عمرو حمزاوي

عمرو حمزاوي يكتب: عربى المستقبل

نشر فى : الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 9:35 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 9:35 ص

هو عنوان كتاب ساخر لرسام الكاريكاتير والمخرج السينمائى السورى الأب والفرنسى الأم رياض سطوف (قرأت الترجمة الألمانية للكتاب)، وبه يروى رسام مجلة «شارلى ابدو» ذكرياته عن سنوات حياته الأولى التى أمضاها مع والديه بين ليبيا وسوريا فى نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن العشرين، وبه يمزج سطوف بين استخدام الكاريكاتير وبين توظيف الكتابة الساخرة لتقديم نقد لاذع للأوضاع المجتمعية والسياسية فى البلدين العربيين ــ وكان الطفل رياض سطوف وأمه قد ذهبا مع أبيه الحاصل على إجازة الدكتوراه من فرنسا إلى ليببا لتدريس التاريخ فى جامعة هناك ثم رافقاه إلى سوريا حين التحق كمدرس بجامعة فى دمشق.

بعيون الطفل الغريب، وبالتأكيد بعيون ووعى وخبرات وتفضيلات الرجل الذى صار إليه عندما أنجز كتابه بعد أن حركت ثورات وانتفاضات 2010 و2011 الكثير من مياه الاستبداد والفساد والتخلف الراكدة فى بلاد العرب، ينقل «عربى المستقبل» المشاهد الصادمة لجمهوريات الخوف التى أسسها المستبدون العرب وحمتها بعنف وقمع ومظالم وانتهاكات ومغامرات إقليمية متكررة أجهزة أمنية لم تترك مجالا فى حياة المواطن والمجتمع والدولة إلا وسعت للسيطرة عليه.

ينقل الكتاب، ثانيا، المظاهر الكوميدية لحكم الفرد فى ليبيا وسوريا سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، من صور العقيد معمر القذافى «الأكبر من الحياة» إلى ملصقات حافظ الأسد (بزيه العسكرى وبنظارة الشمس وبدون زيه العسكرى وبدون نظارة الشمس) التى لا تترك جدارا فى سوريا «إلا وزينته»، وبينهما «المارشات العسكرية والأغانى الوطنية» التى تتوعد الأعداء والمتآمرين ونشرات «الأخبار التليفزيونية» وبها تشغل المساحة الزمنية الأكبر أنشطة «الأخ القائد» و«الأخ الرئيس» من إمامة صلاة الجماعة إلى إلقاء الخطب الجماهيرية (القذافى) واستقبال مسئولى «الدول الصديقة» (الأسد).

ينقل الكتاب، ثالثا، الحقائق المؤلمة لامتهان كرامة الإنسان بسبب تدهور المرافق العامة (مياه الشرب غير الصالحة وشبكات الصرف الصحى المنهارة) وتدنى مستويات الخدمات الأساسية خاصة التعليم (المدرسة الحكومية فى قرية الأب بالقرب من مدينة حمص السورية) والرعاية الصحية (الاحتياج لعملة أجنبية أو لنفوذ المسئولين للحصول على الدواء) وشيوع الفساد وسوء استغلال المنصب العام (من مدير برنامج اللغة الفرنسية فى الإذاعة الليبية الذى يساوم «أبورياض» على زوجته الفرنسية لكى يمكنها من العمل إلى بعض أفراد الأمن فى مطار دمشق الذين يرتشون علنا ودون الرشوة لا يسمحون للأسرة السورية ــ الفرنسية بالدخول للوطن «آمنين»).

ينقل «عربى المستقبل»، رابعا، بسخرية لاذعة ظواهر الرياء (ادعاء الالتزام الدينى والابتعاد الحاد عنه فى المعاملات الشخصية والأسرية) والنفاق (التودد للمسئولين وأبنائهم أو من يظن أنهم من المسئولين) وكراهية الآخر (العرب للأفارقة فى ليبيا، والسنة للعلويين والشيعة والمسيحيين فى سوريا وفى جميع الاتجاهات العكسية، والعرب للأكراد ومن الأكراد للعرب فى سوريا أيضا) والعنف ضد الآخر وضد الضعفاء والمخلوقات المستضعفة (تعذيب الإنسان والحيوان) والاحتفاء بالجهل وبأنصاف الحقائق واللامعلومات وإهدار العقل والعلم (أكاديميون لا يتحرون الدقة والمنهجية فى مهامهم التعليمية، وإعلاميون يروجون للزيف إلى حد العبث واللامعقول) على نحو يسهل كثيرا على الحاكم المستبد مهمة إخضاع الشعب ويصنع مجتمعا متخلفا وخائفا ومنسحبا إزاء الحكم وعنيفا وانتقاميا ودمويا بين قطاعاته ومجموعاته المختلفة.

قرأت «عربى المستقبل» مستمتعا بسخريته اللاذعة، ومتألما من سطوة الرياء والنفاق وكراهية الآخر والعنف والجهل إلى اليوم فى أغلبية بلاد العرب وليس فقط فى ليبيا وسوريا. منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين لم تتبدل أوضاعنا، ولم تتراجع حقائق الاستبداد والتخلف والخوف، فقط طلبت بعض الشعوب العربية الديمقراطية والتقدم والحرية وقمعها تحالف المستبدين العرب وثوراتهم المضادة ــ وربما نجت تونس!

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: 1848 و2011.. ما قبلهما وما بعدهما

نشر فى : الإثنين 15 يونيو 2015 - 9:40 ص | آخر تحديث : الإثنين 15 يونيو 2015 - 9:40 ص

كلما اشتد بى القنوط مما يحاصرنا من رداءة، ومن مقولات متهافتة تبرر للسلطوية، ومن زعم زائف بعدم حدوث مظالم وانتهاكات، ومن ترويج لثقافة الجهل يمارسه خدمة السلطان ومؤيدو حكم الفرد والمتلاعبون بالوعى العام عبر أدوات إلهاء الجموع المتنوعة وناشرى أنصاف الحقائق والمعارف الجزئية، ومن إماتة للسياسة واغتيال للتعددية، ومن المقايضة المستمرة للناس فإما خبزهم وأمنهم وإما حقوقهم وحرياتهم؛ كلما اشتد بى القنوط من كل ذلك عدت للقراءة فى تواريخ الشعوب البعيدة عنا، إن تلك التى سبقتنا إلى انتزاع حقوقها وحرياتها وتمكنت من بناء مؤسسات ديمقراطية وحافظت عليها أو غيرها من الشعوب التى أخفقت فى إنجاز التحول الديمقراطى أو عجزت عن المزج بينه وبين صناعة التقدم العلمى والتنمية المستديمة والعدالة الاجتماعية.

خلال الأيام القليلة الماضية، طالعت مجموعة من الدراسات التاريخية عن ثورات 1848 الأوروبية ــ وهذه يتواتر فى الآونة الراهنة مصريا وعربيا، بل وفى بعض الدوائر الفكرية والأكاديمية الغربية، مقارنتها بثورات وانتفاضات بلاد العرب الديمقراطية منذ الثورة التونسية فى 2010 والثورة المصرية فى 2011. وتحمل المقارنة بين 1848 الأوروبية وثورات وانتفاضات العرب فى الألفية الجديدة العديد من الإضاءات المعرفية الهامة التى تستحق التأمل:

1) يدلل حصاد 1848 الأوروبية على أن طلب الشعوب للحرية وللديمقراطية ولإزاحة الاستبداد والسلطوية كثيرا ما يحبط على المديين الزمنيين القصير والمتوسط إن بفعل تماسك نظم الحكم القائمة وقدرتها على احتواء الطلب الشعبى دون إدخال تغييرات حقيقية أو فى سياق الثورات المضادة التى سرعان ما تسقط التجارب الديمقراطية وقد تعيد عقارب الساعة كاملة إلى الوراء وقد تحدث بعض التحولات الشكلية التى لا تلغى ــ أبدا ــ إعادة التأسيس للاستبداد وللسلطوية.

2) يدلل حصاد 1848 أيضا على أن التجارب الديمقراطية، وعلى الرغم من ضعفها وعجزها على المديين الزمنيين القصير والمتوسط عن مقاومة بقاء نظم الحكم المستبدة والسلطوية أو منع «عودتها المظفرة» عبر الثورات المضادة وعلى الرغم من العنف البالغ للثورات المضادة لجهة الانتقام ممن تبنوا المطالب الديمقراطية وتصفية القبول الشعبى لقيم الحق والحرية ولمبادئ العدل والمساواة وسيادة القانون، تظل محتفظة فى المجال العام وفى الذاكرة الجمعية للشعوب بخانات وهوامش تدافع عنها وتجتهد لإحيائها وتستدعيها باستمرار كبديل للاستبداد وللسلطوية وكأمل مشروع لا يموت.

3) لذلك، يستحيل الفصل بين ثورات 1848 الأوروبية التى أخفقت فى بناء الديمقراطية فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر وبين بناء أغلبية الديمقراطيات الأوروبية فى القرن العشرين واستقرار مؤسساتها التدريجى بعد حربين عالميتين مروعتين ــ فإحباط المطالب الديمقراطية بفعل قوة نظم الاستبداد والسلطوية القائمة أو بفعل الثورات المضادة لم يجرد الشعوب من الرغبة فى مواصلة المحاولة وفى التعلق بأمل بناء الديمقراطية وفى النجاح بعد عثرات متوالية.

4) غير أن 1848 الأوروبية وطلبها الديمقراطى لم تَلِهَا فقط الثورات المضادة، بل سبقتها أيضا ثورة مضادة كبرى نفذتها وبعنف الملكيات الأوروبية المطلقة (روسيا وبريطانيا وبروسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية ــ والأخيرة استضافت فى فيينا مؤتمر 1814ــ1815 الشهير الذى هدف إلى إنقاذ الملكيات المطلقة عبر الدعم المتبادل والامتناع عن التورط فى حروب بينية) ضد مبادئ الثورة الفرنسية 1789 وأفكار الجمهورية التى اجتذبت الكثير من شعوب أوروبا ودفعتها للتعاطف مع الثورة الفرنسية وبطلها نابليون بونابرت ــ على الرغم من أن الواقع التاريخى يدلل على أن بونابرت لم يكن يقل سلطوية عن ملوك أوروبا الآخرين).

الكثير من التشابه بين 1848 الأوروبية وبين ثورات العرب تظهره هذه الإضاءات المعرفية، وربما كانت الإضاءة الرابعة ــ ثورة المستبدين المضادة ــ هى اﻷدق فى توصيف الوضعية العربية الراهنة.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر

 

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوى يكتب: كيانات الحدود الدنيا!

نشر فى : الأحد 14 يونيو 2015 - 8:50 ص | آخر تحديث : الأحد 14 يونيو 2015 - 8:50 ص

لا يتوقف أبدا بحث الإنسان عن معنى لوجوده، عن سبب لحياته، عن سبيل لسعادته. وكثيرا ما يرتبط الإبداع الفكرى والثقافى والفنى بمعالجة مضامين وجوانب مختلفة لهذا البحث الإنسانى المستمر.

مساء أمس الأول، شاهدت فيلم «الحب والرحمة» ــ فيلم أمريكى، إنتاج 2014، بدأ عرضه عالميا فى شهر يونيو الحالى، إخراج بيل بولاد، بطولة إليزابيث بانكس وجون كوساك وبول دانو وبول جيامتى. والفيلم يتناول حياة المغنى المعروف بريان ويلسون الذى حقق فى ستينيات القرن العشرين نجاحا لافتا مع الفريق الموسيقى «بيتش بويز»، ثم انهار نفسيا وجسديا وعقليا بعدها بسبب علاقته المتوترة مع والده العنيف وغياب أمه وتعاطيه المخدرات وإخفاقاته المتكررة فى الوصول إلى معدلات توزيع جيدة لموسيقاه عندما ابتعد عن «الروك الخفيف» وعن «نمطية الفرق الشابة»، ولم يخرج من أزمته ويحيى طاقته الإبداعية ويعاود التأليف الموسيقى إلا مع حب جديد. يجسد بريان ويلسون الشاب الممثل بول دانو، بينما يقدم الممثل جون كوساك بإبداع مبهر شخصية بريان ويلسون المحطم الذى يجد فى الحب نجاته وسعادته وفى التأليف الموسيقى معنى وجوده وسبب حياته، ومشاهد الفيلم تتنقل بحركة دائرية سريعة ومركبة وحادة وصادمة بين مرحلتى الحياة وتنقل لنا كمشاهدين عمق وقسوة التجربة الإنسانية لويلسون وللمحيطين به.

انتهى العرض، وبينما تواصل فى رأسى تردد أصداء موسيقى بريان ويلسون ــ التى يجيد «الحب والرحمة» الإفساح لمساحة زمنية معقولة للاستماع إليها ــ عاد عقلى فورا إلى التفكير فيما يدور حولى من مشاهد لبحث من أعرفهم أو من أتابع أوضاعهم عن معنى للوجود وسبب للحياة وسبيل للسعادة، وإلى إجراء المقارنات البسيطة بينهم هناك وبيننا هنا. لست بمنكر لكون حظوظ الناس فى المجتمع الأمريكى والمجتمعات الغربية وغيرها من مجتمعات صون حقوق الإنسان والحريات تتفاوت بشدة وفقا لقدراتهم الاقتصادية والمالية ومستوياتهم الاجتماعية ومهاراتهم التعليمية والمهنية، وفى بعض الأحيان وفقا لهوياتهم العرقية والدينية ولحقائق التمييز الذى لم يتوقف ضد بعض الأقليات وضد النساء، وفى أحيان أخرى تفرض ظروف الميلاد ذاتها كمصير لا يتغير فتعانى من الفقر نسبة غير قليلة من أبناء الفقراء ومن محدودية التعليم والعمل نسبة غير قليلة من أبناء محدودى التعليم والمحرومين من العمل وتتهاوى على وقع المصائر القاسية هذه القيمة الفعلية والمجتمعية لقاعدة تكافؤ الفرص. غير أن الفارق الجوهرى بين بحثهم هناك وبحثنا هنا عن معنى للوجود وسبب للحياة وسبيل للسعادة يتمثل فى توفرهم على ضمانات لحماية حقوق وحريات المواطن، وتوظيف القانون لرفع الظلم عنه ومنع وقوعه كضحية أبدية للتعسف إن من قبل أفراد أو مجموعات أو مؤسسات أو حكومات، وتمكينه فى الأزمات الشخصية من البحث عن البدايات الجديدة وعن تجاوز للمسارات المتعرجة التى حتما تطؤها أقدامنا جميعا دون طغيان للنزوع نحو الإدانة والعقاب والاستبعاد فى الدوائر الخاصة والعامة المحيطة به.

أما هنا، فضمانات حماية حقوق وحريات المواطن فى تراجع كارثى ــ ونحن نستيقظ على وقع أنباء الاختفاء القسرى للبعض وتكرر جرائم التعذيب التى تسقط ضحايا آخرين وتراكم المظالم والانتهاكات، وتوظيف القانون لرفع الظلم وإنهاء التعسف الواقع على المواطن بغض النظر عن مصادره ومسبباته يعترضه واقع السلطوية والفساد ومكارثية المجال العام ــ التى تروج للإدانة عند الاختلاف وللاستبعاد عند التغريد خارج الكتلة الصماء، والبحث عن البدايات الجديدة تعوزه الطاقة الإيجابية التى نجرد منها ونحن نختزل إلى «كيانات الحدود الدنيا البشرية» ــ فتقتصر أمانينا على ألا يطالعنا الغد بأنباء مظالم وانتهاكات جديدة أو أن يحمل لنا ما يطمئن عن ضحايا الأمس أو أن تستمر قدرتنا على التعامل مع القمع والخوف أو مع الفقر والعوز أو معهم جميعا، وعبثا نتمنى.

البحث عن القليل / عن الجزئى / عن شىء من«الحب والرحمة» هو ما تفرضه علينا بيئة القمع والخوف والمكارثية المحيطة بنا، صرنا بالفعل كيانات الحدود الدنيا، ولا بدايات جديدة ولا انعتاق غير بالانتصار على القمع والخوف والانتصار لحقنا فى الاختلاف والحرية.

القسم: 
المصدر: 

من الانتخابات البرلمانية التركية: ثلاثة استنتاجات لصالح الديمقراطية بوابة الشروق


نشر فى :
السبت 13 يونيو 2015 - 9:10 ص
| آخر تحديث :
السبت 13 يونيو 2015 - 9:10 ص

الاستنتاج الأول: وحدها التجربة الديمقراطية هى التى تنمى وتطور وتصقل الوعى السياسى للشعوب وترشد من ممارسة المواطنات والمواطنين للاختيار الحر فى مراكز الاقتراع، بحيث تدفعهم تدريجيا بعيدا عن الاختيار إن وفقا للأهواء الإيديولوجية أو للتوظيف الانتخابى للمكون الدينى أو للترويج لكاريزما الحاكم وانعدام بدائله والضياع المحقق حال غيابه أو للنزوع لرفض الآخر ــ العرقى (الأغلبية التركية والأقلية الكردية) والمذهبى (الأغلبية السنية والأقلية العلوية) والجغرافى (سكان الحضر فى مواجهة الريفيين، وسكان المدن المطلة على البحار الأكثر انفتاحا على أوروبا فى مقابل مواطنى هضبة الأناضول أصحاب الثقافة المحافظة) والاقتصادى ـ الاجتماعى (معدلات الدخول والمستويات المعيشية شديدة التفاوت بين الشرائح السكانية).

وحدها التجربة الديمقراطية هى التى تحفز المواطنات والمواطنين على البحث عن المعلومات والحقائق لتقييم الحكام المنتخبين انطلاقا من تداعيات سياساتهم وحصاد أفعالهم ومن الوعود التى قطعوها وأنجزوها وتلك التى عجزوا عن الوفاء بها، وانطلاقا من المبادئ والقيم التى ادعوا الالتزام بها والدفاع عنها كسيادة القانون وصون الحقوق والحريات والمواطنة والمساواة والشفافية ومحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية وكثيرا ما يختلف بصددها وبشدة خطاب الحكام المنتخبين الرسمى عن الواقع المعاش، وانطلاقا من علاقة كل ذلك بمصالح الشرائح السكانية المختلفة وتفضيلات الناس المتعددة وقدرتهم على مساءلة ومحاسبة الحكام فى انتخابات حرة ونزيهة ودورية ودون خوف من تعقب أو قمع أو ظلم.

•••

وحدها التجربة الديمقراطية هى التى مكنت بعض المواطنات والمواطنين الأتراك من تغيير تفضيلاتهم الانتخابية وسحب تأييدهم من رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم العدالة والتنمية بسبب نواقص جوهرية يرونها فى السياقات الاقتصادية والاجتماعية وبشأن سيادة القانون وحقوق الناس وحرياتهم وفى محاربة الفساد ومقاومة نزوع أردوغان لاكتساب سلطات وصلاحيات مطلقة وتعطيل آليات وإجراءات الرقابة والمساءلة والمحاسبة، ولذلك خسر حزب العدالة والتنمية ما يقرب من 11 بالمائة من أصوات الناخبين فى الانتخابات البرلمانية 2015 مقارنة بالانتخابات السابقة وفقد أغلبيته المطلقة (40 بالمائة من مقاعد البرلمان هبوطا من 51 بالمائة) وأصبح وللمرة الأولى منذ بداية هيمنته على شئون الحكم والسياسة فى تركيا فى احتياج للتحالف مع حزب آخر وتشكيل حكومة ائتلافية.

•••

الاستنتاج الثانى: فى البلدان التى لم تستقر تجربتها الديمقراطية بعد ــ ومضامين غياب الاستقرار هنا تشمل 1) كون الأطر الدستورية والقانونية الضامنة لمبادئ وقيم الديمقراطية وقواعد اللعبة السياسية كنشاط تعددى وتنافسى مازالت حديثة العهد، 2) كون سلطات وصلاحيات مؤسساتها التشريعية والتنفيذية المنتخبة لم تترسخ بعد فى الواقع المعاش فى مواجهة المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية والإدارية التى احتكرت تقليديا القوة وهيمنت على شئون الحكم والسياسة، 3) التهديدات المستمرة الواردة على الفكرة الديمقراطية إن من قبل حكام منتخبين وقيادات أحزاب منتخبة يريدون الاستئثار بالسياسة وإسكات المعارضين أو من قبل نخب بعض مؤسسات وأجهزة الدولة الباحثة عن الاحتفاظ بامتيازاتها وعوائدها دون تغيير ودون رقابة ومساءلة ومحاسبة أو من قبل بعض النخب الاقتصادية والمالية وجماعات الضغط الساعية لتوظيف الحكم والسياسة لخدمة مصالحها الضيقة وبمعزل عن حدود التناقض بين هذه المصالح وبين الصالح العام، 5) تفتت المجال السياسى بسبب تشرذم الكيانات الحزبية أو شيوع الاستقطاب الإيديولوجى / العرقى / المذهبى / الجغرافى فيما بينها وغياب القواسم المشتركة، تمكن آلية الانتخابات الحرة والنزيهة والدورية المواطنات والمواطنين من التحييد والتجاوز التدريجيين لمضامين غياب استقرار التجربة الديمقراطية ومن حمايتها من الإخفاق ومن ثم حماية المجتمع والدولة من الارتداد إلى الاستبداد والسلطوية.

فى الانتخابات البرلمانية 2015، ذهب تصويت الناخبين الأتراك بجلاء فى اتجاه تحييد وتجاوز بعض مضامين غياب الاستقرار عن تجربتهم الديمقراطية. عوقب الرئيس المنتخب وحزبه الحاكم فى مراكز الاقتراع للنزوع الصريح ﻹقرار سلطات وصلاحيات مطلقة للرئاسة، وتمكينها من الاستئثار بالسياسة واحتكار صناعة القرار فى الشئون العامة على حساب البرلمان المنتخب والسلطة القضائية المستقلة عبر تمرير تعديل دستورى يستلزم أغلبية خاصة فى البرلمان. غير أن الناخبين الأتراك لم يقدموا أغلبية أصواتهم للأحزاب العلمانية المعارضة التى كثيرا ما ساومت أيضا على سلطات وصلاحيات البرلمان، وعلى التجربة الديمقراطية برمتها عبر تحالفاتها مع المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية وبعض النخب الاقتصادية والمالية الراغبة فقط ودوما فى احتكار السياسة وصناعة القرار وتسخيرهما لحماية امتيازاتها وعوائدها.

عوقب الرئيس المنتخب وحزبه الحاكم فى مراكز الاقتراع على العصف المنتظم بسيادة القانون، والانزلاق إلى ممارسات قمعية انتهكت حقوق الإنسان والحريات، والتورط فى صنوف من الفساد والتستر على صنوف أخرى من الفساد وحماية بعض الفاسدين والمفسدين فى سبيل ضمان مصالح اقتصادية ومالية غير مشروعة لحزب العدالة والتنمية وللنخب المتحالفة معه. غير أن الناخبين الأتراك لم يمنحوا أغلبية أصواتهم للأحزاب العلمانية المعارضة التى لم تتسم حقب حكمها فى العقود التى سبقت صعود العدالة والتنمية ــ أى فى ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة ــ لا بعصف أقل بسيادة القانون، ولا بانتهاكات أقل للحقوق وللحريات، ولا بفساد محدود.

عوقب الرئيس المنتخب وحزبه الحاكم فى مراكز الاقتراع بسبب الاستعلاء على حق المواطنات والمواطنين فى إلزام الحكم بالشفافية وإقرار قاعدتى المساءلة والمحاسبة بشأن سياسات وأفعال المسئولين المنتخبين ــ وقد كان التبرير المتعجرف من قبل أردوغان ﻹنفاق مبالغ طائلة من الموازنة العامة للدولة على بناء مقر جديد لرئاسة الجمهورية (بسبب ملاحظته لوجود زواحف صغيرة فى المقر الحالى) من بين إرهاصات ذلك الاستعلاء التى سبقت الانتخابات البرلمانية مباشرة، وبسبب المبالغة فى توظيف المكون الإيديولوجى والدينى فى الحملات الانتخابية للعدالة والتنمية لتغييب وعى الناس بضرورة تقييم تداعيات سياسات وحصاد أفعال الحكم على نحو موضوعى، وبسبب صناعة الاستقطاب وحرب الهوية اللتين أعلنهما أردوغان على الكيانات الحزبية والسياسية المدافعة عن مواطنة الحقوق والحريات المتساوية والمناهضة للتمييز ضد الأكراد وتجريمه المطرد لها كآخر يستحق الإلغاء. غير أن الناخبين الأتراك لم يعطوا أغلبية أصواتهم للأحزاب العلمانية المعارضة التى لم تدلل خبرات حكمها الماضية على التزام حقيقى بالشفافية وقواعد المساءلة والمحاسبة، ومازالت تقارع المكون الإيديولوجى والدينى للعدالة والتنمية بمكون إيديولوجى بديل جوهره القومية التركية المتعصبة والوطنية الشوفينية المتحولة إلى دين وضعى يلغى وجود الآخر العرقى (الأكراد) وينزع عنهم إنسانيتهم ويبرر انتهاك حقوقهم وحرياتهم.

لكل ذلك، أنهى تصويت الناخبين الأتراك وبوعى واضح الأغلبية المطلقة لحزب العدالة والتنمية وأجبروه على التحالف مع حزب آخر أو أحزاب أخرى وفرضوا عليه بسبب الهزيمة الانتخابية إعادة النظر فى سياساته وأفعاله التى تهدد استقرار التجربة الديمقراطية. إلا أن التصويت احتفظ للعدالة والتنمية بموقع الحزب الأكبر فى الحياة السياسية التركية منعا للتفتت والتشرذم، وحال بين الأحزاب العلمانية المعارضة وبين الوصول إلى مقاعد الأغلبية وهى لم تدلل واقعيا بعد على التزامها الواقعى بالديمقراطية وبالحكم دون تحالفات مع مؤسسات وأجهزة ونخب تريد الانقضاض على التجربة الديمقراطية، ومكن وللمرة الأولى كيانا حزبيا يتبنى مواطنة الحقوق المتساوية ويناهض التمييز ضد الأكراد من تجاوز حاجز الـ10 بالمائة اللازم لدخول البرلمان.

•••

الاستنتاج الثالث: من بين أمور أخرى، تتمثل عبقرية الديمقراطية التى تجعل منها الطريقة الأفضل أخلاقيا وقيميا والأنجع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ﻹدارة ترابطات المواطن والمجتمع والدولة على المديين الزمنيين المتوسط والطويل (دوما ما تتسم بدايات الديمقراطية بأزمات وصعوبات وتحديات جمة) فى كونها عبر سيادة القانون والانتخابات الحرة والنزيهة والدورية وقواعد المساءلة والمحاسبة المستمرة، 1) تعطى تدريجيا صوتا علنيا للشرائح والفئات والمجموعات السكانية التى تعانى من الإلغاء والاستبعاد والتمييز والتهميش بفعل احتكار أو استئثار أو سيطرة أو هيمنة أطراف أخرى على السياسة وصناعة القرار العاك واحتفاظها بامتيازات وعوائد واسعة، 2) تسمح تدريجيا لها بالتنظيم الجماعى والبحث عن سبل سلمية وشرعية للمشاركة فى السياسة وصناعة القرار العام واختراق السياقات الرسمية وذات المشروعية القانونية للسياسة وللمجال العام بتكوين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى والحضور فى التشكيلات النقابية والمهنية والجامعية وفى دوائر أصحاب الأعمال، 3) تفرض تدريجيا على الأطراف المحتكرة أو المستأثرة أو المسيطرة أو المهيمنة على السياسة وصناعة القرار العام التعامل مع من حرموا فى الماضى من الصوت والحضور وتلزمهم وإن طال الأمد بالاعتراف ببعض حقوقهم وحرياتهم المشروعة وتنزيل ذلك واقعا دستوريا وقانونيا وسياسيا معاشا، وربما بالمساءلة والمحاسبة عن ماضى الإلغاء والاستبعاد والتمييز والتهميش فى إطار منظومة للعدالة الانتقالية ــ ودون أن يعنى ذلك أبدا انتفاء الأزمات والصعوبات والتحديات الكثيرة الأخرى التى تواجهها التجربة الديمقراطية.

وتحديدا هذا الجانب من عبقرية الديمقراطية وتجاربها هو الذى أظهره تصويت الناخبين الأتراك فى 2015، حين منحت شريحة منهم تصل إلى 12 بالمائة ــ حتى وإن كان معظمهم من المنتمين عرقيا للسكان الأكراد ــ صوتها لحزب يدافع عن مواطنة الحقوق المتساوية ويناهض التمييز وصناعة الاستقطاب وحروب الهوية التى تورط لها أردوغان وحزب العدالة والتنمية أو تديرها الأحزاب العلمانية المعارضة.

•••

هكذا ينمو ويتطور وعى الشعوب السياسى، وتنضج التجارب الديمقراطية وتحيد وتتجاوز مضامين عدم الاستقرار، وتدمج بانتظام المزيد من الشرائح السكانية وتتمكن من الانتزاع التدريجى للصوت والحضور والنفوذ وتبتعد عن كل ما يتناقض مع مقتضيات السلمية والعلنية، ويحاسب الحكام المنتخبون ويجبرون على التراجع عن النزوع السلطوى والرغبات الاحتكارية. صندوق الانتخابات أفضل دوما!

اقتباس
وحدها التجربة الديمقراطية هى التى مكنت بعض المواطنات والمواطنين الأتراك من تغيير تفضيلاتهم الانتخابية وسحب تأييدهم من رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم العدالة والتنمية بسبب نواقص جوهرية يرونها.

القسم: 
المصدر: 

شواهد وتوقعات - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق


نشر فى :
الخميس 11 يونيو 2015 - 9:40 ص
| آخر تحديث :
الخميس 11 يونيو 2015 - 9:40 ص

شواهد الواقع تدلل على أن الحكم فى مصر لن يتراجع خلال الفترة القادمة عن إماتته للسياسة، وضغطه المتصاعد على منظمات المجتمع المدنى المستقلة، وتهجيره المواطن من المجال العام إن لم يقبل الحضور فى مساحاته مؤيدا للحاكم أو صامتا عن المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات، وقمعه للمعارضين.

شواهد الواقع تدلل، ثانيا، على أن الحكم سيواصل توظيف موارده المؤسسية وتحالفاته مع النخب الاقتصادية والمالية فى الداخل، والشبكات الإقليمية والدولية إن لداعميه (الخليج وروسيا والصين) أو للمتعاملين معه بمزيج من الواقعية السياسية والنفاق المرتبط بمعايير قيمية وأخلاقية مزدوجة طلبا للتعاون الأمنى فى مواجهة عصابات الإرهاب وتحديات تفتت الدولة الوطنية فى بلاد العرب وخطر الهجرة غير الشرعية أو رغبة فى عقود توريد السلاح والاستثمارات الاقتصادية المغرية (الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبى كفرنسا وألمانيا) بهدف تثبيت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى مصر وربما تحقيق القليل من التقدم فى ملفات تطوير البنى التحتية وتوفير فرص للعمل وتحسين الظروف المعيشية للشرائح السكانية مدقعة الفقر.

شواهد الواقع تدلل، ثالثا، على أن الحكم سيتابع التعويل لجهة تبرير أفعاله وممارساته على:

1) استدعاء مقولات حكم الفرد كسبيل وحيد ﻹنقاذ مصر من «المؤامرات المتكالبة عليها» ومواصلة الترويج للصور النمطية الكلاسيكية للحاكم الفرد كمخلص جاء فى لحظة ضرورة وطنية / بطل منقذ يملك القوة الكافية لحماية البلاد والعباد / قائد حاسم يعرف كل صغيرة وكبيرة عن أحوال الوطن ويحاسب الجميع فى المصالح العامة والخاصة بعين على صالح الناس والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفقراء ــ وهو بالقطع لا يحاسب.

2) الإعلان المستمر عن إنجازات اقتصادية كبرى فى طريقها للتحقق وعن مشروعات عملاقة يجرى العمل عليها وتوظيف سيطرة الحكم على المجال العام ﻹقناع قطاعات شعبية متنوعة بقرب تحسن الظروف المعيشية بفعل الإنجازات والمشروعات العملاقة وبضرورة تجاهل البحث عن ملامح واضحة للتوجه الاجتماعى للحكم وقبول المقايضات السلطوية ــ الخبز والأمن نظير الحق والحرية.

3) خليط من التوظيف المحافظ للدين عبر المؤسسات الإسلامية والمسيحية الرسمية لتبرير أفعال وممارسات الحكم وإحياء صورة الحاكم المؤيد دينيا ومن إنتاج خطاب «التجديد الدينى» بغية الحد من النظرة الاختزالية للحكم كمنظومة سلطوية وفقط وبهدف الحفاظ على بعض تحالفات المصلحة محليا وإقليميا ودوليا.

4) قوة مؤسسات وأجهزة الدولة التى يسيطر عليها الحكم والاعتماد عليها مع المجال العام المسيطر عليه لجهة الهيمنة على المجتمع وإخضاع المواطن عبر أدوات متنوعة من الوعد بالحماية والعوائد إلى التشويه والتخوين والتعقب والقمع.

5) الإنتاج المتواصل للصور النمطية السلبية عن المعارضة الوطنية المستقلة وعن مجمل الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية ومنظمات المجتمع المدنى التى ترفض الاستتباع للحكم، ومن ثم القضاء على احتمالية إجابة الناس على سؤال «وما البديل لحكم الفرد؟» بمضامين ترفض السلطوية الجديدة وتنتصر للديمقراطية.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: المكارثية وفقدان اللغة المشتركة بوابة الشروق

نشر فى : الأربعاء 10 يونيو 2015 - 10:25 ص | آخر تحديث : الأربعاء 10 يونيو 2015 - 10:25 ص

هى أشبه بالعوالم المنفصلة تلك السياقات والمساحات والخانات التى نتحرك بها كمصريات ومصريين فى المجال العام.

وانفصال عوالمنا يتجاوز التناقضات الجذرية بين مؤيدى الحكم وممارساته وبين معارضيه، بين مبررى إماتة السياسة واختزال شئون المواطن والمجتمع والدولة فى القضايا الاقتصادية والاجتماعية وبين رافضى المقايضات السلطوية (الخبز والأمن نظير الحق والحرية) والمدافعين عن إحياء السياسة كنشاط سلمى وحر وتعددى وتنافسى وجهته هى الصالح العام وعن إخراج مصر من وضعية الديمقراطية الغائبة، بين المتاح لهم السيطرة على المجال العام بسبب تأييدهم للحكم وتبعيتهم للنخب الاقتصادية والمالية المتحالفة معه وبين الباحثين يوميا عن التحايل على مساحاتهم المحدودة وخاناتهم الصغيرة والإبقاء على تواصلهم مع الناس فى وجه ضجيج مؤيدى الحكم، بين من ينكرون حدوث انتهاكات للحقوق وللحريات أو يقللون من شأنها أو يبررونها كعنوان تطبيق منضبط للقانون وإجراءات عقابية مشروعة وبين من يرون فى قضايا الحقوق والحريات عنوان السلطوية الجديدة وفى الانتهاكات نزوع صريح للقمع بغية فرض إرادة الحاكم الفرد وإخضاع المجتمع والمواطن ــ وبالقطع التجمعات الطوعية للمواطنات والمواطنين فى المجتمع المدنى.

يتجاوز انفصال عوالمنا جميع هذه التناقضات الجذرية، ويدفع المجال العام المصرى باتجاه فقدان شبه كامل للغة الإدراك والقيم والأفكار المشتركة التى لها وحدها أن تمكنا من النقاش العقلانى والحوار الرشيد. وليست دلائل كارثة فقدان اللغة المشتركة بالقليلة؛ 1) من تصاعد العنف اللفظى فى كتابات ومداخلات ممثلى المواقف المتناقضة وتعويلهم المتزايد على مقولات التخوين والتشويه والتسفيه التى لا يقتصر توظيفها على مؤيدى الحكم ومبررى السلطوية الجديدة بل يتورط فيها بمكارثية عكسية الاتجاه بعض المدافعين عن الحقوق والحريات، 2) إلى تدنى التراكيب اللغوية المستخدمة إلى غياهب نزع الإنسانية عن «الآخر» والتجريد من كل قيمة أخلاقية وعقلية وكيل الاتهامات بإسفاف ندر فيما سبق حدوثه فى المجال العام، 3) وبينهما الإنكار الحاد والمتبادل لظواهر مجتمعية يستحيل إنكارها إلا حين يعطل العقل وتعطل الرشادة ــ لدى مؤيدى الحكم لا اختفاء قسريا لبعض المواطنات والمواطنين ولا تعقب لبعض الطلاب والشباب ولا قمع بل تطبيق للقانون، لدى بعض أطراف الحركة الديمقراطية المصرية، لا إجرام إرهابيا ولا عنف ولا تحديات أمنية بل سوق لأمور وهمية لتبرير السلطوية وحكم الفرد، بينما الحقيقة الوحيدة هى أن الاختفاء القسرى يتكرر وأن ضحايا الإرهاب والعنف يتساقطون على نحو يومى.

موضوعيا، يعمق الفقدان شبه الكامل للغة الإدراك والقيم والأفكار المشتركة فى المجال العام المصرى من أزماتنا الراهنة التى يستدعى احتواءها/ الحد منها/ التغلب عليها 1) إدارة نقاش عقلانى وحوار رشيد وهادئ بين أصحاب المواقف المتناقضة، 2) الاعتراف بأن حكم الفرد والسلطوية الجديدة وطغيان الأمنى جميعها عوامل ستحول دون تحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية حقيقية ومستدامة وستواصل مراكمة المظالم والانتهاكات، 3) التسليم بأن العمل السلمى من أجل إيقاف المظالم والانتهاكات لا يعنى تجاهل أهمية القضايا الاقتصادية والاجتماعية ولا تجاهل تحديات الإرهاب والعنف، 4) تثبيت استحالة الشروع فى صناعة توافق عام حول أولوية النقاش العقلانى والاعتراف بعجز السلطوية والتسليم بحتمية التعامل الشامل مع أوضاعنا المصرية ثم إقرار كل ذلك قانونيا ومؤسسيا وواقعيا دون حضور حد أدنى من اللغة المشتركة وحد أدنى من الامتناع عن التورط فى العنف اللفظى والمكارثية المتبادلة. أخلاقيا وإنسانيا، يصدم الفقدان شبه الكامل للغة المشتركة ويرتب أن يطرح الكثير من المصريات والمصريين المشاركين فى المجال العام وعلى نحو متكرر سؤال ولماذا نواصل المشاركة وكل هذه الرداءة تحاصرنا؟

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: مونولوج تخيلى!

نشر فى : الثلاثاء 9 يونيو 2015 - 9:30 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 9 يونيو 2015 - 9:30 ص

إن لم تصمتوا جميعا، إن لم تتوقفوا عن العمل الحقوقى المستقل وعن توثيق وكشف الانتهاكات والدفاع عن الضحايا دون معايير مزدوجة والانتصار لقيم المساءلة والمحاسبة، إن لم تقبلوا تهجير المواطن الباحث عن المعلومة والحقيقة وصاحب الرأى الحر بعيدا عن المجال العام وتتركوا سياقاته ومساحاته لنا ولمنتجى هيستيريا الرأى الواحد والعقاب الجماعى لكل المختلفين والمعارضين ولمبررى حكم الفرد والسلطوية الجديدة؛ فالتعقب ينتظركم، والتهديد بالقمع حاضر دوما، والقدرة على تنفيذ الإجراءات القمعية أسرع مما تتصورون، وممارسة العنف بأدوات قانونية وإدارية لا حدود قصوى لها، وضمانات الحقوق والحريات فى الدستور والقوانين معطلة وستظل كذلك حتى نخلى مصر منكم طوعا أو كرها.

الإنهاك والإحباط والحزن يغفل انصراف الناس عنكم هى ما ستواجهونه يوميا على وقع الانتهاكات المتكررة، على وقع استنزافكم المستمر فى معرفة مصائر المختفين وسبل مساعدة المحبوسين احتياطيا وحماية الضحايا والتضامن معهم ومع ذويهم، على وقع حصاركم ثم تجريدكم من كل قيمة أخلاقية وإنسانية ووطنية بنشر مقولات التخوين الزائفة، على وقع سيطرة مكارثيتنا على المجال العام وتشويه وعى الناس من خلال ضجيج منتجى الهيستيريا ومبررى حكم الفرد، على وقع نجاحنا المعتاد فى استقطاب نفر ممن كانوا يوما فى صفوفكم وبين أوساطكم للدفاع المستميت عنا فى الداخل والخارج وإلا غابت عنهم «العوائد» وفقدوا«الحماية» التى لا نمنحها إلا عند قبول الاستتباع.

فى خوف ستعيشون وتعملون وتحاولون إدارة حياتكم اليومية وترابطاتها الأسرية والمهنية، سنخضعكم لسطوة الخوف فى كل لحظة ــ الخوف من كلمة الحق والخوف من التعبير الحر عن الرأى والخوف من التحرك المستقل، ستعرفون المعنى الفعلى للرقابة الذاتية على ما تقولون وتكتبون وتفعلون فى ظل سلطويتنا الحاكمة، ستكتسبون «مهارات جديدة» لم تكن لكم من قبل كالحديث فى العموميات والكتابة غير المباشرة والمتحلقة حول تراكيب لغوية غير واضحة والامتناع عن استخدام مفاهيم دقيقة لتوصيف الانتهاكات والتورط فى التأويلات الرمادية لجرائم التعذيب والإخفاء القسرى والاحتجاز والتعقب وغيرها، سيبحث بعضكم عن مقاومة سطوة الخوف ومقاومة خطر الرقابة الذاتية غير أن الإنهاك والإحباط وانصراف الناس عنكم لن يسمح إلا للقليل القليل منكم بمقاومة طويلة المدى، وهؤلاء مآلهم التعرض لضغوط متصاعدة حتى يصمتوا فى الداخل أو نخلى مصر منهم بإبعادهم إلى المنافى الخارجية وإبقائهم بها أو نزج بهم وراء القضبان كالكثيرين غيرهم.

تيقنوا من أن مقايضتنا للناس بثنائيات الخبز والأمن نظير الحق والحرية تفوق فاعليتها كلماتكم عن الخروج على الديمقراطية والعدل الغائب والظلم البين، وأن هيستيريا الرأى الواحد والعقاب الجماعى وتبرير حكم الفرد كبطل منقذ والصناعة المستمرة ﻷعداء الداخل والخارج والترويج للمؤامرة الكبرى ضد مصر وشعبها تفوق فاعليتها كل أحاديثكم عن سلطويتنا وعن إماتة السياسة وطغيان الأمنى وكل طرح لكم عن أن مصر لن تحتمل قمعنا والمظالم والانتهاكات المتراكمة وكل إحالاتكم السلبية إلى الجدار الذى سنصطدم به والبركان الذى سينفجر والصراعات المجتمعية والسياسية التى لا تجد من يديرها برغبة فى الشراكة وبناء التوافق، فلم يعد يقتنع بمثل هذه المقولات غير القليل من الناس بعد أن رددتموها طويلا وعجزتم دوما عن تقديم بدائل وحلول فعلية.

أضعتم فرص بناء الديمقراطية خلال السنوات الماضية، وها نحن قد عدنا، وقد عدنا لنبقى. فاصمتوا أو ارحلوا أو اعتادوا الخوف ومحدودية الفاعلية أو انتظروا العقاب.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: ما هو الإبداع؟ كيف نعرف الذكاء؟

نشر فى : الإثنين 8 يونيو 2015 - 10:35 ص | آخر تحديث : الإثنين 8 يونيو 2015 - 10:35 ص

ما هو الإبداع؟ كيف نعرف الذكاء؟
وحول هذين السؤالين قدمت «دى تسيت» ــ الجريدة الأسبوعية الأكثر تميزا فى ألمانيا، بل فى البلدان الثلاث الناطقة باللغة الألمانية ألمانيا والنمسا وسويسرا ــ معالجة علمية وفلسفية ومجتمعية وثقافية وأدبية رائعة فى أعداد الأسابيع الماضية ــ تصدر «دى تسيت» فى يوم الخميس من كل أسبوع.

فى مسألة الإبداع استكتبت الجريدة مجموعة من العلماء والفلاسفة والمتخصصين فى علم الاجتماع وعلم النفس وفى دراسات الثقافة وبعض الأدباء لتعريف الإبداع كظاهرة إنسانية ترتبط بالمهارات الفردية من جهة وبالسياق المجتمعى من جهة أخرى، ويتحدد الإدراك العام لحضورها فى العلوم والفنون والآداب (بل وفى الاقتصاد والسياسة أيضا) وفقا للأنساق القيمية والأخلاقية المهيمنة ووفقا للمعرفة السائدة.

وفى شأن معانى ومصادر ومظاهر ونتائج ظاهرة الذكاء، قدمت «دى تسيت» (وتستمر معالجة ظاهرة الذكاء فى العدد الأسبوعى القادم 11 يونيو 2015) مقالات معمقة تتضمن عرضا رصينا لنتائج البحوث المعاصرة فى العلوم الطبيعية والاجتماعية وفى الإنسانيات حول ظاهرة الذكاء وعلاقتها بالجوانب الوراثية والعرقية (وهذه جوانب يصعب للغاية تناولها فى المجال العام الألمانى نظرا للماضى الكارثى للنازية ولتصنيفاتها العنصرية ﻷعراق البشر المختلفة) وكذلك بالجوانب المكتسبة مجتمعيا كأنماط التنشئة الأسرية ونظم التعليم المدرسى والجامعى وخصائص سوق العمل ومدى حضور أو غياب التنافس وتكافؤ الفرص بين الناس وفى الفطاعات المجتمعية المتنوعة.

أجرت الجريدة أيضا حوارات متميزة مع بعض الفلاسفة والمفكرين حول ظاهرة الذكاء، ونشرت تحقيقات استقصائية عن مسارات أطفال وطلاب وعمال ومهنيين وسيدات ورجال أعمال من بيئات أسرية وتعليمية واقتصادية ــ اجتماعية متفاوتة للتدليل على «البدايات الأفضل» التى يتمتع بها المنتسبون للبيئات المتماسكة والمتعلمة والمحظوظة اقتصاديا واجتماعيا، وعلى إمكانية تحسين حظوظ المنتسبين للبيئات المحرومة فى صون وتطوير الذكاء الإنسانى الفطرى شريطة تدخل مؤسسات وأجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدنى بوعى وبنفس زمنى طويل لمساعدتهم وتمكينهم من مستويات مقبولة من الرعاية الجسدية (الصحية والنفسية) والرعاية التعليمية والرعاية المهنية (ضمان تكافؤ الفرص).

ملفات «دى تسيت» عن الإبداع والذكاء، فضلا عن الحقائق والمعلومات والأفكار والنتائج الرصينة والمعمقة التى تطرحها وتثرى بها النقاشات فى المجال العام الألمانى، تقدم نماذج واقعية بشأن إمكانيات الحفاظ على تميز الصحافة الورقية فى مواجهة المنافسة الشرسة التى تتعرض لها من قبل المواقع الإخبارية الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعى وبالقطع من قبل القنوات التليفزيونية. يتمثل التميز هنا فى تقديم خدمة علمية وفلسفية ومجتمعية وثقافية وأدبية رائعة حول قضايا تشغل الناس، ويستحيل أن تقدمها المواقع الإلكترونية أو شبكات التواصل وبرامج القنوات التليفزيونية. والتوجه الذى تعبر عنه «دى تسيت» ــ وهو أيضا ليس ببعيد عن الصحف اليومية الرصينة فى البلدان الناطقة باللغة الألمانية كفرانكفورتر ألجماينه (الصادرة فى مدينة فرانكفورت الألمانية) ونويه تسيوريشه (الصادرة فى مدينة زيورخ السويسرية)، هو توجه صحافة المستقبل الأسبوعية بل واليومية لمن أراد البقاء فى ظل المنافسة ــ ولمن أراد إخبار الناس وتوعيتهم وتحفيزهم على النقاش العلمى والعقلانى، وليس من يبحث عن تزييف الوعى وترويج الجهل كثقافة مهيمنة.

غدا.. هامش جديد للديمقراطية فى مصر

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: الحرية للجدعان

نشر فى : الأحد 7 يونيو 2015 - 8:55 ص | آخر تحديث : الأحد 7 يونيو 2015 - 8:55 ص

تعقب / توقيف / احتجاز / حبس احتياطى / اختفاء قسرى، هذه هى عناصر الحملة القمعية الراهنة التى تنفذها الأجهزة الأمنية ويتعرض لها مصريات ومصريون يدافعون عن حقوق الإنسان والحريات ويصرون على التمسك بالأمل المشروع فى مصر العادلة والديمقراطية.

تعقب / توقيف / احتجاز / حبس احتياطى / اختفاء قسرى، والضحايا هم إسراء الطويل وعمر محمد وصهيب سعد ومحمد إبراهيم ومحمود باشا وحسن مبارك وأحمد السيد خطاب وغيرهم من المعلومة أسمائهم لبعض قطاعات الرأى العام، والضحايا هم مصريات ومصريون من غير المعلومة أسماؤهم إلا لذويهم وللمحامين المدافعين / الباحثين عنهم وللمنظمات الحقوقية ــ التى تتجه الحملة القمعية الراهنة لبعض أعضائها.

تعقب / توقيف / احتجاز / حبس احتياطى / اختفاء قسرى، وبذلك تتراكم المظالم والانتهاكات على نحو غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة التى تلت 2011، ويبلغ الرسم البيانى للظلم وللقمع، بل وللتعذيب وللتصفية الجسدية، نقطة مرتفعة جديدة ــ تلى نقاطا مرتفعة سابقة ترتبط بالفض الدموى للاعتصامات فى صيف 2013 وبالفض العنيف لتظاهرات الذكرى السنوية للثورة فى يناير 2014 وبالحملات القمعية المتتالية ضد طلاب جامعيين وشباب المدافعين عن الحقوق والحريات الموظفة لقانون التظاهر الحالى.

تعقب / توقيف / احتجاز / حبس احتياطى / اختفاء قسرى، والخطاب الرسمى للحكم ولمؤسسات وأجهزة الدولة التى يسيطر عليها ينفى الظلم والقمع، وينكر الاختفاء القسرى والتعذيب والتصفية الجسدية، ويوظف القوانين والتعديلات القانونية صريحة السلطوية التى مررها كقانون التظاهر وإلغاء السقف الزمنى النهائى للحبس الاحتياطى لكى يخرج على الرأى العام فى مصر وعلى الرأى العام العالمى بتأكيدات متكررة على عدم وجود حملات للاعتقال بين الطلاب والشباب وعلى كون عمليات توقيف واحتجاز وحبس مصريات ومصريين تتم فى إطار القانون، ولا يكترث الحكم هنا بفقدان خطابه الرسمى للمصداقية الأخلاقية والإنسانية على الأقل بين بعض قطاعات الرأى العام فى مصر وفى كثير من دوائر الرأى العام العالمى.

تعقب / توقيف / احتجاز / حبس احتياطى / اختفاء قسرى، أسجل مجددا أن حكم ما بعد الخروج على الآليات والإجراءات الديمقراطية فى 3 يوليو 2013 وإسقاط المطلب الديمقراطى لـ30 يونيو المتمثل فى الانتخابات الرئاسية المبكرة ــ الحكم وإن تمكن عبر إجراء الاستفتاء الدستورى وتنظيم الانتخابات الرئاسية 2014 من صياغة إطار لمشروعيتها القانونية، إلا أن ممارساته وجوهرها العصف المستمر بحقوق وحريات الناس وتغييب العدل وسيادة القانون والسلطوية الجديدة التى يضع بعنف وبسرعة مرتكزاتها وهيمنة الحاكم الفرد والمؤسسات والأجهزة الأمنية على الدولة والضغوط المتصاعدة على المجتمع المدنى وتهجير المواطن من المجال العام والترويج لثقافة الخوف وهيستيريا التخوين والاستبعاد، جميعها تنزع عنه كل غطاء أخلاقى وإنسانى محتمل، وتجرده من كل إمكانية فعلية لبناء شرعية القبول الشعبى مهما حاول بمقايضاته السلطوية (الخبز والأمن نظير الحق والحرية) وبإعلامه المزيف لوعى الناس، وتبقيه فى التحليل الأخير فى خانة الخروج على الديمقراطية ــ ومنها جاء فى صيف 2013.

 

القسم: 
المصدر: 

عمرو حمزاوي يكتب: من ينتهك حقوق وحريات المواطن يهجره أيضا!

نشر فى : السبت 6 يونيو 2015 - 9:15 ص | آخر تحديث : السبت 6 يونيو 2015 - 9:15 ص

عندما يصبح العصف بسيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات نهج مؤسسات وأجهزة الدولة إزاء المواطن، فإن إلحاق المظالم والانتهاكات بالناس لا يقتصر أبدا على المجموعات والأفراد المغضوب عليهم «رسميا»، إن بفعل معارضتهم السلمية لمنظومة الحكم / السلطة أو بسبب تمسكهم بالتعبير الحر عن الرأى أو لرفضهم الصمت عن ممارسات القمع والتعقب والتهديد. بل تصيب المظالم والانتهاكات مجموعات تصنف كمؤيدة للحكم / السلطة أو فى أقل تقدير كغير معارضة له، وتسقط ضحاياها بين صفوف مواطنات ومواطنين لا يبحثون إلا عن الحياة فى «ظل وحماية» مؤسسات وأجهزة الدولة أو بعيدا عنها وعن «شرها» ولديهم دوما فى الحالتين القدرة على غض الطرف عن المظالم والانتهاكات طالما لم تقترب منهم.

وتفسيرات الاتساع المطرد الذى تشهده مصر اليوم فى دوائر المظاليم وخانات ضحايا الانتهاكات تتنوع بين 1) كون اعتياد مؤسسات وأجهزة الدولة، خاصة الأجهزة الأمنية، للعصف بسيادة القانون والحقوق والحريات قد شوه بنيويا علاقتها بالمواطن بحيث صارت القاعدة هى الظلم والقمع والاستعلاء والاستثناء هو العدل وصون الكرامة وبحيث أضحى الاستخفاف بالكلفة الأخلاقية والإنسانية والمجتمعية للمظالم وللانتهاكات هو الأصل والفرع هو التفكير فى تداعياتها الكارثية، 2) ما يحمله كل من صمت بعض القطاعات الشعبية عن المظالم والانتهاكات طالما لم تقترب منها وتجاهلها للمسئولية الأخلاقية المتمثلة فى التضامن مع الضحايا والانتصار لحقوقهم وحرياتهم المهدرة من إغراء مريض للسلطوية الحاكمة بالإيغال فى الظلم والقمع دون خوف أو خشية من مراقبة أو مساءلة أو محاسبة، 3) التورط المستمر لطيور ظلام المرحلة الراهنة ومؤيدى السلطوية الحاكمة فى التبرير الفاسد للمظالم وللانتهاكات تارة بتجريد بعض الضحايا من كل قيمة أخلاقية وإنسانية وأخرى بتشويه البعض الآخر عبر الترويج لأوهام التخوين والتآمر وأخيرة باستدعاء مقولات «الضرورة» و «لا صوت يعلو» ﻹقناع الناس بحتمية تجاهل الظلم وغياب العدل فى سبيل «إنقاذ الوطن» ــ وأسراب طيور الظلام وصنوف المؤيدين يمدون بذلك السلطوية الحاكمة بتبريرات معدة ومختبرة سلفا توظف حين يتواصل اتساع دوائر المظاليم وخانات ضحايا الانتهاكات، 4) استغلال السلطوية الحاكمة لوضعية اليأس والإحباط التى تسقط فى شباكها الكثيرين بفعل تراكم المظالم والانتهاكات وكذلك لفقدان مصداقية من «يقررون اليوم» الاستفاقة والتنديد بعد طول صمت وتجاهل فى فرض الظلم والقمع «كأمر واقع» على الناس.

***
فى سياق الاتساع المطرد للمظالم وللانتهاكات، يتعين إدراج كارثة تهجير الأسر المصرية القبطية التى عادت منذ أيام لتطل من الصعيد (قرية كفر درويش، مركز الفشن، محافظة بنى سويف) بوجهها القبيح على المواطن والمجتمع. والتهجير – وهو دوما أمر قسرى يفرض على الضحايا فى إلغاء كامل لإرادتهم الحرة، فلا يوجد تهجير طوعى، وتوظيف مفهوم التهجير فى نقاشاتنا العامة للإشارة على سبيل المثال لما حدث لأهل مدن القناة فى أعقاب حرب 1967 هو توظيف غير دقيق والأصوب هو استخدام مفاهيم كالنزوح الجماعى (المنظم أو غير المنظم) للسكان بفعل ظروف استثنائية – جريمة وفقا للنصوص الدستورية والقانونية المصرية، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان وفقا لمواثيق وعهود الحقوق والحريات الدولية، والدور المنوط بمؤسسات وأجهزة الدولة هو منع جريمة التهجير إن على أساس التمييز الدينى أو المذهبى أو العرقى أو الاجتماعى والحيلولة دون سقوط ضحايا.

عندما تتورط مؤسسات وأجهزة الدولة فى إقرار جريمة التهجير أو تنفيذها أو الصمت عنها، نصبح أمام تنصل لمنظومة الحكم / السلطة التى تسيطر على مؤسسات وأجهزة الدولة من التزاماتها الدستورية والقانونية بشأن منع التهجير – تماما كما تتنصل من سيادة القانون ومن ضمانات الحقوق والحريات وتلحق بالمواطنات والمواطنين المغضوب عليهن وعليهم المظالم والانتهاكات.

***

إقرار التهجير وتنفيذه والصمت عنه – وبعيدا عن التبريرات فاسدة الجوهر التى تربطه بعمل مجالس «الصلح» العرفية، وكأن هذه يحق لها الخروج بنتائج تتناقض مع صريح الدستور والقانون، وكأن دور الدولة هو الاستجابة المريضة للنزوع التمييزى خوفا من التوترات الطائفية – يمثل جريمة 1) يتعين إيقافها فورا وجبر الضرر عن الضحايا بتمكينهم من العودة إلى مواطنهم وحماية كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم من الانتهاك وضمان أمنهم – ولا يسعنى هنا إلا أن أتمنى أن تكون التصريحات الرسمية التى تشير إلى عودة الأسر القبطية المهجرة من قرية كفر درويش صحيحة، و2) تستدعى مساءلة ومحاسبة مؤسسات وأجهزة الدولة المتورطة فيها شأنه هنا شأن التعذيب، والحبس الاحتياطى غير المحدد بسقف زمنى نهائى، والتعقب، وتهديد المواطن بالممارسات القمعية بسبب معارضة سلمية أو رأى حر.

***

أما الكارثة الأخرى، والتى تزين للسلطوية الحاكمة توريط مؤسسات وأجهزة الدولة فى جرائم كالتهجير، فهى أن كثيرين ممن ينتقدون اليوم التهجير ويطالبون بالمساءلة والمحاسبة هم من طيور ظلام الصمت عن الظلم وعن جرائم التعذيب والتعقب لكونها تتجه إما لمن نزعوا عنهم كل قيمة أخلاقية وإنسانية وبرروا لعقابهم الجماعى أو لمن شوهوهم تخوينا لمعارضتهم السلطوية سلميا التى يؤيدونها هم والتى أوصلتنا إلى ما نحن عليه من تراكم غير مسبوق لصنوف قديمة وجديدة للمظالم وللانتهاكات.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
اقتباس
عندما تتورط مؤسسات وأجهزة الدولة فى إقرار جريمة التهجير أو تنفيذها أو الصمت عنها، نصبح أمام تنصل لمنظومة الحكم / السلطة التى تسيطر على مؤسسات وأجهزة الدولة من التزاماتها الدستورية والقانونية بشأن منع التهجير.

القسم: 
المصدر: