علاء الأسواني

علاء الأسواني يكتب: رسالة من أحد العملاء

الأستاذ الفاضل...
 
اعذرنى لأنى لا أريد أن أذكر اسمى.. أنا واحد من شباب الثورة الذين يسخر منهم الإعلام ليل نهار ويتهمهم بالخيبة والفشل. أنا أرتدى بنطلون جينز ساقطاً وشعرى طويل ملموم لكننى لست فاشلاً أو تافهاً إنما التافه المتخلف هو من يقيس أقدار الناس بمستوى ارتفاع بنطلوناتهم. أنا خريج كلية الاقتصاد القسم الإنجليزى (تقدير جيد جدا) دفعة 2010 وأنا والحمد لله من أسرة ثرية أسكن فى فيلا فى الشيخ زايد. أبى معمارى ناجح ولديه مكتب هندسى فى دولة خليجية وهو شريك أيضا فى مكتب فى لندن.. بعد حصولى على الثانوية من الخليج التحقت بجامعة القاهرة واكتشفت مصر لأول مرة فحزنت لأوضاعها المتردية، الفساد والقمع والفقر، قررت ألا أكون سلبياً وأحسست أن من واجبى أن أفعل شيئا لرفع المعاناة عن ملايين المصريين. انضممت إلى حركة كفاية وبعدها إلى الجمعية الوطنية للتغيير. اشتركت فى كل الفعاليات والمظاهرات. تم القبض علىّ وقضيت فى الحبس عدة أيام أدركت خلالها ان الإنسان المصرى بلا حقوق فعلا وأن أصغر ضابط فى أمن الدولة يستطيع أن يفعل بك ما يشاء حتى لو قتلك فلن يعاقبه أحد أبدا. زادنى ذلك إصراراً على العمل الوطنى، وبرغم اعتراض أمى وقلق أبى ظللت أشترك فى الاجتماعات والمظاهرات حتى قامت الثورة فعشت 18 يوما فى ميدان التحرير هى أجمل وأسعد أيام حياتى. واجهت الموت ورأيت بعينى ضباط شرطة مبارك وهم يقتلون زملائى. سقط بجوارى مباشرة شهيد فى يوم 28 يناير لن أنساه أبداً. شهدت موقعة الجمل ودافعت عن الثورة بكل قوتى، رأيت البلطجية الذين استأجرهم فلول الحزب الوطنى وهم يمرون من بين خطوط الجيش فلا يعترضهم أحد باستثناء النقيب ماجد بولس (أسد التحرير) الذى صعب عليه أن يسلمنا للذبح فأطلق عدة أعيرة نارية لمنع البلطجية عنا. لم أترك الثورة يوماً واحداً. رأيت الموت بعينى فى محمد محمود والعباسية ومجلس الوزراء وسقط شهداء كثيرون بالغاز والخرطوش والرصاص وكنت صديقا للشهيد مينا دانيال الذى قتلوه فى مذبحة ماسبيرو. ضاعت أعين زملاء لى وارتميت لأحمى بجسدى البنات عندما كان الجنود يجروهن من شعورهن ويسحلونهن على الأرض وتلقيت ضرباً مازالت آثاره على ظهرى. فى انتخابات الرئاسة أعطيت صوتى لخالد على فى الجولة الأولى وقاطعت فى الجولة الثانية لأننى لا أثق فى الإخوان فرفضت أن أنتخب مرسى، وكان من المستحيل طبعا أن أنتخب شفيق، الذى هو مبارك آخر. ثم وصل الإخوان إلى الحكم واشتركت فى كل المظاهرات ضدهم ولم يختلف الأمر فالسلطة تقتلنا سواء باسم الإخوان أو باسم المجلس العسكرى.. ثم اشتركت فى 30 يونيو وخالفت زملائى الذين رفضوا التظاهر بجوار فلول نظام مبارك. كانت وجهة نظرى أنه بالرغم من وجود الفلول فى الميادين إلا أن التخلص من عصابة الإخوان واجب وطنى وثورى لا يجب أن نتخلف عنه، وقد أقنعت كثيرين ونزلنا نتظاهر أمام الاتحادية. عندما قرر الجيش أن يساند الشعب فى التخلص من الإخوان نزلت إلى ميدان التحرير لتأييد الجيش.. كان رأيى أنه بالرغم من المذابح التى يجب أن يحاكم المسؤول عنها أيام المجلس العسكرى إلا أن الجيش المصرى كمؤسسة وطنية واجبه أن يتدخل لحماية المصريين من الإرهاب وواجبنا جميعا أن نسانده. بعد سقوط الإخوان لاحظت أن إعلام الفلول قد شدد من حملته لتشويه الثورة وأحسست بالغيظ، فكرت أن نظام مبارك قد استعملنا للتخلص من الإخوان ثم استدار ليجهز علينا ويشوه سمعتنا. تأكد ظنى عندما صدر قانون التظاهر واشتغلت ماكينة الإعلام الجبارة لتحشو عقول المصريين بالأكاذيب. لا يوجد بلد فى العالم يعاقب من يتظاهر بغير إذن بالحبس إلى مدد قد تصل إلى 15 عاما، كما حدث مع علاء عبدالفتاح وزملائه.
 
فى 25 يناير الماضى نظمت مع زملاء لى وقفة احتجاجية صامتة ورفعنا لافتات كتبنا عليها «الثورة مستمرة». تم القبض علينا وقدمت لمحاكمة سريعة وحكم علىّ بالسجن عامين وغرامة 50 ألف جنيه. لن أحدثك عن الضرب والإهانات والتعذيب فما عليك إلا أن تراجع تقارير المنظمات الحقوقية المصرية أو الدولية لتعرف أن القمع الآن أسوأ من أيام مبارك.. أرجوك لا تعتمد على تقارير المجلس القومى لحقوق الإنسان لسبب بسيط أن أعضاءه يستأذنون وزارة الداخلية قبل التفتيش على السجون. هل سمعت فى الدنيا عن مفتش يستأذن من الجهة التى يفتش عليها؟ ألا يعطى ذلك فرصة ذهبية لإدارة السجن حتى تخفى آثار التعذيب؟. أنا الآن فى أحد السجون (لن أذكره). بمجرد خروجى من السجن سأهاجر من مصر التى يعلم الله كم أحببتها. سأتركها نهائيا ولن آتى إليها بعد ذلك إلا فى الإجازات.. إياك أن تظن أن السجن كسرنى، والله العظيم لو قضيت عشرين عاما فى السجن ولو رأيت أضعاف ما تعرضت له من تعذيب لما هز ذلك إيمانى بالثورة لحظة. لماذا أهاجر إذن؟ لأننى اكتشفت أننا جميعا كثوريين عشنا فى وهم كبير عندما تخيلنا أننا ندافع عن الشعب. الثوريون هم أنبل وأشجع من فى هذا الشعب لكن أغلبية المصريين لا يحتاجون إلينا فلا يجب أن نفرض أنفسنا عليهم.. ألم تسمع بنفسك من يقول إن المصريين يحتاجون إلى حاكم قوى حتى يشكمهم؟ بالمناسبة أنا مقتنع أن السيسى كان الحاكم الفعلى بعد 30 يونيو وأن قانون التظاهر صدر بأمر منه. لا ألوم السيسى لأنه رجل عسكرى من الطبيعى أن يضيق بمن يعارضه لأنه تعود على إصدار الأوامر وتنفيذها. قال الكاتب الأمريكى ناعوم تشومسكى: «العسكريون جميعا ثقافتهم واحدة قائمة على فرض الأمر الواقع وتدمير الخصوم». سأكون سعيدا لو أثبت السيسى أنه مختلف عن وصف تشومسكى. لست غاضباً من السيسى لكنى غاضب من هذا الشعب العجيب الذى قدمت الثورة من أجله آلاف الشهداء والمصابين حتى يحصل على حريته فإذا به فى النهاية يصدق أن الثوريين عملاء وممولون من الخارج.. من فضلك لا تقل لى إن إعلام الفلول قام بتضليل الناس لأنى سأسألك أليس لهؤلاء الناس أدمغة يفكرون بها؟ هل سمعت عن عملاء يستشهدون ويفقدون عيونهم من أجل الحرية؟ هل هذا جزاؤنا من الشعب الذى دافعنا عنه بدمائنا؟. عندما قبضوا علىّ يوم 25 يناير ضربنى أفراد الشرطة بوحشية فلم أصرخ وتحملت الضرب بثبات. ثم قام بضعة رجال من المقهى المقابل وراحوا يصيحون فى وجوهنا «ياخونة ياعملاء بعتم مصر بكام؟» عندئذ فقط انهرت، انكسرت، بكيت لدرجة أن الجنود توقفوا عن ضربى.. هؤلاء المواطنون الذين يتهموننى بالخيانة هم الذين اشتركت فى الثورة حتى يعيشوا محترمين فى بلادهم. يا دكتور علاء يجب أن نرى الحقيقة. لقد عشنا سنوات فى الأوهام- وأنت معنا- عندما تعاملنا مع شعب افتراضى ليس هو الشعب المصرى الحقيقى. إن الثوريين يريدون تغييراً حقيقياً، يريدون مصر عادلة حرة لكن بقية المصريين مختلفون عنا. سأضرب لك مثلين: بعد كتابة الدستور الجديد نزل المصريون بكل حماس ووافقوا عليه فى الاستفتاء بأغلبية ساحقة ولم تمض أيام قليلة حتى بدأت الحكومة فى انتهاك الدستور مراراً وتكراراً. قانون التظاهر وتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات وهتك أسرار الناس فى التليفزيون عن طريق إذاعة تسجيلات شخصية والاعتقالات والتعذيب.. كل هذه انتهاكات فادحة فأين الذين رقصوا فى الشوارع فرحاً بالدستور ولماذا لم يعترضوا على انتهاكه؟! إنهم فى الواقع لا يحتاجون إلى دساتير وإنما يتوقون إلى حاكم قوى يشكمهم.. المثل الثانى عندما نزل الرئيس السيسى يقود دراجة وخلفه مئات الأشخاص فى ماراثون للدراجات. الإعلام الكذاب راح يطبل ويزمر للسيسى كالعادة لكننى قلت لنفسى لا بأس ربما أراد أن يؤكد فائدة الرياضة أو أراد أن يطمئن السياح على الحالة الأمنية فى مصر. هذه أهداف مفهومة ومقبولة. لكننى فوجئت بأن السيسى يدعو المصريين إلى الذهاب للعمل على الدراجة بدلاً من السيارة من باب التقشف؟!..، ألم يفكر أحد من الشعب الذى ندافع عنه فى أن الرئيس السيسى إذا دعانا للتقشف عليه أن يبدأ بنفسه ويتخلص من أسطول السيارات المرسيدس الفارهة التابعة للرئاسة..؟! عليه أن يكتفى بقصر رئاسى واحد يمارس فيه عمله ويحيل عشرات القصور والاستراحات الرئاسية الأخرى إلى فنادق ومتاحف تدر على الدولة ملايين الجنيهات.. لماذا لم يطالب أحد الرئيس السيسى بأن يطالع تقارير الجهاز المركزى للمحاسبات ليعرف أنه إذا ضم لميزانية الدولة أموال الصناديق الخاصة المنهوبة واستغنى عن المستشارين الذين يتقاضون كل شهر ملايين الجنيهات، عندئذ لن يحتاج المصريون لركوب الدراجات ولن تحتاج مصر للاقتراض أساساً.. نحن الذين نفكر فى مثل هذه الأمور، أما الشعب الحقيقى (وليس الذى تخيلناه) فهو متنازل مسبقاً عن حقوقه مادام الحاكم «دكر» وقوى بمقدوره أن يشكمه.. هذا هو شعبنا الذى كدت أموت دفاعاً عنه فاتهمنى بالخيانة. فور خروجى من السجن لن أبقى يوما واحدا فى بلد يتهم الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجله بالخيانة. لقد استطاع أبى أن يسجل اسمى كطالب ماجستير فى مدرسة لندن للاقتصاد (وهى من أفضل كليات الاقتصاد فى العالم كما تعلم). سأترك مصر حتى أعيش فى بلد يحترم إنسانيتى. بلد يحكمه القانون لا أحبس فيه عامين لأننى حملت لافتة بطريقة سلمية فى الشارع. بلد لا يتهم من ماتوا من أجله بأنهم بلطجية وعملاء. أيها المصريون أعتذر لأنى فهمتكم خطأ.. أنتم لا تحتاجون إلى الثورة ولم تفهموها ولا تستحقونها. سأترك لكم هذا المستنقع الذى حاولنا تنظيفه من أجلكم فاتهمتمونا بالعمالة والخيانة. سأدرس فى لندن وسأتفوق بإذن الله وسأصل إلى أفضل المناصب، أما أنتم يا من تخونوننا وتلعنون ثورتنا فهنيئاً لكم الاستقرار الممزوج بالقمع والذل، هنيئاً لكم الفساد والمحسوبية والعدالة العرجاء والإعلام الذى تعد برامجه فى أروقة أمن الدولة. كتبت هذه الرسالة لأشرح لك موقفى، وسواء اتفقت أو اختلفت معى فإن احترامى لك لا يتغير.
 
تحياتى
 
تلقيت هذه الرسالة وسوف أرد عليها الأسبوع المقبل بإذن الله.
 
أيها القراء الأعزاء إذا كان لديكم ردود على هذا الشاب برجاء التفضل بإرسالها على البريد الإلكترونى..
 
الديمقراطية هى الحل
القسم: 

رسالة من أحد العملاء..

الأستاذ الفاضل...
اعذرنى لأنى لا أريد أن أذكر اسمى.. أنا واحد من شباب الثورة الذين يسخر منهم الإعلام ليل نهار ويتهمهم بالخيبة والفشل. أنا أرتدى بنطلون جينز ساقطاً وشعرى طويل ملموم لكننى لست فاشلاً أو تافهاً إنما التافه المتخلف هو من يقيس أقدار الناس بمستوى ارتفاع بنطلوناتهم. أنا خريج كلية الاقتصاد القسم الإنجليزى (تقدير جيد جدا) دفعة 2010 وأنا والحمد لله من أسرة ثرية أسكن فى فيلا فى الشيخ زايد. أبى معمارى ناجح ولديه مكتب هندسى فى دولة خليجية وهو شريك أيضا فى مكتب فى لندن.. بعد حصولى على الثانوية من الخليج التحقت بجامعة القاهرة واكتشفت مصر لأول مرة فحزنت لأوضاعها المتردية، الفساد والقمع والفقر، قررت ألا أكون سلبياً وأحسست أن من واجبى أن أفعل شيئا لرفع المعاناة عن ملايين المصريين. انضممت إلى حركة كفاية وبعدها إلى الجمعية الوطنية للتغيير. اشتركت فى كل الفعاليات والمظاهرات. تم القبض علىّ وقضيت فى الحبس عدة أيام أدركت خلالها ان الإنسان المصرى بلا حقوق فعلا وأن أصغر ضابط فى أمن الدولة يستطيع أن يفعل بك ما يشاء حتى لو قتلك فلن يعاقبه أحد أبدا. زادنى ذلك إصراراً على العمل الوطنى، وبرغم اعتراض أمى وقلق أبى ظللت أشترك فى الاجتماعات والمظاهرات حتى قامت الثورة فعشت 18 يوما فى ميدان التحرير هى أجمل وأسعد أيام حياتى. واجهت الموت ورأيت بعينى ضباط شرطة مبارك وهم يقتلون زملائى. سقط بجوارى مباشرة شهيد فى يوم 28 يناير لن أنساه أبداً. شهدت موقعة الجمل ودافعت عن الثورة بكل قوتى، رأيت البلطجية الذين استأجرهم فلول الحزب الوطنى وهم يمرون من بين خطوط الجيش فلا يعترضهم أحد باستثناء النقيب ماجد بولس (أسد التحرير) الذى صعب عليه أن يسلمنا للذبح فأطلق عدة أعيرة نارية لمنع البلطجية عنا. لم أترك الثورة يوماً واحداً. رأيت الموت بعينى فى محمد محمود والعباسية ومجلس الوزراء وسقط شهداء كثيرون بالغاز والخرطوش والرصاص وكنت صديقا للشهيد مينا دانيال الذى قتلوه فى مذبحة ماسبيرو. ضاعت أعين زملاء لى وارتميت لأحمى بجسدى البنات عندما كان الجنود يجروهن من شعورهن ويسحلونهن على الأرض وتلقيت ضرباً مازالت آثاره على ظهرى. فى انتخابات الرئاسة أعطيت صوتى لخالد على فى الجولة الأولى وقاطعت فى الجولة الثانية لأننى لا أثق فى الإخوان فرفضت أن أنتخب مرسى، وكان من المستحيل طبعا أن أنتخب شفيق، الذى هو مبارك آخر. ثم وصل الإخوان إلى الحكم واشتركت فى كل المظاهرات ضدهم ولم يختلف الأمر فالسلطة تقتلنا سواء باسم الإخوان أو باسم المجلس العسكرى.. ثم اشتركت فى 30 يونيو وخالفت زملائى الذين رفضوا التظاهر بجوار فلول نظام مبارك. كانت وجهة نظرى أنه بالرغم من وجود الفلول فى الميادين إلا أن التخلص من عصابة الإخوان واجب وطنى وثورى لا يجب أن نتخلف عنه، وقد أقنعت كثيرين ونزلنا نتظاهر أمام الاتحادية. عندما قرر الجيش أن يساند الشعب فى التخلص من الإخوان نزلت إلى ميدان التحرير لتأييد الجيش.. كان رأيى أنه بالرغم من المذابح التى يجب أن يحاكم المسؤول عنها أيام المجلس العسكرى إلا أن الجيش المصرى كمؤسسة وطنية واجبه أن يتدخل لحماية المصريين من الإرهاب وواجبنا جميعا أن نسانده. بعد سقوط الإخوان لاحظت أن إعلام الفلول قد شدد من حملته لتشويه الثورة وأحسست بالغيظ، فكرت أن نظام مبارك قد استعملنا للتخلص من الإخوان ثم استدار ليجهز علينا ويشوه سمعتنا. تأكد ظنى عندما صدر قانون التظاهر واشتغلت ماكينة الإعلام الجبارة لتحشو عقول المصريين بالأكاذيب. لا يوجد بلد فى العالم يعاقب من يتظاهر بغير إذن بالحبس إلى مدد قد تصل إلى 15 عاما، كما حدث مع علاء عبدالفتاح وزملائه.
فى 25 يناير الماضى نظمت مع زملاء لى وقفة احتجاجية صامتة ورفعنا لافتات كتبنا عليها «الثورة مستمرة». تم القبض علينا وقدمت لمحاكمة سريعة وحكم علىّ بالسجن عامين وغرامة 50 ألف جنيه. لن أحدثك عن الضرب والإهانات والتعذيب فما عليك إلا أن تراجع تقارير المنظمات الحقوقية المصرية أو الدولية لتعرف أن القمع الآن أسوأ من أيام مبارك.. أرجوك لا تعتمد على تقارير المجلس القومى لحقوق الإنسان لسبب بسيط أن أعضاءه يستأذنون وزارة الداخلية قبل التفتيش على السجون. هل سمعت فى الدنيا عن مفتش يستأذن من الجهة التى يفتش عليها؟ ألا يعطى ذلك فرصة ذهبية لإدارة السجن حتى تخفى آثار التعذيب؟. أنا الآن فى أحد السجون (لن أذكره). بمجرد خروجى من السجن سأهاجر من مصر التى يعلم الله كم أحببتها. سأتركها نهائيا ولن آتى إليها بعد ذلك إلا فى الإجازات.. إياك أن تظن أن السجن كسرنى، والله العظيم لو قضيت عشرين عاما فى السجن ولو رأيت أضعاف ما تعرضت له من تعذيب لما هز ذلك إيمانى بالثورة لحظة. لماذا أهاجر إذن؟ لأننى اكتشفت أننا جميعا كثوريين عشنا فى وهم كبير عندما تخيلنا أننا ندافع عن الشعب. الثوريون هم أنبل وأشجع من فى هذا الشعب لكن أغلبية المصريين لا يحتاجون إلينا فلا يجب أن نفرض أنفسنا عليهم.. ألم تسمع بنفسك من يقول إن المصريين يحتاجون إلى حاكم قوى حتى يشكمهم؟ بالمناسبة أنا مقتنع أن السيسى كان الحاكم الفعلى بعد 30 يونيو وأن قانون التظاهر صدر بأمر منه. لا ألوم السيسى لأنه رجل عسكرى من الطبيعى أن يضيق بمن يعارضه لأنه تعود على إصدار الأوامر وتنفيذها. قال الكاتب الأمريكى ناعوم تشومسكى: «العسكريون جميعا ثقافتهم واحدة قائمة على فرض الأمر الواقع وتدمير الخصوم». سأكون سعيدا لو أثبت السيسى أنه مختلف عن وصف تشومسكى. لست غاضباً من السيسى لكنى غاضب من هذا الشعب العجيب الذى قدمت الثورة من أجله آلاف الشهداء والمصابين حتى يحصل على حريته فإذا به فى النهاية يصدق أن الثوريين عملاء وممولون من الخارج.. من فضلك لا تقل لى إن إعلام الفلول قام بتضليل الناس لأنى سأسألك أليس لهؤلاء الناس أدمغة يفكرون بها؟ هل سمعت عن عملاء يستشهدون ويفقدون عيونهم من أجل الحرية؟ هل هذا جزاؤنا من الشعب الذى دافعنا عنه بدمائنا؟. عندما قبضوا علىّ يوم 25 يناير ضربنى أفراد الشرطة بوحشية فلم أصرخ وتحملت الضرب بثبات. ثم قام بضعة رجال من المقهى المقابل وراحوا يصيحون فى وجوهنا «ياخونة ياعملاء بعتم مصر بكام؟» عندئذ فقط انهرت، انكسرت، بكيت لدرجة أن الجنود توقفوا عن ضربى.. هؤلاء المواطنون الذين يتهموننى بالخيانة هم الذين اشتركت فى الثورة حتى يعيشوا محترمين فى بلادهم. يا دكتور علاء يجب أن نرى الحقيقة. لقد عشنا سنوات فى الأوهام- وأنت معنا- عندما تعاملنا مع شعب افتراضى ليس هو الشعب المصرى الحقيقى. إن الثوريين يريدون تغييراً حقيقياً، يريدون مصر عادلة حرة لكن بقية المصريين مختلفون عنا. سأضرب لك مثلين: بعد كتابة الدستور الجديد نزل المصريون بكل حماس ووافقوا عليه فى الاستفتاء بأغلبية ساحقة ولم تمض أيام قليلة حتى بدأت الحكومة فى انتهاك الدستور مراراً وتكراراً. قانون التظاهر وتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات وهتك أسرار الناس فى التليفزيون عن طريق إذاعة تسجيلات شخصية والاعتقالات والتعذيب.. كل هذه انتهاكات فادحة فأين الذين رقصوا فى الشوارع فرحاً بالدستور ولماذا لم يعترضوا على انتهاكه؟! إنهم فى الواقع لا يحتاجون إلى دساتير وإنما يتوقون إلى حاكم قوى يشكمهم.. المثل الثانى عندما نزل الرئيس السيسى يقود دراجة وخلفه مئات الأشخاص فى ماراثون للدراجات. الإعلام الكذاب راح يطبل ويزمر للسيسى كالعادة لكننى قلت لنفسى لا بأس ربما أراد أن يؤكد فائدة الرياضة أو أراد أن يطمئن السياح على الحالة الأمنية فى مصر. هذه أهداف مفهومة ومقبولة. لكننى فوجئت بأن السيسى يدعو المصريين إلى الذهاب للعمل على الدراجة بدلاً من السيارة من باب التقشف؟!..، ألم يفكر أحد من الشعب الذى ندافع عنه فى أن الرئيس السيسى إذا دعانا للتقشف عليه أن يبدأ بنفسه ويتخلص من أسطول السيارات المرسيدس الفارهة التابعة للرئاسة..؟! عليه أن يكتفى بقصر رئاسى واحد يمارس فيه عمله ويحيل عشرات القصور والاستراحات الرئاسية الأخرى إلى فنادق ومتاحف تدر على الدولة ملايين الجنيهات.. لماذا لم يطالب أحد الرئيس السيسى بأن يطالع تقارير الجهاز المركزى للمحاسبات ليعرف أنه إذا ضم لميزانية الدولة أموال الصناديق الخاصة المنهوبة واستغنى عن المستشارين الذين يتقاضون كل شهر ملايين الجنيهات، عندئذ لن يحتاج المصريون لركوب الدراجات ولن تحتاج مصر للاقتراض أساساً.. نحن الذين نفكر فى مثل هذه الأمور، أما الشعب الحقيقى (وليس الذى تخيلناه) فهو متنازل مسبقاً عن حقوقه مادام الحاكم «دكر» وقوى بمقدوره أن يشكمه.. هذا هو شعبنا الذى كدت أموت دفاعاً عنه فاتهمنى بالخيانة. فور خروجى من السجن لن أبقى يوما واحدا فى بلد يتهم الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجله بالخيانة. لقد استطاع أبى أن يسجل اسمى كطالب ماجستير فى مدرسة لندن للاقتصاد (وهى من أفضل كليات الاقتصاد فى العالم كما تعلم). سأترك مصر حتى أعيش فى بلد يحترم إنسانيتى. بلد يحكمه القانون لا أحبس فيه عامين لأننى حملت لافتة بطريقة سلمية فى الشارع. بلد لا يتهم من ماتوا من أجله بأنهم بلطجية وعملاء. أيها المصريون أعتذر لأنى فهمتكم خطأ.. أنتم لا تحتاجون إلى الثورة ولم تفهموها ولا تستحقونها. سأترك لكم هذا المستنقع الذى حاولنا تنظيفه من أجلكم فاتهمتمونا بالعمالة والخيانة. سأدرس فى لندن وسأتفوق بإذن الله وسأصل إلى أفضل المناصب، أما أنتم يا من تخونوننا وتلعنون ثورتنا فهنيئاً لكم الاستقرار الممزوج بالقمع والذل، هنيئاً لكم الفساد والمحسوبية والعدالة العرجاء والإعلام الذى تعد برامجه فى أروقة أمن الدولة. كتبت هذه الرسالة لأشرح لك موقفى، وسواء اتفقت أو اختلفت معى فإن احترامى لك لا يتغير.
تحياتى
تلقيت هذه الرسالة وسوف أرد عليها الأسبوع المقبل بإذن الله.
أيها القراء الأعزاء إذا كان لديكم ردود على هذا الشاب برجاء التفضل بإرسالها على البريد الإلكترونى..
الديمقراطية هى الحل

القسم: 

علاء الأسواني يكتب: مصريون فاتهم الاحتفال!

 

(1)
 
«سيزول العبء عن كاهلك عندما تدرك أنك لن تموت حرقاً في سيارة ترحيلات تابعة للشرطة المصرية. ولكن مشاهدة محاولة اغتصاب سوف تكشف حقيقة الوضع الذي تعيشه. بعد يوم من الاعتقال والتعذيب وبعد أن كادوا يقتلوننى. أفرجوا عنى بفضل تدخل السفارة الألمانية، أما بقية المعتقلين فلا أعرف مصيرهم لأنهم ليسوا مواطنين ألماناً..»
 
شهادة الصحفى الألمانى سباستيان باكوس، الذي اعتقل عشوائياً في القاهرة، فتدخلت السفارة الألمانية وأطلقت سراحه.
 
(2)
 
«لو أنا بحب المصريين يبقى أنا مش باحب حد يؤذيهم أو يجرح مشاعرهم. عاوزين نرجّع الأمن بدعم الشرطة ودون تجاوز حقوق الإنسان»
 
المشير عبدالفتاح السيسى في حديث تليفزيونى.
 
(3)
 
الطبيب إبراهيم عبدالرازق ألقى القبض عليه خلال حملة اعتقالات عشوائية في شارع الفجالة أثناء شرائه كتبًا تخص امتحان الزمالة الذي يستعد له، يقول: «كل ما أقول لهم حرام عليكم أنا دكتور يضربونى أكتر. ضربونى في قسم الأزبكية وفى سجن أبوزعبل، وأجبرت على خلع ملابسى وسكبوا علينا مياهاً باردة وتركونا لليوم التالى دون أغطية أو ملابس على الأرضيات المُغمورة بالمياه.. وكل يوم وقت التمام يوقفونا وشنا للحيط ويضربونا ومقدرتش أوصل لحد من أهلى ومنعوا الزيارة والأطعمة».
 
(4)
 
«التعذيب يتم في جميع السجون ولكن أبوزعبل يتفوق في وحشية التعذيب».. شهادات المعتقلين في أبوزعبل عن تعرضهم للتعذيب مفجعة، والنيابة تعنتت في إثبات التجاوزات. قرار النائب العام اقتصر على عرض ستة محتجزين على الطب الشرعى من أصل 40 محتجزًا تقدموا بشهاداتهم أمام النيابة بتعرضهم للتعذيب، هذا القرار لم ينفذ إلا بعد مضى أكثر من 9 أيام على وقائع التعذيب وزوال معظم آثاره ليخرجوا علينا مُهللين بعدم وجود تعذيب في السجون.
 
ياسمين حسام، المحامية عن عدد من المحتجزين في أبوزعبل
 
(5)
 
مفزعة. المنظمات الموقعة على هذا البيان تدعو إلى تحقيق عاجل ومستقل في ادعاءات عن أعمال تعذيب وحشية واعتداءات جنسية تعرضت لها محتجزات ومحتجزون في سجون وأقسام شرطة في مصر ممن تم القبض عليهم في مظاهرات الذكرى الثالثة لثورة ٢٥ يناير، وقد روى خالد السيد تفاصيل التعذيب الذي تعرضت له مجموعة كبيرة من المعتقلين، ألقى القبض عليهم بصورة عشوائية وتم اقتيادهم لقسم الأزبكية. وقال إن رجال الأمن في القسم قاموا بنقل النشطاء السياسيين المعروفين لغرفة كان يتم بها التعذيب وهم معصوبو الأعين، وأجبروهم على الاستماع لأصوات صراخ المعتقلين الذين كانوا يتعرضون للضرب والصعق الكهربائى ورددوا على مسامعهم مقولات من قبيل «العيال دى ذنبها في رقبتكم يا بتوع الثورة.. لولاكم كان زمانا مشيناهم وروحوا بيوتهم». وقد ادعى أكثر من شخص ممن أعيدوا لغرفة الاحتجاز المشتركة بعد تعذيبهم أنهم تعرضوا للاعتداء الجنسى، بالإضافة إلى الصعق الكهربائى في مناطق مختلفة من الجسم، كما تبدى المنظمات الموقعة انزعاجها من بعض الشهادات التي وثقتها عن إجراء فحوصات مهبلية بسجن القناطر للنساء المحتجزات دون رضائهن، من اللواتى تم القبض عليهن في أحداث مختلفة، من ضمنها الذكرى الثالثة للثورة، هذا بالإضافة إلى شهادات أخرى حول اعتداءات جنسية، قامت بها قوات الشرطة ضد النساء المحتجزات في العديد من أقسام الشرطة.
 
تقرير مشترك أصدرته 16 منظمة مصرية حقوقية بتاريخ 12 فبراير 2014
 
(6)
 
«المصريون بطبعهم شعب هادئ وصابر ويريد العيش بسلام وأمن. المهم يعيش بكرامة».
 
المشير السيسى في حديثه لجريدة «المصرى اليوم».
 
(7)
 
في ضوء أدلة جديدة صادمة قامت منظمة العفو الدولية بجمعها مؤخرا، اتضح تعرض العشرات من المدنيين للاختفاء القسرى والاحتجاز سرا طوال أشهر، حيث يتعرضون للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، من أجل حملهم على الاعتراف بارتكاب جرائم معينة عنوة أو توريط آخرين. ويوافق بعض المحتجزين على الاعتراف متى تمت إحالتهم إلى نيابة أمن الدولة، وذلك من أجل الخروج من السجن والفرار من التعذيب فيه.
 
وقال المحامون لمنظمة العفو إنه لم يُسمح لهم بحضور جلسات التحقيق الأولية، مع عدم إعلامهم بتاريخ جلسة التحقيق. ما زال عدد التقارير التي تبلغ عن ارتكاب التعذيب في مصر يزداد بشكل مستمر. يظهر أن القمع الوحشى يتخفى وراء خطاب السلطات المنمق الذي يتحدث عن وضع خارطة طريق تقود البلاد نحو الديمقراطية.
 
بيان من منظمة العفو الدولية بتاريخ 22 مايو 2014.
 
(8)
 
«أنا عينى على كل المصريين بكل الحب والتقدير والاحترام وأتمنى من الله أن يروا منى كل شىء طيب»
 
من حديث المشير السيسى مع الإعلاميين
 
(9)
 
أحمد محمد إدريس، طالب في الصف الثالث الثانوى، تم القبض عليه في إطار حملة اعتقالات عشوائية، أثناء عودته من درس وهو واقف على رصيف محطة مترو شبرا الخيمة. تم تفتيشه فوجدوا على تليفونه المحمول صورة مظاهرة. تم تحويله إلى قسم شبرا الخيمة، ومنه إلى أمن الدولة ثم إلى معسكر الأمن المركزى ببنها، حيث تم توجيه تهم تظاهر بدون تصريح وقلب نظام الحكم وتعطيل مترو الأنفاق والانتماء لجماعة محظورة. النيابة تجدد حبس أحمد منذ ثلاثة أشهر وهو يتعرض لأبشع أنواع التعذيب في معسكر بنها وأهله ممنوعون من زيارته.
 
(10)
 
«بينيموهم على بطنهم وإيديهم مربوطة ورا ظهرهم. ويقوموا بتغمية عيونهم ويطلقون عليهم الكلاب البوليسية تنهش فيهم.. ويتم رش الزنازين والمساجين بالمياه.. قاموا بحرق ملابسهم ومتعلقاتهم الشخصية بما فيها كتب الامتحانات». محمود فرحات، طالب بالفرقة الأولى بكلية الهندسة جامعة الأزهر. ومعه تصريح بدخول الكتب وتصريح لحضور الامتحانات. أثناء خروجه للامتحان كانوا يقومون بضربه بالكرباج أو الخيزرانة، وهو راجع الزنزانة يستمر الضرب والسب والإهانة لدرجة إنه قال لأهله: «مش عاوز أمتحن..مش عاوز أسيب الزنزانة..».. من يقوم بالاعتداء عليهم قوات مكافحة الشغب..محمود قال لأهله في الزيارة التي لم تتعد 5 دقائق: «أنا مش عاوز أشوفكم تانى. محدش ييجى لى غير أبويا. مش عاوزكم تشوفونى كده..».
 
شهادة عن تعذيب محمود فرحات المعتقل في سجن وادى النطرون ليمان 430
 
(11)
 
«يوم السبت كان فيه دعوات للإضراب عن الطعام، احتجاجا على المعاملة غير الآدمية.. صحينا على ملثمين لابسين إسود في منتهى الضخامة ومعهم كلاب. حسينا إننا في جوانتانامو. المسجونين الجنائيين خافوا وقعدوا على جنب وإحنا بدأنا نهتف. اقتحموا الزنازين وطلعونا. خلونا نقلع ولموا حاجتنا كلها في أكوام ودلقوا عليها سولار وولعوا فيها. حرقوا كل حاجة. الكتب واللبس والأكل كله.. بقينا حافيين بالبوكسرات واتكاتروا علينا.. ضرب وشتيمة وكهربا.. ربطونا من رقابنا بالحبال كالكلاب وسحلونا على بطونا..أرغمونا على غناء تسلم الأيادى وترديد السيسى رئيسى، ومن يرفض كان يضرب بوحشية، تعرضنا للصعق بالكهرباء والضرب بالعصى الخشبية وإطلاق الغاز المسيل للدموع علينا، حتى مات الزميل محمد عبدالله لكبر سنه.. كبار السن من المعتقلين مصابون بكسور متعددة في أماكن متفرقة من الجسد.. الجنود كانوا يتنافسون على سرقة ساعاتنا الشخصية. تم ترحيلنا إلى سجن الفيوم بالبوكسرات فقط».
 
من شهادة المعتقل كريم طه أثناء ترحيله من سجن وادى النطرون إلى سجن الفيوم.
 
السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى.. بعد أن توليتم رئاسة مصر رسميا ورغم اختلافى مع الطريقة التي أدارت السلطة الانتقالية بها البلاد بعد 30 يونيو إلا أننى أتمنى لكم التوفيق، وأرى أن واجب المصريين جميعا الآن، المعارضين قبل المؤيدين لك، أن يدعموك حتى تنجح في منصبك، لأن نجاحك يعنى نجاح الوطن، وهو ما نسعى إليه جميعا.. في وسط صخب الاحتفالات بتوليك الرئاسة يوجد آلاف المصريين الذين فاتهم الاحتفال بتنصيبك، لأنهم يعانون من التعذيب المنهجى البشع في السجون. إن الشهادات والتقارير التي أوردتها مجرد أمثلة على آلاف المواطنين المصريين الذين يتم اعتقالهم وتعذيبهم وإهانة كرامتهم بعيدا عن أي قانون. إن الدستور الذي وافق عليه المصريون ينص في المادة 54 على أن «كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك، لائقة إنسانيًا وصحياً، تلزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوى الإعاقة. مخالفة شىء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقا للقانون. وللمتهم حق الصمت. وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شىء مما تقدم أو التهديد بشىء منه، يهدر ولا يعول عليه».
 
«لقد أقسمت أيها الرئيس على احترام هذا الدستور وأنت الآن المسؤول الأول في مصر وواجبك إيقاف هذا التعذيب فورا وإحالة كل من يعذب مواطنا مصريا أو يهين كرامته إلى القضاء. إن تضحيات ضباط الجيش والشرطة ودفاعهم بأرواحهم عن مصر ضد الهجمات الإرهابية أمر نبيل ومقدر، وستظل أسماء هؤلاء الشهداء ماثلة في قلوبنا وفى ذاكرة الوطن إلى الأبد، لكن الحرب على الإرهاب لا يجوز استعمالها كذريعة للقبض العشوائى على الأبرياء وتعذيبهم وإهدار كرامتهم. إن المتهم برىء حتى تثبت إدانته، كما أن التعذيب جريمة وليس عقوبة، فلا يجوز ممارسة التعذيب حتى ضد أعتى المجرمين، وإنما الواجب توفير محاكمة عادلة لهم قد تقضى بأقصى العقوبة عليهم، ولكن بطريقة متحضرة. إن الطريقة الوحيدة للقضاء على الإرهاب تكون بإقامة العدل، أما تعذيب الناس وإهدار آدميتهم فلن يقضى على الإرهاب، وإنما سيزيد من أسبابه. كما أن الاعتقالات العشوائية قد طالت الآف المصريين الذين لا علاقة لهم بالإرهاب. فمنهم مواطنون، شاء حظهم العاثر أن يمشوا بالصدفة بالقرب من حملة أمنية أو مظاهرة، بالإضافة إلى شباب الثورة الذين حشدوا المصريين في 30 يونيو وشاركوا في التخلص من حكم الإخوان، فكان جزاؤهم أن ألقت بهم السلطة في السجون، طبقا لقانون التظاهر الشاذ الذي لا مثيل له في الدول الديمقراطية. الطبيعى أن يكون هناك قانون لتنظيم حق التظاهر، لكن لا يوجد بلد في الدنيا يعاقب من يشترك في وقفة احتجاجية سلمية أو من يحمل لافتة بالسجن خمس سنوات. إننا نطالبك أيها الرئيس أن تعيد النظر في هذا القانون وأن توقف التعذيب والاعتقالات العشوائية. لقد أقسمت أيها الرئيس على حماية الدستور ووعدتنا بأن تحافظ على كرامة المصريين، ونحن ننتظر أن تبرَّ بقسمك وتنفذ وعدك».
 
الديمقراطية هي الحل
القسم: 
صورة / فيديو: 

مصريون فاتهم الاحتفال!

(1)
«سيزول العبء عن كاهلك عندما تدرك أنك لن تموت حرقاً في سيارة ترحيلات تابعة للشرطة المصرية. ولكن مشاهدة محاولة اغتصاب سوف تكشف حقيقة الوضع الذي تعيشه. بعد يوم من الاعتقال والتعذيب وبعد أن كادوا يقتلوننى. أفرجوا عنى بفضل تدخل السفارة الألمانية، أما بقية المعتقلين فلا أعرف مصيرهم لأنهم ليسوا مواطنين ألماناً..»
شهادة الصحفى الألمانى سباستيان باكوس، الذي اعتقل عشوائياً في القاهرة، فتدخلت السفارة الألمانية وأطلقت سراحه.
(2)
«لو أنا بحب المصريين يبقى أنا مش باحب حد يؤذيهم أو يجرح مشاعرهم. عاوزين نرجّع الأمن بدعم الشرطة ودون تجاوز حقوق الإنسان»
المشير عبدالفتاح السيسى في حديث تليفزيونى.
(3)
الطبيب إبراهيم عبدالرازق ألقى القبض عليه خلال حملة اعتقالات عشوائية في شارع الفجالة أثناء شرائه كتبًا تخص امتحان الزمالة الذي يستعد له، يقول: «كل ما أقول لهم حرام عليكم أنا دكتور يضربونى أكتر. ضربونى في قسم الأزبكية وفى سجن أبوزعبل، وأجبرت على خلع ملابسى وسكبوا علينا مياهاً باردة وتركونا لليوم التالى دون أغطية أو ملابس على الأرضيات المُغمورة بالمياه.. وكل يوم وقت التمام يوقفونا وشنا للحيط ويضربونا ومقدرتش أوصل لحد من أهلى ومنعوا الزيارة والأطعمة».
(4)
«التعذيب يتم في جميع السجون ولكن أبوزعبل يتفوق في وحشية التعذيب».. شهادات المعتقلين في أبوزعبل عن تعرضهم للتعذيب مفجعة، والنيابة تعنتت في إثبات التجاوزات. قرار النائب العام اقتصر على عرض ستة محتجزين على الطب الشرعى من أصل 40 محتجزًا تقدموا بشهاداتهم أمام النيابة بتعرضهم للتعذيب، هذا القرار لم ينفذ إلا بعد مضى أكثر من 9 أيام على وقائع التعذيب وزوال معظم آثاره ليخرجوا علينا مُهللين بعدم وجود تعذيب في السجون.
ياسمين حسام، المحامية عن عدد من المحتجزين في أبوزعبل
(5)
مفزعة. المنظمات الموقعة على هذا البيان تدعو إلى تحقيق عاجل ومستقل في ادعاءات عن أعمال تعذيب وحشية واعتداءات جنسية تعرضت لها محتجزات ومحتجزون في سجون وأقسام شرطة في مصر ممن تم القبض عليهم في مظاهرات الذكرى الثالثة لثورة ٢٥ يناير، وقد روى خالد السيد تفاصيل التعذيب الذي تعرضت له مجموعة كبيرة من المعتقلين، ألقى القبض عليهم بصورة عشوائية وتم اقتيادهم لقسم الأزبكية. وقال إن رجال الأمن في القسم قاموا بنقل النشطاء السياسيين المعروفين لغرفة كان يتم بها التعذيب وهم معصوبو الأعين، وأجبروهم على الاستماع لأصوات صراخ المعتقلين الذين كانوا يتعرضون للضرب والصعق الكهربائى ورددوا على مسامعهم مقولات من قبيل «العيال دى ذنبها في رقبتكم يا بتوع الثورة.. لولاكم كان زمانا مشيناهم وروحوا بيوتهم». وقد ادعى أكثر من شخص ممن أعيدوا لغرفة الاحتجاز المشتركة بعد تعذيبهم أنهم تعرضوا للاعتداء الجنسى، بالإضافة إلى الصعق الكهربائى في مناطق مختلفة من الجسم، كما تبدى المنظمات الموقعة انزعاجها من بعض الشهادات التي وثقتها عن إجراء فحوصات مهبلية بسجن القناطر للنساء المحتجزات دون رضائهن، من اللواتى تم القبض عليهن في أحداث مختلفة، من ضمنها الذكرى الثالثة للثورة، هذا بالإضافة إلى شهادات أخرى حول اعتداءات جنسية، قامت بها قوات الشرطة ضد النساء المحتجزات في العديد من أقسام الشرطة.
تقرير مشترك أصدرته 16 منظمة مصرية حقوقية بتاريخ 12 فبراير 2014
(6)
«المصريون بطبعهم شعب هادئ وصابر ويريد العيش بسلام وأمن. المهم يعيش بكرامة».
المشير السيسى في حديثه لجريدة «المصرى اليوم».
(7)
في ضوء أدلة جديدة صادمة قامت منظمة العفو الدولية بجمعها مؤخرا، اتضح تعرض العشرات من المدنيين للاختفاء القسرى والاحتجاز سرا طوال أشهر، حيث يتعرضون للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، من أجل حملهم على الاعتراف بارتكاب جرائم معينة عنوة أو توريط آخرين. ويوافق بعض المحتجزين على الاعتراف متى تمت إحالتهم إلى نيابة أمن الدولة، وذلك من أجل الخروج من السجن والفرار من التعذيب فيه.
وقال المحامون لمنظمة العفو إنه لم يُسمح لهم بحضور جلسات التحقيق الأولية، مع عدم إعلامهم بتاريخ جلسة التحقيق. ما زال عدد التقارير التي تبلغ عن ارتكاب التعذيب في مصر يزداد بشكل مستمر. يظهر أن القمع الوحشى يتخفى وراء خطاب السلطات المنمق الذي يتحدث عن وضع خارطة طريق تقود البلاد نحو الديمقراطية.
بيان من منظمة العفو الدولية بتاريخ 22 مايو 2014.
(8)
«أنا عينى على كل المصريين بكل الحب والتقدير والاحترام وأتمنى من الله أن يروا منى كل شىء طيب»
من حديث المشير السيسى مع الإعلاميين
(9)
أحمد محمد إدريس، طالب في الصف الثالث الثانوى، تم القبض عليه في إطار حملة اعتقالات عشوائية، أثناء عودته من درس وهو واقف على رصيف محطة مترو شبرا الخيمة. تم تفتيشه فوجدوا على تليفونه المحمول صورة مظاهرة. تم تحويله إلى قسم شبرا الخيمة، ومنه إلى أمن الدولة ثم إلى معسكر الأمن المركزى ببنها، حيث تم توجيه تهم تظاهر بدون تصريح وقلب نظام الحكم وتعطيل مترو الأنفاق والانتماء لجماعة محظورة. النيابة تجدد حبس أحمد منذ ثلاثة أشهر وهو يتعرض لأبشع أنواع التعذيب في معسكر بنها وأهله ممنوعون من زيارته.
(10)
«بينيموهم على بطنهم وإيديهم مربوطة ورا ظهرهم. ويقوموا بتغمية عيونهم ويطلقون عليهم الكلاب البوليسية تنهش فيهم.. ويتم رش الزنازين والمساجين بالمياه.. قاموا بحرق ملابسهم ومتعلقاتهم الشخصية بما فيها كتب الامتحانات». محمود فرحات، طالب بالفرقة الأولى بكلية الهندسة جامعة الأزهر. ومعه تصريح بدخول الكتب وتصريح لحضور الامتحانات. أثناء خروجه للامتحان كانوا يقومون بضربه بالكرباج أو الخيزرانة، وهو راجع الزنزانة يستمر الضرب والسب والإهانة لدرجة إنه قال لأهله: «مش عاوز أمتحن..مش عاوز أسيب الزنزانة..».. من يقوم بالاعتداء عليهم قوات مكافحة الشغب..محمود قال لأهله في الزيارة التي لم تتعد 5 دقائق: «أنا مش عاوز أشوفكم تانى. محدش ييجى لى غير أبويا. مش عاوزكم تشوفونى كده..».
شهادة عن تعذيب محمود فرحات المعتقل في سجن وادى النطرون ليمان 430
(11)
«يوم السبت كان فيه دعوات للإضراب عن الطعام، احتجاجا على المعاملة غير الآدمية.. صحينا على ملثمين لابسين إسود في منتهى الضخامة ومعهم كلاب. حسينا إننا في جوانتانامو. المسجونين الجنائيين خافوا وقعدوا على جنب وإحنا بدأنا نهتف. اقتحموا الزنازين وطلعونا. خلونا نقلع ولموا حاجتنا كلها في أكوام ودلقوا عليها سولار وولعوا فيها. حرقوا كل حاجة. الكتب واللبس والأكل كله.. بقينا حافيين بالبوكسرات واتكاتروا علينا.. ضرب وشتيمة وكهربا.. ربطونا من رقابنا بالحبال كالكلاب وسحلونا على بطونا..أرغمونا على غناء تسلم الأيادى وترديد السيسى رئيسى، ومن يرفض كان يضرب بوحشية، تعرضنا للصعق بالكهرباء والضرب بالعصى الخشبية وإطلاق الغاز المسيل للدموع علينا، حتى مات الزميل محمد عبدالله لكبر سنه.. كبار السن من المعتقلين مصابون بكسور متعددة في أماكن متفرقة من الجسد.. الجنود كانوا يتنافسون على سرقة ساعاتنا الشخصية. تم ترحيلنا إلى سجن الفيوم بالبوكسرات فقط».
من شهادة المعتقل كريم طه أثناء ترحيله من سجن وادى النطرون إلى سجن الفيوم.
السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى.. بعد أن توليتم رئاسة مصر رسميا ورغم اختلافى مع الطريقة التي أدارت السلطة الانتقالية بها البلاد بعد 30 يونيو إلا أننى أتمنى لكم التوفيق، وأرى أن واجب المصريين جميعا الآن، المعارضين قبل المؤيدين لك، أن يدعموك حتى تنجح في منصبك، لأن نجاحك يعنى نجاح الوطن، وهو ما نسعى إليه جميعا.. في وسط صخب الاحتفالات بتوليك الرئاسة يوجد آلاف المصريين الذين فاتهم الاحتفال بتنصيبك، لأنهم يعانون من التعذيب المنهجى البشع في السجون. إن الشهادات والتقارير التي أوردتها مجرد أمثلة على آلاف المواطنين المصريين الذين يتم اعتقالهم وتعذيبهم وإهانة كرامتهم بعيدا عن أي قانون. إن الدستور الذي وافق عليه المصريون ينص في المادة 54 على أن «كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك، لائقة إنسانيًا وصحياً، تلزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوى الإعاقة. مخالفة شىء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقا للقانون. وللمتهم حق الصمت. وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شىء مما تقدم أو التهديد بشىء منه، يهدر ولا يعول عليه».
«لقد أقسمت أيها الرئيس على احترام هذا الدستور وأنت الآن المسؤول الأول في مصر وواجبك إيقاف هذا التعذيب فورا وإحالة كل من يعذب مواطنا مصريا أو يهين كرامته إلى القضاء. إن تضحيات ضباط الجيش والشرطة ودفاعهم بأرواحهم عن مصر ضد الهجمات الإرهابية أمر نبيل ومقدر، وستظل أسماء هؤلاء الشهداء ماثلة في قلوبنا وفى ذاكرة الوطن إلى الأبد، لكن الحرب على الإرهاب لا يجوز استعمالها كذريعة للقبض العشوائى على الأبرياء وتعذيبهم وإهدار كرامتهم. إن المتهم برىء حتى تثبت إدانته، كما أن التعذيب جريمة وليس عقوبة، فلا يجوز ممارسة التعذيب حتى ضد أعتى المجرمين، وإنما الواجب توفير محاكمة عادلة لهم قد تقضى بأقصى العقوبة عليهم، ولكن بطريقة متحضرة. إن الطريقة الوحيدة للقضاء على الإرهاب تكون بإقامة العدل، أما تعذيب الناس وإهدار آدميتهم فلن يقضى على الإرهاب، وإنما سيزيد من أسبابه. كما أن الاعتقالات العشوائية قد طالت الآف المصريين الذين لا علاقة لهم بالإرهاب. فمنهم مواطنون، شاء حظهم العاثر أن يمشوا بالصدفة بالقرب من حملة أمنية أو مظاهرة، بالإضافة إلى شباب الثورة الذين حشدوا المصريين في 30 يونيو وشاركوا في التخلص من حكم الإخوان، فكان جزاؤهم أن ألقت بهم السلطة في السجون، طبقا لقانون التظاهر الشاذ الذي لا مثيل له في الدول الديمقراطية. الطبيعى أن يكون هناك قانون لتنظيم حق التظاهر، لكن لا يوجد بلد في الدنيا يعاقب من يشترك في وقفة احتجاجية سلمية أو من يحمل لافتة بالسجن خمس سنوات. إننا نطالبك أيها الرئيس أن تعيد النظر في هذا القانون وأن توقف التعذيب والاعتقالات العشوائية. لقد أقسمت أيها الرئيس على حماية الدستور ووعدتنا بأن تحافظ على كرامة المصريين، ونحن ننتظر أن تبرَّ بقسمك وتنفذ وعدك».
الديمقراطية هي الحل

القسم: 

علاء الأسواني يكتب: من يجرؤ على الكلام؟!

عشت مثل ملايين المصريين الأجواء التى سبقت حرب 1967.. مازلت أذكر اللافتات التى انتشرت فى الشوارع وهى تحمل الشعارات الآتية: «سنشرب الشاى فى تل أبيب» «مرور العقبة بقطع الرقبة» «سنلقى بإسرائيل فى البحر».. كنت آنذاك طفلا أعيش مع أسرتى فى حى جاردن سيتى وفى العمارة المقابلة كانت تعيش أسرة إيطالية مكونة من رجل وزوجته وثلاثة أطفال والجدة التى صارت مع الأيام صديقة لى نتحدث يوميا بالفرنسية عبر الشرفة، اندلعت الحرب فى يوم 5 يونيو وراحت وسائل الإعلام المصرية تذيع الأغانى الحماسية وتوالت البيانات العسكرية التى تؤكد تفوقنا الكاسح على الجيش الإسرائيلى، ظللت واقفا فى الشرفة أترجم البيانات أولا بأول لصديقتى الإيطالية العجوز. قلت لها إننا أسقطنا 23 طائرة إسرئيلية ثم ارتفع العدد الى أربع وخمسين، وعندما صدر بيان يؤكد أننا أسقطنا مائة طائرة إسرائيلية.. فوجئت بالسيدة الإيطالية تلوح بيدها معترضة وتقول:
 
- اسمع.. لقد حضرت الحرب العالمية الثانية. يستحيل أن تسقطوا هذا العدد من الطائرات الإسرائيلية.. إن حكومتكم تكذب..
 
أنهيت الحوار مع السيدة وأنا غاضب وتصادف وجود عم لى ولما حكيت له ما حدث قال:
 
- الأجانب لا يريدون لنا الخير. إنهم يؤيدون إسرائيل وهم غاضبون من النصر الكاسح الذى أحرزناه.
 
لم أسترح لهذا المنطق فقد كنت أعرف أن السيدة الإيطالية لطيفة جدا وأنها تحب مصر والمصريين. فى اليوم التالى عرفت أن الإيطالية العجوز على حق عندما تبين أننا هزمنا هزيمة منكرة غير مسبوقة فى تاريخ مصر، وتبين أيضا أن البيانات العسكرية كانت مجموعة من الأكاذيب لم يحاسب من كتبها إلى اليوم. صحيح أننا تمكنا من عبور الهزيمة بعد حرب الاستنزاف وحرب 73 لكننى طالما تساءلت:
 
كان جمال عبدالناصر زعيما عظيما ورجلا عسكريا فكيف تسبب لمصر فى هذه الهزيمة المنكرة؟! الإجابة أن ما هزمنا هو الاستبداد. ما هزمنا هو عبادة الحاكم وتنزيهه عن العيوب. ما هزمنا أن أحدا لم يكن يجرؤ على الكلام. كل من اعترض على سياسات عبدالناصر كان يتهم بأنه خائن وعميل. مع القمع وكبت الحريات حدث لعبدالناصر ما حدث للمستبدين جميعا، إذ فقد القدرة على رؤية أخطائه وأساء التقدير فوقعت الهزيمة. يقول أصدقائى الناصريون إن أمريكا كانت تتآمر ضد نظام عبدالناصر.. هذا صحيح ولكن هل أمريكا التى جعلت عبدالناصر يستبقى عبدالحكيم عامر فى قيادة الجيش وهو يعلم قدراته العسكرية المتواضعة؟! هل أمريكا التى جعلت المشير عامر ينتقل من غرام إلى غرام حتى طغت مغامراته العاطفية على اهتمامه بقيادة الجيش؟ هل أمريكا التى جعلت الطائرات المصرية رابضة مكشوفة على الأرض حتى دمرها الطيران الإسرائيلى؟ إن الحكم الاستبدادى مهما حقق من إنجازات لابد أن ينتهى بكارثة كما حدث فى عام 67..
 
يعلمنا التاريخ أن السلطة عندما تحتكر الحقيقة والوطنية وتتهم من يعارضها بالخيانة والعمالة فإنها حتما ستقود البلاد إلى كارثة. نفس الأجواء نعيشها الآن من جديد. كتبت فى هذا المكان أدعو المصريين إلى النزول فى 30 يونيو واعتبرت تدخل الجيش للإطاحة بعصابة الإخوان عملا وطنيا عظيما وكنت ومازلت أعتبر أن المشير السيسى قام بعمل بطولى لما انحاز لإرادة الشعب، لكننى لم أوافق على الطريقة التى أديرت مصر بها بعد 30 يونيو، فقد عادت الدولة القمعية وتم القبض على عشرات الألوف من الناس، كثيرون منهم أبرياء لفقت لهم التهم المعدة سلفا وعاد التعذيب كما كان أيام مبارك وربما أسوأ، وصدر قانون للتظاهر غير دستورى لا مثيل له فى العالم يعاقب على الوقفات الاحتجاجية بالحبس سنوات عديدة. ثم تم عمل قانون انتخابات مخالف للدستور بشهادة مجلس الدولة، ما يجعل الانتخابات الرئاسية غير مطابقة للمعايير الديمقراطية حتى إن كانت غير مزورة.
 
كتبت أن حملة السيسى الرئاسية يديرها ضباط عاملون فى الجيش، ما يجعله مرشح الجيش ويجعل الانتخابات غير ديمقراطية. كان هذا رأيى وانتظرت أن يناقشنى أحد فيه لكننى فوجئت بمجموعة من الشتامين يتهموننى فى الفضائيات بالعمالة والخيانة لمجرد أننى عبرت عن رأى لا يرضى المشير السيسى. الآن فى مصر لم يعد مسموحا إلا بتمجيد المشير السيسى والتسبيح بحمده وإعطاء الدلائل على عبقريته.
 
أما إذا جرؤت على نقد السيسى فسوف يخرج عليك الشتامون فى الفضائيات لكى يلعنوك ويشوهوا سمعتك ويتهموك بأنك طابور خامس وخائن وعميل للمخابرات الأجنبية.. إن مناخ القمع وكبت الحريات يتزايد كل يوم، وبعد أن عانينا من تكفير الإخوان لمن يعارضهم صرنا نعانى من تخوين أنصار السيسى لكل من يجرؤ على توجيه النقد له. بعد أن تخلصنا من فاشية الإخوان الدينية يحاول بعض أنصار السيسى بناء فاشية جديدة تحتكر الحقيقة والوطنية..
 
منذ أيام خرج أنصار السيسى ليعلنوا فى التليفزيون أن المقاطعين للانتخابات خونة وعملاء يريدون هدم الوطن. من حق أى مواطن أن يقاطع الانتخابات بغير أن نتهمه بالخيانة والعمالة، ومن حق أى مصرى أن ينتقد تصرفات السيسى بغير أن نطعن فى وطنيته. بعض أنصار السيسى يحاولون أن يصنعوا منه فرعونا جديدا ولو نجحوا فى ذلك، فإن مصر ستدفع ذات الثمن الباهظ الذى دفعته مع كل حاكم مستبد. منذ أيام أبلغت جهة سيادية صاحب جريدة خاصة استياءها مما يكتبه صحفى شاب. أراد صاحب الجريدة الاستغناء عن الصحفى الشاب تقربا للسلطة، لكن رئيس التحرير رفض ودافع عن الصحفى الشاب الذى استشعر الحرج فاستقال حرصا على كرامته. قبل ذلك ترك الكاتب المعروف بلال فضل جريدة الشروق بسبب مقالات كتبها فى نقد السيسى ومرت شهور فلم تتحمس جريدة أخرى لاستكتاب بلال فضل مع أنه من ألمع الكتاب المصريين وأكثرهم موهبة، لكن أصحاب الصحف يخافون من غضب أنصار السيسى.. برنامج باسم يوسف الذى يسخر من كبار المسؤولين تم منعه أكثر من مرة، وسعى أنصار السيسى فمنعوه من قناة إم بى سى بقرار من ملك السعودية. الدول الديمقراطية تحترم آراء المعارضين وتستمع إليهم وتدرك أن واجب المثقف الحقيقى أن يقول ما يعتقده حتى لو أزعج رأيه الجمهور، حتى ينبهه إلى مخاطر قد يراها المثقف قبل سواه.. فى عام 1906 نشبت مشاجرة بين ضباط بريطانيين وبعض الفلاحين فى قرية دنشواى وأقيمت محاكمة ظالمة قضت بإعدام أربعة فلاحين وحبس العشرات عندئذ اعترض الكاتب البريطانى جورج برناردشو على مذبحة دنشواى وكتب: «إذا كانت الإمبراطورية البريطانية تريد أن تحكم العالم كما فعلت فى دنشواى.. فلن يكون على وجه الأرض واجب سياسى مقدس وأكثر إلحاحا من تقويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة بها».
 
لم يتهم أحد الكاتب شو يومئذ بالخيانة أو بأنه يعادى جيش بلاده، وإنما استجابت الحكومة البريطانية إلى نقده القاسى لها وعزلت اللورد كرومر المعتمد البريطانى فى مصر آنذاك.. فى الستينيات وقف الكاتب الفرنسى جون بول سارتر ضد الرأى العام فى فرنسا، وطالب بإعطاء الجزائريين حق تقرير المصير فلم يتهمه أحد بأنه يتآمر ضد بلاده. عندما شن جورج بوش الحرب على العراق وقف المخرج الأمريكى مايكل مور ليقول أمام العالم كله:
 
«إن بوش يجرنا إلى حرب لأسباب وهمية من أجل البترول. عار عليك يا مستر بوش».
 
لم يتهم أحد مايكل مور بالخيانة. إن الدول الديمقراطية تحترم من يخالفها فى الرأى بينما فى حكم الاستبداد يتم تحقير المعارضين والتنكيل بهم لذلك تتقدم الدول الغربية باستمرار بينما نواصل نحن انحدارنا نحو الحضيض. هذا المناخ القمعى الذى ينتشر فى مصر قد انتقل أيضا إلى تعاملنا مع العالم. هناك عشرات الألوف من المعتقلين فى السجون فإذا تحدث عنهم صحفى أجنبى سارع الإعلام المصرى باتهامه بأنه عميل إسرائيلى أو مأجور قابض من الإخوان. استدعت الحكومة المصرية بعثة من الاتحاد الأوروبى لمراقبة الانتخابات الرئاسية، وكانت الحكومة تأمل أن يجىء تقرير البعثة ليؤكد أن كل شىء عظيم ولعل المسؤولين المصريين توقعوا أن يرقص أعضاء البعثة الأوروبية على نغمات أغنية «بشرة خير». المراقبون الأوروبيون استجابوا لضمائرهم وكتبوا تقريرا متوازنا سجل الإيجابيات والسلبيات، وأكد أن هذه الانتخابات تتم وفقا لقانون مخالف للدستور، وأن هناك جوا قمعيا فى مصر بسبب قانون التظاهر الذى يعاقب المتظاهرين السلميين بالحبس سنوات..
 
هنا قامت الدنيا ولم تقعد وتوالت الاتهامات لأعضاء البعثة بأنهم موالون للإخوان ومعادون لمصر، وينفذون مخططا أمريكيا شريرا... إلى آخر هذه السخافات، وفى مشهد مؤسف قامت الدكتورة ميرفت التلاوى بطرد رئيسة البعثة من ندوة عن المرأة وسط تصفيق الحاضرين الذين راحوا يصيحون الله أكبر وكأنهم يخوضون حربا مقدسة ضد السيدة الأجنبية التى هى فى النهاية ضيفة على مصر لا يليق أبدا أن نعاملها بهذه الطريقة.. هل ندعو أعضاء البعثات الدولية ليراقبوا الانتخابات وإذا لم تعجبنا تقاريرهم نلعنهم ونطردهم من الندوات؟! هل هذا السلوك يفيد صورة مصر أمام العالم؟ فى وسط كل هذا القمع أصدر الرئيس المؤقت عدلى منصور قانونا يعاقب بالحبس والغرامة من لا يحترم العلم والسلام الجمهورى؟ هل يحتاج المصريون إلى قانون لكى يحبوا بلادهم وهل يحب الإنسان بلاده خوفا من الغرامة؟! إن احترام العلم والسلام الجمهورى شىء عظيم، لكن الأهم احترام المواطن. كما يعاقب الرئيس المؤقت من لا يقف لتحية العلم لماذا لا يعاقب من يعتقل المصريين ويعذبهم ويهين آدميتهم فى السجون كما تؤكد عشرات التقارير الموثقة.. إن المشير عبدالفتاح السيسى يتولى الآن رئاسة مصر رسميا، ومهما كان رأينا فيما حدث أثناء المرحلة الانتقالية فإن واجبنا أن نطوى خلافاتنا جميعا ونصطف حول الرئيس الجديد لنساعده على النجاح فى منصبه. أهم مساعدة نقدمها للرئيس السيسى أن نواجهه بالنقد الصريح الصادق مهما يكن قاسيا. يجب على الرئيس السيسى أن يتخلص من الجوقة العجيبة التى تشكلت حوله: طبالون وزمارون وعملاء للأمن وآكلون على كل الموائد وفلول نظام مبارك من كبار اللصوص.. يجب عليه إلغاء قانون التظاهر والإفراج فورا عن المعتقلين الذين لم يرتكبوا جرائم لأن نجاحه كرئيس مرتبط بتوفيره لمناخ من الحريات الحقيقية واحترامه لكل من يختلف معه فى الرأى. عندئذ فقط يبدأ المستقبل فى مصر.
 
الديمقراطية هى الحل
القسم: 

من يجرؤ على الكلام؟!

عشت مثل ملايين المصريين الأجواء التى سبقت حرب 1967.. مازلت أذكر اللافتات التى انتشرت فى الشوارع وهى تحمل الشعارات الآتية: «سنشرب الشاى فى تل أبيب» «مرور العقبة بقطع الرقبة» «سنلقى بإسرائيل فى البحر».. كنت آنذاك طفلا أعيش مع أسرتى فى حى جاردن سيتى وفى العمارة المقابلة كانت تعيش أسرة إيطالية مكونة من رجل وزوجته وثلاثة أطفال والجدة التى صارت مع الأيام صديقة لى نتحدث يوميا بالفرنسية عبر الشرفة، اندلعت الحرب فى يوم 5 يونيو وراحت وسائل الإعلام المصرية تذيع الأغانى الحماسية وتوالت البيانات العسكرية التى تؤكد تفوقنا الكاسح على الجيش الإسرائيلى، ظللت واقفا فى الشرفة أترجم البيانات أولا بأول لصديقتى الإيطالية العجوز. قلت لها إننا أسقطنا 23 طائرة إسرئيلية ثم ارتفع العدد الى أربع وخمسين، وعندما صدر بيان يؤكد أننا أسقطنا مائة طائرة إسرائيلية.. فوجئت بالسيدة الإيطالية تلوح بيدها معترضة وتقول:
- اسمع.. لقد حضرت الحرب العالمية الثانية. يستحيل أن تسقطوا هذا العدد من الطائرات الإسرائيلية.. إن حكومتكم تكذب..
أنهيت الحوار مع السيدة وأنا غاضب وتصادف وجود عم لى ولما حكيت له ما حدث قال:
- الأجانب لا يريدون لنا الخير. إنهم يؤيدون إسرائيل وهم غاضبون من النصر الكاسح الذى أحرزناه.
لم أسترح لهذا المنطق فقد كنت أعرف أن السيدة الإيطالية لطيفة جدا وأنها تحب مصر والمصريين. فى اليوم التالى عرفت أن الإيطالية العجوز على حق عندما تبين أننا هزمنا هزيمة منكرة غير مسبوقة فى تاريخ مصر، وتبين أيضا أن البيانات العسكرية كانت مجموعة من الأكاذيب لم يحاسب من كتبها إلى اليوم. صحيح أننا تمكنا من عبور الهزيمة بعد حرب الاستنزاف وحرب 73 لكننى طالما تساءلت:
كان جمال عبدالناصر زعيما عظيما ورجلا عسكريا فكيف تسبب لمصر فى هذه الهزيمة المنكرة؟! الإجابة أن ما هزمنا هو الاستبداد. ما هزمنا هو عبادة الحاكم وتنزيهه عن العيوب. ما هزمنا أن أحدا لم يكن يجرؤ على الكلام. كل من اعترض على سياسات عبدالناصر كان يتهم بأنه خائن وعميل. مع القمع وكبت الحريات حدث لعبدالناصر ما حدث للمستبدين جميعا، إذ فقد القدرة على رؤية أخطائه وأساء التقدير فوقعت الهزيمة. يقول أصدقائى الناصريون إن أمريكا كانت تتآمر ضد نظام عبدالناصر.. هذا صحيح ولكن هل أمريكا التى جعلت عبدالناصر يستبقى عبدالحكيم عامر فى قيادة الجيش وهو يعلم قدراته العسكرية المتواضعة؟! هل أمريكا التى جعلت المشير عامر ينتقل من غرام إلى غرام حتى طغت مغامراته العاطفية على اهتمامه بقيادة الجيش؟ هل أمريكا التى جعلت الطائرات المصرية رابضة مكشوفة على الأرض حتى دمرها الطيران الإسرائيلى؟ إن الحكم الاستبدادى مهما حقق من إنجازات لابد أن ينتهى بكارثة كما حدث فى عام 67..
يعلمنا التاريخ أن السلطة عندما تحتكر الحقيقة والوطنية وتتهم من يعارضها بالخيانة والعمالة فإنها حتما ستقود البلاد إلى كارثة. نفس الأجواء نعيشها الآن من جديد. كتبت فى هذا المكان أدعو المصريين إلى النزول فى 30 يونيو واعتبرت تدخل الجيش للإطاحة بعصابة الإخوان عملا وطنيا عظيما وكنت ومازلت أعتبر أن المشير السيسى قام بعمل بطولى لما انحاز لإرادة الشعب، لكننى لم أوافق على الطريقة التى أديرت مصر بها بعد 30 يونيو، فقد عادت الدولة القمعية وتم القبض على عشرات الألوف من الناس، كثيرون منهم أبرياء لفقت لهم التهم المعدة سلفا وعاد التعذيب كما كان أيام مبارك وربما أسوأ، وصدر قانون للتظاهر غير دستورى لا مثيل له فى العالم يعاقب على الوقفات الاحتجاجية بالحبس سنوات عديدة. ثم تم عمل قانون انتخابات مخالف للدستور بشهادة مجلس الدولة، ما يجعل الانتخابات الرئاسية غير مطابقة للمعايير الديمقراطية حتى إن كانت غير مزورة.
كتبت أن حملة السيسى الرئاسية يديرها ضباط عاملون فى الجيش، ما يجعله مرشح الجيش ويجعل الانتخابات غير ديمقراطية. كان هذا رأيى وانتظرت أن يناقشنى أحد فيه لكننى فوجئت بمجموعة من الشتامين يتهموننى فى الفضائيات بالعمالة والخيانة لمجرد أننى عبرت عن رأى لا يرضى المشير السيسى. الآن فى مصر لم يعد مسموحا إلا بتمجيد المشير السيسى والتسبيح بحمده وإعطاء الدلائل على عبقريته.
أما إذا جرؤت على نقد السيسى فسوف يخرج عليك الشتامون فى الفضائيات لكى يلعنوك ويشوهوا سمعتك ويتهموك بأنك طابور خامس وخائن وعميل للمخابرات الأجنبية.. إن مناخ القمع وكبت الحريات يتزايد كل يوم، وبعد أن عانينا من تكفير الإخوان لمن يعارضهم صرنا نعانى من تخوين أنصار السيسى لكل من يجرؤ على توجيه النقد له. بعد أن تخلصنا من فاشية الإخوان الدينية يحاول بعض أنصار السيسى بناء فاشية جديدة تحتكر الحقيقة والوطنية..
منذ أيام خرج أنصار السيسى ليعلنوا فى التليفزيون أن المقاطعين للانتخابات خونة وعملاء يريدون هدم الوطن. من حق أى مواطن أن يقاطع الانتخابات بغير أن نتهمه بالخيانة والعمالة، ومن حق أى مصرى أن ينتقد تصرفات السيسى بغير أن نطعن فى وطنيته. بعض أنصار السيسى يحاولون أن يصنعوا منه فرعونا جديدا ولو نجحوا فى ذلك، فإن مصر ستدفع ذات الثمن الباهظ الذى دفعته مع كل حاكم مستبد. منذ أيام أبلغت جهة سيادية صاحب جريدة خاصة استياءها مما يكتبه صحفى شاب. أراد صاحب الجريدة الاستغناء عن الصحفى الشاب تقربا للسلطة، لكن رئيس التحرير رفض ودافع عن الصحفى الشاب الذى استشعر الحرج فاستقال حرصا على كرامته. قبل ذلك ترك الكاتب المعروف بلال فضل جريدة الشروق بسبب مقالات كتبها فى نقد السيسى ومرت شهور فلم تتحمس جريدة أخرى لاستكتاب بلال فضل مع أنه من ألمع الكتاب المصريين وأكثرهم موهبة، لكن أصحاب الصحف يخافون من غضب أنصار السيسى.. برنامج باسم يوسف الذى يسخر من كبار المسؤولين تم منعه أكثر من مرة، وسعى أنصار السيسى فمنعوه من قناة إم بى سى بقرار من ملك السعودية. الدول الديمقراطية تحترم آراء المعارضين وتستمع إليهم وتدرك أن واجب المثقف الحقيقى أن يقول ما يعتقده حتى لو أزعج رأيه الجمهور، حتى ينبهه إلى مخاطر قد يراها المثقف قبل سواه.. فى عام 1906 نشبت مشاجرة بين ضباط بريطانيين وبعض الفلاحين فى قرية دنشواى وأقيمت محاكمة ظالمة قضت بإعدام أربعة فلاحين وحبس العشرات عندئذ اعترض الكاتب البريطانى جورج برناردشو على مذبحة دنشواى وكتب: «إذا كانت الإمبراطورية البريطانية تريد أن تحكم العالم كما فعلت فى دنشواى.. فلن يكون على وجه الأرض واجب سياسى مقدس وأكثر إلحاحا من تقويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة بها».
لم يتهم أحد الكاتب شو يومئذ بالخيانة أو بأنه يعادى جيش بلاده، وإنما استجابت الحكومة البريطانية إلى نقده القاسى لها وعزلت اللورد كرومر المعتمد البريطانى فى مصر آنذاك.. فى الستينيات وقف الكاتب الفرنسى جون بول سارتر ضد الرأى العام فى فرنسا، وطالب بإعطاء الجزائريين حق تقرير المصير فلم يتهمه أحد بأنه يتآمر ضد بلاده. عندما شن جورج بوش الحرب على العراق وقف المخرج الأمريكى مايكل مور ليقول أمام العالم كله:
«إن بوش يجرنا إلى حرب لأسباب وهمية من أجل البترول. عار عليك يا مستر بوش».
لم يتهم أحد مايكل مور بالخيانة. إن الدول الديمقراطية تحترم من يخالفها فى الرأى بينما فى حكم الاستبداد يتم تحقير المعارضين والتنكيل بهم لذلك تتقدم الدول الغربية باستمرار بينما نواصل نحن انحدارنا نحو الحضيض. هذا المناخ القمعى الذى ينتشر فى مصر قد انتقل أيضا إلى تعاملنا مع العالم. هناك عشرات الألوف من المعتقلين فى السجون فإذا تحدث عنهم صحفى أجنبى سارع الإعلام المصرى باتهامه بأنه عميل إسرائيلى أو مأجور قابض من الإخوان. استدعت الحكومة المصرية بعثة من الاتحاد الأوروبى لمراقبة الانتخابات الرئاسية، وكانت الحكومة تأمل أن يجىء تقرير البعثة ليؤكد أن كل شىء عظيم ولعل المسؤولين المصريين توقعوا أن يرقص أعضاء البعثة الأوروبية على نغمات أغنية «بشرة خير». المراقبون الأوروبيون استجابوا لضمائرهم وكتبوا تقريرا متوازنا سجل الإيجابيات والسلبيات، وأكد أن هذه الانتخابات تتم وفقا لقانون مخالف للدستور، وأن هناك جوا قمعيا فى مصر بسبب قانون التظاهر الذى يعاقب المتظاهرين السلميين بالحبس سنوات..
هنا قامت الدنيا ولم تقعد وتوالت الاتهامات لأعضاء البعثة بأنهم موالون للإخوان ومعادون لمصر، وينفذون مخططا أمريكيا شريرا... إلى آخر هذه السخافات، وفى مشهد مؤسف قامت الدكتورة ميرفت التلاوى بطرد رئيسة البعثة من ندوة عن المرأة وسط تصفيق الحاضرين الذين راحوا يصيحون الله أكبر وكأنهم يخوضون حربا مقدسة ضد السيدة الأجنبية التى هى فى النهاية ضيفة على مصر لا يليق أبدا أن نعاملها بهذه الطريقة.. هل ندعو أعضاء البعثات الدولية ليراقبوا الانتخابات وإذا لم تعجبنا تقاريرهم نلعنهم ونطردهم من الندوات؟! هل هذا السلوك يفيد صورة مصر أمام العالم؟ فى وسط كل هذا القمع أصدر الرئيس المؤقت عدلى منصور قانونا يعاقب بالحبس والغرامة من لا يحترم العلم والسلام الجمهورى؟ هل يحتاج المصريون إلى قانون لكى يحبوا بلادهم وهل يحب الإنسان بلاده خوفا من الغرامة؟! إن احترام العلم والسلام الجمهورى شىء عظيم، لكن الأهم احترام المواطن. كما يعاقب الرئيس المؤقت من لا يقف لتحية العلم لماذا لا يعاقب من يعتقل المصريين ويعذبهم ويهين آدميتهم فى السجون كما تؤكد عشرات التقارير الموثقة.. إن المشير عبدالفتاح السيسى يتولى الآن رئاسة مصر رسميا، ومهما كان رأينا فيما حدث أثناء المرحلة الانتقالية فإن واجبنا أن نطوى خلافاتنا جميعا ونصطف حول الرئيس الجديد لنساعده على النجاح فى منصبه. أهم مساعدة نقدمها للرئيس السيسى أن نواجهه بالنقد الصريح الصادق مهما يكن قاسيا. يجب على الرئيس السيسى أن يتخلص من الجوقة العجيبة التى تشكلت حوله: طبالون وزمارون وعملاء للأمن وآكلون على كل الموائد وفلول نظام مبارك من كبار اللصوص.. يجب عليه إلغاء قانون التظاهر والإفراج فورا عن المعتقلين الذين لم يرتكبوا جرائم لأن نجاحه كرئيس مرتبط بتوفيره لمناخ من الحريات الحقيقية واحترامه لكل من يختلف معه فى الرأى. عندئذ فقط يبدأ المستقبل فى مصر.
الديمقراطية هى الحل

القسم: 

علاء الأسواني يكتب: ملاحظات على العرس الديمقراطى...!

أولًا: هل المشير السيسى مرشح الجيش..؟!

فى مقاله الأسبوعى حكى الأستاذ شارل المصرى، مدير تحرير جريدة «المصرى اليوم»، أنه تلقى اتصالاً تليفونياً من رقم لا يعرفه، قال محدثه إن اسمه «الرائد أحمد شعبان» من مكتب المتحدث العسكرى، العقيد أحمد على. دعا الرائد أحمد شعبان الأستاذ شارل إلى لقاء المشير السيسى فى إطار لقاءاته مع الصحفيين والكتاب وحدد له موعد اللقاء بعد يومين فى فندق الماسة (التابع للجيش). استجاب الأستاذ شارل للدعوة ووعد بالحضور، لكنه تلقى فى اليوم التالى رسالة على تليفونه تفيد بتأجيل اللقاء، ثم اكتشف الأستاذ شارل بعد ذلك أن لقاء المشير بالصحفيين قد تم فى موعده، وأن الأستاذ شارل هو الوحيد الذى تم استبعاده من اللقاء. هذه القصة تدل على أن المشير السيسى بالرغم من تقاعده لايزال يستعمل إمكانات القوات المسلحة فى حملته الانتخابية كمرشح رئاسى. العقيد أحمد على، المتحدث العسكرى، والضباط العاملون فى مكتبه يعملون فى القوات المسلحة وليس من مهام عملهم أن ينظموا لقاءات انتخابية لمرشح رئاسى هو الآن ضابط متقاعد. هنا تختلط الأمور ويتحول المشير السيسى من مرشح مستقل إلى مرشح الجيش، مما يقحم الجيش فى المعركة الانتخابية، ويقضى على تكافؤ الفرص بين المرشحين، إذ لا يمكن لحمدين صباحى أن يتمتع بميزة أن ينظم له الجيش لقاءاته الانتخابية.. واقعة أخرى مهمة نشرتها جريدة «صوت الأمة» التى يرأس تحريرها الدكتور عبدالحليم قنديل، المعروف بتأييده الكامل للمشير السيسى. ملخص الواقعة أن المشير السيسى قد أدلى بحديث لجريدة قومية فنشرت عناوين الحديث فى الصفحة الأولى، لكن خطأ مطبعياً قد حدث فتغير معنى كلمة واحدة قالها السيسى. هنا تدخلت جهة سيادية وأمرت الصحيفة بإعدام عشرة آلاف نسخة من الجريدة مما سبب خسارة قدرها ربع مليون جنيه تحملتها الجريدة من أموال الشعب بسبب خطأ مطبعى واحد. الجهة السيادية مصطلح يستعمل فى الإعلام المصرى للإشارة إلى المخابرات العامة أو المخابرات الحربية أو جهاز أمن الدولة. هذه الواقعة تؤكد أن الصحافة القومية فى قبضة أجهزة الأمن بالكامل، أما المغزى الأهم فهو أن الجهات السيادية تدعم المرشح عبدالفتاح السيسى وتتابع كل ما ينشر عنه وتشترك فى دعايته الانتخابية وتتدخل عند الضرورة لصالح مرشحها.

هاتان الواقعتان تؤكدان أن السيد عبدالفتاح السيسى ليس مرشحاً مستقلاً وإنما هو مرشح الدولة، وهى تسخر إمكاناتها الضخمة لإنجاحه فى الانتخابات الرئاسية، مما ينسف مبدأ تكافؤ الفرص، الأمر الذى يجعل الانتخابات غير نزيهة.

ثانياً: هل تتوفر شفافية التمويل؟!

رجل الأعمال طارق نور هو المنسق العام لحملة السيسى (وكان أيضا المنسق العام لحملة أحمد شفيق الانتخابية وهو صاحب قناة فضائية أخذت على عاتقها تشويه ثورة يناير وكل من اشترك فيها).. السيد نور صرح مؤخراً بأن حملة السيسى الانتخابية قد أنفقت حتى الآن 12 مليون جنيه بواقع 6 ملايين جنيه على المؤتمرات و6 ملايين على الدعاية، وبالطبع نحن لا نعلم من دفع هذه الملايين. إذا كان المشير السيسى قد دفعها من ماله الخاص فكم تبلغ مدخراته وكم كان مرتبه فى القوات المسلحة..؟! هذه المعلومات يتوجب عرضها على الرأى العام حتى تتحقق شفافية التمويل وهو مبدأ أساسى فى أى انتخابات ديمقراطية. وقد جاء قانون الانتخابات الحالى ليقضى على شفافية التمويل تماما، إذ يحاسب المرشح على الدعم المالى الذى يتلقاه من أنصاره ويتجاهل الدعم العينى، وبالتالى من الممكن أن تنهمر على المرشح لافتات الدعاية التى تتكلف الملايين ثم ينكر المرشح صلته بها فلا تدخل فى حساب تكاليف الدعاية. إن شفافية التمويل ومعرفة ثروة كل مرشح وكيف حصل عليها قاعدة ديمقراطية إذا غابت، كما يحدث الآن، تكون الانتخابات غير ديمقراطية.

ثالثاً: هل هذه الانتخابات دستورية؟!

وضعت لجنة الخمسين دستوراً جديداً هو بلا شك الأفضل فى تاريخ الدساتير المصرية (باستثناء المادة التى تجيز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية)، ثم وافق المصريون فى الاستفتاء على الدستور بأغلبية كبيرة، لكن السلطة الانتقالية لم تحترم الدستور وانتهكته المرة تلو الأخرى. انتهكته عندما تمسكت بقانون التظاهر المخالف للدستور، الذى تستعمله الحكومة من أجل منع المظاهرات المعارضة لها وحبس آلاف المتظاهرين السلميين مدداً تصل إلى خمسة أعوام لمجرد أنهم اشتركوا فى مظاهرة أو تصادف مرورهم بجوارها. تم انتهاك الدستور مرة أخرى عندما قررت السلطة إجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية على عكس ما حدد الدستور، ثم تم انتهاك الدستور مرة ثالثة عندما استمر الاعتقال العشوائى للمواطنين وحبسهم شهوراً طويلة بدون تحويلهم للمحاكمة، ثم تم انتهاك الدستور مرة رابعة عندما عاد تعذيب المعتقلين وكهربتهم وضربهم والتحرش بالمعتقلات، وفقاً لتقارير عديدة موثقة، ثم تم انتهاك الدستور مرة خامسة عندما سمحت الدولة بالتشهير بالمواطنين وانتهاك حياتهم الخاصة، وذلك بأن يبث التليفزيون تسريبات لمحادثات تليفونية تم تسجيلها أو تركيبها بمعرفة أجهزة الأمن من أجل تشويه سمعة كل من اشترك فى ثورة يناير. انتهاك آخر ارتكبته الحكومة عندما قامت بتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات، وهذه مخالفة صريحة للدستور، الذى يمنع تحصين أى قرارات إدارية. الغريب أن تحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات هو الذى أدى لاتهامها بالتزوير فى الانتخابات الرئاسية السابقة، لكن الحكومة قد أثبتت أنها لا تأبه بالدستور الذى دعت المصريين للاستفتاء عليه. الواضح أن ثمة إرادة سياسية عليا سيتم تنفيذها حتى لو أدى ذلك إلى دهس الدستور. كل ذلك يجعل الانتخابات الرئاسية الحالية غير دستورية.

رابعاً: هل يختلف خطاب السيسى عن خطاب مبارك؟!

نحترم الدور الوطنى الذى قام به المشير السيسى عندما إنحاز لإرادة الشعب وأنهى حكم عصابة الإخوان. لكن هذا الاحترام لن يمنعنا من توجيه النقد للسيسى لأنه الآن مرشح رئاسى يجب أن يتحمل النقد ويتقبله. الحق أن خطاب المشير السيسى حتى الآن لا يختلف عن خطاب مبارك فى شىء.. السيسى مثل مبارك يلوم المصريين على كسلهم ويعتبر أنهم لا يعملون بالقدر الكافى ويدعوهم للاستيقاظ مبكراً وإلى العمل، وكأن المصريين شعب أفسده الفراغ والترف، مع أن الحقيقة عكس ذلك لأن ملايين المصريين يعملون فى وظيفتين وأحياناً ثلاث من أجل إطعام أسرهم وتربية أولادهم.. السيسى مثل مبارك لا يعتبر مكافحة الفساد أولوية للدولة ويتجاهل وجود صناديق خاصة فى كل الوزارات والهيئات تضم مليارات الجنيهات المحجوبة عن أصحابها الشرعيين من أفراد الشعب.. السيسى مثل مبارك يؤكد أن موارد الدولة لا تكفى لزيادة الأجور ولا يتحدث أبدا عن وضع نسبة عادلة بين الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور فهو يقبل أن يحصل مسؤولون فى الدولة على مليون جنيه كل شهر بينما يقبض ملايين العمال والموظفين مرتبات لا تفى باحتياجاتهم الأساسية وهو لا يتحدث أبدا عن زيادة الضرائب على الأغنياء الذين يدفعون فى مصر أقل ضرائب فى العالم، وإذا استعانوا بمحاسب ماهر قد لا يدفعون ضرائب أساسا.. السيسى تماما مثل مبارك يرى أن المصريين غير مؤهلين لممارسة الديمقراطية، وهو يقول إن مصر ستكون جاهزة للديمقراطية بعد ربع قرن.. السيسى مثل مبارك لا يعتبر حرية التعبير من أولوياته ويعتبر أن معارضيه يثيرون الشغب ويعطلون الإنتاج ويقبل بإلقاء معارضيه فى السجون وتعذيبهم وانتهاك آدميتهم، ويؤكد أن هذا القمع يتم فى إطار القانون.. السيسى مثل مبارك يرى علاقتنا بالولايات المتحدة وثيقة وراسخة حتى شبهها وزير الخارجية بأنها علاقة زواج وليست نزوة، وقد سمع السيسى هذا التصريح المهين لكل مصرى فلم يستنكره بكلمة واحدة.. فى ظل تطابق الرؤية بين مبارك والسيسى لم يكن مستغرباً أن يعلن مبارك دعمه الكامل للسيسى كخلف له فى رئاسة الجمهورية، ولم يكن مستغرباً أن يعقد أعضاء الحزب الوطنى المؤتمرات الانتخابية للسيسى، ولم يكن مستغرباً أن ينفق فلول نظام مبارك ملايين الجنيهات من أجل الدعاية للسيسى، سواء فى قنواتهم الفضائية أو فى المؤتمرات الانتخابية. هؤلاء لا ينفقون جنيهاً قبل أن يتأكدوا أنهم سيستردونه أضعافاً مضاعفة. وهم يعقدون أملهم على المشير السيسى ليمنع عنهم المحاسبة عن الأموال والأراضى التى نهبوها وليستأنفوا تكديس الثروة على حساب شعب سقط أكثر من نصف مواطنيه فى هوة الفقر المدقع.

فى النهاية نجد أنفسنا أمام عدة حقائق: أولها أن هذه الانتخابات، حتى لو لم يتم تزويرها، تفتقر إلى المعايير الديمقراطية الحقيقية، وثانيها أن نظام مبارك، كمؤسسات وجماعات مصالح، لايزال سليماً كما هو بعد أن حافظ عليه المجلس العسكرى السابق وحافظ عليه الإخوان وحاولوا التواطؤ معه ضد الثورة. نظام مبارك يعود بقوة الآن وهو يعتبر أن الموجة الثورية فى 30 يونيو لم تقض فقط على حكم الإخوان الفاشى وإنما قضت أيضا على ثورة يناير التى شكلت تهديداً لمصالحهم. فلول مبارك يدعمون السيسى وأملهم أن يسمح لهم بأن يسددوا للثورة ضربة ساحقة ونهائية. بسبب الانتخابات غير الديمقراطية وعودة الدولة القمعية والتشويه الإعلامى المستمر لشباب الثورة واتهامهم بالخيانة وإلقائهم فى السجون قرر كثيرون منهم أن يقاطعوا الانتخابات أو يبطلوا أصواتهم.

مع احترامى لهذا الموقف فأنا أختلف معه لأسباب ثلاثة: أولاً لأن إقبالنا على التصويت فى هذه الانتخابات، بغض النظر عن مدى ديمقراطيتها، سيكون رسالة واضحة بأن ما حدث فى 30 يونيو موجة ثورية تمثل إرادة الشعب وليس انقلاباً عسكرياً، كما يروج الإخوان، هنا تتحول المشاركة فى الانتخابات من موقف سياسى إلى واجب وطنى ملزم لا يجوز أن نتخلف عنه مهما تكن خلافاتنا السياسية والفكرية، وثانياً لأننا تعلمنا من تجارب عديدة مؤلمة أن مقاطعة الانتخابات إن لم تكن منظمة وشاملة فإنها تتحول إلى سلاح يؤذى المقاطعين أنفسهم، إذ يخرجهم من المعادلة السياسية مجاناً فلا يكون لوجودهم أثر، لأنهم امتنعوا بأنفسهم عن تسجيل مواقفهم، أما الأمر الثالث والأهم فهو أن الانتخابات الرئاسية، برغم افتقارها إلى المعايير الديمقراطية، فإنها معركة سياسية شرسة وحاسمة تحاول فيها الثورة المضادة توجيه ضربة نهائية ساحقة للثورة بسعيها لأن تكون نتيجة الانتخابات خالية من أصوات الثوريين كدليل على أن قوى الثورة لم يعد لها وجود على الخريطة.. أرجو أن يغير المقاطعون موقفهم ويشتركوا فى الانتخابات بغض النظر عن المرشح الذى سيختارونه... أنا سأمنح صوتى لحمدين صباحى.

«الديمقراطية هى الحل»

القسم: 
صورة / فيديو: 

ملاحظات على العرس الديمقراطى...!

أولًا: هل المشير السيسى مرشح الجيش..؟!
فى مقاله الأسبوعى حكى الأستاذ شارل المصرى، مدير تحرير جريدة «المصرى اليوم»، أنه تلقى اتصالاً تليفونياً من رقم لا يعرفه، قال محدثه إن اسمه «الرائد أحمد شعبان» من مكتب المتحدث العسكرى، العقيد أحمد على. دعا الرائد أحمد شعبان الأستاذ شارل إلى لقاء المشير السيسى فى إطار لقاءاته مع الصحفيين والكتاب وحدد له موعد اللقاء بعد يومين فى فندق الماسة (التابع للجيش). استجاب الأستاذ شارل للدعوة ووعد بالحضور، لكنه تلقى فى اليوم التالى رسالة على تليفونه تفيد بتأجيل اللقاء، ثم اكتشف الأستاذ شارل بعد ذلك أن لقاء المشير بالصحفيين قد تم فى موعده، وأن الأستاذ شارل هو الوحيد الذى تم استبعاده من اللقاء. هذه القصة تدل على أن المشير السيسى بالرغم من تقاعده لايزال يستعمل إمكانات القوات المسلحة فى حملته الانتخابية كمرشح رئاسى. العقيد أحمد على، المتحدث العسكرى، والضباط العاملون فى مكتبه يعملون فى القوات المسلحة وليس من مهام عملهم أن ينظموا لقاءات انتخابية لمرشح رئاسى هو الآن ضابط متقاعد. هنا تختلط الأمور ويتحول المشير السيسى من مرشح مستقل إلى مرشح الجيش، مما يقحم الجيش فى المعركة الانتخابية، ويقضى على تكافؤ الفرص بين المرشحين، إذ لا يمكن لحمدين صباحى أن يتمتع بميزة أن ينظم له الجيش لقاءاته الانتخابية.. واقعة أخرى مهمة نشرتها جريدة «صوت الأمة» التى يرأس تحريرها الدكتور عبدالحليم قنديل، المعروف بتأييده الكامل للمشير السيسى. ملخص الواقعة أن المشير السيسى قد أدلى بحديث لجريدة قومية فنشرت عناوين الحديث فى الصفحة الأولى، لكن خطأ مطبعياً قد حدث فتغير معنى كلمة واحدة قالها السيسى. هنا تدخلت جهة سيادية وأمرت الصحيفة بإعدام عشرة آلاف نسخة من الجريدة مما سبب خسارة قدرها ربع مليون جنيه تحملتها الجريدة من أموال الشعب بسبب خطأ مطبعى واحد. الجهة السيادية مصطلح يستعمل فى الإعلام المصرى للإشارة إلى المخابرات العامة أو المخابرات الحربية أو جهاز أمن الدولة. هذه الواقعة تؤكد أن الصحافة القومية فى قبضة أجهزة الأمن بالكامل، أما المغزى الأهم فهو أن الجهات السيادية تدعم المرشح عبدالفتاح السيسى وتتابع كل ما ينشر عنه وتشترك فى دعايته الانتخابية وتتدخل عند الضرورة لصالح مرشحها.
هاتان الواقعتان تؤكدان أن السيد عبدالفتاح السيسى ليس مرشحاً مستقلاً وإنما هو مرشح الدولة، وهى تسخر إمكاناتها الضخمة لإنجاحه فى الانتخابات الرئاسية، مما ينسف مبدأ تكافؤ الفرص، الأمر الذى يجعل الانتخابات غير نزيهة.
ثانياً: هل تتوفر شفافية التمويل؟!
رجل الأعمال طارق نور هو المنسق العام لحملة السيسى (وكان أيضا المنسق العام لحملة أحمد شفيق الانتخابية وهو صاحب قناة فضائية أخذت على عاتقها تشويه ثورة يناير وكل من اشترك فيها).. السيد نور صرح مؤخراً بأن حملة السيسى الانتخابية قد أنفقت حتى الآن 12 مليون جنيه بواقع 6 ملايين جنيه على المؤتمرات و6 ملايين على الدعاية، وبالطبع نحن لا نعلم من دفع هذه الملايين. إذا كان المشير السيسى قد دفعها من ماله الخاص فكم تبلغ مدخراته وكم كان مرتبه فى القوات المسلحة..؟! هذه المعلومات يتوجب عرضها على الرأى العام حتى تتحقق شفافية التمويل وهو مبدأ أساسى فى أى انتخابات ديمقراطية. وقد جاء قانون الانتخابات الحالى ليقضى على شفافية التمويل تماما، إذ يحاسب المرشح على الدعم المالى الذى يتلقاه من أنصاره ويتجاهل الدعم العينى، وبالتالى من الممكن أن تنهمر على المرشح لافتات الدعاية التى تتكلف الملايين ثم ينكر المرشح صلته بها فلا تدخل فى حساب تكاليف الدعاية. إن شفافية التمويل ومعرفة ثروة كل مرشح وكيف حصل عليها قاعدة ديمقراطية إذا غابت، كما يحدث الآن، تكون الانتخابات غير ديمقراطية.
ثالثاً: هل هذه الانتخابات دستورية؟!
وضعت لجنة الخمسين دستوراً جديداً هو بلا شك الأفضل فى تاريخ الدساتير المصرية (باستثناء المادة التى تجيز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية)، ثم وافق المصريون فى الاستفتاء على الدستور بأغلبية كبيرة، لكن السلطة الانتقالية لم تحترم الدستور وانتهكته المرة تلو الأخرى. انتهكته عندما تمسكت بقانون التظاهر المخالف للدستور، الذى تستعمله الحكومة من أجل منع المظاهرات المعارضة لها وحبس آلاف المتظاهرين السلميين مدداً تصل إلى خمسة أعوام لمجرد أنهم اشتركوا فى مظاهرة أو تصادف مرورهم بجوارها. تم انتهاك الدستور مرة أخرى عندما قررت السلطة إجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية على عكس ما حدد الدستور، ثم تم انتهاك الدستور مرة ثالثة عندما استمر الاعتقال العشوائى للمواطنين وحبسهم شهوراً طويلة بدون تحويلهم للمحاكمة، ثم تم انتهاك الدستور مرة رابعة عندما عاد تعذيب المعتقلين وكهربتهم وضربهم والتحرش بالمعتقلات، وفقاً لتقارير عديدة موثقة، ثم تم انتهاك الدستور مرة خامسة عندما سمحت الدولة بالتشهير بالمواطنين وانتهاك حياتهم الخاصة، وذلك بأن يبث التليفزيون تسريبات لمحادثات تليفونية تم تسجيلها أو تركيبها بمعرفة أجهزة الأمن من أجل تشويه سمعة كل من اشترك فى ثورة يناير. انتهاك آخر ارتكبته الحكومة عندما قامت بتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات، وهذه مخالفة صريحة للدستور، الذى يمنع تحصين أى قرارات إدارية. الغريب أن تحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات هو الذى أدى لاتهامها بالتزوير فى الانتخابات الرئاسية السابقة، لكن الحكومة قد أثبتت أنها لا تأبه بالدستور الذى دعت المصريين للاستفتاء عليه. الواضح أن ثمة إرادة سياسية عليا سيتم تنفيذها حتى لو أدى ذلك إلى دهس الدستور. كل ذلك يجعل الانتخابات الرئاسية الحالية غير دستورية.
رابعاً: هل يختلف خطاب السيسى عن خطاب مبارك؟!
نحترم الدور الوطنى الذى قام به المشير السيسى عندما إنحاز لإرادة الشعب وأنهى حكم عصابة الإخوان. لكن هذا الاحترام لن يمنعنا من توجيه النقد للسيسى لأنه الآن مرشح رئاسى يجب أن يتحمل النقد ويتقبله. الحق أن خطاب المشير السيسى حتى الآن لا يختلف عن خطاب مبارك فى شىء.. السيسى مثل مبارك يلوم المصريين على كسلهم ويعتبر أنهم لا يعملون بالقدر الكافى ويدعوهم للاستيقاظ مبكراً وإلى العمل، وكأن المصريين شعب أفسده الفراغ والترف، مع أن الحقيقة عكس ذلك لأن ملايين المصريين يعملون فى وظيفتين وأحياناً ثلاث من أجل إطعام أسرهم وتربية أولادهم.. السيسى مثل مبارك لا يعتبر مكافحة الفساد أولوية للدولة ويتجاهل وجود صناديق خاصة فى كل الوزارات والهيئات تضم مليارات الجنيهات المحجوبة عن أصحابها الشرعيين من أفراد الشعب.. السيسى مثل مبارك يؤكد أن موارد الدولة لا تكفى لزيادة الأجور ولا يتحدث أبدا عن وضع نسبة عادلة بين الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور فهو يقبل أن يحصل مسؤولون فى الدولة على مليون جنيه كل شهر بينما يقبض ملايين العمال والموظفين مرتبات لا تفى باحتياجاتهم الأساسية وهو لا يتحدث أبدا عن زيادة الضرائب على الأغنياء الذين يدفعون فى مصر أقل ضرائب فى العالم، وإذا استعانوا بمحاسب ماهر قد لا يدفعون ضرائب أساسا.. السيسى تماما مثل مبارك يرى أن المصريين غير مؤهلين لممارسة الديمقراطية، وهو يقول إن مصر ستكون جاهزة للديمقراطية بعد ربع قرن.. السيسى مثل مبارك لا يعتبر حرية التعبير من أولوياته ويعتبر أن معارضيه يثيرون الشغب ويعطلون الإنتاج ويقبل بإلقاء معارضيه فى السجون وتعذيبهم وانتهاك آدميتهم، ويؤكد أن هذا القمع يتم فى إطار القانون.. السيسى مثل مبارك يرى علاقتنا بالولايات المتحدة وثيقة وراسخة حتى شبهها وزير الخارجية بأنها علاقة زواج وليست نزوة، وقد سمع السيسى هذا التصريح المهين لكل مصرى فلم يستنكره بكلمة واحدة.. فى ظل تطابق الرؤية بين مبارك والسيسى لم يكن مستغرباً أن يعلن مبارك دعمه الكامل للسيسى كخلف له فى رئاسة الجمهورية، ولم يكن مستغرباً أن يعقد أعضاء الحزب الوطنى المؤتمرات الانتخابية للسيسى، ولم يكن مستغرباً أن ينفق فلول نظام مبارك ملايين الجنيهات من أجل الدعاية للسيسى، سواء فى قنواتهم الفضائية أو فى المؤتمرات الانتخابية. هؤلاء لا ينفقون جنيهاً قبل أن يتأكدوا أنهم سيستردونه أضعافاً مضاعفة. وهم يعقدون أملهم على المشير السيسى ليمنع عنهم المحاسبة عن الأموال والأراضى التى نهبوها وليستأنفوا تكديس الثروة على حساب شعب سقط أكثر من نصف مواطنيه فى هوة الفقر المدقع.
فى النهاية نجد أنفسنا أمام عدة حقائق: أولها أن هذه الانتخابات، حتى لو لم يتم تزويرها، تفتقر إلى المعايير الديمقراطية الحقيقية، وثانيها أن نظام مبارك، كمؤسسات وجماعات مصالح، لايزال سليماً كما هو بعد أن حافظ عليه المجلس العسكرى السابق وحافظ عليه الإخوان وحاولوا التواطؤ معه ضد الثورة. نظام مبارك يعود بقوة الآن وهو يعتبر أن الموجة الثورية فى 30 يونيو لم تقض فقط على حكم الإخوان الفاشى وإنما قضت أيضا على ثورة يناير التى شكلت تهديداً لمصالحهم. فلول مبارك يدعمون السيسى وأملهم أن يسمح لهم بأن يسددوا للثورة ضربة ساحقة ونهائية. بسبب الانتخابات غير الديمقراطية وعودة الدولة القمعية والتشويه الإعلامى المستمر لشباب الثورة واتهامهم بالخيانة وإلقائهم فى السجون قرر كثيرون منهم أن يقاطعوا الانتخابات أو يبطلوا أصواتهم.
مع احترامى لهذا الموقف فأنا أختلف معه لأسباب ثلاثة: أولاً لأن إقبالنا على التصويت فى هذه الانتخابات، بغض النظر عن مدى ديمقراطيتها، سيكون رسالة واضحة بأن ما حدث فى 30 يونيو موجة ثورية تمثل إرادة الشعب وليس انقلاباً عسكرياً، كما يروج الإخوان، هنا تتحول المشاركة فى الانتخابات من موقف سياسى إلى واجب وطنى ملزم لا يجوز أن نتخلف عنه مهما تكن خلافاتنا السياسية والفكرية، وثانياً لأننا تعلمنا من تجارب عديدة مؤلمة أن مقاطعة الانتخابات إن لم تكن منظمة وشاملة فإنها تتحول إلى سلاح يؤذى المقاطعين أنفسهم، إذ يخرجهم من المعادلة السياسية مجاناً فلا يكون لوجودهم أثر، لأنهم امتنعوا بأنفسهم عن تسجيل مواقفهم، أما الأمر الثالث والأهم فهو أن الانتخابات الرئاسية، برغم افتقارها إلى المعايير الديمقراطية، فإنها معركة سياسية شرسة وحاسمة تحاول فيها الثورة المضادة توجيه ضربة نهائية ساحقة للثورة بسعيها لأن تكون نتيجة الانتخابات خالية من أصوات الثوريين كدليل على أن قوى الثورة لم يعد لها وجود على الخريطة.. أرجو أن يغير المقاطعون موقفهم ويشتركوا فى الانتخابات بغض النظر عن المرشح الذى سيختارونه... أنا سأمنح صوتى لحمدين صباحى.
«الديمقراطية هى الحل»

القسم: 

علاء الأسواني يكتب: حوار بين شاب ثورى ومواطن مستقر!

حدث ذلك فى مقهى «ستراند» فى باب اللوق.. كانت الساعة الخامسة مساء والزبائن قليلون، وخلف الحاجز الزجاجى، جلس شاب يكتب على جهاز «آى باد» أمامه، بينما جلس إلى المائدة المجاورة رجل أشيب يتجاوز الخمسين من العمر، راح يدخن الشيشة باستمتاع. توقف الشاب عن الكتابة ومد ذراعيه جانبا فى الهواء وراح يحرك جسده يمينا ويسارا كأنما يريح عضلاته. بادره الرجل الجالس بجواره قائلا بودٍّ:
 
- أنت بتذاكر. ربنا معك يا بنى؟
 
ضحك الشاب وقال:
 
- أنا تخرجت فى الجامعة من زمان بس أنا شكلى صغير. أنا عمرى 30 سنة.
 
ابتسم الرجل وقال:
 
- 30 سنة. يا بختك. أنا عمرى 58 سنة. يعنى باقى لى سنتين على المعاش.
 
- حضرتك بتشتغل فين؟!
 
- أنا اسمى عبدالحميد شتا مدير إدارة المراجعة فى وزارة التموين.
 
مد الشاب يده مصافحا وقال:
 
- تشرفنا.. أنا ناجى البسيونى مهندس اتصالات، وعندى مكتب كمبيوتر صغير فى ميدان الجيزة.
 
جذب عبدالحميد نفسا عميقا من الشيشة ثم نفث الدخان الكثيف وقال:
 
- قل لى يا باشمهندس..هو المشير السيسى هيطلع الليلة تانى فى التليفزيون؟!
 
ناجى: ما أعرفش والله.
 
عبدالحميد: بصراحة أنا بأحب أتفرج عليه جدا.. الراجل ده هو البطل اللى بلدنا محتاجة له.. لا مؤاخذة يعنى إحنا كمصريين بنخاف ولا نختشيش.. ما ينفعش معنا إلا الشدة.. عاوزين راجل دكر زى السيسى عشان يشكمنا تمام.
 
ناجى: الحقيقة يا أستاذ عبدالحميد الشعب المصرى أحسن من اللى حضرتك بتقوله. لو كنا جبنا زى ما بتقول ما كناش قدرنا نعمل ثورة ونحبس رئيسين فى ثلاث سنوات.. أى رئيس جمهورية وظيفته خدمة الشعب وتطبيق القانون ومش وظيفته إنه يشكم الناس كإنهم فراخ أو أرانب.
 
نظر إليه عبدالحميد باسترابة وقال:
 
- هو إنت من النشطاء بتوع الثورة؟
 
ناجى: على فكرة لفظ نشطاء اخترعه الإعلام الفاسد للسخرية من الثوريين. أنا مهندس. اشتركت فى الثورة ولى الفخر.. الثورة كانت أجمل وأنبل أيام حياتى.
 
عبدالحميد: طيب وأنت مش عاجبك السيسى فى إيه؟
 
ناجى: من قال لك إنه مش عاجبنى؟!. المشير السيسى قام بدور عظيم وساند الشعب فى التخلص من الإخوان الإرهابيين.. لكن ده مش معناه إن إحنا نوقع له على بياض ولا معناه إنه بالضرورة ينفع رئيس جمهورية.
 
بدا على عبدالحميد بعض الارتباك فبدأ ناجى يشرح على مهل:
 
- افرض يا حاج إنك راجع البيت فقابلت مجرمين هجموا عليك بالمطاوى وسرقوك، وفجأة، ظهر ضابط شرطة قبض على المجرمين وأنقذك منهم.
 
عبدالحميد: يبقى كتر خيره ويبقى بطل.
 
ناجى: هو فعلا يبقى بطل، لكن هل ده معناه إنه ينفع يشتغل وزير التموين؟!
 
عبدالحميد: لا طبعا دى حاجة ودى حاجة.
 
ناجى: الله ينور عليك.. يبقى كون السيسى قائد عسكرى عظيم، وكونه قام بدور وطنى مش معناه بالضرورة إنه ينفع رئيس جمهورية..
 
عبدالحميد: اسمح لى يا ناجى.. إنت فى سن ابنى.. طريقة تفكيرك دى حتودى البلد فى داهية.. إحنا ما صدقنا لقينا رجل نثق فيه يقدر يطلع البلد من المصيبة اللى وقعت فيها.. كفاية ثورة بقى. خدنا إيه من الاعتصامات والإضرابات غير وجع الدماغ ووقف الحال.
 
ناجى: الثورة عمرها ما كانت سبب وقف الحال لأنها لم تحكم أساسا.. السبب فى تدهور الوضع المجلس العسكرى اللى حكم بعد مبارك، واللى كان السيسى عضو فيه والمسؤول معهم الإخوان، اللى المجلس العسكرى ساعدهم على الوصول لحكم مصر.
 
عبدالحميد (محتدا): لا يا سيدى. اللى جاب لنا الإخوان هم النخبة الفاسدة اللى راحت دعمت مرسى فى الانتخابات ووقّعوا معه اتفاق فى فندق فيرمونت.
 
ناجى (مبتسما): على فكرة الكلام ده غير صحيح.. رغم إنى اعترضت على اتفاق فيرمونت، لكنه للأمانة اتعمل بعد إغلاق صناديق الانتخابات.. الشخصيات السياسية اللى اجتمعوا فى فندق فيرمونت أخذوا تعهدات من مرسى بحماية الثورة، ولم يدعموه فى الانتخابات لأنها كانت انتهت أساسا.. لكن للأسف القنوات الفضائية المملوكة لفلول مبارك بتعمل عملية غسيل مخ للناس عشان يكرهوا الثورة واللى عملوها. افتكر يا حاج مين اللى غيّر لجنة تعديل الدستور ووضع فيها الإخوان؟ مين اللى سمح بقيام الأحزاب الدينية أساسا مع إنها ممنوعة فى الإعلان الدستورى؟ مين اللى سكت على تجاوزات الإخوان أثناء انتخابات مجلس الشعب؟ مين اللى سلم مرسى السلطة عن طريق انتخابات، بنكتشف دلوقت إنها مزورة؟ الإجابة دائما هى إن المجلس العسكرى هو اللى تعمد تسليم السلطة للإخوان، بالإضافة إلى المذابح اللى حصلت ومات فيها شباب كتير، والمسؤول عنها أيضا المجلس العسكرى.
 
عبدالحميد: المشير السيسى كان عضو فى المجلس العسكرى، لكن المسؤول الوحيد هو المشير طنطاوى، لأنه كان القائد وبقية الأعضاء بينفذوا أوامره.
 
ناجى: بغض النظر عن مسؤولية المشير السيسى، أى مصرى استشهد فى خلال الثلاث سنوات لازم يتحقق له القصاص.. لابد من عدالة انتقالية لأن أجهزة الدولة مازالت بنفس تركيبة نظام مبارك ولا يمكن إنها تدين نفسها بنفسها.. لاحظ إن المشير السيسى لم يتكلم إطلاقا عن العدالة الانتقالية، ولا حقوق الشهداء، ولم يتكلم عن محاربة الفساد ولا استرجاع الأموال المهربة من مبارك وعصابته، بالإضافة إلى إن أعضاء حملة السيسى نصفهم فلول.
 
عبدالحميد: يعنى عاوز المشير السيسى يستبعد اللى بيحبوه؟!
 
ناجى: لازم يستبعدهم. الموضوع هنا مش شخصى.. لو السيسى مع الثورة فعلا يبقى لا يمكن يعطى فرصة لعودة نظام مبارك اللى رموزه بينافقوه من أجل الاحتفاظ بثرواتهم المنهوبة من الشعب. إذا كان السيسى مع الثورة فكيف يسمح بحبس شبان الثورة لمجرد إنهم مشيوا فى مظاهرة؟!
 
عبدالحميد: قانون تنظيم التظاهر موجود فى كل البلاد الديمقراطية.
 
ناجى (مبتسما): ده كلام الإعلام الكذاب. مافيش بلد ديمقراطى فى الدنيا ينحبس فيه مواطن خمس سنين لأنه مشى فى مظاهرة.
 
عبدالحميد: طيب وهو المشير السيسى ماله بقانون التظاهر؟
 
ناجى: السيسى قال بنفسه فى التليفزيون إنه طالب بقانون التظاهر، يعنى هو موافق على حبس الناس ظلم.. أنا لى أصحاب كتير مرميين فى السجن مع المجرمين لأنهم رفعوا لافتة أو مشيوا فى مظاهرة وأحيانا كانوا معديين فى الشارع.
 
عبدالحميد: يعنى أنت عاوز كل يوم مظاهرات لغاية لما البلد تخرب؟!
 
ناجى: أنا موافق على تنظيم المظاهرات إنما المتظاهر السلمى لا يجوز ينحبس خمس سنين، بينما قناص العيون اللى فقع عيون عشرات الشبان بالخرطوش ينحبس تلات سنين. المظاهرات دى بتعكس أزمة اجتماعية.. كل الوزارات عندها صناديق خاصة فيها مليارات الجنيهات محجوزة للمحظوظين. مئات الموظفين فى الدولة بيقبضوا مليون جنيه فى الشهر وملايين المصريين مش لاقيين ياكلوا. الأغنياء فى مصر بيدفعوا أقل ضرائب فى العالم ده لو دفعوها أساسا.. اللى حيمنع المظاهرات هو العدل مش القمع.
 
عبدالحميد: شبعنا كلام نظرى. إحنا محتاجين الأمن أولا وبأى ثمن.. أنا عندى بنت فى الجامعة.. والله العظيم كل يوم أبقى مرعوب لغاية لما ترجع البيت..
 
ناجى: كلامى مش نظرى. نفترض إن عندك شقة مفروشة وأنا جبت لك رجل يسكنها. ينفع تسكِّنه من غير عقد؟
 
عبدالحميد: ما ينفعش من غير عقد.
 
ناجى: حتى لو قلت لك إنه رجل طيب ومتدين.
 
عبدالحميد: فى كل الأحوال لازم يكتب معى عقد. حد ضامن عمره؟!
 
ناجى: هل إصرارك على العقد معناه إنك غير واثق فى الساكن.
 
عبدالحميد: لا طبعا.. الساكن ممكن يبقى سيد الناس لكن برضه لازم يكتب عقد.
 
ناجى: أنا بقى مش معترض على شخص المشير السيسى، لكنى معترض إنه يتولى رئاسة الجمهورية من غير ما يكتب عقد مع الشعب.. العقد هو نظام ديمقراطى يجعلنا بعد أربع سنين نقدر نشيله من الحكم عن طريق صناديق الانتخابات لو أردنا.
 
عبدالحميد: يعنى إنت بتعتبر الانتخابات مزورة قبل ما تحصل؟!
 
ناجى: الانتخابات الديمقراطية لها شروط، من أهمها شفافية التمويل.. يعنى لازم نعرف حجم ثروة كل مرشح وإيه مصدرها. بالإضافة إلى إن قانون الانتخابات مخالف للدستور لأنه قام بتحصين قرارات اللجنة العليا علما بأن التحصين ده كان السبب فى تزوير الانتخابات لصالح مرسى، بالإضافة إلى إن قانون الانتخابات بيحسب الدعم المالى ولا يحسب الدعم العينى، يعنى لو عملت لافتات وسرادقات بالملايين للمرشح يبقى خارج الحساب. هذه الانتخابات غير ديمقراطية حتى لو ما حصلش تزوير.. المشير السيسى نفسه قال إن الديمقراطية ما تنفعش فى مصر إلا بعد عشرين سنة.. يعنى هو عارف إنه لا توجد ديمقراطية الآن.
 
عبدالحميد: مهما قلت.. أنا باحب السيسى.
 
ضحك ناجى بود، وقال: حقك يا أستاذ عبدالحميد. لكن افتكر إن المصريين لما أحبوا عبدالناصر واستغنوا عن الديمقراطية كانت النتيجة هزيمة 1967.. المفروض نتعلم من التاريخ.
 
عبدالحميد: برضه باحب السيسى وهانتخبه.
 
ناجى: كان نفسى أكمل المناقشة، لكن عندى ميعاد فى المكتب.. فرصة سعيدة جدا.
 
وقف عبدالحميد وصافح ناجى بحرارة وتبادلا أرقام التليفونات.. حمل ناجى جهاز الآى باد واستدار لينصرف وقبل أن يصل إلى الباب صاح عبدالحميد بمرح:
 
- على فكرة أنا نسيت أسألك هتنتخب مين. شكلك كده حتقاطع الانتخابات.
 
ابتسم ناجى وقال:
 
- بصراحة أنا كنت حقاطع، لكنى غيرت رأيى وحانتخب حمدين صباحى..عارف ليه؟.. عشان هيكتب عقد مع الشعب وحيفرج عن زملائى المحبوسين ظلم، ولا يمكن يقبل إن نظام مبارك يرجع يحكمنا.
 
ابتسم عبدالحميد وتابعه بنظره حتى خرج من باب المقهى ثم طلب حجرا جديدا للشيشة وراح يدخن ويفكر فى كلام ناجى.
 
الديمقراطية هى الحل
القسم: 
صورة / فيديو: 

حوار بين شاب ثورى ومواطن مستقر!

حدث ذلك فى مقهى «ستراند» فى باب اللوق.. كانت الساعة الخامسة مساء والزبائن قليلون، وخلف الحاجز الزجاجى، جلس شاب يكتب على جهاز «آى باد» أمامه، بينما جلس إلى المائدة المجاورة رجل أشيب يتجاوز الخمسين من العمر، راح يدخن الشيشة باستمتاع. توقف الشاب عن الكتابة ومد ذراعيه جانبا فى الهواء وراح يحرك جسده يمينا ويسارا كأنما يريح عضلاته. بادره الرجل الجالس بجواره قائلا بودٍّ:
- أنت بتذاكر. ربنا معك يا بنى؟
ضحك الشاب وقال:
- أنا تخرجت فى الجامعة من زمان بس أنا شكلى صغير. أنا عمرى 30 سنة.
ابتسم الرجل وقال:
- 30 سنة. يا بختك. أنا عمرى 58 سنة. يعنى باقى لى سنتين على المعاش.
- حضرتك بتشتغل فين؟!
- أنا اسمى عبدالحميد شتا مدير إدارة المراجعة فى وزارة التموين.
مد الشاب يده مصافحا وقال:
- تشرفنا.. أنا ناجى البسيونى مهندس اتصالات، وعندى مكتب كمبيوتر صغير فى ميدان الجيزة.
جذب عبدالحميد نفسا عميقا من الشيشة ثم نفث الدخان الكثيف وقال:
- قل لى يا باشمهندس..هو المشير السيسى هيطلع الليلة تانى فى التليفزيون؟!
ناجى: ما أعرفش والله.
عبدالحميد: بصراحة أنا بأحب أتفرج عليه جدا.. الراجل ده هو البطل اللى بلدنا محتاجة له.. لا مؤاخذة يعنى إحنا كمصريين بنخاف ولا نختشيش.. ما ينفعش معنا إلا الشدة.. عاوزين راجل دكر زى السيسى عشان يشكمنا تمام.
ناجى: الحقيقة يا أستاذ عبدالحميد الشعب المصرى أحسن من اللى حضرتك بتقوله. لو كنا جبنا زى ما بتقول ما كناش قدرنا نعمل ثورة ونحبس رئيسين فى ثلاث سنوات.. أى رئيس جمهورية وظيفته خدمة الشعب وتطبيق القانون ومش وظيفته إنه يشكم الناس كإنهم فراخ أو أرانب.
نظر إليه عبدالحميد باسترابة وقال:
- هو إنت من النشطاء بتوع الثورة؟
ناجى: على فكرة لفظ نشطاء اخترعه الإعلام الفاسد للسخرية من الثوريين. أنا مهندس. اشتركت فى الثورة ولى الفخر.. الثورة كانت أجمل وأنبل أيام حياتى.
عبدالحميد: طيب وأنت مش عاجبك السيسى فى إيه؟
ناجى: من قال لك إنه مش عاجبنى؟!. المشير السيسى قام بدور عظيم وساند الشعب فى التخلص من الإخوان الإرهابيين.. لكن ده مش معناه إن إحنا نوقع له على بياض ولا معناه إنه بالضرورة ينفع رئيس جمهورية.
بدا على عبدالحميد بعض الارتباك فبدأ ناجى يشرح على مهل:
- افرض يا حاج إنك راجع البيت فقابلت مجرمين هجموا عليك بالمطاوى وسرقوك، وفجأة، ظهر ضابط شرطة قبض على المجرمين وأنقذك منهم.
عبدالحميد: يبقى كتر خيره ويبقى بطل.
ناجى: هو فعلا يبقى بطل، لكن هل ده معناه إنه ينفع يشتغل وزير التموين؟!
عبدالحميد: لا طبعا دى حاجة ودى حاجة.
ناجى: الله ينور عليك.. يبقى كون السيسى قائد عسكرى عظيم، وكونه قام بدور وطنى مش معناه بالضرورة إنه ينفع رئيس جمهورية..
عبدالحميد: اسمح لى يا ناجى.. إنت فى سن ابنى.. طريقة تفكيرك دى حتودى البلد فى داهية.. إحنا ما صدقنا لقينا رجل نثق فيه يقدر يطلع البلد من المصيبة اللى وقعت فيها.. كفاية ثورة بقى. خدنا إيه من الاعتصامات والإضرابات غير وجع الدماغ ووقف الحال.
ناجى: الثورة عمرها ما كانت سبب وقف الحال لأنها لم تحكم أساسا.. السبب فى تدهور الوضع المجلس العسكرى اللى حكم بعد مبارك، واللى كان السيسى عضو فيه والمسؤول معهم الإخوان، اللى المجلس العسكرى ساعدهم على الوصول لحكم مصر.
عبدالحميد (محتدا): لا يا سيدى. اللى جاب لنا الإخوان هم النخبة الفاسدة اللى راحت دعمت مرسى فى الانتخابات ووقّعوا معه اتفاق فى فندق فيرمونت.
ناجى (مبتسما): على فكرة الكلام ده غير صحيح.. رغم إنى اعترضت على اتفاق فيرمونت، لكنه للأمانة اتعمل بعد إغلاق صناديق الانتخابات.. الشخصيات السياسية اللى اجتمعوا فى فندق فيرمونت أخذوا تعهدات من مرسى بحماية الثورة، ولم يدعموه فى الانتخابات لأنها كانت انتهت أساسا.. لكن للأسف القنوات الفضائية المملوكة لفلول مبارك بتعمل عملية غسيل مخ للناس عشان يكرهوا الثورة واللى عملوها. افتكر يا حاج مين اللى غيّر لجنة تعديل الدستور ووضع فيها الإخوان؟ مين اللى سمح بقيام الأحزاب الدينية أساسا مع إنها ممنوعة فى الإعلان الدستورى؟ مين اللى سكت على تجاوزات الإخوان أثناء انتخابات مجلس الشعب؟ مين اللى سلم مرسى السلطة عن طريق انتخابات، بنكتشف دلوقت إنها مزورة؟ الإجابة دائما هى إن المجلس العسكرى هو اللى تعمد تسليم السلطة للإخوان، بالإضافة إلى المذابح اللى حصلت ومات فيها شباب كتير، والمسؤول عنها أيضا المجلس العسكرى.
عبدالحميد: المشير السيسى كان عضو فى المجلس العسكرى، لكن المسؤول الوحيد هو المشير طنطاوى، لأنه كان القائد وبقية الأعضاء بينفذوا أوامره.
ناجى: بغض النظر عن مسؤولية المشير السيسى، أى مصرى استشهد فى خلال الثلاث سنوات لازم يتحقق له القصاص.. لابد من عدالة انتقالية لأن أجهزة الدولة مازالت بنفس تركيبة نظام مبارك ولا يمكن إنها تدين نفسها بنفسها.. لاحظ إن المشير السيسى لم يتكلم إطلاقا عن العدالة الانتقالية، ولا حقوق الشهداء، ولم يتكلم عن محاربة الفساد ولا استرجاع الأموال المهربة من مبارك وعصابته، بالإضافة إلى إن أعضاء حملة السيسى نصفهم فلول.
عبدالحميد: يعنى عاوز المشير السيسى يستبعد اللى بيحبوه؟!
ناجى: لازم يستبعدهم. الموضوع هنا مش شخصى.. لو السيسى مع الثورة فعلا يبقى لا يمكن يعطى فرصة لعودة نظام مبارك اللى رموزه بينافقوه من أجل الاحتفاظ بثرواتهم المنهوبة من الشعب. إذا كان السيسى مع الثورة فكيف يسمح بحبس شبان الثورة لمجرد إنهم مشيوا فى مظاهرة؟!
عبدالحميد: قانون تنظيم التظاهر موجود فى كل البلاد الديمقراطية.
ناجى (مبتسما): ده كلام الإعلام الكذاب. مافيش بلد ديمقراطى فى الدنيا ينحبس فيه مواطن خمس سنين لأنه مشى فى مظاهرة.
عبدالحميد: طيب وهو المشير السيسى ماله بقانون التظاهر؟
ناجى: السيسى قال بنفسه فى التليفزيون إنه طالب بقانون التظاهر، يعنى هو موافق على حبس الناس ظلم.. أنا لى أصحاب كتير مرميين فى السجن مع المجرمين لأنهم رفعوا لافتة أو مشيوا فى مظاهرة وأحيانا كانوا معديين فى الشارع.
عبدالحميد: يعنى أنت عاوز كل يوم مظاهرات لغاية لما البلد تخرب؟!
ناجى: أنا موافق على تنظيم المظاهرات إنما المتظاهر السلمى لا يجوز ينحبس خمس سنين، بينما قناص العيون اللى فقع عيون عشرات الشبان بالخرطوش ينحبس تلات سنين. المظاهرات دى بتعكس أزمة اجتماعية.. كل الوزارات عندها صناديق خاصة فيها مليارات الجنيهات محجوزة للمحظوظين. مئات الموظفين فى الدولة بيقبضوا مليون جنيه فى الشهر وملايين المصريين مش لاقيين ياكلوا. الأغنياء فى مصر بيدفعوا أقل ضرائب فى العالم ده لو دفعوها أساسا.. اللى حيمنع المظاهرات هو العدل مش القمع.
عبدالحميد: شبعنا كلام نظرى. إحنا محتاجين الأمن أولا وبأى ثمن.. أنا عندى بنت فى الجامعة.. والله العظيم كل يوم أبقى مرعوب لغاية لما ترجع البيت..
ناجى: كلامى مش نظرى. نفترض إن عندك شقة مفروشة وأنا جبت لك رجل يسكنها. ينفع تسكِّنه من غير عقد؟
عبدالحميد: ما ينفعش من غير عقد.
ناجى: حتى لو قلت لك إنه رجل طيب ومتدين.
عبدالحميد: فى كل الأحوال لازم يكتب معى عقد. حد ضامن عمره؟!
ناجى: هل إصرارك على العقد معناه إنك غير واثق فى الساكن.
عبدالحميد: لا طبعا.. الساكن ممكن يبقى سيد الناس لكن برضه لازم يكتب عقد.
ناجى: أنا بقى مش معترض على شخص المشير السيسى، لكنى معترض إنه يتولى رئاسة الجمهورية من غير ما يكتب عقد مع الشعب.. العقد هو نظام ديمقراطى يجعلنا بعد أربع سنين نقدر نشيله من الحكم عن طريق صناديق الانتخابات لو أردنا.
عبدالحميد: يعنى إنت بتعتبر الانتخابات مزورة قبل ما تحصل؟!
ناجى: الانتخابات الديمقراطية لها شروط، من أهمها شفافية التمويل.. يعنى لازم نعرف حجم ثروة كل مرشح وإيه مصدرها. بالإضافة إلى إن قانون الانتخابات مخالف للدستور لأنه قام بتحصين قرارات اللجنة العليا علما بأن التحصين ده كان السبب فى تزوير الانتخابات لصالح مرسى، بالإضافة إلى إن قانون الانتخابات بيحسب الدعم المالى ولا يحسب الدعم العينى، يعنى لو عملت لافتات وسرادقات بالملايين للمرشح يبقى خارج الحساب. هذه الانتخابات غير ديمقراطية حتى لو ما حصلش تزوير.. المشير السيسى نفسه قال إن الديمقراطية ما تنفعش فى مصر إلا بعد عشرين سنة.. يعنى هو عارف إنه لا توجد ديمقراطية الآن.
عبدالحميد: مهما قلت.. أنا باحب السيسى.
ضحك ناجى بود، وقال: حقك يا أستاذ عبدالحميد. لكن افتكر إن المصريين لما أحبوا عبدالناصر واستغنوا عن الديمقراطية كانت النتيجة هزيمة 1967.. المفروض نتعلم من التاريخ.
عبدالحميد: برضه باحب السيسى وهانتخبه.
ناجى: كان نفسى أكمل المناقشة، لكن عندى ميعاد فى المكتب.. فرصة سعيدة جدا.
وقف عبدالحميد وصافح ناجى بحرارة وتبادلا أرقام التليفونات.. حمل ناجى جهاز الآى باد واستدار لينصرف وقبل أن يصل إلى الباب صاح عبدالحميد بمرح:
- على فكرة أنا نسيت أسألك هتنتخب مين. شكلك كده حتقاطع الانتخابات.
ابتسم ناجى وقال:
- بصراحة أنا كنت حقاطع، لكنى غيرت رأيى وحانتخب حمدين صباحى..عارف ليه؟.. عشان هيكتب عقد مع الشعب وحيفرج عن زملائى المحبوسين ظلم، ولا يمكن يقبل إن نظام مبارك يرجع يحكمنا.
ابتسم عبدالحميد وتابعه بنظره حتى خرج من باب المقهى ثم طلب حجرا جديدا للشيشة وراح يدخن ويفكر فى كلام ناجى.
الديمقراطية هى الحل

القسم: