مواجهة اتهامنا بالتورط فى هذا الحادث، غير أنه للأسف أضاعتها وزارة السياحة لعدم قدرة مسئوليها -والأصح أن نقول فشلهم- فى استثمارها سياحياً نتيجة البيروقراطية العنكبوتية للقائمين على الملف السياحى..!

واقع الحال يؤكد أننا فشلنا فشلاً ذريعاً فى استثمار هذه الزيارات بدلاً من أن تكون بداية لانفتاح سياحى غير محدود إذا ما كانت وزارة السياحة وهيئة تنشيطها أحسنت استثمار هذه المناسبات، التى كان من الممكن تحقيق نتائج منها لا نستطيع أن نصل إلى أى منها حتى ولو أنفقنا ملايين الدولارات لتسويق المنتج السياحى المصرى، خاصة السياحة الدينية..!

وإذا كانت وزارة السياحة أكدت فى نهايات العام الماضى استعدادها لاستقبال طليعة أفواج مسيحيى أوروبا والعالم بعد نحو 6 أشهر فقط -أى فى شهر مايو الماضى إلا أنه مر دون أن نحقق أى شىء- فإن إقامة الملتقى أمس جاءت فرصة ذهبية للوزارة لإنهاء حالة القلق التى اشتعلت فى ذاكرة المواطنين تجاه إمكان نجاح السياحة فى استثمار الفرص التى تتوالى علينا، إذ إن موقع هذا الملتقى يعد من الأماكن السياحية التى يُقبل عليها الزوار بشكل كبير، حيث يتسلق السياح الوادى المقدس بعبور درج مكون من 3٫750 خطوة تُعرف باسم «خطوات الندم»، وهى منحوتة من الحجر على يد رهبان دير سانت كاترين، وتقع بالقرب من السفح الشمالى الشرقى للجبل، ليصلوا مع بلوغ ذروة شروق الشمس إلى مدرج طبيعى يُطلق عليه اسم «حكماء إسرائيل السبعة» للوصول إلى القمة، حيث توجد «كنيسة الثالوث الأقدس» التى أُنشئت فى عام 1934م، ويُعتقد بأنّ سيدنا موسى انتظر فى هذا المكان لكى يستقبل «الألواح»، وعند الوصول إلى قمة «الوادى المقدس طوى» يطل السائح على السلاسل الجبلية المحيطة بالوادى، والوديان الكثيرة، والعديد من الآثار الموجودة.

هذا من جانب الاستثمار السياحى، أما من جانب استرداد صورة مصر الحقيقية.. مصر التى لا تفرق بين من يحمل فى يده «مسبحة» ومن يرسم على ساعده «صليباً».. مصر المحبة والتعايش السلمى بين مواطنيها.. مصر التى تتبادل فيها «أسرتا محمد وبيشوى» أطباق حلوى رمضان.. مصر التى تتجاور «أم أحمد والخالة دميانة» فى أى قرية أو نجع بالصعيد وقد اعتادتا تبادل ما ينقص الدار من «فصين توم.. أو كباية سكر أو زيت».. مصر التى تطبق «مدنية الدولة وحقوق المواطنة»، قبل أن يتضمنهما بنود الدستور.. مصر التى يمد فيها «بطرس» يده مهنئاً «مصطفى» بعيد الفطر المبارك أو الأضحى ويتبادل أحمد تعبير «كل سنة وأنت طيب» مع «رأفت» فى عيد القيامة وصيام العذراء.. مصر التى ستظل «تعيش فينا ولا نعيش فيها» كما قال قداسة البابا شنودة، وهكذا كنا وهكذا يجب أن نستمر..!

أبداً لن تتحقق أوهام «أثرياء الدم» من جماعة الإخوان وفروعها من الإرهابيين بأن بإمكانهم أن يصبح الوطن كله «مصلوباً» وأن يتحول مواطنوه جميعاً إلى «معتقلين» داخل جدران الخوف على مستقبل وطن سعت أياديهم المحمومة كثيراً إلى محاولة تشويه ملامحه التى ارتسمت فى وجداننا عبر عشرات بل مئات السنين.. أبداً لن يشكل أبناؤه ميليشيات تواجه بعضها بعضاً من خلف متاريس الكراهية والحقد أو الثأر.. فنحن أبعد عن أن ننزلق فى هاوية الفتنة الطائفية بل إننا سنصبّ جامّ غضبنا على جماعات العنف، وسنطلق رصاصات القصاص على من اختار أن يواجه إرادة شعب واحد.. إذ إن «قابيل وهابيل» كانا فصلاً فى تاريخ مضى ولن يعود، ولن يجد أحد من «شيوخ الفتنة» أى «غراب» ليلقن أحداً كيف يدارى «سوءة أخيه».. ولك يا مصر ولمواطنيك السلامة دائماً.

القسم: 
المصدر: