ياسر رزق

ياسر رزق عن «المصري اليوم»: أيام لها تاريخ

في الأسابيع الأولى من التحاقى بأسرة «المصري اليوم» كنت ألحظ ابتسامات زملائى، وهم يسمعوننى أقول عبارة «عندنا في أخبار اليوم»، واليوم ألحظ نفس الابتسامات على وجوه زملائى في دار أخبار اليوم، وأنا أقول: «عندنا»، وأقصد «المصري اليوم»!
متعة أن تنتمى إلى أسرة «المصرى اليوم» ذات السنوات العشر، هذه الجريدة المقاتلة في سبيل حق المواطن في المعرفة، وحق الشعب في وطن حر.. وشرف أن تقود كتيبتها الصحفية، في معركة تاريخية فاصلة، خاضها الشعب على مدار عام، وكان رأس حربتها في ميدان الصحافة جريدة «المصرى اليوم».. ولقد حظيت بتلك المتعة، ونلت ذلك الشرف على مدى 500 يوم.
أذكر كل يوم من تلك الأيام بإعزاز وحنين، أقلب في مجلدات «المصرى اليوم» لعامى 2012 و2013، أقرأ الموضوعات والتغطيات الواسعة لأحداث عام الغضب تحت حكم الإخوان، وأطالع العناوين: «انتفاضة 23 نوفمبر»، «الشعب في الميادين: يسقط حكم المرشد»، «المزورون»، «باطل»، «مرسى يتحدث عن بلد تانى»، «البلد على فوهة بركان»، «فات الميعاد»، وأخيراً «ثورة 30 يونيو»، و«عزل مرسى بأمر الشعب».
كانت «المصري اليوم» هي السجل التاريخى لكفاح الشعب المصرى من أجل التحرر من الاحتلال الإخوانى لسلطة الحكم.
كانت أيضاً في قلب الجماهير، محفزة، ودافعة، وداعمة، محذرة من «الجيش إذا غضب»، ومبشرة بانتصار إرادة الشعب.
لم يرتج لـ«المصرى اليوم» قلم، ولا اهتزت لها عدسة، بل زادتها الضغوط إصراراً على المضى قدماً، والتهديدات يقينا بأنها تسلك طريق الصواب، وفى الوقت نفسه ألزمت نفسها بألا تتنكب مهنيتها وألا تتدنى في خصومتها.
وأشهد أن مؤسس «المصرى اليوم» المهندس صلاح دياب لم يراجعنى يوما في عنوان، أو خبر، أو مقال رأى، وكان في أحلك الظروف صلباً لا ينحنى، مسانداً لا يتردد، مؤمناً بأن «المصرى اليوم» لا يمكن أن تخون المصرى اليوم أو غداً.
وأذكر حين انفردت الجريدة في شهر إبريل عام 2013، بنشر نصوص مكالمات محمد بديع ومحمد مرسى التي أجرياها مع قيادات حماس قبل وأثناء ثورة يناير، أننى وجدت المهندس صلاح دياب يهاتفنى مهنئاً، وعلمت من زميلى صاحب الانفراد يسرى البدرى، أنه اتصل به يشد من أزره، وسط جنون غضب أصاب نظام المرشد وأتباعه في السلطة على «المصرى اليوم» ومؤسسها!
قبل 15 يوما من ثورة 30 يونيو، تمكن تحالف التوتر والسجائر من إسقاطى للمرة الثالثة فريسة لذبحة صدرية.
في المستشفى، كان المهندس صلاح دياب في صدارة زملائى قبل أن أقتيد إلى غرفة العمليات، وكان أول من زارنى بعدما خرجت منها بدعامتين جديدتين في قلب صار ذا دعامات أربع!
وفى يوم مغادرتى المستشفى، أصر صلاح دياب ومعه صديقى وأخى توفيق دياب، العضو المنتدب لـ«المصرى اليوم»، على أن يصطحبانى إلى لندن، لاستكمال العلاج والفحوصات، تاركين أعمالهما ومشاغلهما، في لفتة ليست غريبة على من يعرف حقاً دياب الأب والابن، وكانا معى ومن قبلى في عيادات الأطباء والجراحين.
في العاصمة البريطانية، لم أكن ولا المهندس صلاح دياب بعدين عما يجرى داخل مصر في الأسبوع الأخير لحكم الإخوان، بل شاءت الظروف والمصادفات، أن نكون أقرب إلى قلب الأحداث، لكن لهذا قصة قد يحين أوانها!
وعدنا قبل 30 يونيو بثلاثة أيام، وكانت الطائرة بأحاديث ركابها وطاقمها تموج بثورة في حالة مخاض.
ومن أشد ما أعتز به من ذكريات في «المصرى اليوم» انفرادها بأول حوار صحفى يدلى به الفريق أول عبدالفتاح السيسى -حينذاك- وهو الحوار الذي كان له دوى سياسى وإعلامى هائل داخلياً وخارجياً، وأصاب «الإخوان» وذيولهم بحالة سعار مازال صدى عوائها يتردد!
أعتز أيضاً بأن الجائزة الصحفية الرابعة في مشوارى المهنى وهى جائزة الصحافة العربية نلتها عن هذا الحوار، وكان أول من أبلغنى بنبأ فوزى بها جنتلمان الصحافة والسياسة محمد سلماوى، رئيس مجلس أمناء «المصرى اليوم».
في العيد العاشر لـ«المصرى اليوم»، يحق لأسرة الجريدة أن تنظر إلى الوراء بفخر، وأن تستعيد ذكريات انتصاراتها باعتزاز، وأن تتطلع إلى المستقبل بثقة في أنها قادرة على البناء أعلى مما أنجزت.

القسم: 

ما لم يكتبه الجنزورى

لا أظن الدولة المصرية عرفت رجلاً- غير الدكتور كمال الجنزورى- ظل فى قلب المسؤولية الوطنية والعمل العام طوال نصف قرن كاملة منذ عهد الزعيم جمال عبدالناصر، إلى فترة الرئيس عدلى منصور.
ولا أظن أن هناك- غير الدكتور الجنزورى- من يعلم بتفاصيل ودقائق مشكلات البلاد المزمنة، ومن يحفظ ألاعيب البيروقراطية المصرية المتوطنة فى الجسد الحكومى، ومن يحمل مفاتيح حلول المشكلات والأزمات المستعصية، ومن يملك جسارة الحلم وعمق الرؤية جنباً إلى جنب مع إحساس غريزى بنبض الشارع وأوجاع المواطن البسيط.
ورغم عزوف الدكتور كمال الجنزورى عن الحديث لوسائل الإعلام، وإيثاره الصمت فى أجواء اللغو، وفى أوقات يغدو معها السكوت أفصح من الكلام، فقد فاجأنا بمؤلفين مرة واحدة، أولهما كتاب «مصر والتنمية»، الذى أورد فيه بإسهاب رؤيته لتنمية مصر، التى سعى لتطبيقها فى تجربته الذهبية حين شغل لأول مرة منصب رئيس الوزراء عام 1996 ولمدة 3 سنوات.
والكتاب الثانى وهو بعنوان «طريقى»، وقد روى فيه مشوار حياته من قريته بمركز الباجور بمديرية المنوفية، إلى خروجه المثير للجدل من منصب رئيس الوزراء فى أكتوبر عام 1999، مروراً بعمله فى عهدى ناصر والسادات خبيراً فى معهد التخطيط القومى، ثم وكيلاً لوزارة التخطيط، فمحافظاً للوادى الجديد ومن بعدها بنى سويف، ثم انضمامه إلى أول حكومة فى عهد مبارك وزيراً للتخطيط، فنائباً لرئيس الوزراء فى أكثر من حكومة.
ولقد استمتعت أيما متعة بكتابى الدكتور كمال الجنزورى، لاسيما كتاب «طريقى»، الذى يفصح عبر سرد وقائع وكشف أسرار عن سمات شخصيته- كما أعرفها- فهو يعف عن ذكر أحداث ليس عليها شهود أحياء، ويكبح صراحته المعهودة إذا استشعر أنها قد تدهس كرامة أشخاص أو تسىء إلى ذكرى راحلين.
ومع ذلك.. فقد شعرت بأن «طريق الدكتور الجنزورى» ينقصه كتابان آخران، الأول يروى المشوار الأهم فى حياته السياسية إبان مرحلة الانتقال الأولى عقب ثورة 25 يناير 2011، وتوليه رئاسة حكومة الإنقاذ فى ديسمبر من نفس العام، وحتى خروجه من الحكومة فى مطلع أغسطس عام 2012 بعد تولى الدكتور محمد مرسى رئاسة الجمهورية بأسابيع.
والثانى يكشف دوره الأخطر وغير المعروف فى الذود عن الدولة المصرية، والحيلولة دون انتشار «السوس الإخوانى» فى مفاصلها وعمودها الفقرى وجهازها العصبى أثناء الفترة العصيبة التى مرت بها البلاد فى عام حكم مرشد الجماعة وتابعه مرسى. ابن دولة ثورة يوليو البار، كان أحد أبرز الدافعين إلى ثورة يونيو، والمؤمنين بأنها حتماً آتية
وأسمح لنفسى بأن أقول وقد اقتربت من الدكتور الجنزورى وتوثقت علاقتى به فى غضون السنوات الثلاث الماضية، إنه لو أنصت البعض لنصائحه الصادقة، وأخذ بها ما كانت الأمور قد جرت إلى مجراها العسير فى ختام المرحلة الانتقالية الأولى، وأستطيع أن أزعم من خلال ما سمعت وشاهدت، وعشت قبيل مرحلة الانتقال الثانية أن الرجل وهو ابن دولة ثورة يوليو البار، كان أحد أبرز المبشرين والدافعين إلى ثورة يونيو والمؤمنين بأنها حتماً آتية، حين كانت الشكوك غلابة، وكان الضباب سائداً.
ومن يدرى لعل فى طريق الجنزورى مشواراً آخر.

القسم: 

ياسر رزق يكتب: السيسي.. الذي أعرفه

لا أذكر أنني ترددت يوماً قبل أن أكتب بقدر ما أشعر الآن!
 
كلما أمسكت بالقلم لأسطر مقالي عن ثورة شعب توقعتها قولاً وكتابة، مقبلة كالقدر المحتوم، وعن غضبة جماهير كنت أرى وهج لهيبها من قبل أن أسمع دوي انفجارها، وعن نزول ثان للجيش كنت واثقاً أنه آت لا محالة، درءاً لفوضى، وصوناً لأمن وطن، وحماية لمقدرات شعب، وحفاظاً على تماسك دولة تلين مفاصلها وتتداعى.
 
كلما شرعت أن أكتب عن غروب نظام حكم بائس كفيف البصر، منزوع البصيرة، حذرت مراراً من أنه أصم، لا يسمع أجراس خطر تدق، وهو يندفع بالبلاد إلى طريق الهلاك، وعن أفول جماعة كنت أؤمن، رغم شهوتها للسلطة، وجشعها للتمكن، ونهمها للاستحواذ، أنها لن تعدو أن تكون - وقد كانت - جملة اعتراضية في تاريخ الوطن.
 
كلما هممت بالكتابة عن ماض يأنف منه التاريخ، وعن مستقبل تبدو الطريق إليه وعرة محفوفة بألوان المخاطر، راودني قلمي أن أكتب عن رجل كان مثار تساؤل المصريين حيناً، وموضع حيرتهم حيناً، ثم صار مناط أحلامهم، ومصدر إعجابهم.
 
■ ■ ■
 
التقيت أول ما التقيت باللواء أركان حرب عبدالفتاح السيسي منذ 28 شهراً، بعد أسابيع من ثورة الـ18 يوماً، كان وقتها مديراً للمخابرات الحربية، جمعنا لقاء خاص ضم أيضاً ثلاثة من كبار قادة القوات المسلحة وثلاثة من كبار المثقفين، كانت هي المرة الأولى التي أتعرف عليه عن قرب، رغم 25 عاماً قبلها أمضيتها محرراً عسكرياً، توثقت فيها علاقتي بمعظم قادة وقيادات القوات المسلحة.
 
تركز الحديث خلال اللقاء عن أسرار وتفاصيل دور الجيش في مساندة ثورة 25 يناير، وعن خارطة الطريق للمرحلة الانتقالية الأولى التي رفعت البناء من قبل وضع الأساس، فبدأت بالانتخابات البرلمانية وانتهت بالدستور، فكان ما كان!
 
يومها.. خرجنا من اللقاء مأخوذين بشخصية هذا القائد الشاب، الهادئ، المثقف، المتدين، مرتب التفكير، منظم العبارات، المفعم بالاعتزاز بالوطنية المصرية والمؤسسة العسكرية العريقة.
 
بعدها.. عرفت أن هذا القائد الشاب هو أول من تنبأ في القوات المسلحة بثورة الشعب على نظام مبارك، ووضع تقريراً يتضمن تقدير موقف لتداعيات الأحداث وصولاً إلى انتفاضة شعبية ستطيح بالنظام، وسلم التقرير إلى المشير طنطاوي في مطلع شهر أبريل عام 2010، وسأله المشير: «كيف ترى أن نتصرف حينئذ؟!»، فأجابه قائلاً: «سنساند انتفاضة الشعب ولن نطلق رصاصة على أحد من أبنائه».
 
كان «السيسي» يتوقع في تقريره أن تقوم الانتفاضة في مايو عام 2011، انطلاقاً من معلومات كانت تشير إلى احتمال اعتزال مبارك في عيد ميلاده الثالث والثمانين، وترك الحكم إرثاً لابنه، لكن الثورة جاءت مبكرة عن ذلك الموعد بثلاثة عشر أسبوعاً، لسببين هما التزوير الفاجر لانتخابات مجلس الشعب في نهاية عام 2010، ثم الثورة التونسية.
 
ولقد كتبت وقتها عن قصة القائد الكبير «طنطاوي» والجنرال الشاب «السيسي» دون أن أشير إلى أبطالها.
 
■ ■ ■
 
تعددت المناسبات التي جمعتني باللواء السيسي في الشهور التالية، وزادت كثافة الاتصالات بيننا مع اقتراب انتهاء المرحلة الانتقالية، وكان من شبه المسلم به بين قيادات القوات المسلحة أن «السيسي» هو القائد العام المنتظر، بعد الاعتزال المتوقع للمشير طنطاوي والفريق سامي عنان، رئيس الأركان، عند تسليم السلطة للرئيس المنتخب.
 
وأذكر في بواكير الحملة الانتخابية الرئاسية أن سألني اللواء السيسي عن توقعاتي لنتائج التصويت، فقلت له: «من المبكر الجزم، لكن مسار الحملة في بدايتها يشير إلى احتمال إعادة بين عمرو موسى وعبدالمنعم أبوالفتوح، وكان ذلك قبل أسابيع من إجراء المناظرة الشهيرة بينهما»، فرد علي «السيسي» قائلاً: «وأين اسم الدكتور محمد مرسي؟! في تقديري أنه سيكون طرفاً في الإعادة»، استبدت بي الدهشة لأن محمد مرسي كان «استبن» خيرت الشاطر، وكانت استطلاعات الرأي وقتها تضعه في المركز الأخير بين أقوى 5 مرشحين، لكني قمعت دهشتي لأنني أعرف دقة تقديرات اللواء السيسي.
 
وحينما فاز مرسي بالرئاسة، سألت اللواء السيسي: هل تعتقد أن مرسي قادر على التحرر من سيطرة الجماعة ومكتب إرشادها ومرشدها العام؟!
 
وكانت إجابته ذات المغزى العميق: «المسألة ليست هل هو قادر.. وإنما هل هو يريد؟».
 
■ ■ ■
 
تردد المشير طنطاوي في اتخاذ قراره بالترجل يوم 30 يونيو 2012، وأحجم عن الاعتزال وهو في ذروة مجده، حاكماً يسلم السلطة لرئيس منتخب، ولم يكن يتخيل أنه يترك مهمة كتابة ورقة النهاية في مشواره العسكري للرئيس مرسي الذي صور الأمر على أنه يوم النصر المؤزر لجماعة الإخوان على حكم العسكريين الذي دام 60 عاما.
 
في يوم 12 أغسطس، أصدر مرسي قراراً بتعيين الفريق أول عبدالفتاح السيسي قائداً عاماً ووزيراً للدفاع والفريق صدقي صبحي «قائد الجيش الثالث» رئيساً للأركان، والحقيقة أن مرسي وضع توقيعه على قرار المؤسسة العسكرية باختيارها قائدها ورئيس أركانها الجديدين.
 
ومنذ تولي السيسي قيادة القوات المسلحة يوم 12 أغسطس الماضي، دارت ماكينة الشائعات الإخوانية بنشاط تروج لأن السيسي إخوانى، أباً وعماً وأبناء وزوجة منتقبة، وأنه ذراع الجماعة في أخونة وأسلمة القوات المسلحة، وكنت أسمع وأطالع تلك الشائعات وأسخر منها، قولاً وكتابة، فهو أبعد ما يكون عن فكر الجماعة، وإن كان أقرب من قياداتها فهماً لصحيح الدين ووسطية الإسلام، بل أكاد أقول إنه يعتنق مبدأ الوطنية المصرية الذي تخاصمه الجماعة، ويؤمن بأن جماهير الشعب هي القائد والمعلم، وليست كما تراها الجماعة، قطيعاً يُساق، وجموعاً تنقاد.
 
كان هدف الجماعة هو تيئيس الشعب المصري من الاحتفاظ بجيشه وطنياً خالصاً، نقياً من فيروسات الانتماءات السياسية، ومن كثرة الكذب، يبدو أن قيادات الجماعة صدقت أكاذيبها!
 
بعدما تولى السيسي منصبه، كان همه الأول هو استعادة الكفاءة القتالية لوحدات وتشكيلات القوات المسلحة بعد 18 شهراً أمضتها في الشوارع والميادين، وتطوير تسليحها وفق خطة مدتها عام، وكان تركيزه الرئيسي هو إبعاد الجيش المصري عن اللعبة السياسية والصراعات الحزبية، وكان يأمل - كما قال لى - أن تتوافق القوى السياسية من أجل مستقبل البلاد، وأن ينجح الرئيس المنتخب في مهمته الصعبة، وأن ينأى بنفسه عن الدخول في صدامات مع ركائز الدولة وأعمدتها، خاصة أن مرسي كان قد انزلق إلى صدام مع القضاء، حينما حنث باليمين الذي أقسمه على احترام الدستور والقانون وألغى قرار تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان مجلس الشعب بعد ثمانية أيام لا غير من توليه منصبه.
 
■ ■ ■
 
حلت ذكرى نصر السادس من أكتوبر، وكان الاحتفال الذي أقيم بهذه المناسبة كارثياً بكل المقاييس!
 
فقد سحب مرسي تنظيم مراسم الاحتفال من القوات المسلحة وأسندها إلى وزير شبابه الإخواني، وتجاهل دعوة قيادات حرب أكتوبر إلى الاحتفال، وملأ المدرجات بأعضاء حزب الحرية والعدالة، وأجلس في المنصة الرئيسية قتلة الرئيس الراحل السادات بطل الحرب، وأبعد وزير الدفاع وقادة القوات المسلحة عن صدارة المشهد في يوم عيدهم.
 
نكأ هذا الاحتفال جراح رجال الجيش التي لم تبرأ من صدمة الخروج غير الكريم للمشير طنطاوي والفريق سامي عنان، ووصل الغضب في صفوف القوات المسلحة إلى درجة الغليان، وبدا أمام الجميع أن مرسي فقد اعتباره كقائد أعلى للقوات المسلحة.
 
زادت النقمة في الأيام التالية، مع ترافق عدد من الأحداث، منها نشر خبر في إحدى الصحف يسيء إلى طنطاوي وعنان، وتسابق المواقع الإلكترونية الإخوانية إلى بث كل ما يشوه صورتهما، ثم دعوة السيسي إلى اجتماع في الرئاسة لمناقشة تأمين «مليونية الحساب»، وتبين أن الغرض من الاجتماع هو استبعاد النائب العام، ومحاولة الزج بالجيش في صراع الرئاسة مع القضاء.
 
ولأول مرة منذ تولي مرسي السلطة، صدر بيان باسم قادة وضباط وصف وجنود القوات المسلحة يعبر عن استيائهم من الإساءة لقادتها السابقين، وكانت تلك أول إشارة حمراء لمرسي وجماعته.
 
■ ■ ■
 
يوماً بعد يوم، تفاقمت أخطاء مرسي وخطايا جماعته، وتردت أحوال الشعب اقتصادياً وأمنياً، وباتت زياراته الخارجية مصدر إحراج للوطن ومثار سخرية للجماهير بسبب تصرفاته التي تنطوي على جهل فاضح بأصول البروتوكول، وأدائه الذي يتناقض مع مسلك رجل الدولة.
 
غير أن القطيعة بين نظام مرسي والشعب وقعت عندما أصدر يوم 21 نوفمبر الماضى إعلانه الدستوري الذي يخاصم كل الأعراف والقواعد القانونية والدستورية، ثم إعلانه الدستوري المعدل الذي أصدره يوم 8 ديسمبر وحاول به خداع الجماهير، لكنه فشل فشلاً ذريعاً.
 
بعد ثلاثة أيام لا غير من الإعلان الأخير.. خرجت مئات الآلاف من جماهير الشعب الغاضبة تحاصر «الاتحادية» وتهتف برحيل مرسي، فيما عرف بيوم «الثلاثاء العظيم»، بينما كان مرسي ورجاله في داخل القصر يتداولون في مستقبلهم بعد الرحيل!
 
انفض التظاهر بسبب حماقة بعض القوى السياسية، دون أن تدرك أن استمراره عدة أيام تالية كان كفيلاً بإسقاط مرسي.
 
■ ■ ■
 
بعدها بيوم دعا السيسي إلى لقاء بالقرية الأوليمبية للدفاع الجوي بالتجمع الخامس يجمع الرئيس بكل القوى السياسية، بغرض الخروج من المأزق السياسي والوصول إلى توافق، وأطلع الرئيس على دعوته قبل إعلانها ورحب بها الرئيس.
 
وبينما كان المدعوون في طريقهم إلى مقر اللقاء، جاءتهم مكالمات عاجلة تبلغهم بإرجاء الاجتماع إلى أجل غير مسمى، وكان مرسي - بضغط من المرشد - قد عدل عن رأيه، وطلب من السيسي إلغاء اللقاء!
 
حل العام الجديد.. وحمل معه المزيد من الأزمات!
 
في 30 يناير.. التقى السيسي بطلبة الكلية الحربية، ومن داخل هذا الصرح العلمي العسكري العريق بعث برسالة إلى الرئيس وكل القوى السياسية يحذر فيها من خطر «انهيار الدولة» ثم التقى السيسي بـمرسي وقال له بوضوح: «لقد فشلتم ومشروعكم قد انتهى»!
 
بعدها بأسبوعين.. أعلن الفريق صدقي صبحي، رئيس الأركان، لتليفزيون أبوظبي تصريحه القنبلة الذي قال فيه: «إن القوات المسلحة لا تنتمي لفصيل ولا تمارس السياسة، وعينها على ما يدور، وإذا ما احتاجها الشعب ففى أقل من ثانية ستكون موجودة في الشارع».
 
في يوم 17 يناير.. سرت موجة من الشائعات عبر المواقع الإلكترونية تفيد بوجود نية لإقالة السيسي، وتتبعت أجهزة القوات المسلحة الشائعة واكتشفت أن مصدرها مواقع تابعة لجماعة الإخوان.. وصدر في اليوم التالي تصريح ناري لمصدر عسكري قال فيه: «إن إقالة السيسي تعني انتحاراً سياسياً للنظام بأكمله».
 
كانت السبل قد تقطعت بين الاتحادية ومقر وزارة الدفاع، بعد أن تقطعت بينها وبين القضاء والإعلام والشرطة، وقبل كل ذلك بينها وبين الشارع والقوى السياسية.
 
وفي آخر لقاء بين مرسي وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة يوم 12 أبريل الماضى، سمع الرئيس من القادة عرضاً أميناً للوضع المتردي بالبلاد، وسمع آراء صريحة وقاطعة في مواقفه الغريبة المريبة من قضية حلايب ومشروع قناة السويس.
 
ولأول مرة بعد اجتماع عسكري يخرج وزير الدفاع ليتحدث جنباً إلى جنب مع الرئيس الذي وقف بين القادة مشدوداً مشدوهاً، وكأنه في وضع «انتباه»!
 
مضت الأيام ثقيلة على قلوب المصريين، وولدت حركة «تمرد» نهاية أبريل ليبدأ فصل جديد في حياة المصريين.
 
■ ■ ■
 
في يوم 11 مايو.. دعا الفريق أول السيسي نخبة من رجال الفكر والثقافة والإعلام والفن والرياضة، لحضور مراسم «تفتيش حرب» للفرقة التاسعة المدرعة بمنطقة دهشور جنوب غرب الجيزة. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها مدنيون هذا النشاط العسكرى شديد الحساسية.
 
كان يوماً رائعاً.. اختلط فيه مشاهير الفن والرياضة والإعلام برجال القوات المسلحة البواسل وتعالت هتافات «الجيش والشعب إيد واحدة».
 
وفي منصة الاحتفال.. تحدث الفريق أول السيسي للحاضرين، وتبادل معهم الحوارات.. ثم سأله المحامي الكبير القدير رجائي عطية عن نزول الجيش إلى الشارع.
 
وجاء رد السيسي دشاً بارداً على رؤوس من تصوروا أن الجيش يمكن أن ينوب عن الشعب في الثورة، وأن يطيح بالنظام في انقلاب عسكرى.
 
فقد دعا السيسي القوى السياسية إلى إيجاد صيغة تفاهم بينها، وقال إن نزول الجيش (فى انقلاب) سيعيد البلاد 30 أو 40 عاماً إلى الوراء.
 
وعلى مائدة الغداء التي جمعت قادة القوات المسلحة بالحضور.. تنحيت والفريق أول السيسي جانباً، وسألني عن رأيي في كلمته، فقلت له إنها قد تستقبل على غير المقصود منها، فالجماهير قد تتصور أن الجيش تخلى عنها حتى لو نزلت بالملايين إلى الشوارع، والإخوان قد يتصورون أنها ضوء أخضر لهم ليفعلوا ما يريدون وسألته بوضوح: هل كان ذلك مقصدك؟!.. قال: «طبعاً لا.. موقفنا واضح أننا مع إرادة الشعب حيثما ذهبت».
 
وقبل أن يغادر الحضور قاعة الطعام.. ودعهم الفريق أول السيسي بكلمة شكر رقيقة.. ثم قال لهم كلمة كان لها وقع السحر في نفوسهم: «ما تستعجلوش»، وكررها قائلاً: «علشان خاطرى ما تستعجلوش».
 
وبينما كنت أتأهب لمغادرة مكان الاحتفال.. وقفت مع قائد ميداني كبير.. وقلت له: البلد يختنق والناس في حالة إحباط.. ثم استفززته قائلاً: هل ستتركون الناس لو نزلت فريسة لميليشيات الإخوان؟.. فرد علىّ قائلاً: نحن رهن إشارة الشعب.. ثم أمسك خنصره بإبهامه، مشيراً برقم «3».. وقال: 3 أيام فقط في الشارع.
 
■ ■ ■
 
تسارعت وتيرة الأحداث في البلاد.. تخطت استمارات حركة تمرد رقم 20 مليون استمارة، وتحدد يوم الأحد 30 يونيو موعداً لنزول جموع الشعب إلى الشارع لإسقاط مرسي.
 
كنت في رحلة علاج بلندن، يوم 23 يونيو عندما أطلق السيسي تصريحه المدوى من مسرح الجلاء للقوات المسلحة، والذى أعطى جميع القوى السياسية، وكان يقصد الرئيس - أولاً وأخيراً - مهلة مدتها 7 أيام للتوافق وإنهاء الأزمة قبل حلول يوم 30 يونيو.
 
وعلمت أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان قد اجتمع في لقاء مصغر، واتفق على هذه المهلة.
 
وشاهدت ليل الأربعاء 26 يونيو خطاب مرسي الذي لم يقدم فيه شيئاً يذكر، سوى استعداء من لم يكن قد استعداهم.
 
عدت إلى القاهرة ليل الخميس 27 يونيو، وعلمت أن خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للإخوان، والدكتور سعد الكتاتني، رئيس حزب الحرية والعدالة، طلبا لقاء السيسي غداة كلمته في مسرح الجلاء.. وتم اللقاء فعلاً يوم الاثنين.
 
تحدث خيرت في البداية بنبرة عتاب على المهلة التي أعطاها السيسي، وتركه السيسي يتكلم لمدة تقترب من الساعة، وكان يجلس مبتسماً، وهو يتابع حديث الشاطر المستفز، مما أثار دهشة أحد معاوني السيسي المقربين ممن يعرفونه حق المعرفة، أخذ الشاطر يحذر من أن جماعة الإخوان لن تستطيع السيطرة على كوادرها ولا كوادر حلفائها من جماعات الإسلام السياسي والجماعات المسلحة الأخرى، فى حالة استمرار توتر الأوضاع، وقد تلجأ لمهاجمة وحدات عسكرية فى سيناء وغيرها، وكان الشاطر يتحدث وهو يحرك سبابته وكأنه يضغط على زناد ويصدر أصواتاً يقلد فيها وقع إطلاق الرصاص!
 
انتهى الشاطر من كلامه، ونظر إليه السيسي قائلاً: «خلصت»، ثم اعتدل في مقعده وجلس متنمراً والشرر ينطلق من عينيه، وصاح فيه: ماذا تريدون؟ اهضموا أولاً ما أكلتموه قبل أن تفكروا في مزيد من الطعام.. لقد خربتم البلد.. وكرهتم الناس في الدين.. أنتم ألد أعداء للدعوة الإسلامية، ولن أسمح بترويع الناس ولا إرهابهم، وأقسم بالله أن من يطلق رصاصته على مواطن أو يقترب من منشأة عسكرية لن يكون مصيره إلا الهلاك هو ومن وراءه.
 
امتقع لون الشاطر وأخذ يتلعثم وهو يحاول تهدئة السيسي.. بينما انكمش الكتاتني في مقعده.. وقال للسيسي: قل لنا ماذا تريد؟ فرد عليه: «ما نريده أعطيناه للرئيس في ثلاثة تقارير تتحدث عن خطورة الأوضاع وعن حلول مقترحة»، ثم أعطى الكتاتني صوراً من هذه التقارير قبل أن يغادر والشاطر مكتبه.
 
في هذا اليوم تحديداً.. كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد اتخذ قراره بالإجماع: إذا نزل عشرات الملايين إلى الشوارع والميادين مطالبين بسقوط الرئيس، فسوف يؤيدهم الجيش، وقال السيسي لهم إنه سيواصل جهوده عساه يقنع الرئيس بمطالب الجماهير وأبرزها إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
 
في اليوم التالي.. جلس السيسي ساعتين مع مرسي يحاول إقناعه بتقديم حلول في خطابه المنتظر في المساء دون أن يستعدي أحداً عليه، وبدا على مرسي الاقتناع، ووعد السيسي بأن يحتوي خطابه على هذه الحلول والمقترحات.
 
كالعادة.. نكث مرسي بوعوده، وخرج خطابه على النحو الذى رأيناه وسمعناه.
 
 
■ ■ ■
 
جاء يوم 30 يونيو، وخرج عشرات الملايين في مظاهرات ومسيرات تجوب شوارع وميادين مصر، في مشهد غير مسبوق في التاريخ الإنسانى المعاصر.
 
وانتظر الناس صدور بيان للقوات المسلحة بعد انتهاء مهلة الأيام السبعة، لكن البيان لم يصدر في ذلك اليوم وإنما صدر في اليوم التالى مجدداً المهلة بثمان وأربعين ساعة أخرى، ولعل هذا التجديد يدحض كل المزاعم التي تتقول على ثورة 30 يونيو، وتصف تدخل الجيش استجابة للجماهير بأنه انقلاب عسكري.
 
فلو كانت النية هي الانقلاب لوقع قبل ذلك بشهور، وكانت المناسبات عديدة والفرص متاحة، ولو كان العزم هو الانقلاب ما كانت هناك حاجة لمهلة أولى ولا لزوم، ولو كان القصد هو استغلال الخروج الجماهيري الهائل لإقالة الرئيس، ما أعطيت مهلة ثانية كانت تتيح لمرسي وجماعته إحداث انقسام بين الشعب والجيش، إذا ما وافقوا على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو حتى استفتاء شعبي على رئاسته، ولقلبوا الطاولة على الجميع!
 
وأذكر أن قيادياً بجماعة الإخوان اتصل بي مساء الأول من يوليو بعد صدور بيان المهلة الثانية، وكان في حديثه معي يقلل من حجم الجموع الهائلة التي نزلت الشوارع يوم 30 يونيو، ويرى أن مهلة الثماني والأربعين ساعة مقصود بها القوى السياسية لا الرئيس!
 
وفي يوم إعلان المهلة الثانية.. التقى مرسي مع السيسي، واللواء محمود حجازي، مدير المخابرات الحربية، وحاول استمالتهما قائلاً: «كل اللى انتم عايزينه حاتخدوه!».. فرد عليه القائدان: «لا نريد إلا مصلحة الشعب».
 
تجددت المظاهرات الحاشدة يوم الأربعاء 3 يوليو، وعند الظهيرة.. اتصلت بالدكتور أحمد فهمي، رئيس مجلس الشورى المنحل، الذي عرفت أنه أحد وسطاء اللحظة الأخيرة الثلاثة بين الجيش والرئيس، وسألته عما جرى في لقائه في الصباح مع القيادات العسكرية بمقر إدارة المخابرات الحربية، ورد فعل الرئيس على الوساطة.. وأدركت مما سمعت أن الرئيس لا يعتزم أن يقدم أكثر من إقالة الحكومة وإجراء انتخابات برلمانية!
 
جرت المقادير على نحو ما جرت يوم الثالث من يوليو وما بعده، تولى إدارة شؤون البلاد رئيس المحكمة الدستورية العليا، وتشكلت حكومة جديدة، وبدأت عجلة خارطة الطريق في الدوران باختيار لجنة الخبراء للنظر في تعديل مواد دستور 2012
 
بينما الشارع المصري تتهدده عمليات إرهابية وجرائم عنف وأعمال ترويع، تغذيها دعوات محرضين ضد الجيش وضد المواطنين وضد الوحدة الوطنية، وخيالات موهومين بإمكان عودة عقارب الساعة إلى الوراء، وإحياء من ماتوا سياسياً بغير أمر الله والشعب.
 
■ ■ ■
 
قبل أن يلقي السيسي خطابه في الإسكندرية ويوجه دعوته للشعب بالنزول، التقيته منذ بضعة أيام في مكتبه بمقر الأمانة العامة للقوات المسلحة، ودام اللقاء ساعتين.
 
كان كما عهدته، هادئاً، واثقاً، صافي الذهن، يتحدث عن مستقبل مصر، وهو يرنو أمامه وكأنه يراه ماثلاً مشرقاً، كان السيسي مفعماً بمشاعر وطنية جياشة، إلى حد أن عينيه امتلأتا بالدموع عندما سمع عبارة «شعب مصر الحر العظيم».
 
بدا السيسي صلباً وهو يتمسك بكل عزم وإصرار بأمرين أولهما ألا يترك المواطنين نهباً لترويع، ولا البلاد مسرحاً لإرهاب، والثانى ألا يخوض انتخابات رئاسة الجمهورية بأى حال، مكتفياً بشرف أنه يتولى منصب القائد العام لجيش مصر العظيم، الذي يعتبره منتهى طموحه، وسعيداً بأنه من خلال موقعه يخدم هذا الشعب العظيم بكل إخلاص، ومتمنياً أن يقابل الله حاملاً كتابه بيمينه.
 
وتركت السيسي وهو يقول لي: «إن شاء الله مصر أم الدنيا.. حتبقى قد الدنيا».. وقلت له: «بإذن الله مادام في هذا البلد رجال مخلصون».
 
وغادرت المكان.. وهو يفوح بعطر كرامة يذكرني بالزعيم الاستثنائي جمال عبدالناصر.

القسم: 
صورة / فيديو: 

السيسي.. الذي أعرفه

لا أذكر أنني ترددت يوماً قبل أن أكتب بقدر ما أشعر الآن! كلما أمسكت بالقلم لأسطر مقالي عن ثورة شعب توقعتها قولاً وكتابة، مقبلة كالقدر المحتوم، وعن غضبة جماهير كنت أرى وهج لهيبها من قبل أن أسمع دوي انفجارها، وعن نزول ثان للجيش كنت واثقاً أنه آت لا محالة، درءاً لفوضى، وصوناً لأمن وطن، وحماية لمقدرات شعب، وحفاظاً على تماسك دولة تلين مفاصلها وتتداعى. كلما شرعت أن أكتب عن غروب نظام حكم بائس كفيف البصر، منزوع البصيرة، حذرت مراراً من أنه أصم، لا يسمع أجراس خطر تدق، وهو يندفع بالبلاد إلى طريق الهلاك، وعن أفول جماعة كنت أؤمن، رغم شهوتها للسلطة، وجشعها للتمكن، ونهمها للاستحواذ، أنها لن تعدو أن تكون - وقد كانت - جملة اعتراضية في تاريخ الوطن. كلما هممت بالكتابة عن ماض يأنف منه التاريخ، وعن مستقبل تبدو الطريق إليه وعرة محفوفة بألوان المخاطر، راودني قلمي أن أكتب عن رجل كان مثار تساؤل المصريين حيناً، وموضع حيرتهم حيناً، ثم صار مناط أحلامهم، ومصدر إعجابهم. ■ ■ ■ التقيت أول ما التقيت باللواء أركان حرب عبدالفتاح السيسي منذ 28 شهراً، بعد أسابيع من ثورة الـ18 يوماً، كان وقتها مديراً للمخابرات الحربية، جمعنا لقاء خاص ضم أيضاً ثلاثة من كبار قادة القوات المسلحة وثلاثة من كبار المثقفين، كانت هي المرة الأولى التي أتعرف عليه عن قرب، رغم 25 عاماً قبلها أمضيتها محرراً عسكرياً، توثقت فيها علاقتي بمعظم قادة وقيادات القوات المسلحة. تركز الحديث خلال اللقاء عن أسرار وتفاصيل دور الجيش في مساندة ثورة 25 يناير، وعن خارطة الطريق للمرحلة الانتقالية الأولى التي رفعت البناء من قبل وضع الأساس، فبدأت بالانتخابات البرلمانية وانتهت بالدستور، فكان ما كان! يومها.. خرجنا من اللقاء مأخوذين بشخصية هذا القائد الشاب، الهادئ، المثقف، المتدين، مرتب التفكير، منظم العبارات، المفعم بالاعتزاز بالوطنية المصرية والمؤسسة العسكرية العريقة. بعدها.. عرفت أن هذا القائد الشاب هو أول من تنبأ في القوات المسلحة بثورة الشعب على نظام مبارك، ووضع تقريراً يتضمن تقدير موقف لتداعيات الأحداث وصولاً إلى انتفاضة شعبية ستطيح بالنظام، وسلم التقرير إلى المشير طنطاوي في مطلع شهر أبريل عام 2010، وسأله المشير: «كيف ترى أن نتصرف حينئذ؟!»، فأجابه قائلاً: «سنساند انتفاضة الشعب ولن نطلق رصاصة على أحد من أبنائه». كان «السيسي» يتوقع في تقريره أن تقوم الانتفاضة في مايو عام 2011، انطلاقاً من معلومات كانت تشير إلى احتمال اعتزال مبارك في عيد ميلاده الثالث والثمانين، وترك الحكم إرثاً لابنه، لكن الثورة جاءت مبكرة عن ذلك الموعد بثلاثة عشر أسبوعاً، لسببين هما التزوير الفاجر لانتخابات مجلس الشعب في نهاية عام 2010، ثم الثورة التونسية. ولقد كتبت وقتها عن قصة القائد الكبير «طنطاوي» والجنرال الشاب «السيسي» دون أن أشير إلى أبطالها. ■ ■ ■ تعددت المناسبات التي جمعتني باللواء السيسي في الشهور التالية، وزادت كثافة الاتصالات بيننا مع اقتراب انتهاء المرحلة الانتقالية، وكان من شبه المسلم به بين قيادات القوات المسلحة أن «السيسي» هو القائد العام المنتظر، بعد الاعتزال المتوقع للمشير طنطاوي والفريق سامي عنان، رئيس الأركان، عند تسليم السلطة للرئيس المنتخب. وأذكر في بواكير الحملة الانتخابية الرئاسية أن سألني اللواء السيسي عن توقعاتي لنتائج التصويت، فقلت له: «من المبكر الجزم، لكن مسار الحملة في بدايتها يشير إلى احتمال إعادة بين عمرو موسى وعبدالمنعم أبوالفتوح، وكان ذلك قبل أسابيع من إجراء المناظرة الشهيرة بينهما»، فرد علي «السيسي» قائلاً: «وأين اسم الدكتور محمد مرسي؟! في تقديري أنه سيكون طرفاً في الإعادة»، استبدت بي الدهشة لأن محمد مرسي كان «استبن» خيرت الشاطر، وكانت استطلاعات الرأي وقتها تضعه في المركز الأخير بين أقوى 5 مرشحين، لكني قمعت دهشتي لأنني أعرف دقة تقديرات اللواء السيسي. وحينما فاز مرسي بالرئاسة، سألت اللواء السيسي: هل تعتقد أن مرسي قادر على التحرر من سيطرة الجماعة ومكتب إرشادها ومرشدها العام؟! وكانت إجابته ذات المغزى العميق: «المسألة ليست هل هو قادر.. وإنما هل هو يريد؟». ■ ■ ■ تردد المشير طنطاوي في اتخاذ قراره بالترجل يوم 30 يونيو 2012، وأحجم عن الاعتزال وهو في ذروة مجده، حاكماً يسلم السلطة لرئيس منتخب، ولم يكن يتخيل أنه يترك مهمة كتابة ورقة النهاية في مشواره العسكري للرئيس مرسي الذي صور الأمر على أنه يوم النصر المؤزر لجماعة الإخوان على حكم العسكريين الذي دام 60 عاما. في يوم 12 أغسطس، أصدر مرسي قراراً بتعيين الفريق أول عبدالفتاح السيسي قائداً عاماً ووزيراً للدفاع والفريق صدقي صبحي «قائد الجيش الثالث» رئيساً للأركان، والحقيقة أن مرسي وضع توقيعه على قرار المؤسسة العسكرية باختيارها قائدها ورئيس أركانها الجديدين. ومنذ تولي السيسي قيادة القوات المسلحة يوم 12 أغسطس الماضي، دارت ماكينة الشائعات الإخوانية بنشاط تروج لأن السيسي إخوانى، أباً وعماً وأبناء وزوجة منتقبة، وأنه ذراع الجماعة في أخونة وأسلمة القوات المسلحة، وكنت أسمع وأطالع تلك الشائعات وأسخر منها، قولاً وكتابة، فهو أبعد ما يكون عن فكر الجماعة، وإن كان أقرب من قياداتها فهماً لصحيح الدين ووسطية الإسلام، بل أكاد أقول إنه يعتنق مبدأ الوطنية المصرية الذي تخاصمه الجماعة، ويؤمن بأن جماهير الشعب هي القائد والمعلم، وليست كما تراها الجماعة، قطيعاً يُساق، وجموعاً تنقاد. كان هدف الجماعة هو تيئيس الشعب المصري من الاحتفاظ بجيشه وطنياً خالصاً، نقياً من فيروسات الانتماءات السياسية، ومن كثرة الكذب، يبدو أن قيادات الجماعة صدقت أكاذيبها! بعدما تولى السيسي منصبه، كان همه الأول هو استعادة الكفاءة القتالية لوحدات وتشكيلات القوات المسلحة بعد 18 شهراً أمضتها في الشوارع والميادين، وتطوير تسليحها وفق خطة مدتها عام، وكان تركيزه الرئيسي هو إبعاد الجيش المصري عن اللعبة السياسية والصراعات الحزبية، وكان يأمل - كما قال لى - أن تتوافق القوى السياسية من أجل مستقبل البلاد، وأن ينجح الرئيس المنتخب في مهمته الصعبة، وأن ينأى بنفسه عن الدخول في صدامات مع ركائز الدولة وأعمدتها، خاصة أن مرسي كان قد انزلق إلى صدام مع القضاء، حينما حنث باليمين الذي أقسمه على احترام الدستور والقانون وألغى قرار تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان مجلس الشعب بعد ثمانية أيام لا غير من توليه منصبه. ■ ■ ■ حلت ذكرى نصر السادس من أكتوبر، وكان الاحتفال الذي أقيم بهذه المناسبة كارثياً بكل المقاييس! فقد سحب مرسي تنظيم مراسم الاحتفال من القوات المسلحة وأسندها إلى وزير شبابه الإخواني، وتجاهل دعوة قيادات حرب أكتوبر إلى الاحتفال، وملأ المدرجات بأعضاء حزب الحرية والعدالة، وأجلس في المنصة الرئيسية قتلة الرئيس الراحل السادات بطل الحرب، وأبعد وزير الدفاع وقادة القوات المسلحة عن صدارة المشهد في يوم عيدهم. نكأ هذا الاحتفال جراح رجال الجيش التي لم تبرأ من صدمة الخروج غير الكريم للمشير طنطاوي والفريق سامي عنان، ووصل الغضب في صفوف القوات المسلحة إلى درجة الغليان، وبدا أمام الجميع أن مرسي فقد اعتباره كقائد أعلى للقوات المسلحة. زادت النقمة في الأيام التالية، مع ترافق عدد من الأحداث، منها نشر خبر في إحدى الصحف يسيء إلى طنطاوي وعنان، وتسابق المواقع الإلكترونية الإخوانية إلى بث كل ما يشوه صورتهما، ثم دعوة السيسي إلى اجتماع في الرئاسة لمناقشة تأمين «مليونية الحساب»، وتبين أن الغرض من الاجتماع هو استبعاد النائب العام، ومحاولة الزج بالجيش في صراع الرئاسة مع القضاء. ولأول مرة منذ تولي مرسي السلطة، صدر بيان باسم قادة وضباط وصف وجنود القوات المسلحة يعبر عن استيائهم من الإساءة لقادتها السابقين، وكانت تلك أول إشارة حمراء لمرسي وجماعته. ■ ■ ■ يوماً بعد يوم، تفاقمت أخطاء مرسي وخطايا جماعته، وتردت أحوال الشعب اقتصادياً وأمنياً، وباتت زياراته الخارجية مصدر إحراج للوطن ومثار سخرية للجماهير بسبب تصرفاته التي تنطوي على جهل فاضح بأصول البروتوكول، وأدائه الذي يتناقض مع مسلك رجل الدولة. غير أن القطيعة بين نظام مرسي والشعب وقعت عندما أصدر يوم 21 نوفمبر الماضى إعلانه الدستوري الذي يخاصم كل الأعراف والقواعد القانونية والدستورية، ثم إعلانه الدستوري المعدل الذي أصدره يوم 8 ديسمبر وحاول به خداع الجماهير، لكنه فشل فشلاً ذريعاً. بعد ثلاثة أيام لا غير من الإعلان الأخير.. خرجت مئات الآلاف من جماهير الشعب الغاضبة تحاصر «الاتحادية» وتهتف برحيل مرسي، فيما عرف بيوم «الثلاثاء العظيم»، بينما كان مرسي ورجاله في داخل القصر يتداولون في مستقبلهم بعد الرحيل! انفض التظاهر بسبب حماقة بعض القوى السياسية، دون أن تدرك أن استمراره عدة أيام تالية كان كفيلاً بإسقاط مرسي. ■ ■ ■ بعدها بيوم دعا السيسي إلى لقاء بالقرية الأوليمبية للدفاع الجوي بالتجمع الخامس يجمع الرئيس بكل القوى السياسية، بغرض الخروج من المأزق السياسي والوصول إلى توافق، وأطلع الرئيس على دعوته قبل إعلانها ورحب بها الرئيس. وبينما كان المدعوون في طريقهم إلى مقر اللقاء، جاءتهم مكالمات عاجلة تبلغهم بإرجاء الاجتماع إلى أجل غير مسمى، وكان مرسي - بضغط من المرشد - قد عدل عن رأيه، وطلب من السيسي إلغاء اللقاء! حل العام الجديد.. وحمل معه المزيد من الأزمات! في 30 يناير.. التقى السيسي بطلبة الكلية الحربية، ومن داخل هذا الصرح العلمي العسكري العريق بعث برسالة إلى الرئيس وكل القوى السياسية يحذر فيها من خطر «انهيار الدولة» ثم التقى السيسي بـمرسي وقال له بوضوح: «لقد فشلتم ومشروعكم قد انتهى»! بعدها بأسبوعين.. أعلن الفريق صدقي صبحي، رئيس الأركان، لتليفزيون أبوظبي تصريحه القنبلة الذي قال فيه: «إن القوات المسلحة لا تنتمي لفصيل ولا تمارس السياسة، وعينها على ما يدور، وإذا ما احتاجها الشعب ففى أقل من ثانية ستكون موجودة في الشارع». في يوم 17 يناير.. سرت موجة من الشائعات عبر المواقع الإلكترونية تفيد بوجود نية لإقالة السيسي، وتتبعت أجهزة القوات المسلحة الشائعة واكتشفت أن مصدرها مواقع تابعة لجماعة الإخوان.. وصدر في اليوم التالي تصريح ناري لمصدر عسكري قال فيه: «إن إقالة السيسي تعني انتحاراً سياسياً للنظام بأكمله». كانت السبل قد تقطعت بين الاتحادية ومقر وزارة الدفاع، بعد أن تقطعت بينها وبين القضاء والإعلام والشرطة، وقبل كل ذلك بينها وبين الشارع والقوى السياسية. وفي آخر لقاء بين مرسي وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة يوم 12 أبريل الماضى، سمع الرئيس من القادة عرضاً أميناً للوضع المتردي بالبلاد، وسمع آراء صريحة وقاطعة في مواقفه الغريبة المريبة من قضية حلايب ومشروع قناة السويس. ولأول مرة بعد اجتماع عسكري يخرج وزير الدفاع ليتحدث جنباً إلى جنب مع الرئيس الذي وقف بين القادة مشدوداً مشدوهاً، وكأنه في وضع «انتباه»! مضت الأيام ثقيلة على قلوب المصريين، وولدت حركة «تمرد» نهاية أبريل ليبدأ فصل جديد في حياة المصريين. ■ ■ ■ في يوم 11 مايو.. دعا الفريق أول السيسي نخبة من رجال الفكر والثقافة والإعلام والفن والرياضة، لحضور مراسم «تفتيش حرب» للفرقة التاسعة المدرعة بمنطقة دهشور جنوب غرب الجيزة. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها مدنيون هذا النشاط العسكرى شديد الحساسية. كان يوماً رائعاً.. اختلط فيه مشاهير الفن والرياضة والإعلام برجال القوات المسلحة البواسل وتعالت هتافات «الجيش والشعب إيد واحدة». وفي منصة الاحتفال.. تحدث الفريق أول السيسي للحاضرين، وتبادل معهم الحوارات.. ثم سأله المحامي الكبير القدير رجائي عطية عن نزول الجيش إلى الشارع. وجاء رد السيسي دشاً بارداً على رؤوس من تصوروا أن الجيش يمكن أن ينوب عن الشعب في الثورة، وأن يطيح بالنظام في انقلاب عسكرى. فقد دعا السيسي القوى السياسية إلى إيجاد صيغة تفاهم بينها، وقال إن نزول الجيش (فى انقلاب) سيعيد البلاد 30 أو 40 عاماً إلى الوراء. وعلى مائدة الغداء التي جمعت قادة القوات المسلحة بالحضور.. تنحيت والفريق أول السيسي جانباً، وسألني عن رأيي في كلمته، فقلت له إنها قد تستقبل على غير المقصود منها، فالجماهير قد تتصور أن الجيش تخلى عنها حتى لو نزلت بالملايين إلى الشوارع، والإخوان قد يتصورون أنها ضوء أخضر لهم ليفعلوا ما يريدون وسألته بوضوح: هل كان ذلك مقصدك؟!.. قال: «طبعاً لا.. موقفنا واضح أننا مع إرادة الشعب حيثما ذهبت». وقبل أن يغادر الحضور قاعة الطعام.. ودعهم الفريق أول السيسي بكلمة شكر رقيقة.. ثم قال لهم كلمة كان لها وقع السحر في نفوسهم: «ما تستعجلوش»، وكررها قائلاً: «علشان خاطرى ما تستعجلوش». وبينما كنت أتأهب لمغادرة مكان الاحتفال.. وقفت مع قائد ميداني كبير.. وقلت له: البلد يختنق والناس في حالة إحباط.. ثم استفززته قائلاً: هل ستتركون الناس لو نزلت فريسة لميليشيات الإخوان؟.. فرد علىّ قائلاً: نحن رهن إشارة الشعب.. ثم أمسك خنصره بإبهامه، مشيراً برقم «3».. وقال: 3 أيام فقط في الشارع. ■ ■ ■ تسارعت وتيرة الأحداث في البلاد.. تخطت استمارات حركة تمرد رقم 20 مليون استمارة، وتحدد يوم الأحد 30 يونيو موعداً لنزول جموع الشعب إلى الشارع لإسقاط مرسي. كنت في رحلة علاج بلندن، يوم 23 يونيو عندما أطلق السيسي تصريحه المدوى من مسرح الجلاء للقوات المسلحة، والذى أعطى جميع القوى السياسية، وكان يقصد الرئيس - أولاً وأخيراً - مهلة مدتها 7 أيام للتوافق وإنهاء الأزمة قبل حلول يوم 30 يونيو. وعلمت أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان قد اجتمع في لقاء مصغر، واتفق على هذه المهلة. وشاهدت ليل الأربعاء 26 يونيو خطاب مرسي الذي لم يقدم فيه شيئاً يذكر، سوى استعداء من لم يكن قد استعداهم. عدت إلى القاهرة ليل الخميس 27 يونيو، وعلمت أن خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للإخوان، والدكتور سعد الكتاتني، رئيس حزب الحرية والعدالة، طلبا لقاء السيسي غداة كلمته في مسرح الجلاء.. وتم اللقاء فعلاً يوم الاثنين. تحدث خيرت في البداية بنبرة عتاب على المهلة التي أعطاها السيسي، وتركه السيسي يتكلم لمدة تقترب من الساعة، وكان يجلس مبتسماً، وهو يتابع حديث الشاطر المستفز، مما أثار دهشة أحد معاوني السيسي المقربين ممن يعرفونه حق المعرفة، أخذ الشاطر يحذر من أن جماعة الإخوان لن تستطيع السيطرة على كوادرها ولا كوادر حلفائها من جماعات الإسلام السياسي والجماعات المسلحة الأخرى، فى حالة استمرار توتر الأوضاع، وقد تلجأ لمهاجمة وحدات عسكرية فى سيناء وغيرها، وكان الشاطر يتحدث وهو يحرك سبابته وكأنه يضغط على زناد ويصدر أصواتاً يقلد فيها وقع إطلاق الرصاص! انتهى الشاطر من كلامه، ونظر إليه السيسي قائلاً: «خلصت»، ثم اعتدل في مقعده وجلس متنمراً والشرر ينطلق من عينيه، وصاح فيه: ماذا تريدون؟ اهضموا أولاً ما أكلتموه قبل أن تفكروا في مزيد من الطعام.. لقد خربتم البلد.. وكرهتم الناس في الدين.. أنتم ألد أعداء للدعوة الإسلامية، ولن أسمح بترويع الناس ولا إرهابهم، وأقسم بالله أن من يطلق رصاصته على مواطن أو يقترب من منشأة عسكرية لن يكون مصيره إلا الهلاك هو ومن وراءه. امتقع لون الشاطر وأخذ يتلعثم وهو يحاول تهدئة السيسي.. بينما انكمش الكتاتني في مقعده.. وقال للسيسي: قل لنا ماذا تريد؟ فرد عليه: «ما نريده أعطيناه للرئيس في ثلاثة تقارير تتحدث عن خطورة الأوضاع وعن حلول مقترحة»، ثم أعطى الكتاتني صوراً من هذه التقارير قبل أن يغادر والشاطر مكتبه. في هذا اليوم تحديداً.. كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد اتخذ قراره بالإجماع: إذا نزل عشرات الملايين إلى الشوارع والميادين مطالبين بسقوط الرئيس، فسوف يؤيدهم الجيش، وقال السيسي لهم إنه سيواصل جهوده عساه يقنع الرئيس بمطالب الجماهير وأبرزها إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. في اليوم التالي.. جلس السيسي ساعتين مع مرسي يحاول إقناعه بتقديم حلول في خطابه المنتظر في المساء دون أن يستعدي أحداً عليه، وبدا على مرسي الاقتناع، ووعد السيسي بأن يحتوي خطابه على هذه الحلول والمقترحات. كالعادة.. نكث مرسي بوعوده، وخرج خطابه على النحو الذى رأيناه وسمعناه.  ■ ■ ■ جاء يوم 30 يونيو، وخرج عشرات الملايين في مظاهرات ومسيرات تجوب شوارع وميادين مصر، في مشهد غير مسبوق في التاريخ الإنسانى المعاصر. وانتظر الناس صدور بيان للقوات المسلحة بعد انتهاء مهلة الأيام السبعة، لكن البيان لم يصدر في ذلك اليوم وإنما صدر في اليوم التالى مجدداً المهلة بثمان وأربعين ساعة أخرى، ولعل هذا التجديد يدحض كل المزاعم التي تتقول على ثورة 30 يونيو، وتصف تدخل الجيش استجابة للجماهير بأنه انقلاب عسكري. فلو كانت النية هي الانقلاب لوقع قبل ذلك بشهور، وكانت المناسبات عديدة والفرص متاحة، ولو كان العزم هو الانقلاب ما كانت هناك حاجة لمهلة أولى ولا لزوم، ولو كان القصد هو استغلال الخروج الجماهيري الهائل لإقالة الرئيس، ما أعطيت مهلة ثانية كانت تتيح لمرسي وجماعته إحداث انقسام بين الشعب والجيش، إذا ما وافقوا على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو حتى استفتاء شعبي على رئاسته، ولقلبوا الطاولة على الجميع! وأذكر أن قيادياً بجماعة الإخوان اتصل بي مساء الأول من يوليو بعد صدور بيان المهلة الثانية، وكان في حديثه معي يقلل من حجم الجموع الهائلة التي نزلت الشوارع يوم 30 يونيو، ويرى أن مهلة الثماني والأربعين ساعة مقصود بها القوى السياسية لا الرئيس! وفي يوم إعلان المهلة الثانية.. التقى مرسي مع السيسي، واللواء محمود حجازي، مدير المخابرات الحربية، وحاول استمالتهما قائلاً: «كل اللى انتم عايزينه حاتخدوه!».. فرد عليه القائدان: «لا نريد إلا مصلحة الشعب». تجددت المظاهرات الحاشدة يوم الأربعاء 3 يوليو، وعند الظهيرة.. اتصلت بالدكتور أحمد فهمي، رئيس مجلس الشورى المنحل، الذي عرفت أنه أحد وسطاء اللحظة الأخيرة الثلاثة بين الجيش والرئيس، وسألته عما جرى في لقائه في الصباح مع القيادات العسكرية بمقر إدارة المخابرات الحربية، ورد فعل الرئيس على الوساطة.. وأدركت مما سمعت أن الرئيس لا يعتزم أن يقدم أكثر من إقالة الحكومة وإجراء انتخابات برلمانية! جرت المقادير على نحو ما جرت يوم الثالث من يوليو وما بعده، تولى إدارة شؤون البلاد رئيس المحكمة الدستورية العليا، وتشكلت حكومة جديدة، وبدأت عجلة خارطة الطريق في الدوران باختيار لجنة الخبراء للنظر في تعديل مواد دستور 2012 بينما الشارع المصري تتهدده عمليات إرهابية وجرائم عنف وأعمال ترويع، تغذيها دعوات محرضين ضد الجيش وضد المواطنين وضد الوحدة الوطنية، وخيالات موهومين بإمكان عودة عقارب الساعة إلى الوراء، وإحياء من ماتوا سياسياً بغير أمر الله والشعب. ■ ■ ■ قبل أن يلقي السيسي خطابه في الإسكندرية ويوجه دعوته للشعب بالنزول، التقيته منذ بضعة أيام في مكتبه بمقر الأمانة العامة للقوات المسلحة، ودام اللقاء ساعتين. كان كما عهدته، هادئاً، واثقاً، صافي الذهن، يتحدث عن مستقبل مصر، وهو يرنو أمامه وكأنه يراه ماثلاً مشرقاً، كان السيسي مفعماً بمشاعر وطنية جياشة، إلى حد أن عينيه امتلأتا بالدموع عندما سمع عبارة «شعب مصر الحر العظيم». بدا السيسي صلباً وهو يتمسك بكل عزم وإصرار بأمرين أولهما ألا يترك المواطنين نهباً لترويع، ولا البلاد مسرحاً لإرهاب، والثانى ألا يخوض انتخابات رئاسة الجمهورية بأى حال، مكتفياً بشرف أنه يتولى منصب القائد العام لجيش مصر العظيم، الذي يعتبره منتهى طموحه، وسعيداً بأنه من خلال موقعه يخدم هذا الشعب العظيم بكل إخلاص، ومتمنياً أن يقابل الله حاملاً كتابه بيمينه. وتركت السيسي وهو يقول لي: «إن شاء الله مصر أم الدنيا.. حتبقى قد الدنيا».. وقلت له: «بإذن الله مادام في هذا البلد رجال مخلصون». وغادرت المكان.. وهو يفوح بعطر كرامة يذكرني بالزعيم الاستثنائي جمال عبدالناصر. 

القسم: 

«بلير هاوس»: «طبخة» سلام.. تحت «التسوية»

ثمة رائحة نفاذة لـ«طبخة متبلة» يجرى إنضاجها أو «تسويتها»، كانت تتسلل من تلك الغرفة المربعة فى الطابق الثانى لمبنى «بلير هاوس»، قصر الضيافة الأمريكى، الواقع فى شارع بنسلفانيا بقلب العاصمة واشنطن، ربما لم يتنبه لها بعض الذين أمضوا ساعتين حول طاولة مستطيلة فى الغرفة، جمعت وزير الخارجية جون كيرى واثنين من مساعديه مع أعضاء الوفد الوزارى للجنة متابعة مبادرة السلام العربية.قبل أن ينصرف الحضور بعد أن انفض الاجتماع، وقف كيرى يحادث رئيس الوفد حمد بن جاسم رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطرى، بينما كان وزير الخارجية المصرى محمد كامل عمرو يرقب الحوار ومعه السفير المصرى فى واشنطن محمد توفيق، وعلى مقربة منهم التف عدد من أعضاء الوفد من وزراء الخارجية وممثليهم حول الدكتور نبيل العربى الأمين العام لجامعة الدول العربية.الأحاديث كانت تدور حول نتائج اللقاء، هناك شبه إجماع على أنها إيجابية «للغاية»، وأنها فاقت ما كان مأمولاً.سقف التوقعات قبل الاجتماع كان منخفضاً فى تقدير المراقبين وبعض أعضاء الوفد، منهم من كان يتساءل عن جدوى انعقاده فى ظروف عربية وإقليمية لا تبدو مواتية، ومنهم من كان يتشكك فى قدرته على الخروج بنتائج تقيل عملية السلام من عثرتها التى دامت قرابة 5 سنوات، خاصة أنه - من وجهة نظرهم - لا توجد لدى العرب بضاعة جديدة تغرى بالشراء أمريكياً وإسرائيلياً، ولا يبدو - من وجهة نظرهم أيضاً - أن الأمريكيين مستعدون لإعادة التقليب فى بضاعة العرب القديمة وهى مبادرة السلام العربية التى مضى عليها أكثر من 10 سنوات وطالها الكساد.غير أن ما جرى أثناء الاجتماع من إشارات، وما تلاه من تصريحات صحفية وبيانات رسمية وأيضاً تحركات دبلوماسية، يشى بوجود «طبخة» جرى تداول وصفتها بين رام الله والدوحة وواشنطن وتل أبيب، وكانت تحتاج إلى «غطاء عربى» فوق الإناء ليتسنى تقديمها وتقبل مذاقها!أهم ما توقف عنده أعضاء الوفد العربى خلال اجتماع «بلير هاوس»، هو حرص نائب الرئيس الأمريكى جو بايدن على حضور جانب منه، ليتابع مجريات النقاش لمدة نصف ساعة، ثم الرسالة التى نقلها للجانب العربى وقال فيها: «إننى أعرف كيرى منذ 35 عاماً، نحن صديقان، وكذلك زوجتانا، وإننى أؤكد لكم أنه ملتزم بالتوصل إلى اتفاق سلام خلال توليه منصبه كوزير للخارجية».الدكتور نبيل العربى حينما سمع كلام بايدن، تذكر لقاءه فى القاهرة مع كيرى فى مارس عام 2011، كان هو وزيراً لخارجية مصر، وكان كيرى رئيساً للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. يومها قال له كيرى: «لا تنتظر شيئاً إزاء عملية السلام فى الولاية الأولى لأوباما، لكنى أعدك بأن الولاية الثانية ستشهد إنهاء الصراع». كان كيرى يبدو واثقاً من أن أوباما سيفوز بولاية ثانية، وأنه سيكون حينئذ مسؤولاً عن الدبلوماسية الأمريكية!خلال اجتماع «بلير هاوس».. لفت انتباه الجانب العربى فى كلمة كيرى أمران:- الأول: أنه لم يتحدث عن «إدارة» الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، وإنما تحدث عن إنهائه.- والثانى: أنه تعهد بأن يتم ذلك فى غضون أشهر، وليس خلال سنوات، أى أن يتم التوصل إلى اتفاق سلام بعد مفاوضات مباشرة بين الجانبين فى وقت ما بحلول نهاية العام، وقال إن هذا ليس التزاماً من جانبه فقط، وإنما من جانب الرئيس أوباما فى المقام الأول.أما وفد الجامعة العربية فقد جدد التزامه بمبادرة السلام العربية التى طرحها الملك عبدالله عام 2002 فى قمة بيروت، والتى تقوم على انسحاب كامل من الأراضى العربية المحتلة وفقاً لحدود الرابع من يونيو عام 1967، فى مقابل سلام شامل وعلاقات طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل، وعندما تحدث كيرى مطالباً الجانب العربى بتقديم جديد فى المبادرة العربية يشجع الجانب الإسرائيلى كالبدء فى التطبيع، اصطدم بإصرار أعضاء الوفد على الانسحاب قبل التطبيع.الجديد هو ما ألمح إليه الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوفد العربى فى الاجتماع، وصرح به عقب الاجتماع، وتضمنه البيان المشترك، الذى صدر عن الاجتماع. قال «حمد» إن الجانب العربى يوافق على تبادل أراض محدود بنفس القيمة والمساحة بين إسرائيل والفلسطينيين.البعض من أعضاء الوفد وجد فيما أعلنه رئيس وزراء قطر ليس جديداً، فقد سبق أن ورد فى حزمة «كامب ديفيد - 2» التى أعلنها الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون عام 2000، وسبق أن نوقش فى مفاوضات «أنابوليس» بين الرئيس الفلسطينى محمود عباس ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق إيهود أولمرت فى نوفمبر عام 2007، واصطدم بعقبة إصرار الجانب الفلسطينى على خريطة تتضمن تبادل أراض فى حدود نسبة 1.9٪، وتمسك الجانب الإسرائيلى بخريطة تتضمن مبادلة أراضى مستوطنات كبرى تقع على مساحة 6.9٪ من مساحة الضفة بأراض صحراوية داخل الخط الأخضر.لكن الجديد الذى يعلمه الشيخ حمد ويعرفه كيرى، أن الجامعة العربية لم تعلن تبنيها لمبدأ مبادلة الأراضى إلا فى اجتماع «بلير هاوس»، وأن الموقف الثابت للجامعة كان الانسحاب من جميع الأراضى التى احتلت يوم 5 يونيو 1967.وبالفعل.. فى اليوم التالى، حينما سئل كيرى عن سبب اهتمام الجانب الأمريكى بما أعلنته الجامعة العربية عن تبادل الأراضى، رغم أنه جاء ضمن «حزمة كلينتون» عام 2000، قال بوضوح: «إن ما أعلنه كلينتون جاء على لسانه هو ولم يسبق لجامعة الدول العربية أن أعلنت عنه من قبل».بعد أيام ثلاثة من اجتماع «بلير هاوس»، التقى كيرى فى واشنطن مع تسيبى ليفنى وزيرة العدل فى حكومة نتنياهو والمسؤولة عن ملف التفاوض، التى رحبت بتبنى الجامعة العربية لمبدأ مبادلة الأراضى، واقترحت أن تتم مبادلة مساحة تتراوح ما بين 6 إلى 10٪ من أراضى الضفة الغربية لضم غالبية المستوطنات إلى إسرائيل «!»، بينما أعلن نتنياهو من القدس المحتلة أن «أى اتفاق مع الفلسطينيين لابد أن يحظى بموافقة الشعب الإسرائيلى فى استفتاء عام»!أما على الجانب الفلسطينى.. فقد تراوح رد الفعل، بين ترحيب مبطن من جانب أبومازن وصائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين، ورفض واضح من جانب خالد مشعل رئيس حركة حماس الذى وصف طرح تبادل الأراضى بأنه «مؤذ للقضية الفلسطينية».اليوم وغداً.. يزور كيرى موسكو للقاء الرئيس الروسى بوتين. قضية السلام هى الضلع الثالث فى جدول أعماله الذى يتضمن أيضاً الأزمة السورية وقضية «إيران النووية».يأمل كيرى أن يجمع الفلسطينيين والإسرائيليين مجدداً على مائدة المفاوضات المباشرة، بغض النظر عن اشتراط أبومازن وقف الاستيطان قبل استئناف التفاوض، وربما يعاونه على ذلك الاجتماع التالى له مع وفد الجامعة العربية فى غضون 5 أسابيع أو أقل.عربياً.. تبدو الخطوط الحمراء فى القضية الفلسطينية تتراجع أو أنها تميل إلى الاخضرار.أمريكياً.. تبدو إدارة أوباما عازمة على إنهاء ملفات سوريا وإيران وفلسطين فى هذا العام المضطرب.وإسرائيلياً.. يبدو لى أن نتنياهو تلقى هدية عربية مجانية تتيح له مجالاً جديداً للتفاوض من أجل التفاوض، وإفشال الجهود الأمريكية الرامية إلى إنجاز اتفاق.فما الذى يدعوه إلى التوقيع على اتفاق، من قبل أن يكتمل فراغ استراتيجى فى الشرق الأوسط من سوريا إلى العراق إلى إيران، يأمل هو أن يملأه؟!

القسم: 

متى ينزل الجيش؟

عصر يوم 12 أغسطس الماضى.. عاد المشير طنطاوى والفريق سامى عنان، كلٌ بسيارته الرسمية، إلى مقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، بعد مقابلة صادمة مع الرئيس «مرسى» فى قصر «الاتحادية».هناك، باغتهما الرئيس بقرار إعفائهما من منصبيهما، كقائد عام وكرئيس لأركان حرب القوات المسلحة. كان المبرر الذى ساقه «مرسى» هو «دواعى المصلحة العامة».قبلها بساعات، تلقى المشير طنطاوى فى مكتبه بكوبرى القبة رسالة شفهية نقلت إليه من الرئيس تتضمن طلبين عاجلين.- الأول: تحويل 3 مليارات دولار من ودائع القوات المسلحة بالبنوك المصرية والمخصصة للتسليح إلى البنك المركزى، للإنفاق منها على واردات الوقود والسلع الأساسية.- الثانى: إحالة كل قادة القوات المسلحة المستدعين للخدمة إلى التقاعد.رغم حاجة القوات المسلحة إلى كل دولار، لتحديث نظم التسليح فى أفرعها الرئيسية وتشكيلاتها البرية، لم يكن المشير يمانع فى تحويل المليارات الثلاثة، فلم تبخل القوات المسلحة على الشعب بتحويل ما يوازى 29 مليار جنيه من أرصدتها بالعملة الأجنبية خلال المرحلة الانتقالية لتدبير احتياجات الجماهير.لكن كان المشير يخشى من أن يؤدى سحب هذا المبلغ الضخم من البنوك مرة واحدة إلى انهيارها، لذا طلب من أحد مساعديه دراسة حجم ما يمكن تحويله من أموال دون الإضرار بالبنوك.أما المطلب الثانى، فقد وجده المشير غير مفهوم، خاصة أن الرئيس يشدد على تنفيذه فى اليوم نفسه، دون أن يعى أن هناك قواعد ترتب مواعيد خروج القادة من الخدمة أو التجديد لهم، ومع ذلك كلف مدير شؤون الضباط بإعداد قوائم بأسماء القادة المستدعين للنظر فيها على ضوء الإجراءات المرعية داخل القوات المسلحة.■ ■ ■غادر المشير طنطاوى قصر «الاتحادية» وقد أدرك أن الرئيس كان يتعجل صدور قرار إعفاء هؤلاء القادة ممهوراً بتوقيع المشير، قبل أن يحيله هو والفريق عنان إلى التقاعد فى اليوم نفسه.كان غرض الرئيس ألا يظهر أمام الرأى العام وضباط الجيش فى صورة من يطيح بعدد كبير من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعلى رأسهم المشير والفريق، أو من يسعى إلى تفريغ الجيش من قادة متمرسين يتمتعون بالخبرة دون سبب واضح، وهى صورة قد تكلف صاحبها فواتير غالية لا يقدر على تحملها.حين رجع المشير طنطاوى إلى مبنى وزارة الدفاع، كان خبر الإقالة وتعيين القادة الجدد قد أذيع تواً فى التليفزيون.على السلالم الخارجية للمبنى.. سأل أحد كبار القادة المشير: سيادتك حتعمل إيه؟!.. رأيى إنك تجمع أعضاء المجلس الأعلى وهم موجودون بالداخل، وتحيطهم علماً باللقاء وتفاصيله، وتترك لهم القرار.رفض المشير الاقتراح على الفور دون أى تردد.. وقال لمحدثه:- أنت تعرف أننى لا أريد سلطة ولا أسعى للحكم، ثم إن إجراءً كهذا، سوف يضيّع كل ما تحملناه وضحينا من أجله هباء، وسوف يهز صورة القوات المسلحة.كان المشير محقاً، فلو استجاب لهذا الاقتراح، واستدعى أعضاء المجلس الأعلى للرد على قرارات رئيس الجمهورية، سوف تبدو القوات المسلحة فى وضع تمرد على الشرعية، وهو أمر لا تقبله على نفسها، أو قد يبدو القادة وكأنهم ينقلبون على الرئيس المنتخب، وهو أمر لا يرضاه الشعب.تاريخياً.. كلمة «تمرد» ليست من مفردات العسكرية المصرية.وواقعياً.. كلمة «انقلاب» حذفت من قاموس القوات المسلحة منذ 23 يوليو 1952.ما جرى يوم 28 يناير 2011، لم يكن تمرداً من الجيش على الحاكم، إنما كان نزولاً إلى الشارع بأوامر من القائد الأعلى، تماماً مثلما تم فى انتفاضة الخبز عام 1977، وأحداث الأمن المركزى عام 1986.وما حدث يوم 11 فبراير 2011، لم يكن انقلاباً على رئيس الجمهورية، إنما تسلماً للسلطة بإرادة شعبية، من حاكم خسر شرعيته فى ثورة جماهيرية.وما حصل يوم 30 يونيو 2012 دليل على أن البقاء فى السلطة لم يكن هدف المجلس الأعلى للقوات المسلحة منذ تولى إدارة شؤون البلاد، وبرهان على أن المجلس أوفى بالعهد الذى قطعه على نفسه فى بيانه الثالث فور اضطرار «مبارك» إلى التنحى، بألا يكون بديلاً عن الشرعية التى يرتضيها الشعب، وبالوعد الذى التزم به أمام الجماهير بنقل الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة فى نهاية فترة الانتقال.فى ذلك اليوم.. تسلم الرئيس المنتخب محمد مرسى سلطة الحكم من المجلس الأعلى فى احتفال عسكرى مهيب بالهايكستب، بعد أن أدى اليمين الدستورية فى ثلاث مناسبات، وأقسم بالله العظيم فى كل مرة على احترام الدستور والقانون، لكنه فيما بعد حنث باليمين والقسم غير مرة!■ ■ ■منذ تلك الظهيرة الصيفية الحارة، التى شهدت تنصيب أول رئيس منتخب لمصر، جرت المقادير على غير ما تمنى الكثيرون، وبأسرع مما ظن البعض.تدفقت تحت جسور النيل، وبين شاطئى القناة، مياه غزيرة، وتلاحقت فى السماء غيوم وراء سحب.ذبلت زهور الربيع المصرى قبل الأوان فى صيف مضطرب، وتساقطت أوراقها جافة فى خريف غاضب، وحل شتاء السخط بأنواء عاتية، تنذر بمصير محتوم لسفينة لا يدير دفتها ربانها.الآن.. يلوح الربيع مبكراً فى أذيال الشتاء، تسبقه رياح خماسينية، تغشى الأبصار وتخنق الصدور، وتحبط بقايا أمل فى نفوس كانت تتوق إلى صفو أجواء من بعد طول عواصف.ثمانية أشهر فقط مضت على تولى الرئيس «مرسى» مهامه، خاب فيها مسعاه، وخيب آمال الناس، حتى الذين انتخبوه بات معظمهم يندمون.منذ أول بيان، وأول قرار، وأول اجتماع رسمى.. بدا الرئيس راغباً فى أن يختزل وطناً فى جماعة، وشعباً فى عشيرة، ودولة فى فصيل.ومن أجل جماعته، أهدر استقلال القضاء، وانتهك الدستور، وخرق القانون، وقوّض قواعد الديمقراطية، وأخلف وعوده للمعارضة، وأجهز على الشرطة، وأغضب الجيش.الأخطر أنه غدر بالثورة التى أخرجته من وراء القضبان، وبالشعب الذى جاء به إلى سُدة الحكم، حين استهان بأرواح الناس، فسالت دماء، وسقط شهداء فى شوارع وميادين، وخرجت جماهير يائسة من إصلاح أحوال السياسة والحكم والمعيشة تعلن عصيانها، وبعضها نزل يحمل الأوانى وأرغفة الخبز، فى نذير بثورة جياع محدقة.■ ■ ■سألت أحد العارفين: هل مازلت ترى ضوءاً فى آخر النفق؟!- قال: «الرئيس مرسى معذور.. إنه رهين محبسين: محبس قصر يحاصره فيه أتباع الرجل القوى فى الإخوان، ويحصون عليه أنفاسه.. ومحبس الجماعة التى تصوغ له قراراته وترتب خطواته، ولا يملك أمام مرشدها إلا السمع والطاعة، ثم ألا تعلم أن هناك فى داخل الجماعة من يستكثر عليه ما أصبح فيه، ومن يرى أنه كان الأحق منه بالحكم والسلطة، ويتمنى لمرسى الفشل أكثر مما يتمنى له ألد خصومه؟!.. ساعدوه لكى يخرج من الأسر».سألت آخر أكثر اقتراباً ومعرفة:- «هل يستطيع مرسى أن يتحرر من قيود مكتب الإرشاد؟.. هل يقدر أن يتصرف كرئيس لدولة، لا كمرؤوس لمرشد أو لنائب مرشد؟.. هل يمكن أن يستجيب لنداء الجماهير الرافضة لأخونة الدولة، وأن يعمل مع الناس لبناء دولة المصريين لا دولة الجماعة؟.. هل فى مقدوره أن يرفض الفرمانات الصادرة من «المقطم» بتعيين الأهل والعشيرة فى مناصب مهمة تحتاج لغيرهم من أهل الخبرة والكفاءة.. هل يستطيع أن يكبح طموحاتهم الجامحة فى الهيمنة على القضاء والداخلية والمخابرات والجيش؟!».أجابنى قائلاً: «ليس السؤال: هل يقدر؟! إنما: هل يريد أصلاً؟!.. إنه يقيناً يعلم، لولا عضويته فى الجماعة ما ترشح، ولولا أموالها وأتباعها ما صار رئيساً، ولولا دعمها السياسى والمعنوى وقدرتها على الحشد ما بقى حتى الآن رئيساً. الأهم أنه مازال يؤمن بأن انتماءه للجماعة أبقى من منصبه الزائل، مهما أدارت رأسه أبهة الحكم وأغوته السلطة»!■ ■ ■لا يبدو الرئيس مرسى حريصاً إذن على أن يعطى أذنه للشارع إذا كان الثمن إغضاب الجماعة، رغم أن جماعته لن تتوانى أبداً عن التضحية به، ولن تمانع فى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، إذا أيقنت أن فى استمرار بقائه زوال سلطانها.لا يبدو الرئيس معنياً بدماء تراق وأرواح تزهق يوماً بعد يوم، ولا يبدو مدركاً أن شرعية حكمه تتآكل، بل تتبدد مع كل طلقة رصاص توقع مصاباً أو تسقط شهيداً.هناك من يستمسك بأحبال ذائبة، أملاً فى أن يفيق الرئيس ويفضل شعبه على جماعته، لكنهم كلما أطالوا البصر، لا يلحظون أمارات، ولو كانت مجرد لمعان سراب، تنبئ باحتمال تصحيح مسار على اتجاه يفضى حتماً إلى التهلكة.وثمة نداءات قنوط من انصلاح الحال بدأت خافتة تطالب الجيش بالنزول، ثم أخذت تعلو وتتصاعد يوماً بعد يوم، حتى من أفواه أُناس طالما هتفوا بسقوط «حكم العسكر»!يقينى أن الجيش لن ينزل فى انقلاب، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة لن يعود إلى السلطة مستنسخاً تجربة المرحلة الانتقالية الأولى.لن ينزل الجيش إلا مضطراً، لتلبية نداء واجب وطنى، يمليه عليه التاريخ والمسؤولية والدستور، درءاً لفوضى، وحقناً لدماء، وصوناً لأمن وطن، وحماية لمقدرات شعب، وحفاظاً على تماسك دولة تلين مفاصلها وتتداعى.حينئذ لن يكون الجيش قد حنث - كغيره - بيمين ولاء وقسم.. فالإخلاص لرئيس الجمهورية مرهون بإخلاصه للشعب، ومقرون بتمتعه بشرعية لم تنزعها عنه الجماهير. الطاعة للرئيس القائد الأعلى واجبة، إلا فى معصية الشعب.للمفارقة، فإن المؤسسة العسكرية تعتنق كجماعة الإخوان مبدأ «السمع والطاعة»، غير أن الجيش يسمع صوت جماهير لا جماعة، ويطيع أمر شعب لا قرار مرشد.إذا نزل الجيش مجدداً فلن يعيد حكماً عسكرياً إلى بلد ثار من أجل حكم ديمقراطى ودولة مدنية. لا المؤسسة العسكرية تريد أو ترضى، ولا الشعب يقبل، ولا مصلحة البلاد.الأرجح عندى أن تجرى انتخابات رئاسية مبكرة عن موعدها، وإلى أن يحين أوانها، يتشكل لفترة انتقالية مدتها عامان مجلس رئاسى من خمس أو سبع شخصيات وطنية ذات شعبية وخبرة، تمثل ألوان الطيف السياسى، ومن بينها شخصية عسكرية كبرى تمثل الجيش.. ويكلف هذا المجلس حكومة شابة من الكفاءات لإدارة العمل التنفيذى، على أن ينصبّ تركيز المجلس الرئاسى فى المقام الأول صوب إنقاذ البلاد من أوضاعها الكارثية اقتصادياً وأمنياً، ثم يشرف على تصحيح الانحراف الدستورى والتشريعى الذى فتح أبواب جهنم على مصاريعها.أكاد أرى فيما يرى اليقظان، وهج انفجار لتفاعل متسلسل، يشعل فتائله نظام حكم بائس، كفيف فى رؤاه، عنين فى تفكيره، قعيد عن النهوض بواجباته، أصم لا يسمع أجراس خطر تدق، وهو يندفع بالوطن اندفاعاً على طريق الهلاك.

القسم: 

انقلاب حاصل.. وانقلاب محتمل!

كنت أتمنى لو قرأ الرئيس محمد مرسى الإعلان الدستورى الذى أتاه، قبل أن يذيله بتوقيعه ويختمه بخاتم الجمهورية.كنت أتمنى لو اطلع فعلاً على الإعلانات الدستورية السابقة التى استند إليها فى ديباجة إعلانه الأخير ليكتشف أنه بذلك ينتهك الدستور والقانون، بينما هو أقسم بالله العظيم على احترامهما ثلاث مرات فى ثلاث مناسبات.كنت أتمنى لو استشار أهل العلم والخبرة والسياسة فى شأن الإعلان قبل أن يستخير أهله وعشيرته وإخوانه.كنت أتمنى لو اختلى الرئيس بنفسه وتفكر فى تبعات قراره على البلاد والشعب والثورة، وعلى صورته فى أذهان الناس كرجل يبدو طيب القلب، لا تقدح فى صدق نواياه محدودية رؤية ولا نقص تجربة.لو كان الرئيس مرسى طالع ما وراء السطور وتذكر أنه رئيس منتخب لشعب، لا مجرد عضو فى جماعة، لأحجم عن توقيع الإعلان الذى جىء به إليه، وما استعان بعدها بالذين كتبوه والذين زينوا له توقيعه من جماعته وإخوانه.يستحق الذين أشاروا على الرئيس محمد مرسى بالإعلان الدستورى الأخير أن توجه إليهم تهمة السعى لقلب نظام الحكم.ويستحق الرئيس مرسى، لو عاند وأصر على هذا الإعلان الاستبدادى، أن يتهم بالتحريض على انقلاب عسكرى!على كل حال، الوقت لم يفت، ما بقى فى الرأس بعض من عقل، وفى التفكير بعض من رشد.بوسع الرئيس أن يتدارك الانقلاب الدستورى الذى أقدم عليه حينما أصدر إعلانه غير الدستورى، بمقدوره أن يجنب البلاد كارثة تحدق بها، وأن يقى نفسه مصير الطغاة، لو أنه لم يكابر ولم ينتهج خطى مبارك، وسارع بالظهور عبر شاشات التليفزيون يحادث شعبه كله ـ لا جماعته وإخوانه فحسب ـ ليعترف أمام الجماهير دون مواربة بأنه قد أخطأ، وأنه قرر الرجوع عن خطيئته لأن خير الخطائين من الرؤساء هم التوابون عن ذنوبهم فى حق شعوبهم، وليعلن بكل وضوح أنه ألغى إعلانه الدستورى الذى أجمع على بطلانه الثقات من الفقهاء الدستوريين، ويوجه الدعوة لرموز كل القوى السياسية إلى حوار وطنى من أجل إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع دستور يعبر عن توافق أمة لا عن غلبة تيار، ومن أجل الخروج بالبلاد من مآزقها وما أكثرها!لن يخسر الرئيس مرسى جماعته، إنما سيكسب شعبه، لو استمع إلى صوت الجماهير واستجاب لمطالبها.لكن هل يفعلها ويرجع عن قراره؟!الأرجح عندى، وأرجو من الله أن أكون على خطأ، أنه سيصغى إلى مستشارى الجهالة، الذين تجدهم فى كل عصر، يتحلقون حول الحاكم، محلقين ذقونهم أو مطلقين لحاهم، يسوقون له السوء من الرأى، فيبطلون الحق ويحقون الباطل.وظنى، وليس كل الظن إثماً، أنه سيأخذ بمشورتهم، ظناً منه، وبعض الظن إثم، أن غضبة الشعب على إعلانه الاستبدادى ما هى إلا هوجة حرض عليها الليبراليون واليساريون والناصريون ـ وساء أولئك رفيقاً ـ سرعان ما تخبو وتنفض بذاتها، أو بعصى حشود الجماعة.لو صدق حدسى، فالتنبؤ بالمستقبل لا يحتاج إلى عرافين.أرى انتفاضة ستشتعل، فمصادمات ستقع، فدماء ستراق، فأرواحاً ستزهق، فحريقاً سيندلع، فشرطة ستعجز، ففوضى ستعم، فجيشاً سينزل، فانقلاباً، لا محالة، حادثاً!يا سيادة الرئيس الطيب المنتخب، الذى ظلمه أهله وعشيرته وإخوانه، هل تريد أن تحول ثورة إلى انقلاب؟!دع العناد يا سيدى، وارجع عن قرارك، وخذ العبرة من السالفين.

القسم: 

وما أدراك ما الجيش إذا غضب!

يبدو المشير طنطاوى حزيناً، هكذا أتانى صوته عبر التليفون.ويبدو الفريق سامى عنان عاتباً، كما سمعته وهو يحدثنى فى أكثر من مكالمة.يبدو الجيش غاضباً.قادته ناقمون. ضباطه ثائرون. أفراده فى حالة غليان.يبدو وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسى مستاءً مما يسمع ويرى ويلمس.ويبدو الرئيس محمد مرسى فى حيرة بين واجبات «القائد الأعلى»، وحسابات «رجل السياسة»، وانفلاتات «أعضاء الجماعة».للإنصاف.. يكاد الرئيس فى الأيام الأخيرة يميل إلى النهوض بواجباته كـ«قائد أعلى»، ربما عارفاً أن رئيس الدولة المصرية لا يكون رئيساً بحق إلا حين يمسك بمفاتيح بابها المستغلق وهو القوات المسلحة، وربما مدركاً أن الضغط على المفاتيح بأكثر مما هو لازم قد يحطمها فى مواضعها، فلا يكون لبقاياها لزوم، ولا لمن يمسك بها سلطان.لكن الميول لا تكفى ما لم تتحول إلى خطوات، والنوايا لا تجدى ما لم تُترجم إلى أفعال، والتصريحات لا تقنع ما لم تصبح مواقف.فلا يصح أن يعطى الرئيس إشارة فى اتجاه ونجد ثمة من يغير الدفة إلى اتجاه معاكس!■ ■ ■حزن المشير له ما يبرره، وكذلك عتاب الفريق، فما يكون الاتهام بالقتل والفساد هو جزاء من تصدى للقتلة ولصوص الأوطان، ما هكذا تورد النوق!للحزن والعتاب أسباب أخرى!فالغريب أن تكون تهمة المشير طنطاوى تحديداً فى نظر البعض من دعاة الدولة المدنية، التى لا هى دينية ولا عسكرية، أنه أوفى بعهده للشعب، وسلم السلطة لمن اختارته الجماهير، وأن يكون قبوله والفريق سامى عنان قرار رئيس الجمهورية بإعفائهما من منصبيهما، وتنفيذهما القرار دون مقاومة أو عصيان، مدعاة للسخرية منهما، من جانب البعض الذين كانوا يهتفون حتى وقت قريب بسقوط حكم العسكر، وللمقارنة بين موقفهما وموقف المستشار عبدالمجيد محمود، النائب العام، فى الأزمة الأخيرة.أعرف أن المشير طنطاوى بعد أيام من تركه منصبه سأل أحد معاونيه السابقين:لماذا يا فلان لم يخرج الجيش إلى الشارع رافضاً إقصائى؟!- رد القائد السابق: لأنك يا سيادة المشير استجبت للقرار ولم تأمره بالنزول... ابتسم المشير وقال له: برافو عليك.. هذا هو السبب!ومنذ أيام.. سألت الفريق سامى عنان:لماذا استجبت والمشير طنطاوى لقرار الرئيس فى هدوء، ولم تقولا له مثلاً إنه لا يحق له إلغاء الإعلان الدستورى المكمل، ومن ثم لا يملك تغيير قيادة الجيش؟- رد الفريق بهدوء: نحن نظرنا للمصلحة العليا للبلاد. تخيل ما الذى كان يمكن أن يحدث لو رفضنا القرار، وما الذى كان يمكن أن يحدث لو نزل الجيش إلى الشارع من جديد، نحن تربينا فى مؤسسة وطنية منضبطة، تضع مصلحة البلد فوق أى اعتبارات شخصية.■ ■ ■أما الغضب داخل المؤسسة العسكرية فهو نتاج أقوال وأفعال تراكمت، وأدت برجال القوات المسلحة إلى الشعور بالغبن فى وقت كانوا ينتظرون فيه الإنصاف، وإلى الإحساس بأن الجيش صار مستباحاً لدى البعض، طعناً فى كفاءته القتالية وانتقاصاً من دوره فى حماية الثورة، وتجريحاً فى قادته السابقين، وتشكيكاً فى قادته الجدد!لم يكن رجال الجيش يتوقعون شكراً على واجب حين حملوا بمفردهم هموم أمة وشعب طيلة 16 شهراً كاملة، فى وقت تناحرت فيه قوى سياسية بحثاً عن مصالح حزبية ضيقة، وتكالبت جماعات فئوية سعياً لحقوق أو مكتسبات مالية، ولم يكن رجال الجيش ينتظرون ثناء على أداء مهمة وطنية، هى إدارة انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة، ونقل الحكم بسلاسة ورضا إلى السلطة التى اختارها الشعب. لكنهم لم يتصوروا أبداً أن يكون المقابل هو الإساءة والإهانة من جانب بعض المحسوبين على النخبة السياسية واتهام الجيش الذى حمى الشعب بارتكاب أعمال قتل منظم ضد المتظاهرين، ثم محاولة اختراق القوات المسلحة لبذر الشقاق فى صفوفها عبر الشائعات الممنهجة ومساعى التغرير والاستقطاب من جانب جماعة بعينها.غضب رجال الجيش حين أُقصيت قيادتهم السابقة بإخراج ردىء لا يليق بعطائها من أجل الوطن، لاسيما فى الفترة الانتقالية، وحين صور بعض المحسوبين على جماعة الإخوان الأمر على أنه انتصار لها فى مواجهة جيش ثورة يوليو، لكن رجاله آثروا الصمت، خاصة أن قيادتهم الجديدة مشهود لها بالإخلاص والكفاءة، وأن وزير الدفاع الجديد يعرفهم جيداً ويعرفونه ضابطاً يعتنق الوطنية المصرية انتماء، وأنه على غير ما أشاع أصحاب حملات التشويه أبعد ما يكون عن الانحياز فكراً لتيار بعينه ولجماعة الإخوان تحديداً.لكن الغضب نما وتزايد فى الصدور حينما حلت أول ذكرى لانتصار أكتوبر بعد انتخاب الرئيس محمد مرسى.فلأول مرة تُستبعد القوات المسلحة من تنظيم احتفالها بيومها المجيد، ويُسند التنظيم إلى الرئاسة ومعها وزارة الشباب الإخوانية، وبالتالى خلت مقصورة استاد القاهرة من أبطال حرب أكتوبر، ومن قادة القوات المسلحة السابقين الذين لم توجه لهم الدعوة، ليجد القائد العام للقوات المسلحة نفسه فى يوم عيده جالساً وسط قتلة الرئيس أنور السادات، بطل حرب أكتوبر، بينما رئيس الجمهورية الجديد يجوب مضمار الاستاد بسيارة مكشوفة يتلقى التحية والتهانى من أعضاء الجماعة الذين جِىء بهم من المحافظات ليملأوا المدرجات، وكأنه أتى من ميدان القتال لتوه بعد أن حقق النصر المظفر!■ ■ ■اشتد الغضب، وعربدت الشكوك فى النفوس تجاه النوايا، عندما دُعى وزير الدفاع إلى اجتماع فى رئاسة الجمهورية بدعوى مناقشة موضوع تأمين «مليونية الحساب» التى دعت إليها قوى يسارية وليبرالية الجمعة قبل الماضى، غير أن الاجتماع لم يناقش هذه القضية، وإنما كان موضوعه مؤامرة استبعاد النائب العام، واتضح أن الغرض هو محاولة الزج بالقوات المسلحة والاستقواء بالجيش فى معركة إخضاع القضاء، وذهبت الشكوك بعيداً إلى حد التساؤل عما إذا كان الغرض أيضاً محاولة توريط الجيش فى اعتداءات ميليشيات الإخوان على المتظاهرين فى تلك المليونية التى عُرفت باسم «جمعة الغدر»!على أن الغضب اشتعل بين عشية وضحاها فى صفوف القوات المسلحة، فور نشر خبر مكذوب، أو لعله كان بالونة اختبار لتشويه صورة المشير طنطاوى والفريق عنان، وتهيئة الرأى العام لمحاكمتهما بادعاءات يعرف رجال الجيش أنها كاذبة.كان ذلك فوق طاقة صبر الجيش، وكان تجاوزاً لخط أحمر مرسوم، ليس لأن المشير والفريق محصنان أو أنهما فوق القانون، لكن لأن رجال الجيش يدركون أن القصد من وراء ذلك هو إذلال القوات المسلحة وصولاً إلى إخضاع المؤسسة العسكرية، وإذعانها لهيمنة الجماعة.أظن لهيب الغضب وصل إلى الرئيس محمد مرسى عبر الفريق أول عبدالفتاح السيسى، وأظن «السيسى» أبلغه أن الانفجار لو حدث فلن يكون أحد فى مأمن من شظاياه، ولعل البيان العسكرى الذى صدر لأول مرة باسم قادة وضباط وصف وجنود القوات المسلحة، معبراً عن استيائهم من الإساءة لقادتها السابقين، كان إشارة حمراء تدل على أن الكيل فاض.وأحسب الرئيس مرسى كان حصيفاً وحكيماً حينما تصرف بحق كقائد أعلى، فاتصل بالمشير طنطاوى والفريق عنان، نافياً صحة ما نُشر عنهما، ومعبراً لهما عن تقديره، ثم سارع بإصدار تصريحه الرسمى الذى أكد فيه أنه لا أساس من الصحة لما نُشر، وأن قيادات القوات المسلحة السابقة والحالية موضع احترام الشعب ومحل اعتزاز الوطن لعطائها من أجل مصر.وأحسب أيضاً زيارات الرئيس للجيشين الثالث والثانى وللمنطقة الغربية العسكرية وأحاديثه مع الرجال فى مواقعهم، قد امتصت بعضاً من شحنات الغضب المكبوتة.مع ذلك.. مازال الجيش الذى يخاطب الرئيس مرسى بوصفه قائده الأعلى ينتظر منه خطوات وأفعالاً ومواقف تتسق مع العبارات الطيبة التى تُقال.نحن فى بلد قلق.. فرغنا من صيف انتخابى ساخن، لندلف إلى خريف سياسى غاضب، ونبدو مقبلين على شتاء شعبى عاصف، لعل ذروة أنوائه تواكب الذكرى الثانية للثورة.. ويقينى أن أول ما لا يريده الشعب أن تهان مؤسسته العسكرية، وأول ما لا يرغبه الرئيس أن يغضب الجيش.

القسم: 

الرئيس والمشير.. وصلاة «المُوَدِّع»!

قبل جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة بأربعة أيام، سألت المرشح الرئاسى الدكتور محمد مرسى:لو فزت كيف ستتعامل مع قيادة القوات المسلحة، خاصة أن الرئيس المنتخب لن يكون قائدها الأعلى، إلا بعد إقرار الدستور الجديد؟رد الدكتور مرسى قائلاً: إحنا حنحمرق من أولها!قلت: إذن أنت تفكر فى تغيير قيادة المجلس العسكرى؟أجاب بابتسامة:المجلس الأعلى للقوات المسلحة لابد أن يستشار ويؤخذ رأيه فى شأن وزير الدفاع، لأن لهم قوانين وأعرافا خاصة بهم.بعدها بيومين سألت المرشح الرئاسى الفريق أحمد شفيق:إذا نجحت.. هل من ضمن أولوياتك تجديد شباب قيادة القوات المسلحة؟صمت الفريق قليلاً.. ثم رد بخبث: وهل التجديد أمر غير مستحب؟!■ ■ ■على غير ما يتصور الكثيرون، كان كبار القادة العسكريين يفضلون مرسى على شفيق، فالأول فى ظنهم لن يغير فى تركيبة القيادة على المدى المنظور، أما الثانى فسوف «يدب» أصابعه من أول يوم، بحكم خبرته العسكرية ومعرفته الدقيقة بالقادة الكبار.وأذكر قبل إجراء الجولة الأولى للانتخابات، حينما كانت التوقعات تنحصر بين اسمى عمرو موسى ود. عبدالمنعم أبوالفتوح، أن أحد أبرز القادة قال لى: إن د. محمد مرسى سيكون أحد طرفى جولة الإعادة وفقا للتقديرات الدقيقة التى يتلقاها. وأذكر أيضا أن قائداً أعلى رتبة قال لى بصراحة: «رتبوا أنفسكم على أن مرسى هو الرئيس القادم».. ورددت عليه بنفس الصراحة: «المهم.. هل رتبتم أنتم أنفسكم؟!».. لكنه لم يجب!يقينا.. أعلم أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يتدخل فى أحكام المحكمة الدستورية العليا ولو بالتلميح. وحينما طلب أحد القادة العسكريين من المشير حسين طنطاوى أن يرسل ولو إشارة إلى المحكمة لتوجيه حكمها بشأن العزل السياسى ومن ثم إعادة انتخابات الرئاسة، رد المشير غاضباً: «هذا يتنافى مع شرفى الوطنى والعسكرى».أعلم يقينا- أيضا- أن أحداً من أعضاء المجلس الأعلى لم يكن يعرف اسم المرشح الفائز فى جولة الإعادة قبل أن ينطق به المستشار فاروق سلطان رئيس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، بل إن المشير طنطاوى ونائبه الفريق سامى عنان تلقيا النبأ عبر شاشة التليفزيون فى مقر وزارة الدفاع.ولست أعتقد فى صحة ما تردد كثيراً عن وجود صفقة بين الإخوان والمجلس العسكرى توجت بإعلان فوز د. محمد مرسى، وإقصاء الفريق أحمد شفيق، غير أنى لا أستطيع أن أتجاهل شواهد لاحظتها وعلمت بها تقول إن هناك من بين أعضاء المجلس العسكرى من أقام لنفسه ولحسابه الشخصى قناة اتصال أو جسراً أو «أوتوستراد» مع قيادات الجماعة سعيا لمكان أو مكانة أو حصانة فى دولة «المرشد» القادمة لا محالة!■ ■ ■على كل حال.. فاز مرسى بالرئاسة، وسط منغصات كادت تطغى على فرحته كإنسان كان قبلها بخمسة عشر شهراً رهن الاعتقال فى سجون مبارك، ثم شاء القدر أن يجلس على كرسيه وأن يقبع سجانه وراء القضبان!كان مرسى يشعر بأن المشير طنطاوى تحديداً قطع عليه الطريق وقصقص صلاحياته كرئيس للجمهورية عندما أصدر الإعلان الدستورى المكمل قبيل إجراء جولة الإعادة، والذى يعطى للمجلس العسكرى سلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة ويعيد إليه سلطة التشريع بعد حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، ويمنح المجلس الأعلى حق «الفيتو» على قرارات الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع الدستور. والأهم أن الإعلان المكمل كان يفرض على الرئيس المنتخب أن يؤدى اليمين أمام المحكمة الدستورية، على غير هواه، وعلى غير رغبة الجماعة التى كانت ترى فى هذا اعترافا بحكم حل مجلس الشعب!■ ■ ■انتهت أزمة أداء اليمين الدستورية، وذهب مرسى إلى قاعدة «الهايكستب» العسكرية، ليتسلم السلطة رسميا من المشير طنطاوى يوم 30 يونيو الماضى، ورغم أن المشير تحاشى أن يؤدى التحية العسكرية للرئيس الجديد كما ينبغى، وبدا عليه عدم الراحة حينما خاطب الرئيس مرسى القادة قائلاً: «إننى أطلب منكم ولا أقول آمركم».. إلا أن العد التنازلى لإقصائه من قيادة القوات المسلحة بدأ فعلا منذ هذا اليوم، حينما غلبه تردده ولم يعلن ترجله أو اعتزاله فى هذه المناسبة وهو فى ذروة سلطته كحاكم للبلاد على مدار أكثر من 16 شهراً، وآثر أن يستمع إلى أولئك الذين دعوه للبقاء فى منصبه شهوراً أخرى يعيد فيها ترتيب أوضاع القوات المسلحة، ويختار خليفته وهيئة القيادة العليا.سقط قادة المجلس العسكرى فى براثن فكرة سيطرت عليهم وتحولت إلى واحدة من المسلمات، وهى أن مرسى لن يستطيع إلغاء الإعلان العسكرى المكمل، ولن يستطيع أن يمارس دور القائد الأعلى للقوات المسلحة إلا بعد إقرار الدستور الجديد، وحتى لو أراد بعدها فلن يقدر على تغيير القيادة العسكرية إلا بطلب من رأس القيادة وبرغبة منه مصحوبة بقائمة تعيينات القادة الجدد.للحق.. كانت قلة من القيادات العليا بالقوات المسلحة تقرأ وقائع ما سيحدث، وأسدت النصح للمشير طنطاوى بالاعتزال فى الأسابيع الأولى من شهر يوليو حتى يضمن خروجاً مشرفا له واختيار خليفته قبل الخروج، وكان هؤلاء يعون درس الرئيس السادات فى 15 مايو 1971، وهو أن أدوات القوة مهما بلغ عنفوانها أضعف كثيراً من شرعية منصب الرئيس.■ ■ ■بعد توليه منصبه بخمسة أيام حضر الرئيس مرسى احتفالى الكلية البحرية وكلية الدفاع الجوى بتخريج دفعتين جديدتين، وإذا كنت- ومعى غيرى من الحضور- قد لاحظت تلكؤ بعض القادة فى أداء التحية العسكرية للرئيس وفتور الترحيب به، فلابد أن الرئيس لاحظ وامتعض.بعدها بثلاثة أيام.. أصدر الرئيس مرسى قراره المفاجئ بإلغاء قرار المشير طنطاوى بنفاذ حكم المحكمة الدستورية العليا الخاص بحل مجلس الشعب. أثار القرار غضبا واسعا فى الشارع المصرى وفى صفوف القيادة العسكرية، لدرجة أن المشير طنطاوى حاول أن يثنى الرئيس عن حضور احتفالى المعهد الفنى والكلية الفنية العسكرية صباح اليوم التالى، وقال له: «أنصحك بعدم الحضور لأن الناس عندنا محتقنة»، ورد عليه الرئيس قائلاً: «برضه سأحضر!»كان استقبال الرئيس فى الاحتفالين شديد الفتور، ولم يكن صعبا أن تسمع قرب مكان جلوسه فى المنصة، عبارات غاضبة من القادة تقدح فى أهليته لشغل منصبه!أكمل الرئيس مرسى حضور باقى احتفالات التخريج فى الكلية الجوية ثم الكلية الحربية يوم 17 يوليو.حل شهر رمضان.. والتقى الرئيس مرسى بقادة القوات المسلحة على مأدبة إفطار يوم 29 يوليو، وكانت أهم ملاحظة أبداها الرئيس لكبار القادة هى أنهم حرصوا على خلع «كاباتهم» حتى لا يؤدوا له التحية العسكرية.كانت إشارة الرئيس تعكس استياءه من عدم معاملته كقائد أعلى للقوات المسلحة، رغم أن الإعلان الدستورى وكذلك الإعلان المكمل لا يعطيان رئيس الجمهورية هذه الصلاحية. وبدا واضحا أنه منشغل بهذه القضية أكثر من سواها، وربما كان هناك من يغذى فى نفس الرئيس استعجال تولى مهام القائد الأعلى، من قبل أن يوضع نص فى الدستور يكفل له هذه السلطة المتعارف على أنها من اختصاص رأس الدولة!بعد حفل الإفطار بأسبوع.. وقع حادث رفح.كان الحادث فرصة ذهبية لجماعة «الإخوان المسلمين» للكيد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإظهاره أمام الشعب فى صورة من تهاون فى أداء أهم مسؤولياته وهى الاستعداد القتالى، من فرط انشغاله بمسؤولية ليست من اختصاصه وهى الحياة السياسية.ولست أشك فى أن الرئيس مرسى قد تألم أشد الألم لحادث رفح المأساوى، لكن لا تراودنى أى ظنون فى أنه تلقف الحادث لضرب ضربته التى كان يتحينها بالأسلوب الساداتى!فى الأيام الثلاثة التالية لحادث رفح، تتابعت عدة إشارات حمراء تنذر بأن قطار مرسى قادم لا يلوى على شىء، لكن من كان يسمع ومن كان يرى؟!على التوالى.. أعفى مرسى اللواء مراد موافى من منصبه كرئيس للمخابرات العامة يوم 8 أغسطس بحجة أنه أدلى بتصريح يبرئ فيه ساحة المخابرات من المسؤولية عن حادث رفح ويلقى باللائمة على القوات المسلحة والرئاسة، وقيل يومئذ إن الإعفاء كان بطلب من المشير طنطاوى، غير أن ذلك بعيد تماماً عن الصحة، والحقيقة أن مرسى كان يعتزم مبكراً عزل موافى من منصبه لحرمان قادة المجلس العسكرى من أى معلومات تكشف نواياه، بدليل أنه حذف اسمه قبل حادث رفح بأسبوع من قائمة أعضاء الوفد الرسمى الذى سيرافقه إلى الصين، وحين علم موافى بذلك أدرك أن إعفاءه من منصبه مسألة وقت.ثم استغل مرسى عدم تأمين كبار المسؤولين فى جنازة شهداء رفح بالصورة الواجبة، ونصيحة اللواء نجيب عبدالسلام قائد الحرس الجمهورى له بعدم الذهاب إلى الجنازة، ليعزل قائد الحرس ويطلب من المشير عزل اللواء حمدى بدين مدير الشرطة العسكرية، وكان هدف الرئيس هو تأمين نفسه بتعيين قائد حرس جمهورى جديد غير الذى انصاع لأوامر المشير طنطاوى فى ذروة أيام الثورة، وفتح الطريق نحو إقصاء مبارك، وإبعاد اللواء بدين عن الشرطة العسكرية التى قد تعرقل خطوته القادمة فى إقصاء القيادة العليا للقوات المسلحة.قلة محدودة من الناس تنبهت إلى لقاءات ثلاثة عقدها الرئيس مرسى فى تلك الأيام مع وزير الدولة للإنتاج الحربى ورئيس هيئة قناة السويس ورئيس الهيئة العربية للتصنيع، وعدد أقل أدرك أن الرئيس يرتب لتعيين قادة الأفرع الرئيسية الثلاثة فى تلك المناصب بعد إخراجهم من مواقعهم العسكرية، فقد بدا أن الفريق مهاب مميش قائد القوات البحرية سيعين لهيئة قناة السويس، وأن الفريق عبدالعزيز سيف الدين قائد الدفاع الجوى والفريق رضا حافظ قائد القوات الجوية سيعينان للمنصبين الآخرين.■ ■ ■فى اليوم التالى لعزل موافى وبدين وقائد الحرس الجمهورى، انعقد المجلس الأعلى «المصغر» للقوات المسلحة، وطلب بعض القادة تقديم استقالة جماعية إلى رئيس الجمهورية، وجرى التصويت على الاقتراح، لكنه لم ينل إلا موافقة 4 أعضاء، بينما اعترض عليه 13 عضواً، وصرخ أحد الأعضاء فى المعترضين قائلاً: نخرج بكرامتنا بدل أن يخرجونا.واستدعى المشير طنطاوى إلى مقر الرئاسة للقاء الرئيس مرسى للتباحث معه فى تداعيات حادث رفح، وتقرر أن يقوم الرئيس بزيارة موقع الأحداث فى رفح.بالفعل.. ذهب الرئيس مرسى إلى رفح بعد صلاة الجمعة يرافقه المشير طنطاوى والفريق سامى عنان واللواء عبدالفتاح السيسى مدير المخابرات الحربية واللواء أحمد وصفى قائد الجيش الثانى الميدانى.أثار انتباه من تابع الزيارة أمران.. أولهما حرص الرئيس وهو مدنى على أن يقول للضباط إنه جاء إلى رفح لكى «يقودهم»، والثانى تعليقات المشير طنطاوى غير المكترثة بما يقوله الرئيس!فى نفس الليلة.. التقى الرئيس مرسى بعد عودته من رفح فى قصر الاتحادية مع أعضاء المجلس العسكرى المصغر، وفى الصالون الملحق بقاعة الاجتماع، مال أحد كبار القادة على أذن المشير طنطاوى وقال له:- «امشى ومعاك عنان وقادة الأفرع الثلاثة، وهات السيسى وزيرا للدفاع. صدقنى هذا هو أسلم حل».لكن المشير لم يعلق.بعد 36 ساعة من الاجتماع.. كان المجلس العسكرى «المصغر» منعقدا فى مقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وكان المشير يتحدث عن موارد القوات المسلحة وبعض شؤونها، ثم اعتذر عن عدم إكمال الاجتماع وترك رئاسته للفريق سامى عنان، واصطحب معه اللواء محمود نصر مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية للقاء مرتب مع الرئيس فى الساعة الثانية ظهراً.ذهب طنطاوى ونصر إلى صالون الرئيس، وتحدث معهما عن أرصدة القوات المسلحة، وكان يريد حوالى 1.5 مليار دولار غير 1.7 مليار دولار سبق أن استقطعت من الأرصدة للوفاء ببعض مستلزمات الدولة. شرح اللواء محمود نصر للرئيس التزامات القوات المسلحة المالية، وأن أرصدتها لا تكاد تكفى خطة تطوير التسليح الضرورية للحفاظ على كفاءة القوات المسلحة.أثناء اللقاء أرسل الرئيس فى استدعاء الفريق سامى عنان، وجاء عنان وكان المستشار محمود مكى قد انضم إلى اللقاء. استأذن مرسى من الحاضرين، وخرج إلى قاعة مجاورة، وفيها كان ينتظره اللواء عبدالفتاح السيسى مدير المخابرات الحربية الذى وصل إلى مقر الرئاسة بعد إبلاغه باستدعاء الرئيس له للحضور.قبل أن يقابل الرئيس مرسى اللواء السيسى، كان عدد من المسؤولين قد أبلغوا السيسى أنه سيؤدى اليمين وزيراً للدفاع، وسألهم: هل يعرف المشير؟!..أجابوه: نعم وهو الذى رشحك.وأدى السيسى اليمين أمام مرسى وهو يرتدى على كتفيه رتبة اللواء. فقد جاء دون أن يعلم أنه سيعين وزيراً أو أنه قد رُقّى إلى رتبة الفريق أول.بعد مراسم اليمين.. عاد الرئيس إلى الصالون، وقال للمشير طنطاوى والفريق سامى عنان، إنه عين السيسى وزيراً للدفاع، وأنه قرر تعيينهما مستشارين له، ومنح طنطاوى قلادة النيل العظمى وعنان قلادة الجمهورية، فقال له المشير طنطاوى:- لكن الإعلان الدستورى المكمل لا يعطيك حق تعيين قادة القوات المسلحة.رد الرئيس قائلاً:الإعلان المكمل لغيته.وعندما طلب اللواء محمود نصر إعفاءه من الاستمرار فى الخدمة.. قال له الرئيس: نحن نحتاج إليك فى هذه المرحلة.تلقى المشير طنطاوى والفريق عنان القرار بهدوء.كان العصر قد حل، ودعاهما الرئيس مرسى إلى أداء الفرض، وأمّهما فى الصلاة، وكان معهما المستشار محمود مكى واللواء محمود نصر.وتصافح المصلون داعين الله أن يتقبل من كل منهم صلاته!خرج المشير طنطاوى والفريق سامى عنان من قصر الاتحادية إلى مقر وزارة الدفاع، وأثناء خروجهما شاهدا د. ياسر على المتحدث الرسمى على شاشة التليفزيون يعلن قرارات رئيس الجمهورية.عندما وصل المشير طنطاوى إلى مكتب وزير الدفاع، كان الفريق أول عبدالفتاح السيسى قد سبقه فى القدوم من مقر الرئاسة، معتقداً أن المشير هو الذى سبقه.شكر «السيسى» طنطاوى، وقال له: لم أكن لأؤدى اليمين، لولا عرفت أنك قد رشحتنى.رد المشير قائلاً: لم أكن أعرف.على الفور قال السيسى بإخلاص: «لو سيادتك غير راض لن أستمر».ــ وبهدوء رد عليه المشير: مش حنلاقى حد أحسن منك يا عبدالفتاح.. إنت عارف إنك بمثابة ابنى.■ ■ ■لم يكن اختيار اللواء عبدالفتاح السيسى مدير المخابرات الحربية وزيرا للدفاع، مفاجئاً لأحد من القادة أو الضباط ذوى الرتب الصغرى، أو لأحد من النخبة السياسية والفكرية التى التقته فى مناسبات مختلفة منذ الأيام الأولى لتولى المجلس العسكرى شؤون إدارة البلاد، وشد انتباهها بهدوئه وثقافته وتفكيره الاستراتيجى المرتب. كان الجميع يدرك أن هذا الجنرال الشاب هو الرجل القادم إلى رأس أقدم مؤسسة عسكرية فى التاريخ.ولم يكن اختيار الفريق صدقى صبحى، قائد الجيش الثالث، رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة أيضا مفاجئا لأحد من القادة أو الضباط، وكنت ممن يظنون أنه ثانى اثنين سيتقلدان مسؤولية الجيش المصرى بعد تسليمه سلطة الحكم إلى الرئيس الجديد.اعتقادى أن الرئيس مرسى قد اختار توقيت إقصاء المشير طنطاوى والفريق سامى عنان، لكنه لم ينفرد باختيار وزير الدفاع ورئيس الأركان الجديد، وظنى أن هناك من شعر أن الرئيس يريد إبعاد رجلى السلطة الانتقالية القويين، فنقل إليه رغبة رجال القوات المسلحة فى أن يكون السيسى وصبحى هما الخَلَفين.■ ■ ■الآن.. أصبح الرئيس محمد مرسى بحكم الواقع- لا القانون- قائداً أعلى للقوات المسلحة، وزالت ازدواجية السلطة التى كانت تنغص عليه فرحته بالمنصب وتقلل من شأن مقامه كرأس للدولة.انتهى الفصل قبل الأخير فى علاقة الرئيس بالمؤسسة العسكرية، وبدأ فصل جديد أرجو أن تبتعد فيه العلاقة عن مناخ الشك وأجواء الصدام، والرهان عليها رابح إذا اقترب الرئيس من الجيش وابتعد عن الجماعة، وتخلى عن تبنى ميراثها الثأرى مع القوات المسلحة.. إذا حرص على نقاء عقيدة القوات المسلحة كجيش وطنى لا يعتنق الحزبية، وتصدى لأفكار تريد أن تزرع فى الدستور نصا مدمراً يحظر التمييز فى الالتحاق بالقوات المسلحة على أساس حزبى.. إذا وقف فى خندق جيشه يدفع معه من يحاولون بذر الشقاق فى صفوفه بغرض تطويعه وأدلجته، أو يريدون شغله عن مهامه السامية وجره إلى حرب استنزاف مع جماعات الإرهاب فى أقدس بقعة مصرية.. إذا تصرف على أنه قائد لفريق وليس مجرد لاعب فى جماعة.هل بدأنا فصلاً جديداً مختلفا، أم أننا ندلف إلى نفق أشد إظلاماً؟!

القسم: